; المجتمع الثقافي (العدد 1956) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1956)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2011

مشاهدات 59

نشر في العدد 1956

نشر في الصفحة 54

السبت 11-يونيو-2011

مجلس أدب في حياة السلف

عبد العزيز بن صالح العسكر

كان الشعر في حياة العرب رفيق أسفارهم، وأنيس وحشتهم وفاكهة مجالسهم، وتاج عقولهم وأذهانهم.. يحفظونه وينقلونه ويرددونه دون كلل أو ملل. ولأنهم كانوا لا يكتبون وليس عندهم أدوات الكتابة، فإن اعتمادهم كان على الحفظ فقط ولم يغب عنهم أن من الشعر - إن لم يكن جميعه - حكمة، وهي حكمة تقوي الحجة وتسوق الدليل وتؤكد المراد من الكلام، وبخاصة حينما تكون العبارة صعبة أو غريبة على السامع.

ولم يكن حفظ الشعر وروايته مقصوراً على فئة من الناس دون غيرها، بل إن العرب كلهم كانوا يحفظونه نساء ورجالا حاضرة وبادية، وكذلك كان الملوك والعامة والخاصة، ولم يقتصر حفظهم على غرض من الشعر دون غيره، وإنما حفظوا الشعر في الأغراض جميعها، فقد حفظوا شعر المدح، والهجاء، والوصف، والغزل والرثاء وغيرها .

وفيما يلي نسوق مثالاً على هذه الظاهرة، وهو مثال يحمل دلالات كثيرة آمل أن تبرزها فقرات هذا المقال:

نقل الإمام المحدث أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي في كتابه النفيس «جامع بيان العلم وفضله، أنه روي أن عمر بن أبي ربيعة أنشد قصيدته التي مطلعها:

 أمن آل نعم أنت غاد فمبكر *** غداة غد أم رائح فمهجر

 وهي سبعون بيتا أنشدها لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما بحضرة نافع بن الأزرق، فلما أتم القصيدة، قال ابن الأزرق لله أنت يا ابن العباس أتضرب إليك أكباد الإبل نسألك عن الدين فتعرض، ويأتيك غلام من قريش فينشدك سفها فتسمعه ؟!

فقال: تالله ما سمعت سفها فقال ابن الأزرق أما أنشدك رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت فيخزى وأما بالعشي فيخسر.

 فقال: ما هكذا قال: إنما قال: فيضحى وأما بالعشي فيخصر. قال: أو تحفظ الذي قال؟ قال : والله ما سمعتها إلا ساعتي هذه ولو شئت أن أرددها لرددتها، قال: فارددها فأنشده إياها ..(1).

هذا ما ورد في جامع بيان العلم وفضله وقد وجدت القصيدة في ديوان ابن أبي ربيعة خمسة وسبعين بيتا (٢٠٢).

وأشخاص هذا الخبر ثلاثة: أولهم عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، حبر الأمة وترجمان القرآن، وابن عم رسول الله  صلي الله عليه وسلم ورضي الله عن ابن عباس، وقد توفي ابن عباس سنة ٧٨هـ .

والثاني: عمر بن عبد الله بن حذيفة بن المغيرة من بني مخزوم ولد سنة ٢٣هـ ، شاعر عاش فترة من عمره في اللهو والغزل حتى غلب على شعره، فأصبح كله غزلا ، وقد تاب في آخر حياته، وقيل: إنه نذر أن يعتق عبداً كلما قال بيتاً من الشعر مات سنة ٩٣هـ ، وله ديوان شعر يقع في أكثر من خمسمائة صفحة.

والشخص الثالث: نافع بن الأزرق من كبار الخوارج في العصر الأموي، قتل سنة خمس وستين من الهجرة. إن هذا الخبر يحمل دلالات وحقائق كثيرة متعددة. ومن تلك الدلالات والحقائق أولا : أن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما كان يحفظ الشعر الجميل العفيف لأنه تقويم للسان، وتقوية للبرهان، وشاهد لتفسير القرآن، وداع إلى الفضيلة، ومشجع لا الله عليها، ومنه حكمة كما قال الرسول صلي الله عليه وسلم  . 

ثانيا: من فقه الصحابة وعلماء السلف أنهم كانوا يجالسون الخوارج ويحاورونهم ويردون عليهم لإعلاء الحق ونصرته، ولم يروا أن الخوارج اعتدوا على أحد أو جهلوا عليه سوى ما كان من فئة منهم من قتل عثمان بن عفان رض الله ، ثم قتال علي بن أبي طالب رضاه ، وتلك سيئات لا تغتفر لمن قام بها، ولقد تاب عدد من الخوارج وحسن إسلامهم وماتوا على التقوى والصلاح.

ثالثا: ربما غير الشاعر في ألفاظ قصيدته حسب حال السامعين، أو غير فيها من قبل الرواة بقصد أو بغير قصد، وهذا ما يظهر للحفاظ وللنقاد ويدركونه منذ سماعهم له مرة ثانية، وفي هذا ما يفضح منتحلي الشعر وسراقه على مر العصور. 

رابعا: أن السلف الصالح من هذه الأمة أكرمهم الله بقوة الحفظ، فيحفظ الواحد منهم الكلام حين يسمعه أول مرة، ولا يمكن المريب أو كاذب أن يتهمه أو ينسب إليه ما لم يقله أو يسمعه أو يروه عن غيره.. ونحن اليوم نعيش في نعم كثيرة، ومن تلك الوسائل الطباعة في الأجهزة المسموعة والمرئية، وكل ذلك معين على الحفظ وشاهد له.

خامسا: وللشعر - غير ما أشرنا إليه - فوائد لم تغب عن بال سلفنا، فهو حداء الركب ومذهب الحزن وأنيس الطريق، كما أنه يحمل الدرس والتوجيه والتربية به يقوم العوج، ويسدد الرأي، وتقوى الحجة، وتتضح المحجة، والشعر فوق ذلك كله سجل لتاريخ الأمة وأمجادها ... فهل يستغرب - والحال كذلك - أن يعتني بحفظه ويشجعه ولاة الأمة وعلماؤها ؟! سادسا: ولا يكتسب المكانة البارزة والشهرة الواسعة إلا الأفذاذ، وأولئك الأفذاذ يعلو شأنهم، ويرتفع ذكرهم بمقدار تفوقهم على أقرانهم وما يملكون من قدرات.. ولكن التفوق لا يعني استحالة وقوع الخطأ، وانتفاء النقص والعيب، وإنما يتميز من تقل أخطاؤه وعيوبه، وهي عيوب لا تحط من قيمة المرء كاتبا أو شاعرا، ولا تنقص من مكانة أدبه القوي الأصيل.

وبعد : فإنني أدعو لنفسي وكل قارئ كريم إلى النهل من منابع الحكمة والفقه والاعتبار في تاريخ العرب والمسلمين كي يعود لنا مجدنا وعزنا، وننال ما نريد من الشرف والسؤدد ..

الهوامش

(۱) انظر: جامع بيان العلم وفضله، للإمام المحدث أبي عمر يوسف بن عبد البر القرطبي، المتوفى سنة ٤٦٣هـ، ج 1، ص .٦٩ - ٧٠

(۲) انظر: ديوان عمر بن أبي ربيعة، شرح وتعليق د. فايز محمد، ط (۱) سنة ١٤١٢هـ، نشر دار الكتاب العربي في بيروت، ص ۱۲۲.

(۳) القصيدة المذكورة هنا في غرض الغزل والرجل المذكور في البيت «رأت رجلا» هو الشاعر نفسه، ويقصد أن النساء لم يعرفنه نظرا لتغير شكله ومظهره من آثار الشيب وطول السفر، وفي ذلك يقول: قفى فانظري أسماء هل تعرفينه.

==============

واحة الشعر

الشيخ القادم

شعر: د. عبد الرحمن رمضان

في يوم قابلني شيخ

تعلوه من النور مهابه

 يبدو كالقادم من سفر

 وكأن الهم قد انتابه

 سارعت إليه فصافحني

 ومددت يدي فصارحني

 بحديث زلزل أركاني

 وشعرت بأني أعرفه

 كالقادم من زمن ثان

 زمن قد ودع أحبابه 

وسألت الشيخ على وجل:

 من أنت وكيف وصلت هنا ؟

 بادرني الشيخ على عجل

 وكان سؤالي قد رابه !!

هل تجهل حقا يا ولدي

 أنك تعرفني ؟!

 لكن قد تعرف أولادي

 من باعوا عزي وتباروا

 خلف الشيطان وحسادي

 واحتكموا لقضاء الغابه

 أولادي صاروا أعدائي

 سليوني حتى من ملكي

 من أرضي وكذاك سمائي

 قالوا: لا يصلح سلطانك

 نحوا دستوره وكتابه

 هيا نحتكم لشرعهم 

نستورد منهم دينهم

 فالحق لديهم يا صاح 

هم أهل كمال وفلاح

لا دين ولت ساعته

 عاينتم في الحين إيابه

 دعكم من صوم وصلاة

وركوع وسجود لله

 فالغاية جمع الأموال

 خمر ونساء وطعام

 متع بحرام وحلال

 كلهم قد فقد صوابه

 فتمكن أعدائي منهم

 واغتالوا منهم ماضيهم

 حرموهم من أي حقوق

 صاروا كرقيق في السوق

 ثرواتي ينهبها الباغي

 فيهدهد فيهم ويناغي

 كسفيه في الغابة يلهو

 والذئب يكشر أنيابه

 قد ضيع أولادي شرعي

 وأزالوا عن ظهري درعي

 فتفرق شملهم بعدي

 والعقد تناثر يا ولدي !!

 من يوما يوقظ غافلهم؟

والكل يغلق أبوابه

 لكني يوما سأعود 

ليخيم سلطاني المعهود

 وسيحكم عيسى والمهدي

 بشريعة ربي يا ولدي

أعرفت الآن من الشيخ؟

 ولماذا الهم قد انتابه ؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

206

الثلاثاء 24-مارس-1970

إلى الأمهات المسلمات

نشر في العدد 4

559

الثلاثاء 07-أبريل-1970

السّطور الخضر

نشر في العدد 2121

104

الأحد 01-يوليو-2018

حُداءُ الشِّعْرِ محمودُ