; المجتمع الثقافي (1073) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1073)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1993

مشاهدات 70

نشر في العدد 1073

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 02-نوفمبر-1993

قصة قصيرة: السلسلة

بقلم: زكريا بوغرارة وجـدة - المملكة المغربية

بين يدي أمل رسالة الحبيب المغادر.. صار الآن طيفًا.. وذكرى تداعب المخيلة.. كان زوجها والحُب الإيماني هو الجامع بينهما.. فهو الوشيجة التي تربط الورى وتقويهم نحو الحياة. كانت ترى مع حبيبها عبد الحق أقزام النفوس وهم يجهدون ذواتهم حتى يقزموا الحق.. ويطمسوا حقيقته ليرضوا كبرياءهم الفارغة. كانت تراهم معه كمن يحاول حجب الشمس بغربال.

يدها ترتعش وعيناها الخضراوتان تمران سريعًا بين السطور.. دمعها السخين يسيل بغزارة من محاجرها المثقلة بالتعب والسُّهاد.. وحدها ترتوي هناك في غرفتها تجتر الذكريات.. هي تدرك أن عبد الحق لم يكن بطلًا من ورق.. بقدر ما رسخ في ذهنيها وثبت في اعتقادها أنه كان يقاوم ولا يساوم ويحترق في بوتقة الانصهار. ها هو يختفي فجأة بلا مقدمات ويتركها للفراغ والأسى.. يمضي بلا أشعار.

وتنطلق بنت الشفة تستنطق الحروف في رسالة عبد الحق.. أي أمل.. حبيبتي.. وزوجة الدرب الجهادي.. جمعنا الأمل.. وكان معنا الضياع في الوطن والبيدر.. كنا يا عزيزتي في هذه المقبرة نسمع أحاديث الأجداث عن فصول القيامة الكبرى. إني ماضٍ إلى ربي سيهديني.. ذلك القسم الذي أعطيته للإسلام والحياة يدعوني لأمضي حتى أعود يومًا وأستنقذك من الغربة بعد أن أستعيد مشروعيتي في الوجود.

أذكر ذلك القسم الذي رددته مع رفقة السلاح والحجر.. أقسم أن أكون إسلاميًّا في عقيدتي.. قرآنيًّا في سيري واقتحامي مؤتمنًا على كل سر.. جاهرًا بالحق ما حييت مستخفًّا بالجبت والطاغوت.. وكانت بعد القسم البيعة والعلم والميثاق.. أي أمل.. أن غسلوني ولفوني ودفنوني.. فربما أقوم لهم مرة أخرى لأجابههم.. فأقضي إلى ربي مرة ثانية شهيدًا منتصرًا.

هذا القسم يدعوني اليوم لأصعد الجبل إلى تابلاط.. مع إخواني لنَتِم مشروع الإنقاذ الموقوف، قد حان موعد الانطلاقة.. الخلاص يا عزيزتي اليوم في زخات الرصاص تدوي من الجبال في البليدة والحراش وبوقادير (أماكن تواجد الإسلاميين في الجزائر) تدوي من جبال التحريم؛ حيث كان أجدادنا الشهداء ينطلقون للمواجهة. كانوا يواجهون الكفار.. واليوم ها نحن سنواجه أذناب الكفار فراخ إبليس.

اصبري.. يا أمل وغدًا يكون الفرج يأتي الخلاص.. فلا السجن يثنينا ولا الاعتقال التعسفي يعوقنا.. ولا ضربهم إرادة الشعب واختياره عرض الحائط يفصلنا عن تحقيق الموعود.. هي..  نهج إخواننا السابقين عندما رفعوا السلاح، كأني بهم أدركوا وقتها أن لا خلاص لنا إلا بتطهير أرضنا المباركة من أرجاس الاستعمار. لا تحزني.. واثبتي ولقني أطفالنا كيف يكون الموت نصرًا.. والظفر قبرًا..

علميهم أن بلادنا جميلة.. وأن أيدي البغاة لطختها بالسواد ولابد أن نأخذ حقوقنا بكل الوسائل.. وأسباب القوة.. ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾.. ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: 14). ها قد التف حول هذا الشباب المنقذ الناس، ولا ريب أن رجوعنا أقرب في وقته الزمني قرب الله منا. أي أمل.. كوني الأمل لأطفالك في غد إسلامي القسمات.. لعلّ الله يهيئ خالدًا جديدًا.. يستنقذ هامة الأمة التي ترفل في قيود الذلة والصغار.

إنني على موعد مع جبال تبلاطت.. فهي البديل عن السجن.. وميتة الجبناء.. العُزل من كل شيء. إني لست فارًا من شيء.. بل معتصما بالجبل لأمارس دور تصحيح المسار الذي انحرف.. وأني لم ألجأ إلى الجبل بل لجأت إليه.. اضطرارًا.. وغدًا حتمًا أعود.. لأحيا في ظلال دولة الإنقاذ بحق.. إن لم أمض مع قوافل الشهداء إلى الجنة. زوجك - عبد الحق

أمل تطوي رسالة الحبيب المجاهد.. هي الآن تشعر بطمأنينة تسري في أوصالها.. نادت طفلها منقذ.. فأقبل نحوها.. وتبسم ضاحكًا من فرط لهفتها عليه. ضمته إليها بحنان وأسرت في أذنه بكلمات قصيرة المفاد عميقة المأوى. «إنها السلسلة». ثم ابتسمت بدورها وهي تسترجع ذكريات والدها عبد القادر وهو يقف منتصب القامة أمام المحكمة الفرنسية -عهد الاستعمار- ويقول بأعلى صوته: -احكموا علىِّ بالسجن المؤبد أو الإعدام. لن تعيشوا فوق أرضي لن تطيروا في سماء (القصة تدور حول مجاهد من مجاهدي جبهة الإنقاذ).

 


واحة الشِعر

 

خواطر في زمان السلام

 

د. محمد وليد

 

عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية

 

قيل افرح..

 

زمنُ السلَم أطلّا

 

وهلالُ السعد هلّا..

 

قلتُ كلا..

 

ما أطلّا

 

وجراحي لم تزل تَقطرُ ذُلا.

 

* * *

 

قيلَ في الأفق حَماٌم.. أبيضُ

 

يحملُ الزيتونَ أغصانًا تدلى..

 

فتمعنتُ وأبصرتُ صقورًا...

 

تملأ الكون شُرورًا..

 

وغرابًا قد أطلا..

 

قلتُ يا قومُ خدعتوني فقالوا

 

أنت أعمى!!

 

لا ترى الفجرَ المُطلّا

 

قلتُ أعطوني من العَجز عيونًا..

 

لأرى الأشواك فُلًا

 

وأرى الصحراء جناتٍ وظِلًّا...

 

وأرى العقل جنُونًا

 

وأرى الخِسّة جلُىّ

 

وأرى الخَلّ عدوا..

 

وعدو اللهَ.. خِلًّا..

 

قَصَفَتْ عقلي فتاوى..

 

تدَعُ العقلَ أشلَّا..

 

وفقيهُ السلم يجري..

 

يَمدحُ السِّلمَ المُذِلّا

 

قلتُ مَنْ هذا؟ فقَالوا..

 

عالمُ بَرّ تقي..

 

قلتُ يا قومُ دعوني..

 

إنِّه صِلّ.. ولو صام وصلى..

 

* * *

 

ما رأيتُ الظلمَ يومًا قد تجلى..

 

مثلما اليوم تجلى..

 

كُلما زَفُّوا إلى العدل عَروسًا..

 

رُحت فيها أتملى...

 

فأرى وجهًا عجوزًا دَرْدَبيًا..

 

سَئِمَ العُهر وملّا..

 

وأرَى العقل حبيسًا..

 

يجرعُ السُّمَ المُحلى

 

وأرى الشهم خسيسًا..

 

 بِدِمانا يتسلى..

 

* * *

 

آه یا ذاکرتي ماذا بعقل القوم حَلًا...

 

هل رأيتم صاحبَ الحق عن الحقِّ تخلى..

 

قيل إنا ضُعفاُء..

 

عِزّنا راح وولى..

 

وَعَدوُّ الأرض ألقى رَحْلهُ فيها وحَلًا..

 

قلتُ لا تُعطوه صكًا..

 

إنّه يملكُها شرعا وإلّا..

 

مَلَك اللصُّ مع الأرض سجِلًا..

 

یا أحبائي وجُرحي راعٌف..

 

ما رأيتُ الحقُّ يومًا قد تجلى..

 

مثلما اليوم تجلّى..

 

فجنود البغي في وادٍ تَولّوا..

 

وفصيلُ الحق في وادٍ تولى..

 

إنها لحظةُ فرقانٍ وتمييزٍ وجُلّى..

 

* * *

 

إنها لحظة ضوء..

 

تدعُ الأعشى بصيرًا..

 

بعدما تاه وضلا..

 

إنها المعركة الكبرى أتت..

 

والنصرُ من قلب انكساري..

 

قد أطلّا..

 

 


النقد الأدبي الإسلامي وآلام المخاض

بقلم: إبراهيم بن منصور التركي

في الوقت الذي ارتفع فيه صوت الدعوة إلى الأدب الإسلامي بشكل جهير، ومن جمع يستحيل تواطؤهم على الخطأ، أجد في ذهني بعض تساؤلات تمشي على استحياء، تسأل ولا تجيب، تطلب الفهم ولا تدعيه، تنأى عن السلطوية التي تصادر الرأي الآخر وتلغيه، وهي -في زعمي- تذكير يستهدف إعادة ترتيب الأولويات من واقع ما كتب حول ذلك الموضوع.

وقبل أن أنثر كنانتي أرى لزامًا عليَّ التنبيه إلى أمرين مهمين؛ أولهما: إننا نتفق جميعًا حول مشروعية الأداء الأدبي الإسلامي متى تحقق للنص أدبيته، وجاء عفويًا مبنيًا على تصور إسلامي صحيح. ومن ثم فلن تتناول كلماتي هذه تلك النقطة لا من قريب ولا من بعيد، وثانيهما: أن أمر الخلاف في شأن مصطلح الأدب الإسلامي أمر هيّن، فلا مشاحة في الاصطلاح -كما قيل- ولأجل هذا لم أحاول إدارة الخلاف وتسويد الصفحات للنقاش فيه لاعتقادي بأن الموضوع أخذ حجمًا أكبر من حجمه الطبيعي، وإن كنت سأعرج على هذا الموضوع - بشكل عابر - في آخر المقال.

إن كلماتي هذه آلمها أن تصبح جهود منظري الأدب الإسلامي جعجعة بلا طحن، أو مجرد إثارة للغبار تميل إلى الجهد التنظيري، وهي عن الجهد التطبيقي بمعزل، لقد انشغل النقد الإسلامي بقضية ليست هي قضيته الأصلية، فراح يطرح على نفسه التساؤلات، ويحاول أن يبحث لها عن إجابات من مثل: هل يكون هناك مصطلح أو لا يكون؟ أو هل تشترط إسلامية الأديب أم يكفي أن يوافق النص التصور الإسلامي؟ أو هل يضعف التزام الأديب المسلم من جماليات النص؟ وهلُم جرا، حتى صارت تلك التساؤلات نتوءات تتطلب منه تسوية عاجلة!!

وحتى لا نُهيم أثناء كلامنا في كل وادٍ سنحاول أن نعرض واحدة من تلك الإشكاليات التي اندلقت أقتابها كمثال على تلك الجهود التنظيرية التي يقوم بها دعاة الأدب الإسلامي. إن المفهوم الذي يورده كثيرون للأدب الإسلامي هو أنه التعبير الأدبي الجميل عن الكون والإنسان والحياة من خلال التصور الإسلامي (1) وبرغم أن هذا المفهوم هو أفضل المفاهيم التي طُرحت وأشملها، إلا أنه أورد في الأذهان التساؤل الآتي: إذ هل تكون إسلامية التصور شرطًا في القول أم في القائل؟ في النص أم في الناص؟

وهي الإشكالية التي يعبرون عنها باشتراط إسلامية الأديب من عدمها. فلو قيل بأن وجود التصور الإسلامي في النص كاف لاعتباره أدبًا إسلاميًّا، فسنضطر لإدخال أدباء غير مسلمين تحت دائرة الأدب الإسلامي، وهو الذي فعله المفكر الإسلامي محمد قطب عندما عد من نماذج الأدب الإسلامي قصائد للنصراني الأيرلندي سينج وللهندوكي طاغور (2)، وكذلك فعل الدكتور عماد الدين خليل مع الكاثوليكي الإسباني كاسونا (3).

وبالمقابل سنضطر إلى إبعاد بعض الشعراء المسلمين الذين شاب شعرهم بعض الشوائب من دائرة الأدب الإسلامي، أو يتم جعل بعض نصوصهم إسلامية وبعضها الآخر غير إسلامي. أما لو اعتبرنا إسلامية التصور شرطًا ضروريًّا في النَص والناص معًا، فسنقع في ندرة الأعمال التي ينطبق عليها هذا القيد، فضلًا عن إخراج نصوص لا يرفضها الإسلام من هذا المصطلح؛ لكون قائلها غير مسلم، بالإضافة إلى أن هذا القيد يفترض اعتماد الأدب الإسلامي في تشكله على وجود تصور إسلامي سالف لدى المنشئ، وهذا الأمر وإن انطبق على بضع حالات فردية يعد شذوذًا لا يكون ظاهرة تستحق حمل المصطلح.

وتظل محاولات الخروج من إشكالية: «تصور النَص أم الناص؟» مجالًا رحبًا لمحاولات التوفيق الجادة، وكان حل هذا المأزق هو الطريق الأول والأخير إلى أسلمة الأدب؛ إذ نجد بعض الباحثين يقترح أن يتم تعديل المصطلح ليصبح: «آداب الشعوب الإسلامية» أو «أدب الأمة الإسلامية».. وبهذا تبقى آداب الشعوب الإسلامية دون مصادرة عامة، فما وافق منها التصور الإسلامي فهو الأدب الإسلامي الحق، وما لم يوافق مبادئ الإسلام فلا نصادره أو نجعله دون هوية أو انتماء(4). ورغم أن هذا المصطلح الجديد أقل تبعات من المصطلح الرئيسي إلا أنه يبيّن حجم الهاجس الذي يمكننا بضرورة إيجاد مصطلح «أيًّا كان!!»

إنني عندما أقرأ أمثال تلك المحاولات التنظيرية يقفز إلى ذهني تساؤل عن الفئة التي يفترض أن تخاطبها هذه الكتابات. هل هم أولئك الذين يحملون همّ التناول الإسلامي ولا يقبلون المصطلح؟ أم هم الذين يحملون هويات إسلامية وهم نافرون من الإسلام؟ فإن كان الخطاب الفئة الأولى فإن اقتناعها بالمصطلح لن يزيد من حماسها للإسلام، وعدمه لن يكون سببًا في فتورِه. فَلِم إذن - كل هذا الصخب التنظيري الذي قد لا يغيّر من الأمر شيئًا؟ ولِمَ نصر على إثاره إشكاليات سيتمخض عنها تكسير الجمع الأدبي الإسلامي واشتقاقه إلى صيغ إفرادية أخرى يؤيد بعضها ويرفض بعض ويتوقف في الأمر آخرون؟

أما على افتراض أن الخطاب موجه لأولئك النافرين من الإسلام والذين لا يحملون التناول الإسلامي همًا، ففي هذه الحالة نعيد تساؤلًا عامًا مفاده: هل يتم ترغيب الناس في الإسلام بذِكر محاسنه أم لا؟ إن المفكر الإسلامي محمد قطب الذي أورد هذا التساؤل ينبه إلى محاذير عدة يمكن أن يجرنا إليها هذا المنهج. أولها وأهمها «اعتبار الإسلام متهمًا ينبغي أن تنبري أقلامنا للدفاع عنه» (5) وهو الأمر الذي وقع فيه الدكتور عبد الرحمن العشماوي في مقالاته عن «إسلامية الأدب» التي نُشرت في مجلة البيان (6)، وحتى لو تخلصنا من ذلك المحذور واستطعنا الإقناع فإن «الشباب المسلم» - أو الذي يحمل أسماء إسلامية وهو نافر من الإسلام- لن يرده إلى الإسلام الاقتناع العقلي بأن الإسلام يملك حلولًا عملية للمشاكل المعاصرة.. ذلك أنه لم يدع من جانب العقيدة التي تحركه للتنفيذ، إنما دعي من جانب التفكير العقلي(7).

إن رغبة جامحة تخامر نفوس المنظرين نحو أسلمة جميع مناحي الحياة، كانت أحد الدوافع الرئيسية الداعية إلى ذلك الجهد التنظيري؛ خاصة وقد أصبح الإسلام يعيش غربته الثانية، وقد بدت سيادة بعض قيم الحضارة الغربية الكافرة واختفاء صوت الإسلام. إلا أن هذا الفساد العقدي والجهل الإسلامي المستشري في جسد الأمة لا يمكن إزالته ببضع كلمات حول ضرورة المصطلح أو جدواه. إن الطريق إلى أسلمة المجتمعات لا تبدأ بالجسد مع أطرافه، وإنما تبدأ إنعاش القلب أولًا؛ ليعاود ضخه الطبيعي، يجب طرح التصورات الإسلامية الصحيحة – قبلًا - وإحلالها مكان تصورات الجاهلية السائدة.

والأدب - لو وجد وحده - لا ينشئ مجتمعًا، ولكن المجتمع يؤثر في الأدب ويشكله ويصبغه بصبغته؛ لأن الأدب -كما قيل- مرآة تنعكس على صفحتها مؤثرات المجتمع ومتغيراته، فما ماذا نرجو أن يعكس الأدب المعاصر غير التجاوز العقدي والانحلال الأخلاقي؟! إن تأملًا واعيًا لحياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه يؤكد أن الدعوة إلى توظيف السلاح الأدبي لم تظهر إلا بعد وجود المجتمع الإسلامي الصالح في المدينة المنورة.

لقد كانت الدعوة إلى المواكبة الشِعرية في العهد المكي حركة مجهضة، منع من ظهورها اشتغال الصحابة بالحركة المناسبة، حركة ترسيخ العقيدة وتعميق فعلها في النفوس. ويوم أن استوطن الصحابة المدينة وأشربوا من قلوبهم مبادئ الإسلام، قال الرسول صلى الله عليه وسلم لحسان: «اهجهم وروح القدس معك» وقال للصحابة - قبل ذلك -: «ما منع أقوامًا نصروا الله بأيديهم أن ينصروه بألسنتهم» أو كما جاء في الحديثين.

وعلى هذا تكون تلك الجهود التنظيرية الأدبية تأسيسًا لبنيان على شفا جرف هار، وبلا قاعدة صلبة راسخة يقف عليها. إن كثيرين ممن يوردون أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لحسان يوردونه معزولًا عن سياقاته الزمنية، وبتغييب ركن شديد يجب أن يأوي إليه النَص. هذا الركن هو استخدام السلاح الأدبي أداة هجومية تغشى مواقع الكفار وتصب عليهم قذائف كلماتها.

أما النقد الإسلامي فقد نزل بساحة الأعمال الأدبية الإسلامية -فقط- شارحًا ومفسرًا، ولما لم يكن على درجة من العقوق؛ فإنه لم يشأ أن يغادر تلك الساحة إلى ساحات أدبية أرحب.. ومن ثم نشأ انطوائيًّا لا يتعامل إلا مع المحيط الذي تربى في كنفه هذا النهج الذي انكفأ فيه النقد الإسلامي على ذاته، ترك الأدواء الأدبية تستشري في جسد الأمة دون كشف زيفها أو تعرية خبيثها، وترك الأدوار يلعبها ممثلون صدئون زرعوا العفن والإعجاب في نفوس بعض الناشئة. لقد سلك النقد الإسلامي طريقًا وحيدًا، وأهمل طرقًا آخر قد تكون أساسًا ندلف من خلاله إلى بوابة الأدب الإسلامي. وقد لا يتأتى لعقل واحد أن يأتي على كل الطرق المتاحة والممكنة..

من شروط إسلامية الأدب: 1- يتم اعتبار إسلامية الأدب أصلًا، والأصل لا ينبه عليه -كما يقال- وإن لزم وضع المصطلح أو الحصر فللآداب المنحرفة؛ حيث «يجب أن نصنف الأدب الماجن والفاسق والمكشوف ونحدده ونحصره ونضيق عليه ونسميه باسمه، فيبقى الحِجر والحصر للأدب المرفوض دينيًّا، وليبقى الشمول والانطلاق للأدب العربي الإسلامي دون تعليق لافتة الإسلام عليه، لتكون القاعدة العريضة للأدب العام الذي لا يحصر ولا يقنن»(8). ولمعترض أن يرفض هذا الرأي، وله الحق في ذلك غير أنه يجب أن نغفل – مؤقتًا - أمر هذا الاختلاف، ولنجتمع فيما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه، خاصة وأن هذه القضايا ليست من أصول الدين ولا فروعه، وإنما هي وجهات نظر قابلة للقبول والرد.

2- العمل على تصحيح التصورات الجاهلية السائدة، وإحلال التصور الإسلامي الصحيح مكانها، فإن ذلك كافٍ لإصدار أدب صافٍ يلتزم الإسلام ويراعي حدوده. وهذا هو الذي حدث في مجتمع الرسول صلوات الله وسلامه عليه، إلا أن هذا لا يعني أن نكمم أفواه المبدعين المسلمين الموجودين الآن، وإنما يترك لتلك الأصوات حريتها - وفق ضوابط الإسلام - في القول والإبداع، وأن تحرص على نشر إبداعاتها الإسلامية في مختلف الصحف والمجلات والدوريات. على أنه يجب التنبيه إلى أن يتم اعتبار تلك الأصوات الإسلامية كسائر الأصوات الأخرى، يترك للنقاد حرية التعامل معها وفق عطائها الأدبي، فلا تعطي قداسة تجعلها فوق مستوى النقد، فهي - في كل الأحوال - جهد بشري يحتمل الخطأ والصواب.

3- يجب أن يواكب الجهد الإبداعي السابق جهد نقدي مكثف، يتعامل مع جميع النصوص الأدبية وفق منظور إسلامي - لا يغبط النص حقه، ولا يتغاضى عن أخطائه، فهو كما يستكنه ملامح إبداعه الشكلية والمضمونية، لا ينسى أن يحاكمه سلبًا أو إيجابًا من خلال التصور الإسلامي، فيكون مهاجمًا بعِزة بدلًا من دفاعه من المواقع الخلفية. وقد كان هذا دأب نقادنا القدماء جميعًا في تعاملهم مع النصوص الأدبية المختلفة (9).

إن في ذلك -لو حدث- تأسيسًا لنظرية نقدية إسلامية تتعامل مع سائر النصوص، كما أن فيه دعوة ضمنية إلى التزام القيم الإسلامية في الكتابة الإبداعية، بل ربما كانت أساسًا يمكن من خلاله أسلمة الأدب باعتبار النقد خالقًا للعمل الأدبي وسببًا في إيجاده أحيانًا. إن الطريق إلى نشر الأدب الإسلامي لا يبدو سهلًا يسيرًا؛ بل تعترضه عوائق كُثر، وقد لا نستبشر بولادته - بصورته المتكاملة - إلا بعد أن نستشعر آلام المخاض؛ ولذا يجب أن تساهم جميع الجهود الأدبية، النقدية والإبداعية التنظيرية والتطبيقية في إيجاد الكيان الأدبي الإسلامي، وعليها - مع ذلك - محاربة الإبداع المنحرف ومجابهته وإجهاضه، فإن إعادة البناء تستلزم إزالة الركام السابق قبل الشروع في البناء الجديدة والله الموفق.


الهوامش: (1) منهج الفن الإسلامي ص 6 محمد قطب دار الشروق 1403هـ.

 (2) السابق، تنظر الصفحات 199، 212.

 (3) مدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي ص 215 د. عماد الدين خليل مؤسسة الرسالة 1407هـ.

 (4) ملف علامات النقدي ص 185 المجلد الثاني / الجزء السادس مقال للدكتور محمد مريسي الحارثي - طبع نادي جدة الأدبي.

 (5) واقعنا المعاصر ص 511 محمد قطب مؤسسة المدينة للصحافة والطباعة والنشر 1410هـ.

 (6) ينظر إلى مجلات البيان في الأعداد 59, 60, 61, 63.

 (7) واقعنا المعاصر ص 516 محمد قطب.

 (8) مجلة الدارة السعودية - العدد الثالث / السنة الثامنة عشرة مقال للدكتور مرزوق بن حينتان بن تنباك بعنوان «مصطلح الأدب الإسلامي ص 75».

 (9) ينظر مقال الدكتور بن تنباك في مجلة الدارة فقد تعرض لهذا الموضوع بالتفصيل في الصفحات (79 – 93).

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

121

الثلاثاء 12-مايو-1970

دعوة الحق: اللَّه أكبر (شعر)

نشر في العدد 11

122

الثلاثاء 26-مايو-1970

في رثاء الشهيد باعبّاد