العنوان المجتمع الثقافي ( العدد 1210)
الكاتب المحرر الثقافي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يوليو-1996
مشاهدات 77
نشر في العدد 1210
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 30-يوليو-1996
ومضة
إعداد: مبارك عبد الله
ليست الحكمة قيمة كمالية يتحلى بها من يشاء ويتخلى عنها من يريد، وإنما هي ضرورة لا بد منها لصلاح السلوك، وهي أكثر ضرورة وإلحاحًا إذا تعلق الأمر بالتعامل مع الآخرين.
تجلى لي ذلك وأنا أرى جاري يتشاجر مع عابر سبيل يتعرف على أرقام المنازل ويقارنها برقم كتب على ورقة صغيرة في يده، ظنًّا منه أنه ينوي به شرًا، كما حدث قبل مرة عندما تعرض منزل للسطو على يد أحد الغرباء عن الحي.
وعندما تجمع الناس على صوت الشجار أخبرهم الرجل بأنه جاء لزيارة أحد فضلاء الحي وأنها المرة الأولى التي يأتي فيها لزيارته.. اعتذروا له عما حصل وسار معه أحدهم ليدله على منزل صديقه الفاضل، بينما توجه الآخرون باللوم إلى الجار المتسرع الذي أحس بالحرج وبدا في حالة لا يحسد عليها.
بعد أن انصرف الجمع تقدمت منه أخفف من حرجه وأجاذبه أطراف الحديث من محاولة لنصحه وإقناعه باختيار المسلك الصحيح واللائق في مثل هذه الحالات.. دافع عن نفسه بأنه وهو يرى الرجل يتأمل في واجهات المنازل تخيل أنه نسخة أخرى من ذلك الذي روَّع الحي بجريمته النكراء وهرب قبل أن تصل إليه يد العدالة.
قلت له: المجرم يفلت من أيديهم، وأنت تمسك البريء لتنتقم منه!!.
قال وقد هدأت نفسه قليلًا: إنه استقراء خاطئ.. قلت وقد أدركت قصده وهل كل الغرباء سواء؟ وهل كل من يدخل الحي من غير أهله يكون شريرًا أو مجرمًا؟
أليس من الظلم أن نعمم أحكامنا على الجميع؟ فإذا أساء إلينا إنسان ينتمي إلى بلد ما أو مهنة معينة، شعرنا بالغيظ كلما رأينا واحدًا من أبناء هذا البلد أو تلك المهنة واندفعنا لتجريمه ورد الإساءة إليه.. إننا بحاجة إلى الصبر الذي يحول بيننا وبين العجلة المخجلة، وإلى الفهم الذي يعصمنا من الزلل المحرج، قال: هذه عناصر الحكمة، قلت: ها أنت تعرفها، قال وسأتمثلها في كل عمل أو تصرف أقوم به بعد اليوم إن شاء الله.
قلت: ليت أصحاب الشأن يدركون هذه الحكمة، فلا يأخذون البريء بجريرة المجرم، وهم أهل لذلك.
قصة قصيرة: بيت العنكبوت
بقلم: عبد الرحمن فرحانة
يهود يهود يهود يهود *** خنازير غاب ونسل القرود
نشيد يردده في دربه المتعرج بين بيارات البرتقال.. يسلِّي به نفسه.. ويفرغ بعضًا من شحنة الحقد التي تختزن في صدره نحوهم.. بينما عربته الخشبية ذات العجلات المهترئة تسير بانسياب فوق التراب الممهد وخلال بقع الطين الأحمر التي تشكلت بسبب تسلل المياه أثناء سقاية البيارات المجاورة للطريق.. وحماره الفتِيُّ يجر العربة مندفعًا إلى الأمام وحوافره تضرب الأرض وفق معزوفة طبيعية تطرب لها أذنا الحمار فيُمعن في الجري نحو عريشة الحاج أبي صالح.. هناك في مزرعته بالتلَّة القبلية.
وعند العريشة الشماء التي تقبع في سفح التلة كأنها مركز مراقبة عسكري وقف حمار الحاج أبي صالح.. في نفس مكان مربطه اليومي... ونزل الحاج أبو صالح من مركز قيادة العربة كضابط صارم وأشار بيده لولده لكي يفك الحمار ويربطه في مربطه الخاص.. وانطلق صالح بحركة خاطفة ليفك الحمار.. وعاد وبين يديه برتقالة مبللة بقطرات الندى.. وأخذ ينزع قشرها بأظافره ليلتهمها قطعة قطعة على الريق.. لأنها فطوره اليومي كل صباح، ولكن والده يرقب حركته هذه المرة بنظرات خاصة فجرت في أعماقه مخزون الذكريات المُرَّة.. وأشار بعصاه التي يحملها نحو البرتقالة قائلًا لولده:
- أتعرف من زرع شجرة البرتقال التي اقتطفت منها هذه الحبة؟
- لا.. قالها صالح وهو يمضغ البرتقالة في فمه.
- إنه جدك.. لقد زرع معظم أشجار الزيتون والبرتقال في هذا السهل المُطِلّ وعلى سفح هذه التلة.. يرحمه الله.. كان رجلًا جَلدًا يحب العمل، وكان مسكونًا بحب الأرض.. وكان يكره اليهود حتى الموت لأنه يعلم أنهم يريدون انتزاع الأرض من بين يديه.
وتقدم صالح نحو أبيه خطوات قليلة ليسأله:
- أبي.. بالأمس ذكروا اسم جدي في ديوان القرية.. وقال المختار للحاضرين.. عليكم أن تكونوا مثل أبي درويش.. استشهد عائدًا من المسجد.. وفوق تراب تلته.. وتحت جنازير جرافاتهم.
- أبي أريد أن أسمع حكاية جدِّي من بين شفتيك.. وتسللت كف الحاج أبي صالح بخفية نحو محاجر عينيه لتكفكف قطرات من الدمع هبطت من حدقتيه لتبلل أطرافًا من أعالي لحيته الكثة.. وتقدم خطوات نحو الغرب وأشار بعصاه قائلًا:
- هناك في تلك التلة قتلوه.
وسارع صالح ليسأل:
- كيف يا أبي؟
وبدأ الحاج أبو صالح يعتصر ذاكرته ليحكيَ بكلمات نازفة:
- كنت يا ولدي صغيرًا.. وكان جدك يرحمه الله مليئًا بالعنفوان وكأنه بركان متحرك.. لا يعرف الركوع إلا لمولاه الأعلى سبحانه.. كان يحب المسجد.. والمسجد يحبه.. إذا أقبل إلى المسجد صاح الصبية الصغار في أزقَّة القرية.. جاء أبو درويش.. جاء أبو درويش، وفي يوم اشتد حرُّه وازرقت سماؤه، وقرص الشمس يسخن سطح الأرض كأنه مقلاة كبرى.. رآهم جدك يجرفون أرضنا في سفح التلة.. قفزت الدماء لوجنتيه واحمرَّت حدقتاه غضبًا وحنقًا.. لم يمهلهم.. ولم يسألهم عما يفعلون.. وعلى الفور رمى عصاه الشهيرة التي أعدها من أغصان هذه الليمونة.. وأشار الحاج أبو صالح لشجرة ليمون صخمة قبالتهم.. ففقأت عصاه إحدى عيني سائق الجرافة اليهودي الذي يجرف تلتنا، وصاح بهم بكل ما أوتي من قوة:
- اخرجوا أيها الكلاب من أرضي.. فوالله لن تأخذوا شبرًا واحدًا منها وفيَّ عرق ينبض وشفة تنطق.. وتقدم نحو الجرافة.. فهاجمه سائقها فهرسه بين جنازيرها.. وهجم أهل القرية صغيرًا وكبيرًا.. طفلًا وامرأة.. فانسحب المستوطنون اليهود.. وبقيت الأرض لنا حتى الآن.. لقد كانت دماء جدك ثمنًا لتراب تلتنا.
وامتدت كفَّا صالح لوجهه البريء ليكفكف دموعه المنهمرة.. وقال بصوت متهدج:
- ولكنهم يقولون يا أبي.. إن رياح السلام ستهب على تلالنا.. وسنعيش معهم.. لننسى جميعًا ملفات الذاكرة السوداء.
فصاح الحاج أبو صالح وكأنه مدفع يقصف:
- وهل ستذهب دماء جدك هدرًا.. وأشار بإصبعه نحو الشمال ليقول بكلمات حزينة.. وهل بالسلام سيرحل قطعان تلك المستوطنة عن أرض عمك «أبو العبد».. لا يا بني.. إن هؤلاء لا يخشون إلا صوت القنبلة ورائحة البارود.
- ولكنهم يا أبي أقوياء الآن ونحن..
فقال الحاج أبو صالح مقاطعًا ولده:
- لا تقلها يا ولدي.. نحن أقوى منهم.. بديننا.. بإرادتنا.. بحقنا.. بكل شيء نملكه فوق هذه الأرض.
أتود أن تكون أقوى منهم يا صالح..؟.
فأجاب الولد بلهفة:
- نعم يا أبي.
- إذن احمل مصحف جدك في يدك اليمنَى واحمل قنبلة في الأخرى.. تكن أقوى منهم.
وأحب أن أُسمعك كلمات فلا تنسَها أبدًا،، هل رأيت العنكبوت الذي يعشعش في زاوية سقف حظيرة حمارنا هذا..؟
فأجاب صالح بدهشة بالغة:
- نعم لطالما رأيته!!.
فقال الحاج أبو صالح بكلمات تخرج من بين شفتيه كأنها رصاص منهمر:
- إن دولتهم يا ولدي.. أوهن من بيت العنكبوت المعشعش في سقف حظيرة حمارنا هذا.. وسيأتي يوم تصطف به عظامهم في مقابر الغزاة الذين طوتهم أرضنا!!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل