; المجتمع الثقافي (1263) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1263)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أغسطس-1997

مشاهدات 61

نشر في العدد 1263

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 19-أغسطس-1997

ومضة 

كثيرًا ما نرى رافعي الشعارات يبذلون جهودًا مضنية لإبقاء أيديهم منتصبة، وهي تحمل اللافتات أو الأوراق، التي كتبت عليها تلك الشعارات بخط عريض واضح للعيان، كما أن حناجرهم لا تمل من ترديدها، والهتافات المدوية بها، في محاولة لاجتذاب مزيد من الأنصار والمؤيدين، أو إثبات للوجود وتخفيف من شماتة الشامتين في حال ما إذا كان العديد قليلًا ومحدودًا، وفي كل الأحوال يعتبر رفع الشعار والهتاف به مرحلة لا بد منها، لترويج الفكرة، وتهيئة المشاعر لقبولها، ويصبح ضرورة ملحة إذا ما أريد للهدف أن يتحقق وللسائرين على الدرب أن يصلوا إلى غايتهم، وتتأكد هذه الضرورة كلما أحس حاملو الشعارات بقرب الوصول إلى يوم الحصاد السعيد. 

فإذا ما تحقق لهم ما أرادوه تراخت أيديهم، وأوشكت كثير من شعاراتهم على السقوط، وفترت الحناجر إلا ما كان من همس في زحمة جمع الغنائم. 

هذه المشاهد تابعناها أثناء قيام الثورات الحزبية، وعند تسلق بعض الضباط الطامحين الجدران الخلفية لقصر الرئاسة؛ لينقضوا بعدها على المكتب المسحور لإذاعة البيان الأول للانقلاب، الذي هو يوم المنى بالنسبة لتلك الفئات التي طالما صكت آذاننا بهتافاتها، وحجبت بشعاراتها عن عيوننا رؤية الحقيقة المرة التي تنطوي عليها، ولم تتضح الرؤية أمام كثير من المخدوعين، إلا بعد أن تسلموا زمام الأمور، وأحكموا قبضتهم على كل شيء، ونكثوا بعهودهم ووعودهم التي أطلقوها في مرحلة الشعارات، ولم يفوا بواحدة منها، اللهم إلا ما التزموه أمام أنفسهم أن يحققوا لها كل ما تطمع فيه من متع ومناصب واستحواذات. 

أما الصورة الأبشع في هذه النهاية البائسة للشعارات فهي صورة أولئك الذين يخضعون للمساومة، ويقدمون التنازلات بعد التنازلات؛ أملًا في الحصول على بعض المكاسب الآنية، وتحقيق بعض المصالح الشخصية؛ لأنهم أدركوا طول الطريق وبُعد الشقة، وتقاصرت هممهم وهاماتهم عن متابعة المسير لبلوغ الأهداف، فانهاروا في منتصف الطريق بعد أن سقطوا في اختبار المبادئ، وأثبتوا أن الغاية الكبرى لا يبلغها إلا الذين يعتبرون من مشاهد السقوط على جوانب الطريق الطويل. 

واحة الشعر:

شعر: فيصل بن محمد الحجي. 

«أبو مرزوق» ومحنة الأُمّة. 

أشرعت في وجههم رمحًا فما قدروا             ***       أن يسكروه وهم في دارهم كُسروا 

أصبحت طودًا على أنفاسهم وغدا السـ         ***       جان في إمرة المسجون يأتمر 

رموك في حفرةٍ فارتد باطلُهم                        ***        واكتظت الحفرة الملأى بمن حفروا 

بالرغم من فرحتي يبقى بذاكرتي                  ***         ذاك السؤال الذي قد شابه الكدر 

إن عدت من أسرك الموقوت هل رجعت     ***           من أسرها أمتي العزلاء يا نمر؟ 

قد غيبوها لتغدوا الأرض غابتهم                 ***        تسعى الوحوش فلا تبقي ولا تذر 

غابت فأظلمت الدنيا لغيبتها                         ***        وكيف يشرق ليل ما له قمر؟ 

غابت فكشرت الأصنام ساخرة                      ***          لما رأت أُمّة التوحيد تندحر 

غابت وذنبك -يا موسى- محاولة                 ***          لكي تعود إلى ميدانها مضر 

مذ غاب عنها لواء (المصطفى) قبعت       ***         خجلى على ضفة التاريخ تنتظر 

قد كان (عنترة) المغوار فارسنا                    ***         قد كان لكنه كالوهم يندثر 

تلقاه يستطلع (التلفاز) منبطحًا                     ***      وقد سبت عقله الأشكال والصور 

في غفلة يحلب (اليوت) منذهلًا                  ***       عن حب (عبلة) لا عشق ولا وطر 

ولا زئير بظهر الخيل صاهلةً                          ***       ولا سيوف كشهب الليل تنحدر 

وتلك (عبلة) والأطفال في سغب               ***       في موكب (الخبز) في (الطابور) تنعصر 

لعلها بعد لأي في مذلتها                          ***      يجني بنوها رغيف الخبز إن قدروا 

لا فارس يجتني بالرمح لقمتها                   ***      ولا فؤاد (ولي الأمر) ينفطر 

أما (أبو جهل) الموسم سيدنا                    ***      قد سره أن يسود الجوع والخور 

يسوق أمته سوق العبيد إلى                    ***     حظائر الذل و(التطبيع) مذ أمروا 

هناك في (الغرب) مسعاه وكعبته           ***     وعند (تل أبيب) السر والخبر 

قد كان (خالد) سيف الله حامينا                 ***          وكل غاز لنا بالرعب ينجحر 

لكن أحفاده هانوا فهان على                   ***       أعدائنا البطش والطغيان والصغر 

يا ويحهم سرب الضحضاح يغرقهم           ***     وفي خضم الردى أجدادهم مخروا 

ربوا كتربية الجرذان حين دنا                        ***     سقف المذلة كالأقزام قد قصروا 

ربوا كما شاء (حاخام) اليهود لهم            ***      حتى يكون لإسرائيله الظفر 

هُبي (حماس) فما في القوم من أمل   ***       من بعد ما رضعوا الإذلال بل سكروا 

من بعد ما عاد (فرعون) الجبان إلى         ***       طغيانه وعبيد ألغى قد سدروا 

يلغون يلغون لا يصغي لهم أحد              ***         ومن يصيخ لأصفار وإن كثروا؟ 

هذه الديار بها سارت مواكبنا                   ***           بالعز والخير حتى جلت السير 

واخضر صخر بواديها التي ازدهرت             ***     من حين كبر في أجوانها (عمر)

كم شد في (الحرمين) الحق رأيتنا             ***           في ظلها ننقذ (الأقصى) وننتصر 

لا تعبئي برموز البخل إن حبسوا               ***       عنك المعونة ها قد أورق الحجر 

لا تعبئي بحشود الكفر إن قتلت              ***       أسخى رجالك فالأطفال قد كبروا 

لا تعبئي بطغاة العرب إن وصلوا            ***      حبًا لهم بطغاة الغرب وافتخروا 

فالله أقوى وإن شدوا وإن حشدوا       ***        والله أدرى وإن كادوا وإن مكروا 

موسى رجعت إلى الميدان منتصرًا         ***      رغم الألى نكثوا بالعهد بل غدروا 

فارفع عصا الحق واضرب ما تجامل من***     قد أحبطوا ثورة الأشبال أو نخروا 

وقل لهم: بعصا (موسى) سنفضحكم   ***    كما أذلت عصا (موسى) الألى سحروا 


قصة قصيرة ...

الحدود

في رحلة إلى بعض الأقطار الشامية جلس بجواري مسافر عجوز، أتت السنون على نضارة جسمه، وتركت أحداث الزمن بصماتها في تجاعيد وجهه، حيا بتحية الإسلام، أخذ مقعده بجانبي، مطلقًا تنهيدة مجهد بلغ المقيل، ثم أحكم الحزام حوله، واسترخى شاردًا ذاهلًا، لا يلوي على شيء.

طال منه الشرود، وثار في أعماقي الفضول ترى ما الذي يفكر فيه؟ وأين تسبح روحه الآن؟ وإلى أي البقاع سرت خواطره، أتراها تقطع سهولًا وأودية؟ أم تتسلق تلالًا وجبالًا؟ أتتراءى له صور الصحراء بكثبانها ووهادها؟ أم غابات الشام بكرومها وبياراتها؟ من يدري فلعله يستحضر روعة لقائه بمن ينتظرون قدومه من بنين وحفدة، وبقية أصدقاء؟

ربما يكون تفكيره في مرأى الصغار -بفرحتهم وبراءتهم- وهو يوزع ما أحضره لهم من زاهيات الثياب ومفرحات الألعاب.

تأخر إقلاع الطائرة كثيرًا، وأضجر المسافرون طول الانتظار وحرارة المكان، وتعالت الصرخات والاحتجاجات، فغطت على أصوات الرضع والصغار من الأطفال، والرجل ساهم شارد لا يشغله ما حوله، ولا يقلق له بال.

زادت حدة الفضول لدي، وهممت أن أكلمه ثم أحجمت، فلماذا أقطع عليه خواطره، وأنتشله مما يستعرض خياله؟ إن استعادة الذكريات تنسي الهموم، وتريح الأعصاب، وتنقل الإنسان إلى مرابع الصبا، وملاعب الأحباب، وتجدد أحاديث اللذات والأتراب، فيختصر الزمان، ويتقارب المكان، ويحيا المرء معها فترات تألق وسناء، ربما يحياها صاحبي ويعيشها الآن، وقطع إعلان بدء الرحلة كل صوت وحركة، وسرنا في فضاء الله الرحب، كل يشغله ما هو قادم عليه. 

وشغلتني وجبة الطعام عن التفكير بأمر صاحبي الذي تناول طعامه على عجل، وطلب مزيدًا من السكر لزيادة حلاوة الشاي، وخيل إليَّ أنه أتى على طعامه على عجل، ليعود لتفكيره وشروده، وخاب ظني فما إن رشف آخر ما في كوبه حتى التفت إليَّ مسلمًا: الله يمسيك بالخير، رددت تحيته بأحسن منها، ولم أزد على ذلك وانصرفت لأتم غدائي، وتعلق بصره بتحركاتي وأنا أمسح الأطباق، وأحتسي الشاي، وأحسست كأنه يستحثني أن أنهي ما أنا فيه، وأن لديه رغبة في محادثتي وصدق حدسي، إذ سرعان ما قدم نفسه إليَّ من دون توطئة ولا تمهيد:

أنا أبو أحمد، أعمل نجارًا بوزارة الإعلام، قبل أن تسمى وزارة، رافقت جميع تطوراتها، عندي أبناء وبنات وأحفاد وأسباط، ربك متفضل علينا، أود تقديم استقالتي هذا العام، كبر سني وتعب جسمي، ولم يبق من موظفي المنجرة أحد في عمري، إلا رجلان تقاعدا هذا العام، ولولا وجودهما لصعب عليَّ الاستمرار، إنني مسافر إلى الضفة، فهذا موسم العنب والتين «أغسطس» والدراق، والخوخ، والصبر أيضًا،

واسترسل يعدد فواكه الصيف، وأنا أتابع حديثه، وأومئ برأسي، مبديًا الاستحسان، وكأنه أنكر صمتي وعدم مشاركته الحديث، فقطع كلامه ليسألني: وأنت هل تذهب إلى الضفة مباشرة أم ستتأخر في الذهاب؟ فاجأني السؤال وأعياني الجواب، إذ لم يخطر ببالي مثل هذا السؤال.

لقد ظن أنني من أبناء الضفة -وهو معذور- فنحن أبناء الأقطار الشامية يصعب تمييزنا وعزونا إلى أقطارنا من هياكل الأجساد وملامح الوجوه، إن أبرز ما يدل على موطن النشأة إنما هي اللهجة عند الكلام، وعلى الرغم من إجادتي تقليد لهجة أهل الضفة لكثرة معايشة أبنائها إلا أنني لا أستطيع ذلك، إلا متعمدًا ويعسر عليَّ الاسترسال في الكلام. 

غيرت مجرى الحديث سألته عن مدة إجازته، وأين سينزل؟ شرقت معه في الحديث وغربت، ظانًا أنني أفلحت في التمويه عليه، وأفلت من الإجابة على سؤاله، فما هي إلا لحظات حتى سألني: لماذا لم تسافر إلى بلدكم مباشرة؟ هل لك أقارب تود زيارتهم؟ كم ستمكث عندهم؟ إنك تستطيع السفر برًا، المسافة قريبة، والمواصلات ميسرة، والإجراءات سهلة، لقد سافرت عندكم منذ عشرين سنة، ومضى يصف رحلته بتفاصيل وجزئيات لم يقطعها إلا هبوط الطائرة على أرض المطار.

وبعد الانتهاء من إجراءات الدخول واستلام الأمتعة، وجدت أبا أحمد ينتظرني، حيث ودعني معانقًا، طالبًا الدعاء ألا يتأخر على الجسر، لأنه بشوق لأن يستمتع بموسم العنب والتين، والصبر في الوطن السليب.

مضى الرجل لينعم بما هو ذاهب إليه، لم يفارقني حديثه العفوي الصدوق، ولهفته على سرعة الوصول، وتمنياته ألا يطول وقوفه عند الجسر، فالشوق يعتلج في صدره، والانتظار خلف الحدود يفوق كل مشقات السفر.

هنيئًا لك يا أبا أحمد زيارة الوطن السليب، إنك ستعبر الجسر طال انتظارك أم قصر، وستكتحل عيناك بغبار الأرض التي أنجبتك، ونموت فوق رباها، ولم تنسك مصائب الدنيا حبها ولا الحنين إليها، ولسوف يسعدك شمیم هوائها، وخضرة أرضها وعذوبة مائها، وستعلوك شمسها وقمرها وأفلاكها، وتستعيد ذكريات العمر وأنت تعبر الدروب، وتسلك المنحنيات، ستسر بلقاء أحبابك، ويسرون بك، وهل متعة العيش إلا ذاك؟

      لقد استطاع أبو أحمد اجتياز الحدود -غربًا- واليهود يحتلونها، ويبدلون معالمها، ويذيقون أهلها مرارة العيش وألوان الهوان، وخلف زميله يرقب الحدود فيرى القرى والبلدان تلوح أعلامها، وتشع أنوارها، ولا يستطيع زيارتها أو العبور إليها. 

     لقد أصبحت قريبة على بعد، بعيدة على قرب، حال دونها ظلم يحيق بأهلها، وجبارون تسلطوا على مقدراتها، وحرموها المخلصين من بنيها، وأذاقوهم من الضر والأذى أفانين وألوانًا.


دور الوقف في تنمية المجتمع الإسلامي

أدى الوقف دورًا راسخًا في تنمية المجتمع، ومثل دور الأمة الرائع في التقدم والحضارة، وخفف من مسؤولية الحكومة والميزانية العامة

الدعوة إلى إحياء سنة الوقف يجب أن يتسع مجالها لتشمل كل الأجهزة بأسلوب علمي يجمع بين العقل والعاطفة

عرف الوقف بمعنى منع التصرف في رقبة العين التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، وجعل المنفعة لجهة من جهات البر منذ أقدم العهود، وإن لم يطلق عليه هذا الاسم، فقد عرفت الحضارات القديمة أنواعًا من التصرفات المالية التي لها شبه بالوقف، كما عرفت أوروبا الحديثة صورًا مختلفة من الأوقاف، ولكن ما عرف قديمًا وحديثًا من صور للوقف لا يبلغ مبلغ تشريع الوقف في الإسلام.

إن من أهم خصائص المجتمع الإسلامي أنه مجتمع الأخوة والمساواة والإيثار، وهذه الخصائص تفرض على المؤمنين بالإسلام أن يسود بينهم التكافل في العواطف والمشاعر، فضلًا عن التكافل في الحاجات والماديات، ومن ثم كانوا بهذا الدين كالجسد الواحد أو كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، ويعد الوقف من تشريعات الإسلام الخالدة التي لها أثرها البالغ في وحدة الأمة وقوتها وتنمية كل مجالات الحياة فيها.

إن المسلمين منذ عصر البعثة استجابوا لما دعاهم القرآن الكريم إليه من المسارعة إلى الإنفاق في السراء والضراء، وكانوا يتنافسون في هذا الإنفاق، وكان وقف الأموال من مظاهر هذا التنافس، حتى روي عن بعض الصحابة أنه قال: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذا مقدرة إلا وقف.

ثلث الأراضي الزراعية: وقد تتابع المسلمون بعد عصر الصحابة في وقف أموالهم لأعمال البر والخير، وعبر عصور التاريخ الإسلامي واتساع دائرة الأوقاف وضخامة الأموال الموقوفة، أنشئت الدواوين الخاصة بتنظيم الأوقاف والإشراف عليها، واستمر تيار الوقف في قوته واندفاعاته على الرغم من بعض المشكلات التي كانت تعرقل حركته في بعض الأحيان، حتى كاد يبلغ في القرن الثاني عشر الهجري في مصر نحو ثلث الأراضي الزراعية، فضلًا عن أوقاف الدور والحوانيت وما إليها.

ولم تكن سائر الشعوب الإسلامية أقل من مصر من حيث كثرة الأموال الموقوفة، وكانت هذه الأموال عماد التنمية بمفهومها الشامل في المجتمع الإسلامي، إن هذا المجتمع لم يعرف عبر تاريخه الطويل مؤسسات رسمية للدعوة الإسلامية، وإنما قام بأمانة التبليغ، ونشر الوعي الديني، وتفقيه الناس، كثير من العلماء والرحالة والمهاجرين وهؤلاء تخرجوا في دور العلم التي كانت المساجد مقرًا لها، وقد كان الناس يتسابقون في إقامة المساجد، ووقف الأموال عليها لصيانتها ودفع مرتبات العاملين فيها من أئمة ووعاظ وخدم.

إن المسجد في تاريخ الإسلام وما يزال ليس دار عبادة فحسب، ولكنه إلى هذا مصدر الإشعاع الروحي والعلمي للأمة، ولا غرو أن كان المسجد هو منطلق الحضارة الإسلامية، فقد كان الجامعة العلمية التي خرجت كل المفكرين والعباقرة في شتى المجالات، والذين قادوا مسيرة التطور الحضاري في العالم كله.

إن المسجد كان الموئل الذي يلجأ إليه كل من يريد أن يتفقه في الدين، وكانت حلقات العلم في المساجد في كل مكان من دار الإسلام لقاءات علمية مفتوحة، تيسر لكل راغب في العلم أن ينهل منها كيف يشاء.

وكان هؤلاء الذين يدرسون في حلقات المساجد، ويتلقون العلم عن شيوخ هذه الحلقات- هم دعاة الإسلام في داخل دياره وفي خارجها، لقد كانوا كتيبة الجهاد في الحفاظ على الهوية الإسلامية.

إن المسجد كان النواة الأولى للدعوة والحضارة الإسلامية، وكانت الأوقاف التي حبست عليه من أهم العوامل التي هيأت لهذه النواة أن تؤدي رسالتها كاملة في تبصير الأمة، بحقائق دينها، وفقه شريعتها، وفي إعداد الدعاة الذين جاهدوا في الله حق جهاده، فكانوا مشاعل تنير الدرب على طريق الحق والخير.

الوقف يدعم الموقف الحربي للأمة:

وإذا كان الوقف على المساجد قد غذى الدعوة الإسلامية برجال يفقهون أحكام دينهم وتعاليمه، ويجاهدون في سبيل نشرها وتبليغها، فإن الوقف كان له دوره من ناحية أخرى في حماية هذه الدعوة، ودفع غارات المعتدين عليها، وذلك عن طريق المؤسسات الوقفية الخاصة بالمرابطين في سبيل الله، يجد فيها المجاهدون كل ما يحتاجون إليه من سلاح وذخيرة، وطعام وشراب، ومن ثم كان لها أثرها الكبير في صد غارات الروم أيام العباسيين، وفي غزوات الغربيين أيام الحروب الصليبية. 

وقد ترتب على تلك الأوقاف الخاصة بالمرابطين رواج الصناعة الحربية، وقيام المصانع الكبيرة لها في أكثر من مكان في الديار الإسلامية، حتى كان الغربيون في الحروب الصليبية يفدون إلى بلادنا -في أيام الهدنة بيننا وبينهم- ليشتروا منا السلاح، وكان العلماء يفتون بتحريم بيعه للأعداء.

وفي العصر الحديث تصدى الوقف للمخططات الاستعمارية الباغية، على الرغم من أن هذه المخططات استولت على كثير من أموال الأوقاف، وأنفقتها في غير ما خصصت لها، لقد كان للأموال الموقوفة أثرها ودورها في المحافظة على إبقاء جذوة الإسلام متقدة، وفي المحافظة على قيم هذا الدين، وفي حماية المجتمع الإسلامي من سياسة التبشير والتنصير.

الوقف والنهضة العلمية: وأما دور الوقف في التنمية العلمية فهو کدوره في تنمية العمل من أجل الدعوة الإسلامية، فقد كان من وراء كل مظاهر النشاط العلمي في كل أرجاء الدولة الإسلامية، حيث بلغت الأموال الموقوفة على العلم والعلماء من الكثرة حدًا فائقًا، ومن هنا لم تكن تخلو مدينة أو قرية في طول العالم الإسلامي وعرضه من مدارس متعددة يعلم فيها عشرات من المعلمين والمدرسين.

وكانت الدراسة في تلك المدارس بالمجان ولجميع أبناء الأمة دون تفرقة بين فئة وأخرى، وكان للطلاب الغرباء والفقراء غرف خاصة للنوم ومكتبة ومطبخ وحمام، وكانت بعض المدارس إلى جانب ما تقدمه لطلابها من علم ترعاهم صحيًا، فقد كان بجوارها المستشفى التي تقوم بعلاج المرضى من الطلاب بالمجان، وأسهمت المكتبات الموقوفة إسهامًا كبيرًا في التنمية التعليمية، فقد كانت قبلة لطلاب العلم تعينهم على التزود بكل جديد من المعرفة، وتوفر فرص مواكبة الأفكار والآراء المدونة لمؤلفين ومفكرين من أرجاء العالم الإسلامي كله.

      لقد كان وقف الكتب العامل الأساسي في توفير المعرفة لطلاب العلم كافة على مدى قرون طويلة، كما أسهم هذا الوقف في انتشار المكتبات بأنواعها المختلفة في كل المدن والقرى الإسلامية. 

    إن الحياة العلمية في تاريخ الحضارة الإسلامية ما كان لها أن تحقق ما حققت من العطاء والعبقرية لولا الوقف الذي كان من وراء نهضة هذه الحياة وتنميتها، وما كان لها من إبداعات قادت إلى الحضارة المعاصرة.

الوقف والرعاية الصحية:

      وكما كان للوقف دوره في التنمية العلمية كان له دوره في التنمية الصحية، فقد كثرت الأموال الموقوفة على المستشفيات التي تقدم العلاج والدواء بالمجان، وكانت هذه المستشفيات -إلى جانب قيامها برسالتها في علاج المرضى- مراكز تعليم وبحث ودراسة، وهو ما يجري في العصر الحالي من إلحاق كليات الطب ومعاهد التمريض بالمستشفيات في العالم كله، ولذا كان دور الوقف في التنمية الصحية ذا شقين:

الشق الأول: اهتم بعلاج المرضى وفق أسلوب علمي، فالمريض يفحص في حجرة خاصة، وإذا دخل المستشفى أعطي ثيابًا غير ثيابه، وخصصت له حجرة مفردة، إذا كانت حالته المرضية تقتضي ذلك، وزودت هذه الحجرة بكل وسائل الراحة، وأشرف على علاجه أطباء عرفوا بالمهارة والحذق، وقدم له الدواء والغذاء المناسبين وبعد شفائه وعند خروجه من المستشفى يقدم له لباس جديد كالذي أخذه يوم دخل، ثم يمنح مالًا يكفي لنفقته مدة نقاهته حتى لا يضطر للعمل فتطول مدة النقاهة أو تنتكس حالته، وكانت المستشفى تقوم بالإنفاق على أسرة المريض في مكان إقامتها طوال مدة علاجه وبقائه في المستشفى، إنه نظام تأميني صحي لم تعرفه البشرية قديمًا وحديثًا.

وأما الشق الثاني المتعلق بدور الوقف في التنمية الصحية فهو خاص بتنمية العلوم الطبية، فقد كتبت مؤلفات كثيرة في هذه العلوم بتعضيد من الأموال الموقوفة، وبذلك أدى الوقف رسالته في مجال الدراسات الطبية، إلى جانب رسالته في مجال علاج الأمراض، ومقاومة الأوبئة، وحماية البيئة والمحافظة على الصحة العامة.

إن التنمية الصحية هي أساس كل تنمية في المجتمع، وقد أدى الوقف مهمته في هذه التنمية على خير وجه، مساعد بذلك على التنمية في شتى المجالات فالمرضى والضعاف لا يقدرون على العمل والإنتاج، وإنما يقدر عليه الأصحاء والأقوياء، ولذا كان المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير. 

والحديث عن دور الوقف في التنمية الاجتماعية حديث ذو شجون، فالأموال الموقوفة في مجال هذه التنمية حفظت على المجتمع تماسكه وترابطه، ومنحت الضعفاء فيه فرصة مواصلة الحياة دون شعور بالحرمان، والأموال الموقوفة إذا كانت قد حمت المجتمع الإسلامي من الأخطار والأضرار، ودفعت عن الضعفاء ما قد يتعرضون له من مشكلات فإن هذه الأموال حققت للمجتمع تنمية في المشاعر الإنسانية، وبذلك سادت المجتمع روح الإخاء والإيثار والمحبة والمودة، وتوارت فيه مشاعر الكراهية والأحقاد، ومن ثم تكون وجهة الجميع التعاون على الخير والبر.

لقد كان منطلق الوقف في التنمية الاجتماعية هو مفهوم الأخوة الإسلامية الذي يعني تضامنًا في المشاعر والمنازل والكرامات، وتكافلًا في ضرورات العيش وحاجات الحياة، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، وبذلك كان المجتمع الإسلامي هو المجتمع الراشد الراقي المبني على التراحم والتناصر.

التنمية الاقتصادية:

وكان للوقف -فضلًا عما سبقت الإشارة إليه من تنمية دعوية أو علمية أو صحية أو اجتماعية- دوره المهم في التنمية الاقتصادية، وتمثل هذا الدور في استمرار المؤسسات الخيرية في أداء رسالتها، فهذه المؤسسات مدها الوقف بالأموال التي تعينها على القيام برسالتها النبيلة، وهذه الرسالة تحقق التنمية الاقتصادية من وجوه مختلفة، كما أن الوقف أسهم في اتساع دائرة الحركة المالية بتوزيع قدر من الثروات على طبقات اجتماعية معينة، فيعينهم بهذا على سد حاجاتهم، ويزيد من الطلب على السلع المشبعة لتلك الحاجات فتدور عجلة التجارة، وينمو الدخل العام، ومادام الوقف هو حبس العين ومنع التصرف في رقبتها، وجعل منفعتها لجهة من جهات الخير، فإن هذا يؤدي إلى حفظ الأصول المنتجة، وإنمائها حتى يمكن استمرار الصرف منها للموقوف عليهم.

وفي العصر الحاضر أسهم الوقف بدور إيجابي في إنشاء المصارف الإسلامية، وهذه المصارف خطوة عملية جادة على طريق بناء الاقتصاد الإسلامي، وتحرير الاقتصاد المعاصر من أوزار الربا، كما أن بعض وزارات الأوقاف الآن تلجأ إلى استثمار ما لديها من أموال في شراء الأسهم والسندات لبعض الشركات، وفي هذا تنمية لهذه الأموال من جهة، وتدعيم المشروعات التنمية الإسلامية من جهة أخرى.

بناء الدولة:

وجملة القول أن الوقف في الإسلام مثل دورًا راسخًا في تنمية المجتمع، كما مثل دور الأمة الرائع في التقدم والحضارة، وأسهم في بناء الدولة، وخفف من مسؤولية الحكومة والميزانية العامة، لقد قام في الماضي ببعض ما تقوم به الآن وزارات التعليم والشؤون الاجتماعية والداخلية والدفاع والأوقاف، ومن هنا ينبغي العمل الجاد على إحياء دور الوقف في صنع التقدم، ومواجهة المشكلات التي يتعرض لها العالم الإسلامي اليوم، وما أخطرها من مشكلات؛ لأنها لو تركت دون علاج وحل حاسم فإنها ستقود الأمة -لا قدر الله- إلى الضياع أو فقدان الهوية الإسلامية.

إن الدعوة إلى إحياء سنة الوقف يجب أن يتسع مجالها لتشمل كل أجهزة الإعلام ووسائل النشر ومنابر التوجيه والإرشاد، وذلك بأسلوب علمي يجمع بين العقل والعاطفة، ويخاطب الفكر والوجدان، ويكشف في جلاء عن وظيفة المال في الحياة، ثم التخطيط الدقيق المدروس لاستثمار أموال الوقف، وإنفاقها في مصارفها المشروعة- سيعجل بعودة هذه السنة واتساع آفاقها و مواردها بصورة أقرب إلى ما كانت عليه في الماضي، إن لم تكن مثلها أو أحسن منها من حيث الإسهام الإيجابي في صنع التقدم والنهضة والحضارة الإنسانية، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (سورة الروم: 5)

الرابط المختصر :