العنوان المجتمع الثقافي.. عدد 1830
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 06-ديسمبر-2008
مشاهدات 66
نشر في العدد 1830
نشر في الصفحة 42
السبت 06-ديسمبر-2008
السلاطين الشعراء
«أكثر من عشرين شاعرا من سلاطين آل عثمان»
السلطان مراد الثاني «١٤٠٢-١٤٥١م» هو أول سلطان من آل عثمان ينظم الشعر
السلطان محمد النتاق «١٤٣٧ - ٤٨١م» كان يجيد ست رنات في مقدمتها اللغة العربية
قصيدة السلطان الشاعر عبد الحميد خان التي نظمها بالعربية عام 1191هـ نقشت على جدران الحجرة النبوية المشرّفة
كان الشاعر قديمًا، لسان قومه وعشيرته، وكان ميلاد شاعر في قبيلة ما، يعني ميلاد ديوان جديد، لتخليد ذكرها، ورفع شأنها، ومن ثم كانت تحتفل كل قبيلة ترزق شاعرًا جديدًا، احتفالها بتنصيب أمير جديد، فكيف الأمر إذا كان هؤلاء الشعراء الذين سنتحدث عنهم، هم سلاطين المسلمين وخلفاؤهم، في فترة من أزهى عصور الحضارة الإسلامية.
القاهرة: د. محمود خليل
هؤلاء هم السلاطين الشعراء.. من خلفاء الدولة العثمانية.. الذين بلغ عددهم أكثر من العشرين من السلاطين الشعراء المجيدين.. أشهرهم السلطان «محمد الفاتح»، ومنهم خمسة تعاقبوا على العرش العثماني هم: السلطان «سليمان القانوني»، ووالده «سليم الأول»، ووالده «بايزيد الثاني»، ووالده «محمد الفاتح»، فاتح القسطنطينية، فـ «مراد الثاني» «١٤٠٣ - ١٤٥١م»، هو الشاعر الرائد في السلسلة السلطانية الفاتحة الشاعرة، وهو أول سلطان من آل عثمان ينظم الشعر، ويؤدي دورًا مهمًا في تاريخ الأدب التركي، وهو وإن كان مقلًا في أشعاره، إلا أنه كان على وعي کامل برسالة الأدباء والشعراء، الذين كانوا لا يفارقونه حتى في حروبه وغزواته، وفضله على الأدب لا يُنكر، من خلال لغته السهلة الواضحة، وأغراضه القريبة البسيطة، التي جعلت الناس يرددون أشعاره على ألسنتهم كطرائف ولطائف من الكلام الطيب الجميل، وبلغ من احتفائه بالشعر والشعراء، أنه كان يدعوهم إلى مجلسه يومين كل أسبوع، يطارحهم الأشعار والأفكار ويجالسون أهل الفكر واللغة الذين يديرون حركة الترجمة من التركية إلى العربية ومن العربية إلى التركية، مما جعل قصره الحاكم، أقرب إلى الأكاديمية العلمية.. وقد ترك وصيته شعرًا، يقول فيها: «فليأت يوم يرى الناس فيه ترابي» لأنه كان يكره أن يبني على قبره، أو يشيد له ضريح.
الفاتح شاعرًا
وبعد وفاة مراد الثاني، خلفه ولده السلطان محمد الفاتح «١٤٣١-١٤٨١م» عبقري الجهاد والسياة، الملقب بـ «أبي الخيرات»، حكم ما يقرب من ثلاثين عامًا.. كانت كلها خيرًا وفتحًا وعزًا وتمكينا للإسلام المسلمين، وبه تحققت نبوءة المصطفى ﷺ: «لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش».
وهو الذي تولى الإمارة وهو ابن العشرين من عمره، إلا أنه كان أمة وحده، وتجلت عبقريته المتفردة في فتح «القسطنطينية» عام ١٤٥٣هـ، وكان السلطان محمد الفاتح ذا ثقافة واسعة ومواهب جمة غلب على امبراطوريتين، وفتح سبع ممالك، ورفع راية الخلافة على مائتي مدينة، وشاد المئات من المساجد ودور العلم، وأجاد اللغات العثمانية، والفارسية، واللاتينية، واليونانية، والسلافية، والعبرية، وتبحر في اللغة العربية وآدابها، وتمكن من بلاغتها ونحـوهـا وصرفها، وعروضها وبحورها «موسوعة اللغة التركية وآدابها، إسطنبول، ۱۹۷۷م»، وكانت الكثرة في مكتبته الخاصة من نصيب اللغة العربية، ودرس بها الآداب والرياضيات والفلك والفلسفة والكيمياء.
وديوان الفاتح يسمى ديوان «عوني»... وهو الاسم الشعري الذي اتخذه لنفسه، ليوقع به أشعاره ومعناه «المخلص».. وقد كان هذا الديوان مجهولًا، حتى أخرجه المستشرق الألماني «جورج جاكوب» ضمن مجموعة خطية لأشعار الفاتح، ونشره في برلين عام ١٩٠٤م، ثم أعيد نشر الديوان مرة أخرى عام ۱۹۱۸م، وعام ١٩٥٩م بإسطنبول، وقـد قـام رائد الدراسات الأدبية المقارنة العلامة د. حسين مجيب المصري بترجمة بعض أشعاره منها:
أنا عبد لسلطان من عبيده
وهذا البستان إلى ذوى وذبول
وإذا ما وافى الخريف فلا ربيع ولا رياض
ويتناول الدكتور عبد الوهاب عزام طرفًا آخر من أشعار الفاتح، حيث يشير في مجلة «الرسالة» «مارس ۱۹۲۳م» إلى إحدى قصائد الفاتح التي يقول فيها:
لهذه الألوان من الآلام خلقتني يا رب
قد اجتمع على إحراقي وهدمي..
حرقة القلب، ونار الآهات، ودمع العين
ومن أشعاره الإسلامية الرائعة يقول السلطان «محمد الفاتح» في إحدى قصائده:
نيتي: امتثالي لأمر الله «وجاهدوا في سبيل الله».
وحماسي: بذل الجهد لخدمة ديني.. دين الله.
وعزمي: أن أقهر أهل الكفر جميعًا بجنودي: جند الله.
وتفكري: منصب على الفتح على النصر والفوز، بلطف الله.
وجهادي: بالنفس والمال، فماذا في الدنيا بعد الامتثال لأمر الله.
وأشواقي: الغزو الغزو.. مئات الآلاف من المرات لوجه الله.
ورجائي: في نصر الله، وسمو الدولة على أعداء الله.
ومن مآثر هذا السلطان الفاتح العظيم، وتواضعه الجم، أنه عند دخوله القسطنطينية فاتحًا مظفرًا، لم يستشهد ببيت من أشعاره، بل استشهد ببيت لشاعر فارسي، ترجمه د. حسين مجيب المصري في كتابه «تاريخ الأدب التركي» «القاهرة: ١٩٥١م» يقول:
اليوم تنعقد على قباب الأكاسر والعنكبوت تضرب نسيجها على قصور القياصرة.. من رحم الله فاتح القسطنطينية، أبا الخيرات السلطان الشاعر «محمد الفاتح».
بايزيد.. الشاعر الخطاط
أما بايزيد الثاني «١٤٤٧ - ١٥١٢م» ابن الفاتح الأكبر محمد الفاتح، فقد كان ماهرًا بفن تحسين لخط العربي، ومعه خطاط عصره «حمد الله» وكان متضلعًا من العلوم العربية والإسلامية، يمتاز شعره بالعمق والطلاقة والإحساس الديني الدافق، وكثرة التدبر والتأمل في صفحة الكون البديع.. يقول في إحدى قصائده:
استيقظ من نوم الغفلة، وأنظر إلى الزينة في الأشجار
انظر إلى قدرة الله الحق انظر إلى رونق الأزهار
وافتح عينيك لتشاهد حياة الأرض بعد الممات.
ويقول في قصيدة أخرى:
يليق الخلق بالخالق
ويليق الاستجداء بي.. أنا السلطان
ذلك لأنك أنت ملجأ الإنسان
فمن غيرك يجدر إليه الالتجاء
السلطان سليم الأول خليفة حافظ الشيرازي
أما رابع هؤلاء السلاطين الشعراء فهو سليم الأول «١٤٧٠ - ١٥٢٠م»، ابن بايزيد الثاني، الذي نظم شعره بالفارسية.. لغة أكابر الشعراء في زمانه.. حتى قيل: إنه الشاعر الذي يتلو حافظ الشيرازي، أشعر شعراء الفرس.. وفي شعر السلطان سليم الأول... رقة وجمال، وكتب الشعر أيضًا بالعربية التي كان يجيدها إجادة تامة..
وقد قام المستشرق الألماني «باول هورن» بطبع ديوان سليم الأول بأمر من الإمبراطور الألماني «غليوم» لإهدائه إلى السلطان عبد الحميد الثاني عام ١٩٠٤م، رمزًا للصداقة الألمانية العثمانية، ثم قام الدكتور «نهاد طارلان» بترجمة الديوان ونشره بالتركية في إسطنبول عام ١٩٤٦م.
ثم خلفه السلطان الخالد الذكر، سليمان القانوني «١٤٩٥ - ١٥٦٦م» الذي عاش في السلطنة ستة وأربعين عاما في جهاد موصول حتى لقي الله أثناء حصاره لقلعة «سيكتوار» بالمجر.. ويغلب على أشعاره الزهد والتدبر والتفكر، والخشوع والخضوع لله تعالى... ومن ذلك:
فلننشر الراية العظمى.. ونردد اسم الله
ولنسيّر الجيوش نحو الشرق
فرض الله علينا حماية الإسلام
فلماذا تخلد للراحة فتحمل الذنوب
إني آمل أن يحسن تمثلنا بقيادة أبي بكر وعمر
أيها الشاعر «محبي»: سر على بركة الله وسير الجيوش
نحو الشرق من الحدود
وكان يكني نفسه في أشعاره باسم «محبي».. رحم الله السلطان المجاهد، الذي استشهد على ظهر جواده في حصاره لقلعة المجر الحصينة ... عام ١٥٥٦م.
شعر السلطان عبد الحميد خان على جدران حجرة سيد الخلق
ولعل خير خاتمة لهذه الكوكبة من الشعراء السلاطين، هي تلك الدرة المضيئة التي نظمها السلطان عبد الحميد خان بن السلطان أحمد خان عام ۱۱۹١هـ، واستحقت بإخلاص ناظمها، وحبه الصادق للمصطفى ﷺ، أن تنقش على جدران الحجرة النبوية الشريفة، وقد استخرجناها من كتاب «مرآة الحرمين» لأيوب صبري باشا.. وهي قصيدة مكونة من سنة عشر بيتًا من الشعر العربي الرصين، وقد أفرد البيت الحادي عشر منها، بالكتابة على شباك الحجرة النبوية، أمام دكة الأغوات، أي في جهة المحراب المعروف بمحراب التهجد، والبيت المذكور هو:
ربُّ الجمال، تعالى الله خالقه
فمثله في جميع الخلق لم أجد
وبعض أبيات هذه القصيدة مطموس بالدهان، وهي الأبيات الأول، والثاني، والثالث، والسادس، والسابع، والثامن، والتاسع، والعاشر، والثالث عشر، والقصيدة هي:
يا سيدي يا رسول الله خذ بيدي
ما لي سواك ولا الوي على أحد
فأنت نور الهدى في كل كائنة
وأنت سر الندی یا خیر معتمد
وأنت حقًا غياث الخلق أجمعهم
وأنت هادي الورى لله ذي المدد
يا من يقوم مقام الحمد منفردًا
للواحد الحق لم يولد ولم يلد
يا من تفجرت الأنهار نابعة
من إصبعيه فروّى الجيش ذا العدد
إني إذا سامني ضيم يروّعني
أقول يا سيد السادات يا سندي
كن لي شفيعًا إلى الرحمن من زللي
وامنن علي بما قد كان في خلدي
وانظر بعين الرضا لي دائمًا أبدًا
واستر بفضلك تقصيري مدى الأمد
وأعطف عليّ بعفو منك يشملني
فإنني عنك يا مولاي لم أحد
إني توسلت بالمختار أشرف من
رقى السموات سرًا لواحد أحد
رب الجمال تعالى الله خالقه
فمثله في جميع الخلق لم أجد
خير الخلائق أعلى المرسلين ذرًا
ذخر الأنام وهاديهم إلى الرشد
به التجأت لعل الله يغفر لي
هذا الذي هو في ظني ومعتقدي
فمدحه لم يزل دأبي مدى عمري
وحبّه عند رب العرش مستندي
عليه أزكى صلاة لم تزل أبدًا
مع السلام بلا حصر ولا عدد
والآل والصحب أهل المجد قاطبة
بحر السماح وأهل الجود والمدد
رحم الله هؤلاء الفاتحين.. الذين حملت دولتهم وخلافتهم راية الإسلام والمسلمين قرابة السبعمائة عام، فكانوا أطول الدول عمرًا، وكانوا عند وصية جدهم «عثمان: ت ١٣٦٠م» الذي أوصى أبناءه، وصية غالية جامعة، قال لهم فيها: «نحن بالإسلام نحيا.. وللإسلام نموت، وبالجهاد يعم نور ديننا كل الآفاق، فتحدث مرضاة الله جلال جلاله».
المراجع
«۱» تاريخ الأدب التركي: د. حسين مجيب المصري، القاهرة ١٩٥١م.
«۲» العثمانيون في التاريخ والحضارة د. محمد حرب، المركز المصري للدراسات العثمانية - القاهرة، ١٩٩٤م.
«۳» محمد عاكف أرصوي شاعر الخلافة الإسلامية محمود خليل، تحت الطبع.
«٤» من جواهر المحبين في مدح خير المرسلين محمد منتصر الحلواني دار نوبار للطباعة القاهرة، ٢٠٠١م.
«٥» طرف من شعراء السلاطين: د. عبد الوهاب عزام مجلة الرسالة مارس ۱۹۳۳م.
«٦» من روائع التاريخ العثماني: أورخان محمد علي، دار الصحوة، القاهرة، ١٩٩٦م.
«۷» الأسرار الخفية وراء إلغاء الخلافة الإسلامية: د. مصطفى حلمي، دار الدعوة الإسكندرية، ١٩٨٥م.
العيش في السنوات الرهيبة «٢»
أراكة عبد العزيز مشوح
فعلَ «صادق» المستحيل لكيلا يلتحق بمدرسة الضباط؛ لكن كلَّ شيء في تلك الفترة وقف أمام رغبته.. لم يكن أمامه إلا الموافقة رغمًا عنه.. استمرَّ «صادق» في الدراسة في مدرسة القيادة من عام ۱۹۳۸م إلى ١٩٤٠م، وتخرج فيها برتبة «ملازم ثان»، وبعد إجازة أسبوع، تم تعيينه في قيادة الفصيلة الثانية بالكتيبة ٩٤ في الفرقة السابعة والخمسين، وتم تعيين «سليمان» في قيادة الفصيلة الثالثة في ذات الكتيبة ٩٤.
الآن عام ١٩٤١م، سنتان وأنت بعيدٌ عن القرم يا صادق.. كيف أطاق قلبك كل هذا البعاد؟!
كانت مطالعته لصور عائلته القابعة بجانب السرير، وخطابات أخيه «بكر» التي كانت تأتيه كل فترة، مما يعزّي نفس صادق.
خطاب أخيه «بكر» الأخير كان يحمل الكثير.. كان يطالبه بالكتابة إلى والدته التي لا شفاء لها إلا بترياق رسائله!
هيجان الأمواج يتزايد تلاطمه في نفس صادق؛ لكنه لا يستطيع إخراجها، والعواصف تزداد حدة فتخنقه لكنه يضطر إلى ضغطها والسكون، إلى أن يتحول كل هذا إلى دموع حارقة على وجنتي صادق!!
- ذات صباح: تستدعي القيادة «صادقًا»، و«سليمان»، وضباطًا آخرين، أخبرهم القائد باعتداء القوات الجوية الألمانية على البلاد وبهذا تكون الحرب قد بدأت!
ساد الخيمة صمت عميق.. توحّدت كل القلوب والأنظار، وكأنهم رأوا الحرب وارتعشوا منها!
انسحبت الكتيبة إلى داخل الغابة بعيدًا عن المعسكر بثلاثة كيلومترات.. تسلح العسكر، وأخذ الحراس أماكنهم في جوانب الغابة.. صدر أمر بتعيين «صادق» قائدًا لفصيلة المدفعية باثنين وعشرين مدفعًا تحت إمرته.
«صادق» قائد فصيلة المدفعية، ومتأهب تماما لوقوع الحرب في أي لحظة.. قوات العدو ترابط في الغابة المقابلة هكذا تلقى صادق الخبر من «الجاويش واسيليف».. صادق يأمر جنوده بأخذ بعض الدبابات إلى اليمين إلى التل الواقع خلف أرض القصب.
بركان قوي، لم يدع فرصة لصادق أن يكمل كلامه، فيفقده وعيه!
نيران المدفعية الألمانية بقيت متواصلة لمدة نصف ساعة؛ لكنها هدأت بعد ذلك.
نجا «صادق» ببعض شظايا تركت أثرها على وجهه واحترق وجه الجاويش «واسيليف» الذي قال: لقد أنقذني الله وأنا وسط النار، بعد ذلك سأكسر دماغ كل من يقول: إن الله ليس موجودًا، أما من لم يخرج من دبابته فقد مات فيها!
يحاول صادق الاستعلام عن «سليمان» فيتلقى خبرًا بأنه في «آق قرمان»!
عدة أيام وأوامر إلى صادق وجنوده بالذهاب إلى التل الذي قاوم فيه «سليمان»، فبعد ساعة من الآن ستبدأ مدافع سليمان بالضرب.
مدافع صادق على التلة المقابلة تطلق النيران وقلب صادق يدعو:
اللهم احفظ سليمان وجنوده!
مدافع «صادق» مازالت تطلق نيرانها
وصخب جهنمي يملأ المكان.. يعانق الدخان السماء رغمًا عنها، في دقائق فقط تستحيل الغابة إلى براكين من النيران المطلقة من الجهتين!
يهمس شيشكوف: انتهى أمر سليمان، لن ينجو أحد هناك!
وضربات قلب صادق تزداد فيدير وجهه إلى شيشكوف: ائذن لي أيها الرفيق الكوميسير بالذهاب.
يضحك شيشكوف، ويهز كتفيه: اذهب!
«يتبع»
واحة الشعر
شعر: شريف قاسم
الأرض غابتهم
سيقولُها الشيطانُ، لكنْ ريثما تأتي النَّوازلُ بالحقيقةِ علقما
هي بيننا، وكأنَّـهـا حـطَّـتُ لكي تروي حكايتَها... فلا يُجدي العمى!!
لا يُبصرون وفي تجـانـُسـهـم هـوىَ قد ساقهم للموبقاتِ توهُّما
لا يُنكرون المنكراتِ فما لهم قيمٌ تدلُّ عـلـى سـنـا وعــيٍ كـمـا...
أو يعرفون «نُبُوَّةً» جاءتْ بما في صفحة المعروفِ من أثرٍ سما!!
وعقولُهم في خِفَّةِ الطيرِ الطروبِ تبذُّلًا- بيد الهوى- وترنُّما
لم يُدركوا للأمرِ عاقبةَ، وقد أكلُوا لحومَ الـنـاسِ فـي بـغـيٍ طمى
فالأرضُ غابتُهم؟! بلا دينِ ولا خُلُقٍ ولا شيمٍ ولا عقلٍ... فما؟؟
والأمرُ للأنيابِ والأظفارِ واستحلوا بها بينَ الورى شُربَ الدِّما
أحلامُهم لم تَعْدُ أحلامَ السَّباعِ جهالًة وتــوحــُّشًــا وتــبــرُّمــا
كم قد لعنَّا من وسائلِهم يدًا ترعى سفاهتَهم، وحكمًا أجرما
سمُّوا الشَّـقـاءَ سـعـادًة وحـضـارًة والخوض في بحر الفجور تقدُّما
ويدافعون عن السُّفورِ نذالًة كي يستبيحوا سورَ فخرٍ للحِمى
ناداهُمُ الشَّيطانُ يستهوي بهم ظِلًا زها فتراقصُوا مثل الدُّمى
فأولئِكـُم نـصـبـوا مـقـاعـدَ فوقها أوثانُهُم لتعودَ فيهم مثلما...
صدقَ النَّبِيُّ فِداه روحي عندما قد أخبرَ الأقوامَ عمَّا أبرما
إبليسُ والدَّجالُ- لكنْ فاثبتوا أهلَ المصاحفِ لا تهابوا مَنْ رمى
عاثا وجندُهما الذين تنكَّروا للهِ، واجتاحُوا البلادَ تجهُّما
هيهاتَ أن تلقى بهم إلا فتًى ركبَ المعاصي فاسقًا ومُذمَّما
أو غافلًا خارتْ قُواهُ لشهوةٍ أو عابثًا متسلطًا أو ظالما
أو منكِرًا لعظيمِ فضلِ اللهِ لم يرعَ الذي وَهَبَ الكريمُ تَكَرُّما
يتهارجون وهم شِرارُ خلقٍ سَمْتُهُم: سَمتُ الفِئامِ إذ المنفَّرُ أقدما «1»
لكنَّه الكذَّابُ مـثـل حـضــارةٍ ملعونةٍ فيها المنفّرُ أسهما
وهما - كما وصفَ الحبيبُ – أذيَّةٌ للمؤمنين، وليس في خير: هما
أهلُ الطيالسةِ الصهاينةُ ارتأوا ما في الحضارةِ منهجًا أو مَعلَما
ومسالحُ الدَّجـالِ هـا هـم شـمـَّروا عن ساعدٍ ما زالَ فينا مؤلمًا!!«۲»
الهوامش
«۱» إشارة لحديث شريف: «لينفرنَّ الناسُ من الدجال في الجبال» (رواه مسلم).
«۲» مسالح الدجال: الخفراء والطلائع والجواسيس ومَن لفَّ لفَّهم.