العنوان المجتمع الثقافي: العدد 1681
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 17-ديسمبر-2005
مشاهدات 70
نشر في العدد 1681
نشر في الصفحة 46
السبت 17-ديسمبر-2005
«ثقافة» البلطجة
توجان فيصل «*»
«*» كاتبة أردنية
الكلمة الرئيسة الغالبة على وصف ما يجري في مراكز الاقتراع للانتخابات النيابية المصرية هي البلطجة وكون هذا التعبير مألوفًا جدًا في العالم العربي أدى لأن تقبل الكلمة دون توقف عند تعريفها مع أنها دخلت الآن القاموس السياسي المصري اليومي.
«البلطجة»، هي محاولة لتثبيت سلطة ومنافع ذاتية غير مشروعة باستعمال العنف. ومن الضروري وضع تعريف علمي محايد الكلمة أصبحت جزءًا من قاموسنا السياسي العربي والعالمي وليس المصري وحسب كما سنثبت هنا تعريف البلطجة.
وبداية أتقدم بهذا التعريف للبلطجة المبني على ما تيسر لي من اطلاع ودراسة للظاهرة وهي أنها محاولة لتثبيت سلطة ومنافع ذاتية غير مشروعة باستعمال العنف ضد البعض بما يحقق إرهاب عامة الناس نفسيًا وفكريًا ويؤمن خضوعهم لإرادة البلطجية دون نقاش «كلمة بلطجة في اللهجة المصرية مشتقة من البلطة وهي آلة حادة تشبه الفأس يتم تقطيع الأشجار بها.. والبلطجي مشتقة منها».
فظاهرة البلطجة. كما نراها في الشارع التي يريد البعض استمرار ربطها به وحده. تبدأ بفرد يفرض نفوذه بالقوة والإرهاب على محيطه وهي ظاهرة اجتماعية معروفة عالميًا خاصة بين المراهقين والشبان وفي اللغة الإنجليزية الدارجة يسمى البولي Bully ومنها تستمد في الإنجليزية صيغة فعل البلطجة لتعمم على كافة الأفعال ذات الطابع نفسه والنهج دون قصرها على بلطجية الشوارع والأزقة.
ولكن كما يتطور كل نشاط بشري تثبت جدواه فإن بعض أشكال البلطجة الفردية تطورت لتصبح تنظيمات يترأسها بلطجي يثبت نفسه بداية بالقوة والجرأة على الممنوع والمحرم بالذات وينصب نفسه بالتالي على أتباع يمارسون البلطجة نيابة عنه. ومع ما يستتبعه هذا من مركز مميز للبلطجي الأول تطورت ألقابه لتدخل في قدر من التكريم يبعدها قليلًا عن لقب «البلطجي» أو الأزعر، «الرديف السوري للبلطجي» ليصبح الفتوة باللهجة المصرية والأبضاي باللهجة السورية.
تطور البلطجة
وعلى نطاق أوسع ومع تطور المجتمعات تكنولوجيًا وتنوع الأنشطة الاقتصادية تعقدت مستلزمات التسلط على تلك الأنشطة من مجرد فرض إتاوات إلى التهريب والاحتكار وغيرها من وسائل الفساد الحديثة وطرًا تغير أيضًا على مقومات القوة الشخصية اللازمة للبلطجي المعاصر إذ انتقل الثقل من القوة الجسدية والقدرة على النزال العضلي إلى القدرة على استعمال السلاح الأبيض «الذي يجمع القوة الجسدية إلى المهارة الجسدية» إلى السلاح الناري الذي يقتصر على المهارة الجسدية دون حاجة للقوة إلى مجموع قوة الأتباع المسلحين إلى قوة المال التي تشتري هؤلاء الأتباع وتسلحهم حيث لا تلزم معه أية قوة جسدية حقيقية للبلطجي وإن بقيت الجرأة على المحرم مطلبًا ثابتًا.
وهكذا نشأت المافيا المنظمة وانتقلت ألقاب قياداتها إلى «الكبير»، أو «العراب» أو «الزعيم» وأصبحت تورث كمؤسسة عائلية بعد أن كانت تنافسية تؤول للأقوى ممن تبقى ثم أصبحت قيادة المافيا أو البلطجة تتطلب قدرة على تسهيل مهمة التنظيم عبر ما يسمى «بالعلاقات بالإنجليزية» يسمى واصل باللهجة السورية وهي علاقات مع متنفذين سياسيين أدت بالتدريج لدخول المافيات مباشرة للسياسة للسيطرة على منابع القرار المالي والاقتصادي بدلًا من تصيده. وأصبح بعض رجال المافيا الجديدة رجال دولة يحملون تشكيلة من الألقاب المبجلة وحتى المحصنة.
ومنذ البداية لم تكن أساليب البلطجي لتحقيق نفوذه تهدف للتصفية الجسدية إلا حيث تلزم كنوع من أنواع القسوة التي تلقن درس الطاعة. ويمكن استبدال القسوة المادية بالإهانة أو الجمع بينهما. فالبلطجي ليس محاربًا يريد تدمير خصمه والحلول محله بل هو طفيلي يريد للمجموعة المستهدفة أن تبقى سليمة بما يكفل استمرار إنتاجها الذي يستولي البلطجي على جله بأن يفرض نفسه زعيمًا مطلقًا على المجموعة. ولأن قيادات الجموع المفروزة طبيعيًا وباستحقاق تتميز بالهيبة والكرامة فإن تعمد انتقاء القياديين كضحية لتلقين الدرس للآخرين يتضمن إهانة بقدر أو بآخر لهذه القيادات لإسقاط قيم القيادة السائدة التي لا يستطيع البلطجي المنافسة ضمنها.
البلطجة والفروسية
وعكس هذا نجده في تاريخ «الفروسية» رغم ما واكبها من استيلاء على السلطة وصولًا للسلطة السياسية بالقوة أيضًا. فالمحارب «الفارس» «وهي ترد هنا كصفة وليس بمعنى النزال من على ظهر فرس في كافة الأمم يظهر احترامًا لخصومه ينطلق من احترامه هو لنفسه كونه لا يليق به أن يخاصم من هو أقل قدرًا ولا أن يخضع تلك الطبقة من القيادة النخبوية التي يشعر أنه ينتمي إليها إلى أي إذلال يمس الطبقة ذاتها.
وهذا يوضح لماذا كان شعراء الفخر العرب من الفرسان يمدحون خصومهم قبل أن يرووا كيف انتصروا عليهم في النزال وكيف أن قادة متحاربين أوقفوا القتال في انتظار أن يتعافى قائد الخصم من إصابة نزلت به. أو ألا يقتل الفارس خصمه في فرصة غير متكافئة سنحت بل أن يتحداه في نزال علني متكافئ الفرص يحدد موعده، وحضوره الذين هم شهود على جدارة الفوز، وأنه لم تشبه أي خسة.
وهذه مقارنة تاريخية مهمة لأن البلطجة - كما عرضناها وشرحناها. حالة سياسية، نمطية متكررة ولكنها ليست رديف الدكتاتورية أو حكم القوة بالضرورة بل هي رديف حكم المال الفاسد ولأجل المال تقبل السلطة وترخص السلطة ويرخص صاحبها أمام المال إن لزم ولكنها. أي البلطجة. في العصر الحديث تتداخل أكثر مع الدكتاتوريات كون الفروسية التي تهدد أي حكم غير شرعي انتقلت من ميادين القتال إلى صناديق الانتخاب. ولكن حتى هذه يتخلى عن مناصبها فرسان الديمقراطية إن شعروا أن البقاء فيهايمثل نزولًا عن صهوة الجواد. لا يختلف توظيف «البلطجية عن تجنيد المرتزقة لقمع الشعوب محليًا أو دوليًا.
وفهم البلطجة، كما نقيضها الفروسية بهذا الإطار السياسي ليس من ابتداعنا بل سبقنا إليه كتاب وفنانون في أكثر من حقل ودونما حاجة لسرد أسماء كبار الكتاب العالميين تذكر هنا بأن الكتاب والمخرجين المصريين درسوا ظاهرة «البلطجة في مصر ذاتها كظاهرة سياسية وفي مقدمتهم نجيب محفوظ وبالذات في روايته الحرافيش التي تحولت إلى مسلسل إلى جانب العديد من المسلسلات والأفلام الأخرى لمبدعين آخرين.
ضمن هذا الفهم وهذا التعريف للبلطجة قد يقبل الوصول للحكم في العالم العربي عبر وسائل غير مشروعة ديمقراطيًا في عصرنا هذا كون الوصول ديمقراطيًا شبه مستحيل باعتباره ثورة وطنية تحركها قيم الفروسية ولكن البقاء فيه بالقمع يصبح بلطجة.
ولا يختلف توظيف «فتوات» عن تجنيد المرتزقة لقمع الشعوب محليًا أو دوليًا بإرسالهم الحروب «استباقية» تلحقها شركات الحكام إلى المناطق «المحررة». فكله استزلام ببلطجية مقابل لقمة عيش هؤلاء أو بالترغيب بامتيازات ومنافع أكثر تجند مرتزقة وبلطجية أكبر وكلها مدفوعة من أموال تحصل «إتاوة» من الشعوب ومثله الاستقواء على الشعوب بعناصر الأمن والمخابرات وحتى الجيوش التي تتحول لحاميات شخصية أو بالمحاكم الاستثنائية والعسكرية أو بالقوانين التي تمرر من مجالس تشريعية لا تمثل الشعب أو حتى القوانين المؤقتة أو قوانين الطوارئ التي تقوم دونما طارئ أو تدوم سنوات وعقودًا بعد زوال هذا الطارئ والمراسيم التي تصدر دون سند حيث تغيب السلطة آية مرجعية ولو شكلية غير إرادتها المنفردة .
ومثله الاستيلاء على المال العام بالعطاءات والتلزيمات للحكام وأقربائهم.. ومثله الاستزلام بالأقلام الرخيصة المشتراة التي تهين نفسها بنفسها يوميًا على الملأ.. ومثله قصف محطات الإعلام التي تحترم نفسها على رؤوس من فيها أو خطف صحفي قيادي وضربه وتعريته، والشروع في تعرية صحفية تتظاهر لأجل الديمقراطية وإرهاب الناخبين وتكسير الصناديق ومراكز الاقتراع والدوس على كل مظاهر ورموز الديمقراطية والشرعية ثم الزعم. أم هل هو اعتراف ضمني يوصل الرسالة، بأن من فعلوا هذا هم بلطجية.
شعر فيصل بن محمد الحجي
واحة الشعر
العملاق في النفق
الصحوة الثانية
طأطئ جبينك.. فالمخاطر تحدق *** والسقف منخفض.. ودربك ضيق
طاطئ جبينك إن أردت سلامة *** فالموج سيل جارف يتدفق
سر راكعًا محدودبًا مستسلمًا *** إن لم تجاملهم فلن يترفقوا
واعرف عن الماضي الذي ولى *** وهل يغتر بالأيام إلا الأحمق؟
أيام عزك قد مضت لما بدت *** في الأفق رايات الضلالة تخفق
وتبدلت قيم الرجال.. فشامخ *** في الأسفلين.. وذو الدناءة يسمق
انظر إلى القزم الضئيل.. وطالما *** كان الضئيل بذيلنا يتعلق!
انظر إليه شامخًا.. وكأنما *** قد أن للأقزام أن يتعملقوا!!
سوق الخيانة رائج.. ونقيضه *** سوق الأمانة من كساد مغلق
وعيونهم ترنو إليك.. كأنهم *** عرفوك.. إنك بالتطرف معرق
لا.. لا تقل إني بريء.. إنما *** نال البراءة من جنوا وتملقوا
من راح يطرح فكرة هدامة *** متحديًا قرآننا.. ويلفقُ
من يمتطي قلمًا رخيصًا.. طامسًا *** نور الحقيقة.. لاهثًا.. يسترزقُ
لا.. لا تقل إني بريء عندنا *** ألفا دليل باتهامك تنطق
أنسيت أنك قد دعوت لـ صحوة *** دعت الصليب بغيظه يتمزق؟
وزرعت في الأجيال غرسة عزة *** فغدت فسائلها تطول وتورق؟
نبهت أهل الحق ألا يسكتوا *** إن نابهم ضيم.. وألا يقلقوا؟
وتجيء تصطنع البراءة.. هكذا.*** وكأننا بسهولة سنصدق!!
فإذا أردت براءة وسلامة *** فاغسل دماغك من معان تلصق
دع عنك أوهام الكرامة والعلا *** إنا بمقدار المذلة نرزق
هذي سياسة عصرنا.. وبنهجها *** روادنا قد أرغموا وتعلقوا
قد أضمروا للروم طاعة خادم *** ما قال: لا.. من قال: لا، فسيخنق
جبنوا عن الجلي.. وأطمع خصمنا *** إحجامهم وتخلف وتفرق
هذا ظلام الغرب خيم فوقنا *** فالشمس قد ماتت ومات المشرق
أيجوز للأعداء أن يزروا بنا؟ *** فمتى يجوز لقومنا أن يحنقوا؟
أن يصفعوا جيش العدو بفتية *** خلقت لهم ساح الفداء ليعشقوا
وتلوح من خلف الحواجز راية *** تدنو.. وتقتلع السدود وتخرق
وإلام يتحد اللصوص جماعة *** وبنوا الهداية هيكل متفرق؟
أنا راية الإسلام فالتفوا على *** رمز الهدى رمز الندى وتحلقوا
أنا راية الإسلام فاتحدوا على *** رمز الجهاد الحق.. والله اتقوا
لا يحفظ الأوطان إلا فيلق *** يغدو إلى الهيجا فيتلو فيلق
أنا ضد إرهاب البريء.. وإنما *** للمعتدي مني سهام تخرق
إني لأخفق في سماوات العلا *** لكن برفق واعتدال أخفق
لم أرض إلا الاعتدال. فتارة *** تقسو يداي وغالبًا أترفقُ
إن التطرف أن تجور على الورى *** أو تقبل الجور الذي بك يلحق
فاكسر جناحيه.. وكن قطب الرحى *** متوسطًا كي لا يميل الزورق
لكن أجنحتي تصير صوارمَا *** إن سامني ضيمًا دعي ينعق
هذا هو التاريخ.. فارنوا.. وابحثوا *** هل فاز إلا من يصد ويصدق؟
في انتظار الفجر الآتي
منى محمد العمد
سار الركب تحت جنح الظلام.. رجلان تتأخر عنهما امرأة حتى وقفوا على قيم مسجد انتهى لتوه من كنس فنائه كما يبدو، فوقفا وسلما.. رد عليهما السلام وأخذ ينظر إليهما في ريبة تقدم منه أحد الرجلين وقال في صيغة لا تخلو من تهكم خفي: هل لك في الزواج يا أخا العرب؟ دهش الرجل من عرض كهذا على قيم مسجد في آخر الليل وهو رجل لا يكاد يجد قوت يومه قال الزواج.. أنا؟ ممن؟
أشار الرجل إلى المرأة خلفه دون أن يلتفت إليها وقال من هذه؟! حانت من القيم التفاتة إلى المرأة خيل إليه أنه قرأ في عينيها في لحظة مأساة عمر. أجاب: ليس أحب إلي من ذلك.. ولكن.. قال الرجل الآخر: لا تكثر الأسئلة. وعاد الأول يقول: هي زوجتك منذ اللحظة ودفع بها إليه، ثم مضى الرجلان في صمت وتركا القيم والمرأة وعشرات الأسئلة تتخاطر في ذهنه.
في ضيافة القيم
قال القيم للمرأة: تفضلي وادخلي المسجد أحسبك قادمة من سفر بعيد وتحتاجين بعض الراحة.
لملمت المرأة ثيابها عليها وتلثمت ببعض خمارها وأومأت برأسها ونظرت إليه في توجس.
قال لها مطمئنًا : أنت في بيت من بيوت الله ومن دخل المسجد فهو آمن فلا تخافي بقيت المرأة على صمتها أضاف وأشهد الله تعالى ألا ينالك مني ما تكرهين سري عن المرأة بعض ما تجد من وحشة ودعت له بخير. دخلت المسجد وجلست في ناحية منه واتخذ هذا الرجل الذي أصبح زوجها على حين غرة- مجلسه على مسافة متوسطة منها لم يشأ أن يثير خوفها بقربه أو وحشتها ببعده ثم بادرها: بالسؤال: ما شأنك أيتها المرأة؟
قالت وما يهمك من أمري؟ ابتسم في تورد قائلًا: ألست زوجتي؟
ابتسمت هي في سخرية وقالت زوجتك؟! وأي زواج هذا الذي ليس فيه لي خيرة ولم يحضره ولي ولا شهود؟ أنت مسكين.. وأضافت محاولة استنهاض شهامته وإن كنت كما يبدو لي على خلق كريم.
نظر إليها على ضوء المصباح في عينيها دمعتان تأبى أن تترك لهما العنان كأنما تصوران بقية شموخ في زمن انكسار.
هي جميلة تظلل وجهها غلالة من أسى دفين تزيدها جمالًا وجاذبية.
قال يحاول تبديد وحشتها والوقوف على قصتها: أنا فرج يا سيدتي، فما اسمك أنت؟ ضحكت بصوت مسموع هذه المرة وقالت: فرج؟ قد كنت أنتظر الفرج دهرً.ا
قال: تضحكين مني يا سيدتي؟ ألا تظنين أني قد أكون لك الفرج؟
حانت منها التفاتة إليه.. رجل مسكين لا مأوى له سوى المسجد يعمل ويبيت فيه وعليهملابس رثة.
أسد هصور
قال وقد أدرك ما يجول في خاطرها قد سمعت إمام المسجد اليوم يحدث أن رسول الله قال رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره قالت: وتزعم أنك ذلك الرجل؟ قال: أردت أن أقول إن الأمر قد لا يكون على ما تراه عيناك، وأضاف ضاحكًا ثم أنا ذو أطمار كثيرة ولست فقط ذا طمرين اثنين ثم ألم تقل: العرب ترى الرجل النحيل فتزدريه وفي أثوابه أسد هصور؟!
قالت: حتى وإن كنت الأسد فالذئب بغدره والثعلب بمكره قد يتغلبان على الأسد. قالت ذلك واتبعت بصرها الدرب الموحش الذي غاب في آخره آنفًا رفيقاها.
قال: في صوتك رنة حزن مخبوء بل إني أكاد أرى الدموع تتقاطر منه.
زفرت المرأة زفرة خيل إليه أن نفسها ستخرج معها، ثم لاذت بالصمت خشية أن تنفلت دموعها فتعجز عن السيطرة عليها.
الآمال الصغيرة...
قال فرج: هوني عليك فما بعد العسر إلا اليسر.. انظري إلى هذه النجوم تزين السماء وتنيرها قالت هي تجمل الليل لكنها لا تزيل الظلمة الموحشة.
قال: هي كالآمال الصغيرة تقوي قدرة الإنسان على تحمل نوائب الدهر
ردت في يأس كنت أحلم بأمل كبير يقلب حياتي كلها.
قال وقد تهلل وجهه هو الفجر ينبلج إذا احلولك الليل واشتد ظلامه
قالت: إذا كان الأمر كذلك فلا بد أن الفرج قريب فقد اشتد علي الكرب حتى بلغ غايته.
قال: فما غايته هذه؟ قالت: وهل أكثر مما أنا فيه.. امرأة حسيبة نسيبة تذلها الأيام فتضطرها إلى ما ترى يغضب زوجها عليها في هنة فيطلقها الثالثة حتى إذا انتهت عدتها وهي في دار غربة وبينها وبين أهلها وعشيرتها بعد المشرقين يأتي بها فيعرضها على رجل مسكين يتزوجها الليلة ثم يكرهه على تطليقها من الغد فتحل له بعد أن بانت منه.
قال فرج هكذا إذن يريدني زوجك أن أكون التيس المستعار وأضاف في إباء: لست بصاحبه.. لست بصاحبه.
قالت: إن لك منطقًا وحكمة وإن وراء أطمارك هذه لشهامة ومروءة فما الذي صيرك إلى ما أنت فيه؟
قال: هي صروف الدهر يا سيدتي لكني ألمع خيرًا قادمًا مع الفجر بإذن الله.
قالت وقد تساقطت دموعها: أما أنا فعند الفجر تتجدد مأساتي.
قال يحاول التسرية عنها: ألم تذكري حلمًا كبيرًا منذ برهة؟
قالت: لقد كان لكنه الآن يحتضر ويوشك أن يدفن تحت آلام كبار.
قال: الأحلام لا تموت يا سيدتي تظل جمرًا تحت الرماد يبدو حينًا ويخبو.. إنها تعيش وتتغذى من بعض آلامنا فتكبر هذه كلما كبرت تلك. سرحت ببصرها بعيدًا ولم تقل شيئًا. قال: ولكن.. ألا تحدثيني عن قصتك مع زوجك هذا؟ لا أظنك معه إلا كسهيل والثريا.
ابتسمت وقالت ليت شعري كيف يلتقيان قال: بل كيف يفترقان. وأضاف: منذ متى وأنت زوجته؟
قالت مرت بي معه سبع عجاف ذقت فيها ألوانًا من الأذى والمهانة وصبرت واحتسبت لعل الله أن يجعل لي مخرجًا.
قال: أبشري فما بعد السبع العجاف إلا الغيث.
أخذت تردد الغيث الغيث!! كم صلى قلبي الاستسقاء وكم استجدت روحي غيمات السماء لكن السماء أبت والأرض أجدبت.
قال: ألا أصلح أن أكون غيثًا يروي أرضك فيعيد الحياة إلى وردة قطفتها يد لا تحسن القطاف ثم ألقت بها على الطريق؟
قالت: قد تكون بفقرك وأطمارك أفضل منه في جاهه وماله لكن ما الفائدة اقترب الفجر وسيأتي مع أعوانه وخدمه فيأخذني بعد أن يضطرك إلى تطليقي ويرحل بي وينطفئ وميض البرق ويعود الظلام.
الغيث
قال في ثقة: توكلي على الله يا سيدتي توافد الناس على المسجد لأداء صلاة الفجر.. وما إن أشرقت شمس ذلك اليوم حتى جاء التاجر الكبير وصاح بامرأته خرج إليه فرج قائلًا في جرأة وثبات: لا شأن لك بزوجتي فامض راشدًا.
قهقه التاجر ضاحكًا وقال: من زوجتك؟
لقد انتهت الرواية يا مسكين ستطلقها الآن. نظر فرج إلى المرأة وقد بلغ الخوف منهامبلغه وقال في ثبات فإن أبيت؟
أشار التاجر إلى بعض أعوانه فأحاطوا بفرج في لحظات وأخذ التاجر يقهقه قائلًا وهو ينظر بازدراء إلى أطماره البالية: ماذا قلت الآن؟
وسط دهشة الجميع صاح فرج قائلًا: أيها الحرس، فإذا بعدد غير قليل من الجند يتوائبون في سرعة يلبون النداء: أمر مولاي أمر مولاي.
تراجع التاجر وتراجع أعوانه وهم يتساءلون في استغراب من الرجل؟!! نزع الرجل لثامه وأطماره وتناول رداءه وعمامته من بعض حرسه ثم التفت للتاجر قائلًا: هيا غادر المدينة حالًا وإلا أمرت بك وبأعوانك إلى السجن ثم أمر بعض جنوده بمرافقتهم حتى مشارف المدينة.. مضى التاجر ورفاقه لا يلوون على شيء وما إن ابتعدوا حتى سألوا الحرس عن الرجل فأخبروهم أنه والي المدينة وقد خرج الليلة متخفيًا يتفقد شؤون الناس.
أما المرأة فلم تكد تصدق ما يحدث وما هي إلا هنيهة حتى ناداها الوالي باسطًا كفه إليها وهو يقول في تلطف هل تأذنين؟ قالت في نشوة وهل يستأذن الغيث؟
مقتطفات ثقافية
انهيار الحضارات
إذا اتسمت الحضارة بطابع الصراع ومالت إلى التصادم أفرغت من مضامينها الإنسانية وفقدت خصائصها الثقافية والفكرية وحكمت على نفسها بالتلاشي والانهيار.
ولما كانت الحضارة قوة بانية وحركة فاعلة تتراكم بإرادة الخير لا بإرادة الشر وتنطوي على قيم الحق والعدل والإنصاف فإنها أبعد ما تكون عن الاتجاه الذي يدفع إليه الذين في قلوبهم مرض.
وهكذا يبدو لنا جليًا تهافت النظرية التي تقول بصراع الحضارات وسطحيتها، على الرغم من إخفاء الصبغة الأكاديمية عليها بحيث تطرح في إطار من الإبهار والإغراء بحكم قوة الإعلام الذي غالبًا ما يحرف الوقائع ونزيف الحقائق ويروج للأباطيل.
الجنجويد
لم يصبح حوار البندقية أصلًا من أصول دارفور إلا بعد الحرب التشادية الليبية أواخر الثمانينيات، والحرب التشادية التشادية بعدها، ولم يعرف الجنجويد كمصطلح يطلق على اللصوص إلا بعد نزوح قبائل تشادية إلى دارفور فالتسمية تشادية أصلًا والمصطلح دخيل عليهم من تشاد وهي كلمة مكونة من ثلاثة مقاطع هي جن بمعنى رجل و «أجاو» أو «جي»، ويقصد بها أن هذا الرجل يحمل مدفعًا رشاشًا من نوع «جن ٣» المنتشر في دارفور بكثرة، و«ويد»، ومعناها الجواد ومعنى الكلمة بالتالي هو الرجل الذي يركب جوادًا ويحمل مدفعًا رشاشًا.. فنزوح قبائل تشادية إلى دارفور غير من أخلاقيات سكانها وأدخل عليهم أساليب السلب والنهب المسلح وعلمهم حمل السلاح بعد أن كان تسليح الرجل لا يزيد على البندقية الانفلية القديمة بهش بها الذئاب عن غنمه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل