العنوان المجتمع الثقافي عدد 1936
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 22-يناير-2011
مشاهدات 66
نشر في العدد 1936
نشر في الصفحة 50
السبت 22-يناير-2011
حول «علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية» .. وعلى رأس مائة عام من مولده، عقد الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، ورابطة الأدب الإسلامي العالمية المؤتمر الدولي الأول، بمقر اتحاد كتاب مصر بقلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة، وعلى مدى أربعة أيام، وخلال عشرين جلسة صباحية ومسائية، وبمشاركة رموز وأعلام الفكر والأدب والدعوة، من مصر، والسعودية، وليبيا، وسورية، واليمن، والمغرب، والجزائر، والإمارات، العربية، ونيجيريا، وإيران، والعراق، والأردن، وباكستان.
*المؤتمر العالمي حول علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية في مئوية ميلاده*
د. *محمود خليل*
وعبر خمسة وأربعين بحثاً علمياً محكماً، تناولت تقاطعات الإبداع المسرحي، والتأويل التاريخي، وتطويع الأسطورة للفكرة الإسلامية في مسرح «باكثير» واستلهامه للكتب المقدسة، وجماليات البناء الفني في مسرحه السياسي، كما توافرت هذه الأبحاث على دراسة البنية والدلالة والتجديد في لغته السردية، وبناء الشعري من حيث الشكل والمضمون وكان من أهم محاور هذا المؤتمر، تلك الدراسات التي تناولت الالتزام المبكر لدي «بكثير »بالقضية الفلسطينية منذ عام ١٩٤٤، حيث أحس بالخطر الصهيوني، فكتب مسرحيته الشهيرة «شيليوك الجديدة» .. ثم أتبعها بمسرحياته «شعب الله المختار» و «إله إسرائيل»، وكان من أخر ما كتب مسرحيته الشديدة الأهمية «التوراة الضائعة» .. وكان من آخر أقواله ـ كما روى العلامة أنور الجندى ـ قوله : «ما زالت قضية فلسطين تنتظر العمل الأدبي الذي يتكافأ مع خطرها وأهميتها»..
*«باكثير» الرائد*
ورغم أن وجل إنتاج «باكثير» كان في المسرحية، إلا أن الريادة التي حققها في الشعر والرواية، تجعل «باكثير الشاعر» و «باكثير الروائي» يزاحمان «باكثير المسرحي»، كما أوضح ذلك د. عبد المقدوس أبو صالح رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية، في كلمته الافتتاحية للمؤتمر... فإلى باكثير تنسب ريادة الشعر الحر في ترجمته لمسرحية «شكسبير» الشهيرة «روميو وجوليت» عام١٩٣٦م، عندما كان طالباً بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، ثم تأليف مسرحية «إخناتون ونيفرتيتي» عام ١٩٤٠م؛ الأمر الذي جعل الناقد د. عز الدين إسماعيل يقول : «إن حركات التجديد في القصيدة العربية مدينة لتجربة «باكثير» في اتخاذ التفعيلة أساساً البناء الموسيقي»، وفي ميدان الراوية العربية التاريخية، ولو لم يؤلف إلا «وا إسلاماه» و «الثائر الأحمر» و «سيرة شجاع» و «الفارس الجميل».. لكفته هذه الأعمال، خلوداً في هذا الفن ومن المعروف إنه كتب رواية «سلامة القص» عام ١٩٤٣م، وكتب «وا إسلاماه» عام ١٩٤٣م، وحصل بهما على جائزة وزارة المعارف بمصر عام ١٩٤٤م مناصفة مع «نجيب محفوظ» عن روايته «كفاح طيبة» .. وفي السنة نفسها، قررت رواية «وا إسلاماه» على طلاب المدارس المصرية في فبراير من نفس العام، كما أنتجت عام١٩٦١م كفيلم باللغتين العربية والإنجليزية، وقبل ذلك حصل عام ١٩٤٣م على جائزة «قوت القلوب الدمرداشية» مناصفة مع «نجيب محفوظ» الذي تقدم برواية «رادوبيس» .. وكان «باكثير» في تقدم للجائزة بروايته «سلامة القس»، وكانت تلك أول جائزة يحصل عليها «باكثير» و «نجيب محفوظ» في تاريخهما الأدبي، وقد بلغ من نبوغه المبكر في ذلك الوقت، أن وزارة الشؤون الاجتماعية طلبت عام ١٩٤٧م ست روايات في مواضيع معينة، وأقامت مسابقة مصحوبة بمكافاة مغرية، فتلقت الوزارة خمسمائة رواية، احتارت ستاً فقط، وقد فاز باكثير بروايتين من الروايات الست.
*أسلمة الإبداع*
وعلى طريق الريادات المتعددة «لباكثير»، الذي أنتج معظم إبداعاته الضخمة، إبان احتدام الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية، التي كانت إحدى أهم لوازم وتوابع الحربين العالميتين الأولى والثانية، واحد أهم مكونات الحركة التاريخية في ربوع العالم الإسلامي الرازح تحت وطأه الاحتلال الصليبي الحديث.
ومن خلال فهم «باكثير» لجوهر الإسلام ووسطيته، فقد توصل إلى صيغة سلسلة ودافقة ومتجددة، لاستثمار كل المفردات التاريخية، والتراثية،والأسطورة في إعادة تمثلها ـ عبر منهجه الفريد ـ في إنتاج معاصر لفكرة أسلمه المعرفة، في مجال من أصعب المجالات الإبداعية، وهو مجال الآداب والفنون، في قوالبه المعاصرة كالرواية والمسرحية، ولم يتردد «باكثير» في ارتياد أصعب الحقول المعرفية (الفرعونية والأغريقية، والقبطية، والغربية بشتى روافدها)، والخروج من هذه الرحلات برؤى ذات خصوصية دعوية مستبصرة ومستثيرة ومستشرفة .. وملتزمة بقضايا وطنه وأمته، وله في ذلك خصيصتان متميزتان، هما :
أـ الجرأة والجسارة في ارتياد أصعب الموضوعات والتصدي لمعالجتها إبداعياً.
ب ـ التمتع بقدره هائلة على إعادة إنتاج التاريخ والتراث والأسطورة عبر رؤية إبداعية إسلامية مشرقة ومتألقة ومتطورة تثري التطور الإسلامي، وتخدم قضية الإسلام .
وترجع هذه القدرة الفائقة لدي «باكثير» في إعادة صياغة المعرفة على أساس علاقتها بالإسلام وعلاقة الإسلام بها، إلى جملة أسباب، منها :
١ ـ تأثره الشديد بفكر الإمام محمد عبده وتلميذه رشيد رضا الذي سهل له وصوله إلى مصر.
٢ ـ تعمقه الشديد في الأدب الإنجليزي.
٣ ـ ثقافته التراثية الإسلامية.
٤ ـ وعيه القومي والإسلامي الخاص، الذي جعله دائماً في المقدمة من قافلة المبدعين بعيون إسلامية صافية وصادقة.
ومن ثم، فقد انطلق في كل ما كتب عن التصور الإسلامي، بل وأكثر من ذلك؛ فقد كان «باكثير» رائد محاولات إثبات صلاحية الدين الإسلامي لحكم المجتمع، وبث العدالة الاجتماعية بين ربوعه، وبيان ما ينطوي عليه النظامان الرأسمالي والشيوعي من نقائص وعيوب، وذلك من خلال تصوير الصراع الدائر بين الراسمالية والشيوعية، ونظام العدل الإسلامي في تصوير فني بديع في روايته «الثائر الأحمر»، وكشف خطط اليهود ودورهم في الحركات المشبوهة في التاريخ الإسلامي، وتقديم صورة إيجابية للإصلاح الإسلامي الذي يقوم به علماء الإسلام كما في روايته «وإسلاماه» كما أوضح هذه المعالم بحث الدكتور «حسن سرباز» الأستاذ بجامعة كردستان بإيران حول «الاتجاه الإسلامي» في روايات على أحمد باكثير، وكان من أوائل من تنبؤوا بسقوط النظام الشيوعي، وتداعي النظام الرأسمالي قبل حدوثه بأكثر من خمسين عاماً، حيث أبدع «الثائر الأحمر» عام ١٩٤٩م، «وا إسلاماه» عام ١٩٤٤م، في أوج بريق هاتين النظريتين، اللتين نبتتا على لحم المسلمين ودمائهم في آسيا وأفريقيا وقلب أوروبا في العصر الحديث.
*«باكثير» والحركة الإسلامية*: ولقد برز «باكثير» بقوة في مرحلة الكفاح ضد الاستعمار، وبدايات تبلور الرؤي حول هذا
*تنبأ بقيام الكيان الصهيوني قبل قيامه بأربعة أعوام عبر مسرحيته الشهيرة «شيلوك الجديد»*
*تمتع بقدرة هائلة على إعادة إنتاج التاريخ والتراث والأسطورة عبر رؤية إبداعية إسلامية مشرقة*
الهدف، ولهذا كتب مسرحية «شيلوك الجديد» عام١٩٤٤م وصدرت عام ١٩٤٥م، وفيها تنبأ بقيام «إسرائيل» في فلسطين، وتحت تأثير الصهيونية العالمية، امتنعت كل دور النشر في لندن عن نشر النص الإنجليزي الذي كتبه بنفسه، ثم تابع تطورات القضية، وجذورها التاريخية في مسرحيته «شعب الله المختار» عام ١٩٥٦م، ثم أصدر عام ١٩٥٩م مسرحيته الثالثة حول القضية نفسها وهى مسرحية «إله إسرائيل». التي استمد حقائقها من التوراة والإنجيل والقرآن والتلمود .. وفي عام ١٩٦٣م كتب مسرحيته الرابعه «لباس العفة»، عندما دعا «بورقيبة» إلى الصلح مع «إسرائيل» وهي نبوءة هزلية لزيارة بورقيبة «إسرائيل» وكأنما شبه له زيارة السادات ل «إسرائيل» بعد ذلك بأكثر من عشرين عاماً!
ثم كانت مسرحيه الخامسة الطويلة حول تداعيات المأساة، وهي مسرحية «التوراة الضائعة»، وبهذه المسرحية ختم «باكثير» حياته، فقد كتبها عام ١٩٦٨م في أعقاب نكسة ١٩٦٧م، وطبعت عام ١٩٦٩م بعد وفاته بشهور ولأن «باكثير» لم يكن مصرياً، حيث لم يمنح الجنسية المصرية إلا عام ١٩٥١م ، لذا فقد راعي شيئاً من مواءمات الضيافة في مصر ،إلا أنه كان إسلامي المنشأ والمنبت والمسار والمصب .. وكان يحفظ القرآن الكريم، وكانت تربطه صداقة خاصة برموز الحركة الإسلامية الأفذاذ؛ من أمثال الشهيد سيد قطب، وكان على وئام مع الإمام الشهيد حسن البنا منذ قدم إلى مصر عام ١٩٣٤م، كما كتب كثيراً من مسرحياته الإسلامية في صحيفة «الإخوان المسلمين»، وكان هذا الثقل الإسلامي لباكثير هو أو أحد ركائز تدعيم مركزه الادبي والثقافي في مصر والعالم العربي.
إن روايته « وا إسلاماه» هي التي أنقذته من السجن والاعتقال، فعندما أصدر عبد الناصر قراراً شفهيا بحل جماعة الإخوان المسلمين، في ١٩٥٤/١/١٥م، كان اسم «باكثير» على قوائم المطلوب اعتقالهم، لارتباطه بعلاقات ودية مع بعض الإخوان المسلمين، وينشر بعض مسرحياته في صحيفتهم، لكن عبد الناصر رفض اعتقاله قائلاً : «لماذا باكثير؟ كلنا كنا أصدقاء لقادة الإخوان المسلمين! ثم إن باكثير مواطن عربي هاجر من وطنه إلى مصر؛ حباً فيها، وحسبه أنه مؤلف «وا إسلاماه» التي قرأتها قبل الثورة، فأعجبت بتصويره لمدى حاجة مصر لزعيم وطني يحرر أوطان العرب ويحرر كلمة المسلمين!
بل إن «باكثير» قد رشح للاعتقال مرة أخرى بعد استشهاد سيد قطب في ١٩٦٦/٨/٢٩م، بحجة أنه كان صديقاً له، لكن عبدالناصر عاد وقال : «إنه كان صديقاً أدبياً لسيد قطب، ولم ينخرط في عضوية الإخوان المسلمين» ويروي باكثير للدكتور عبده بدوي أنه التقي بعبد الناصر مراراً عام ١٩٤٥م في دار الإخوان المسلمين، وأنه يعرفه جيداً منذ هذه الفترة.
رحم الله باكثير الذي قدم لأمته أكثر من ٤٥ مسرحية إسلامية طويلة، «ملحمة عمر» في ١٩ جزءاً، و٦٢ مسرحية إسلامية قصيرة تحت الطبع، و١٢٠ مسرحية سياسية تسجيلية قصيرة، و٦ روايات من أبدع ما كتب في الرواية التاريخية الإسلامية، و٤ دواوين شعرية رائعة، و٤ كتب فكرية رصينة، أهمها كتابه «فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية».