; المجتمع الثقافي (1252) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1252)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1997

مشاهدات 79

نشر في العدد 1252

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 03-يونيو-1997

ومضة

«مواضيع تافهة ينشغل بها مجلس الأمة هذه الأيام!! ناسيًا أو متجاهلًا المواضيع الحساسة، مثل قضايا الواسطة والرشاوي والفساد الإداري والأداء الاقتصادي والإنتاجية والتنمية و... إلخ».

هكذا وبكل الحماس، يتصدى المفسدون لقانون منع الاحتفالات وعروض الأزياء التي تتعارض مع آداب الشريعة الإسلامية.

ومجاراة لهم في منطقهم إذا كان الموضوع تافهًا كما تزعمون، فلماذا تهتمون به كل هذا الاهتمام؟ ولماذا لا يترك واحد منكم عموده أو زاويته أو مقالته بعيدة عن التفاهة- أقصد الحديث عن منع الحفلات؟ لماذا انسقتم للحديث عن التفاهة ولم تملكوا أنفسكم عند الولوغ فيها، والغوص في أوحالها وأقذارها؟

هل فرغتم من المشاريع التنموية، وقضيتم على المحسوبية، ونجحتم في الأداء الاقتصادي... ولم يبق في برامج عملكم إلا الاستخفاف بمجلس الأمة وما يناقشه من قرارات ومواضيع وتوصيات؟

ثم.. لو أن مقدمي الاقتراح كانوا على شاكلتكم، فطالبوا بالمزيد من هذه المهرجانات، وفتحوا الباب على مصراعيه لاستقدام واستقبال كل الأشكال والمعروضات اللا أخلاقية... هل كنتم ستقفون نفس الموقف منهم؟ هل كنتم ستصفون مقترحاتهم بأنها مواضيع تافهة؟ أم أنكم عندها ستطبلون وتزمرون للانفتاح الحضاري، والتحلل القيمي، والمناظرة الفاضحة التي تدغدغ غرائزكم، وترضى ميولكم الهابطة؟ وعندها لا يكون الموضوع تافهًا لأنه جاء موافقًا لهواكم ومتمشيًا مع آرائكم المناوئة للفضائل، والمحرضة على انتشار الفساد والتخنث في المجتمع.

وأخيرًا ما دخل الحضارة والثقافة  بالترويج للاحتفالات المخلة بالآداب.

لقد كان الغجر ومحدودو الثقافة على مدار التاريخ من أوائل المتكسبين عن طريق الرقص والعروض التي تخدش الحياء، فهل الحضارة التي تبشرون بها- والتي تفتقر إلى ما يميز الحضارات من علم وإنتاج وإبداع واختراعات- تنتمي إلى أصول غجرية؟

 

إصدارات مختارة 

أبو الأعلى المودودي فكره ومنهجه في التغيير

أبو الأعلى المودودي عالم الإسلام والمسلمين الذي ألف عشرات الكتب، والذي أنشأ الجماعة الإسلامية التي تعتبر أكبر الحركات الإسلامية المعاصرة في شبه القارة الهندية، والتي استهدفت تغيير واقع المسلمين في الهند وباكستان، فما تقويمنا لفكره؟ وما تقويمنا لجهوده التغييرية بعد مرور نصف قرن على نشوء باكستان؟ هذا ما حاول الكتاب الإجابة عنه.

بدأ الكاتب الباب الأول من كتابه بالحديث عن وضع المسلمين في الهند قبل نشوء باكستان، ثم عن سيرة أبي الأعلى المودودي رحمه الله تعالى، ثم انتقل في الباب الثاني إلى الحديث التفصيلي عن فكر أبي الأعلى المودودي في عدة فصول هي: العقيدة، والحكم، والاجتماع، والاقتصاد، ومسيرة الأمة الإسلامية، والمذهبية، والحضارة الغربية، وأتبع كل فصل بملاحظات تقويمية تبين أوجه الإصابة والإحسان أو الخطأ فيما قرره المودودي، ثم انتقل الكاتب في الباب الثالث المخصص لمنهج التغيير عند أبي الأعلى المودودي إلى الحديث في الفصل الأول عن تحليل المودودي لمبادئ حزب المؤتمر الهندي، وموقعه منه، والثاني: تشخيص المودودي لواقع باكستان عند نشوئها عام 1947م، والثالث: تحليله لمنهج الرابطة الإسلامية وموقفه منها، والرابع: برنامجه لتغيير باكستان، والخامس: تقويم برنامج التغيير عند المودودي، وقد أمل الكاتب أن يكون الكتاب لبنة في طريق عودة تمكين الإسلام في الأرض، ودليلًا يساعد الخلف على الاستفادة من جود السلف.

الكتاب: أبو الأعلى المودودي: فكره ومنهجه في التغيير.. دراسة وتقويم.

المؤلف: غازي التوبة.

الناشر: مؤسسة الرسالة: بيروت هاتف 603243 ص. ب 7460 دار البشير، ص. ب 12077، هاتف 659891، فاكس 659893،عمان- الأردن.

تراتيل للغد الآتي 

من البداية نعرف الحكاية في إهدائه الذي يتصدر الديوان، نتحسس وجدان الشاعر المسكون بالهموم، والمتطلع إلى الغد المشرف بأمل كبير... تعال نقرأ هذه الكلمات «من رحم المعاناة سوف يولد الفرج ولا بد للميلاد العظيم أن يسبقه ألم عظيم، فإلى شهور هذا الميلاد أهدي هذه التراتيل».

نقلب صفحات الديوان فتوقفنا هذه المقطوعة:

غير أني وسياط القهر في روحي وقلبي ***لست بالقانط من رحمة ربي 

إن وعد الله بالتمكين لاح ***إنني أرقب فرسان الصباح 

وهي تسري في الدنى***تصهل من قلب الجراح

وأرى عبر البطاح***شجر الغرقد ينمو

فيمد النخل والزيتون والعرض المباح ***وينادوني إلى حمل السلاح

أرأيت أيها القارئ كيف يتجاوز الشاعر محنته ويتغلب على يأسه ويحلم بالمستقبل، ويسرع الخطأ للوصول إليه...

لكن ليس معنى ذلك أنه لا دموع ولا أحزان ولا خوف ولا قتل... نتابع شاعرنا في «حوار مع فرعون» لنرى الحقيقة الشاخصة:

دموع القلب قد هطلت ***كأحزان بتشرين 

وأنوار الربى رحلت ***وأسراب الحساسين

وغادر عطره الريحان***وأشرع سيفه الجلاد 

يقطع كل أزهار البساتين***وماج القبر في الفلوات يزخر بالمساجين

وذا فرعون يرميني بساطور وسكين 

هذه صورة تبين حجم المعاناة الكبيرة التي تعانيها أجيال وأجيال... يترجم شاعرنا مشاعرها وأحاسيسها على شكل: «تراتيل للغد الآتي» حيث يكون الفجر قد طلع وانسحبت آخر غشاوات الظلام، وما ذلك على الله بعزيز.

الكتاب: تراتيل للغد الآتي «شعر».

المؤلف: د. محمد وليد.

الناشر: دار البشير، السعودية، جددة 21463- ص. ب 2895 هاتف 6608904.

مسؤولية الفرد والمجتمع في «ولهان والمتفرسون» لإبراهيم عاصي

بقلم: يحيى  بشير حاج يحيى

«المتفرسون» مجموعة من الفارغين، يلتقون في مقهى، يتناولون مختلف الأحاديث، لا عمل لهم، ولا قضية محددة تشغلهم سوى أنهم يستعرضون أدواء المجتمع دون أن يحددوا الدواء الناجع! في أحد لقاءاتهم استعانوا بعلم الفراسة لتطبيقها على أصحاب المهن، وكشفهم، وتحديد نوعية حرفهم من غير معرفة مسبقة! ولما كان أكثرهم من الموظفين المتقاعدين توقفت بهم فراستهم عند الموظف، فمن علامات التعرف عليه أن طموحه معدوم، وقلبه دائم الهموم، ينتقص من حقوقه فلا يصد، يسام الذل فلا يرد، ويعترض آخر على هذا التعميم فهو يعرف موظفين طامحين، ويعرف منهم أناسًا ذوي عزة وإباء ومع ذلك فهؤلاء في نظر الأول إما يسرحون، وإما يستقيلون، وإذا استمروا فهم قلة نادرة، ويستمر المتفرسون في اجترار حياة الفراغ من خلال التنظير الأجوف، والتقعيد الخاوي، والمثاليات المجنحة دون أن يقدموا لمجتمعهم ما ينفعه، وكأنهم يبادلونه الصفعة بمثلها، أو بأشد منها، فهم ثلاثة فارغون طعنت بهم السن، وجمعهم ركن هادئ منعزل في إحدى المقاهي، كما جمعتهم رغبة مشتركة في الثرثرة، وتزجية الفراغ! لم يوجد لهم المجتمع ما يحفظ عليهم أوقاتهم، وبقية أعمارهم، فحصد منهم ما كان متوقعًا، فحاقت الخسارة بالجميع دون استثناء.

وأما «ولهان» فهو يمثل حالة الرفض أمام انقلاب المفاهيم في مجتمع كان سبب تشرده وضياعه! وقد تمثل ذلك أولًا في لباسه «فانتعل حذاء نسائيًا، وارتدى من أعلى قميصًا بلا أكمام، ألوانه صارخة متنوعة، ولبس من أسفل تنورة قصيرة!، وحجته في ذلك أنه لم يفعل أكثر من اللواتي يمررن من جانبه شبه عاريات، ولا أكثر من زميلته التي كانت سببًا في طرده من عمله!

كما يتمثل الرفض في شكله، فقد أرسل لحيته بلا نظام، وشاربيه بلا تشذيب، وحلق شعر رأسه بالموس، ونتف أجفانه حتى الجذور؟

أما حقيقته فهو طالب جامعي، قطع دراسته بعد وفاة والده الموظف البسيط ليتوظف في إحدى المؤسسات، بغية إطعام الأفواه الجائعة في البيت، ولكنه لم يستمر طويلًا، فقد فصل بسبب زميلة له محشورة معه في غرفة واحدة من الصباح، وحتى الظهر! تأتي كل يوم بزي جديد، وكأنها عروس ليلتها.

وفي هذه المرة لم يكن الشيطان ثالثهما فحسب، ولكن كان رابعهما أحد المراجعين الذي رأى ما رأى، فكان أن سرح من الوظيفة، ورقيت هي إلى سكرتيرة خاصة.

أحد عارفيه يقول: إنه في تصرفاته يصدر عن حقد فلسفي، فهو حانق على جميع بني جنسه من الرجال، وهو في رأي من يعرفه أكثر ليس بمجنون- كما يتوهم من يراه- فهو صاحب مدرسة، ورائد إصلاح اجتماعي وجنونه جنون هادف! وأما رسالته فهي تحرير الرجل المعاصر من استعمار المرأة المعاصرة، لأن الجميع- حسب ما يعتقد- يتحركون بأوامر منها!! ولكن هل ارتداؤه للباسها يحرر الرجال! وهل تعريه بهذا الشكل يعيد إليهم حقوقهم المسلوبة؟

يجيب ولهان بأن الكشف عن السواعد من حق الرجال أصلًا في المعامل أو على أرصفة الموانئ، أو في الحقول والمناجم، وهو يريد أن يستعيد هذا الحق! لأن التي تريك لحمها حتى أصول الفخدين في الدائرة، أو الحديقة، أو الشارع، هي مخلوقة تتحدى رجولتك، تقتحم عليك أعصابك، وهدوء نفسك، فهو يعرض ما عنده بالطريقة الغابية كما تفعل هي تمامًا وإذا سئل ما علاقة الأجفان المنتوفة، والشعر المحلوق بالموس بهذا الأمر؟ يجيب ببساطة أشد: من حقنا نحن الرجال أن نبتدع بعض التقليعات، كي نثبت أننا نستطيع أن نقوم بعمليات مسخ وتزييف لرؤوسنا ووجوهنا كما يعلن هن»، فالشعر المحلوق مقابل شعورهن المستعارة، والحواجب المنتوفة مقابل الأهداب البلاستيكية، والتنورة القصيرة مقابل لبسهن للبنطال»، وأما منظره الغريب الذي يعترض عليه المجتمع، فهو قضية تمثل الظلم الصارخ الذي أنزله به هذا المجتمع، إلا أنه سيربح هذه القضية، وسيجعل المجتمع يقبلها، فهذا المنظر سيعتاد عليه الناس، وسيرونه مألوفًا وجميلًا، ولا سيما إذا روجت له أفلام السينما ومرايا التليفزيون، والمجلات الفنية، وأما قفزاته في الهواء، وظهور أفخاذه عارية فهي من باب التحدي، لأنها ليست وحدها التي تفعل ما تريد، وفي رأيه أن فعل ذلك سيجعل المرأة تكتسي، وسوف تنسحب إلى مواقعها الطبيعية بلا مسخ ولا تشويه ولا تزييف وسيعود هو وأمثاله إلى دائرة الحياة، وعجلة المجتمع.

وسواء أكان مخطئًا أم مصيبًا فقد قالوا قديمًا «الجنون فنون- وقد صنف بعضهم كتابًا تحت عنوان «عقلاء المجانين» مفترضًا بأن صفوف المجانين عقلاء، أو في صفوف العقلاء مجانين، فليكن أحدهم ولهان في أيام وظروف وفتن تجعل الحليم حيرانًا.

 

من مواويل النفس

الشنق وعنادنا 

يا شهيدًا....

وصوتك ملء فؤادي

ينشيء الشعر في روابي البوادي

يا شهيدًا

لو أني ألثم قيدك 

صافيًا... طاهرًا... في ليلة الميلاد 

علقوك على صليب المنايا 

زرعوك زهرة في بلادي

جلدوك..

حتى صار لحمك شعرًا!

يوقظ السيوف في وجوه الغزاة 

يا شهيدًا... قتلوه كي يستريحوا

دقوا... ألف مسمار في دروب الجهاد 

إنما.. لم يخرسوا صوتك أبدًا

فهو مزروع في ضمير الجناة.

أنا يا أمير النور

لست أناجيك

مناجاة ثورة سكنت فؤادي

إنما أناجي فيك شموخًا 

شنقوه بغيًا... بليل السواد 

إنما أناجي فيك حياة 

سوف تحيا

في شنقك... وعنادي.

يمان السباعي

من بشريات المستقبل الواعد للكاتبة الصغيرة «بشرى حيدر»

 «الصفر» يقتحم عالم الكبار 

بقلم: محمد حسن بريغش

كاتب القصة يستطيع أن يضع شروطه التي يراها مناسبة ضمن الإطار العام لهذا الفن ما دام قادرًا بموهبته على أن يشد القارئ ويجبره على احترام أسلوبه

في هذه العقود الأخيرة باتت حياة المسلمين باهتة مضمحلة، تحيط بها سموم عواصف، ويمخر داخلها كل الحشرات والأوبئة والأمراض، ولولا ثقة المؤمن بربه لحل اليأس في النفوس، وبات الإنسان عاجزًا عن رؤية بصيص من النور أو الأمل.

إنها سنة الخلق، أن يضمحل شأنهم، وتتلاشى فاعليتهم عندما يحيدون عن سنن الفعل والتأثير، عن سنن الحياة الفاعلة المهتدية التي تستحق من الله العون في الدنيا والثواب في الآخرة.

ويفكر المسلم دومًا في المستقبل، أو هكذا ينبغي، يفكر كيف ستكون الأجيال القادمة، هل ستحمل أوزار هذا المنهزم، الذي انعدمت فاعليته، وانمحت سماته، حتى صار لهوًا للآخرين وطعامًا سهلًا لكل أكل، وخادمًا مطيعًا لكل شرير مستأسد.

الأجيال القادمة هل ستحمل تبعات هذا الجيل المنكوب؟

الأجيال الشابة التي تشهدها مأساتنا، هي أمل هذه الأمة، بل ينبغي أن تظل أمل هذه الأمة، لتكون القوم البديل الذي ينهض بعبء المسؤولية ويبدأ التغيير في نفسه، وينتشر كالنور ليبدل عبوس الحاضر، ويتخلص من شر العدوان المتدثر بالحرية، المتأله بالقوة والمادة، المحارب لكل ما جاء من عند الله عز وجل.

هذه المقدمة بعيدة- بعض الشيء- عن موضوع المجموعة القصصية التي بين يدي، لابنة طالبة في المرحلة الثانوية هي «بشرى حيدر قفه»، ولكن هكذا يخيل للقارئ- كما يخيل لي وأنا أعود لهذه السطور.

والحقيقة أن المجموعة وأمثالها، من إبداع الجيل القادم هي نوع من البشريات- إن شاء الله- بالغد الذي نتمناه وبشريات، لأن ظهور بشري وأمثالها من البنين والبنات، وهي تقتحم عالم الكبار، عالم المبدعين بعمل فني يطمح أن يعرض رؤية خاصة بهذا الجيل، ويطرح رأيًا- ووجهة نظر في أمور اجتماعية، وثقافية، وحياتية يومية- إن مثل هذا يبشر بخير إن شاء الله.

ولأن مثل هذا العمل، ومثل هذه المجموعة تشير إلى أن جيلًا جديدًا قادمًا، يحمل لون نفسه، ولون عقيدته، وهموم أمته، ومشكلات مجتمعه، ينهض من بينها الدخان والرماد والهموم ليواجه بثقة وإيمان، وليقول رأيه في مشكلات المجتمع وقضايا الأمة، ويسهم بقوة في التغيير المنشود نحو الخير والأفضل بإذن الله.

ومثل هذه الظاهرة- أعني بشرى صاحبة هذه المجموعة التي أسمتها «الصفر»- تستحق منا- جيل الآباء والأجداد- أن نفسح لهم الطريق، ونضيء الدرب، ونقدم ما نستطيع لكي تقوى البشريات وتزداد وتشتد، لكي تتأصل وتتجذر، وترتفع شجرة طيبة أصلها ثابت، وفرعها في السماء، تؤتي أكلها في كل لون وكل طعم، وفي كل منحى وطريق، حتى تقيم مجتمع الهداية الذي يستضئ بنور الله.

ويكفي هذه المجموعة «الصفر» لبشرى حيدر ميزة ونجاحًا أن تشعل في نفسي الأمل، وتوحي لي بمثل هذه الأفكار عن الجيل الحاضر، وجيل المستقبل، عن مأساة الواقع وبشريات الغد.

ولعله من توفيق الله- انسجامًا مع هذه الآمال والموحيات- أن تعطي الكاتبة الصغيرة مجموعتها اسمًا ينسجم مع هذه الرؤية وهو «الصفر»، نعم الصفر، وهو البداية، الصفر نقطة على وجه الأرض- ومن هذه النقطة التي لا تعني شيئًا سوف يخرج الجذر، وينغرز في الأرض عميقًا، ومن هذا الصفر سوف يرتفع الشجر عاليًا- وتتكاثر الفروع، وتتوالد الثمار إن شاء الله.

هذه بعض ما أوحته لي هذه المجموعة التي ضمت عشرين قصة قصيرة، مختلفة الطابع، متنوعة الطعوم والموضوعات، بعضها ينتسب إلى عالم الصغار، جيل المستقبل الباسم- إن شاء الله- وبعضها مقتبس من دنيا العلم «المدرسة و«الثقافة» والفكر.

وبعضها الآخر يتصل بحياة هذه الأمة ومصيرها، وصراعها مع أعدائها الذين يحاربون الله في كل منحى وطريق، أو المجتمع بكل مشكلاته.

هذا التنوع- بحد ذاته- يرسم للكاتبة الصاعدة طريقها وأملها، ويشد خطواتها نحو الأمام والمستقبل، لأنها تعيش وسط بيتها وأسرتها، وتعرف مدرستها وعالمها المدرسي، وتتفهم مشكلات مجتمعها وما يدور فيه من أمور، وتتفاعل مع أمتها التي أكرمها الله برسالة سماوية فضعفت اليوم عن حملها، وصارت طعامًا سهلًا لكل الآكلين.

وفي التحدث عن هذه المجموعة- لا يهمني التوقف كثيرًا عن الأطر الفنية التي تعارف عليها الأدباء والنقاد، فهذه مسألة نسبية في عالم القصة، تخضع للتجربة، والقدرة على إثبات الموهبة والإبداع، فما كان شرطًا فنيًا للقصة بالأمس- أصبح اليوم منسيًا أو ممقوتًا عند كتاب اليوم والآخرين.

ومن الظلم أن نقيد أنفسنا ببعض الأغلال التي صنعها لنا الآخرون، وقالوا لنا: هذه قلائد من جمان، هي، ثم راحوا يصنعون أخرى، ويهجرون هذا الماضي، ويهزؤون من تقليدنا لهم، ويدعون لأنفسهم الابتكار والإبداع والتحديث.

كاتب القصة، يستطيع أن يرسم طريقه المميز، ويستطيع أن يضع شروطه التي ضمن الإطار العام لهذا الفن، ما دام قادرًا- بموهبته- على أن يشد القارئ ويجبره على احترام أسلوبه وطريقته ورؤاه.

والمجموعة كذلك تضم نوعين من الإبداع، النوع الأول ما يمكن إدراجه في أدب الأطفال، والنوع الثاني ما يمكن إدراجه في أدب الكبار، ولا يمنع هذا التقسيم من أن نرى بعض القصص يراوح بين الصغار والكبار، ويصل بين جيلين، لأننا نحمل الهموم المشتركة للمجتمع كله.

فمن أمثلة النوع الأول «رنا والمكتبة- والجمعية والدرس- درس القطة- شجرة الأقلام»، وهذا النوع جدير بالرعاية والتقدير، لأنه أدب هذا الجيل الصغير، مكتوب بأيدي أبنائه، ويحمل سماتهم، وهمومهم، وأفكارهم، وكم أتمنى أن يزداد اهتمام بشرى بهذا اللون، فتتأصل لديها الكتابة للأطفال، وتزداد تألقًا وجمالًا،وتزداد اتساعًا وتنوعًا، حتى تصبح علمًا بارزًا في الكتابة للأطفال، وقد يكون هذا النوع من الكتابة من أصعب الأنواع، لأنه يحتاج إلى مبدع يستطيع الدخول إلى عالم الصغار، ويجيد التحدث لهم، ويعرف اختيار المناسب المفيد، ويقدر على محاورتهم والتفاعل معهم، وهو أدب المستقبل وأدب الأمة التي تشعر بمسؤوليتها في الحياة، وتتطلع إلى مستقبلها بأناة ويقظة وجد.

أما النوع الثاني: فهو محاولات من الكاتبة الناشئة على اقتحام عالمنا والإدلاء بدلوها- وهي من جيل الغد- في قضايا هذا العصر، وفي تحمل المسؤولية، وحمل مشعل الجهاد، ومواصلة الطريق، كما في قصة «الشهادة» التي يرى فيها الصغير «عمر» أنها أمله المرتقب بعدما نالها جده وأبوه، ووجد نفسه في مواجهة الاحتلال اليهودي، داخل الزنزانة التي تمثل واقع هذا الاحتلال، وتعامله مع أبناء هذا البلد المحتل فلسطين.

وكذلك في قصة «الحلم» التي تتحدث عن جريمة المسجد الإبراهيمي في الخليل حينما فتح أحد اليهود النار على المصلين في رمضان، فقتل العشرات أمام سمع العالم وبصره، فلم يغضب لهذه الجريمة سادة العصر المادي، وحقوق الإنسان المتفلت المعادي لشرع الله، ولم يروا فيها إرهابًا أو تعديًا على حقوق الإنسان، كما يرون في دفاع الطفل عن عقيدته وبلده، وهذه القصة تصور فيها إحساس الصغار بمثل هذه الجرائم اليهودية، المحمية من أمريكا وحلفائها والمنسية من العالمين العربي والإسلامي، مع التعبير عن ذلك بأسلوب فيه رمز وسخرية مرة مما تذيعه سلطات الاحتلال والإجرام عن مثل هذه الجرائم «أحد المختلين عقليًا يطلق النار على المصلين في الحرم الإبراهيمي»، ما أكثر مجانينهم!! مجنون أحرق المسجد الأقصى، ومجنون قتل المصلين في الخليل، ومجنون، ومجنون، ومجنون!!

هل أصبحت كل دولتهم مجانين؟! من العاقل إذن؟! «1»

فلسفة بسيطة، فيها براءة الطفولة، وعمق الإحساس، وحرارة الواقع، وهي لوحة مثيرة وصورها مبعثرة، وفيها لمحات وإيحاءات معبرة، وهي في هذه المزايا تصور الواقع الذي يحير العاقل، ويعجب لها كل إنسان.

وبالقدر الذي نرى فيه عناصر الطفولة في هذه القصص، نرى أيضًا محاولة لفلسفة الأشياء، والتفكير في حالات المجتمع وقضاياه، وفي النفس الإنسانية، وما يصدر عنها من تصرفات ورغبات معبرة عما يدور في داخلها، كاليأس والأمل، والضعف، والتحدي، كما في «أفكار مصابة» و«الصفر».

والمجموعة- كما أسلفت- تضم عشرين قصة تجمع بين عالم البيت وعالم المدرسة، وعالم الطفولة، واهتمامات المجتمع وقضايا الأمة، وهي تتراوح بين أسلوب القصة، وبين اللوحات التعبيرية للكاتبة، وانطباعاتها، إزاء القضايا التي تناولتها في هذه المجموعة، ولا أرى في ذلك خروجًا عن إطار القصة، إذا استطاعت الكاتبة أن تطور رؤيتها وأسلوبها، بحيث تصبح هذه اللوحة نوعًا من تصوير موقف ما، أو تعبيرًا عن رؤى داخلية، وحياة فكرية، أو اجتماعية- لها تداعياتها داخل النفس الإنسانية، وقد بدأ ذلك ممكنًا عند بشرى في بعض القصص.

ولدى الكاتبة ملامح واعدة، كالقدرة على تصوير ما في داخل النفس الإنسانية، واستخدام أسلوب تداعي الأفكار «المونولوج الداخلي»، أو استخدام طريقة التصوير والمقارنة كما في «أفكار مصابة»«2»، «وهو والسلام»«3»، و«مشاعر أخت»«4»، و«وافرحتاه»«5».

وكذلك نرى بعض النباتات الصغيرة للرمز كما في هذه العبارات: «ومجنون، ومجنون، ومجنون.. هل أصبحت كل دولتهم مجانين»«6».

أغلق عينيه... أرسل أمرًا إلى عضلات جفونه أن تسترخي أكثر، ثم أن تزيد من الإغلاق، ظل هكذا... حتى غاب عن الوعي ونام!!»«7».

وكأنها ترمز إلى أن قبول السلام بصورته المعاصرة في فلسطين يحتاج إلى نسيان العقل، وغياب عن الوعي، ونوم من الحق!

وبالرغم من بعض العثرات في هذه المجموعة، فإنها تحمل كثيرًا من البشريات الواعدة، لكاتبة في داخلها صفات الجد والوعي، والإصرار والتطلع إلى المستقبل، وتجاوز العثرات مع موهبة تبرز للقارئ في العديد من الصفحات، حتى تنسيه أنه يقرأ لطفلة صغيرة، عفوًا، لكاتبة ناشئة صدر لها مجموعتان الأولى بعنوان «حكايات من بلدي» والثانية هذه المجموعة، وهي تملك كل معطيات الموهبة التي تؤهلها لتكون أديبة تكتب للأطفال، وقاصه تبدع الكثير الكثير من المجموعات القصصية الواعدة.

الهوامش

«1» قصة الحلم- 74- مجموعة الصفر.

«2» ص 82، 83.

«3» ص 87.

«4» ص 105.

«5» ص 125.

«6» قصة الحلم ص 74.

«7» قصة هو والسلام، ص 90.

 

الثقافة الراقصة 

ترى لو دعي جمهور كبير في مطلع القرن الحالي إلى مهرجان ثقافي أصيل يجمع بين ما استجد في الشعر والأدب والقصة والعلوم الإنسانية ويربط بينه وبين ماضي هذه الأمة العريق في حديقة واحدة ثم فوجئ الجمهور المثقف الذي يمثل رواد العلم والثقافة في الوطن العربي كله بدعوة للرقص على إيقاع «الـ». السيمفونية الإفريقية أو سواها.. ماذا ستكون ردة فعلهم؟ ماذا كان سيفعل مصطفى صادق الرافعي وسيد قطب وعباس محمود العقاد أو حتى طه حسين في ذلك المهرجان الثقافي الزائف؟. هل سيلقي كل منهم- وهم سادة الأدب والفكر- معطفه جانبًا ويبدأ يهتز على أوتار القيثارة وهو يعزف سمفونية «أزمة الفكر المعاصر».

كانت هناك موسيقى ومهرجانات موسيقية وأوبرات عازفة ولكن يدعى إليها حين يدعى باسم النغم والموسيقى فمن شاء فليحضر ومن شاء فليصدر.. وعادة ما يدعى أهل الفن والطرف.. أما أن تتداخل الموسيقى والغناء مع الأدب والفكرة فهذه هي الخدعة التي حصلت تدريجيًا على طريق Slow But Sure..

من يستطيع أن يؤرخ بالضبط متى حصلت هذا التداخل بين الطرب والرقص وبين الثقافة والفكر أنا لا أعرف.. أعيش الآن في عقدي الخامس ولا أعرف متى كان هذا الغش الثقافي والدخل الخادع بينهما، وما زالت المساحة الحركية الراقصة تزداد في المهرجانات الثقافية والمساحة الفكرية تتقلص حتى كادت الأولى تطغي كليًا على الفكر الذي لم يبق منه إلا مقالات غثة تدور حول المساحة الحركية وتخدمها ولذلك لا تستغرب أن يصبح عازف الموسيقى «الأستاذ فلان» ويصبح الأستاذ المفكر طبالاً عند ذلك الأستاذ الذي لم يقدر على الصمود في ساحة العلم والفكر والأدب المعاصر فانسحب إلى الصفوف الخلفية وتوارى وأقفل المزلاج!!

إن الثقافة العربية المعاصرة في هذا الزمن الرديء لثقافة مغشوشة.. وإن عاقبة هذا الغش وخيمة تمامًا كعاقبة خلط الرمل بالتراب في مواد البناء.. قد يغالب البناء الجاذبية ويرتفع ولكن الفجوات السوداء التي سيتركها التراب حين يجرفه المطر في الشتاء ستؤدي حتمًا إلى سقوطه فوق ساكنيه.. وإن النخرة الثقافية التي تعاني منها الأمة قد أضحت واضحة للعيان وإن الدود الذي يسكن ثقوب تلك النخرة قد أطل برأسه الولهان.. ولن يمر وقت طويل إلا وينهار البنيان الثقافي المنخور كـ﴿مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ (آل عمران: 109).

تصور عزيزي القارئ- هذه الخاتمة الراقصة «لمهرجانات أصيلة الثقافي»- الذي يعقد دوريًا في المغرب.. وأرجو وضع خط أحمر تحت كلمة الثقافي لأهميتها.. يقول الراوي أن الأديب السوداني «فلان الفلاني» قد رقص اليوم على إيقاع فرقة كلاوه الأصيلية ذات الألحان الإفريقية، كما رقص معه الجمهور والمحاضرون.. أنا لا أقدر أتصور مفكرًا عربيًا أو أديبًا محترمًا أو دارسًا جادًا يذهب إلى مهرجان ثقافي ليرقص وليكون البيان الختامي راقصًا.. لا أستطيع أن أتصور ذلك- يبدو أن مفهوم الثقافة قد تغير كثيرًا وهو يمر في مختبر الفولكلور المستورد- لقد دخل شيئًا وخرج شيئًا آخر في زمن العجايب.. ومر فينا بطيئًا ولكنه أكيد!!

د. حمدي حسن

الرابط المختصر :