; المجتمع الثقافي (1265) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1265)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1997

مشاهدات 84

نشر في العدد 1265

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 02-سبتمبر-1997

ومضة

إعداد: مبارك عبدالله

تضخ وسائل الإعلام كل يوم عشرات الأخبار، مستخدمة أحدث التقنيات في صياغة الخبر، واختيار كلماته الموحية، بهدف التأثير على أكبر شريحة من المتابعين، وفي كثير من الأحيان، تحمل الأخبار معلومات واتهامات لهذه الدولة أو تلك الجماعة، ولهذا الإنسان أو ذلك الكيان، ومطلوب من الجميع الاستماع أو المشاهدة أولًا، والتصديق ثانيًا، والتأثر والتفاعل الذي يؤدي إلى اتخاذ الموقف ثالثًا. 

وبعد فترة من الزمن تطول أو تقصر تنكشف الحقائق، ويظهر المستور، ويتضح للجمهور أنه وقع ضحية خداع إعلامي، لكن الموضوع أو الخبر الذي افتضح أمره، أصبح قديمًا باهتًا بعد أن أدى دوره- وتضاءل الاهتمام به، وليتحول الإعلام إلى حدث جديد يعرض من خلال الفبركة الإعلامية المتطورة التي تقلب الحقائق، وتسحر الألباب، حتى ليخيل إليها أن ما تسمعه أو تشاهده أو تقرؤه هو الصدق بأبهى صوره، والموضوعية التي لا تعتريها الأهواء الشخصية، ولا يفسدها التعصب الضيق، أو الانحيازات ذات اليمين وذات الشمال. 

وتنسى الجماهير أنها أصيبت بهستيريا الكلمة الصاخبة التي تدير الرؤوس وتجبرها على الاستسلام والاستجابة لكل الإيماءات والإشارات، حتى يصل بها الحال إلى أن تحني رأسها بالموافقة قبل أن تدرك مضمون الخبر أو محتوى الإيحاء الإعلامي، لأن مصانع تجهيز المعلومات وتوجيه الأخبار نجحت في غسل الأدمغة، وسيطرت على مراكز الإدراك، وتطورت لديها صناعة الدمى البشرية التي تحركها خيوط مشدودة إلى ماكينتها الرهيبة.

هذه الجماهير المخدوعة لو أنها وصلت إلى مرحلة الرشد التي تنضج فيها العقول والمشاعر على هدي القول المأثور: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين»، وفي ضوء الحكمة الأصيلة لست بالخب ولا الخب يخدعني لأدركت بفطرتها السليمة منطق الصديق الناجح، وافتراءات العدو الحاقد، وميزت بين من يدعوها إلى الرفعة والكمال، وبين من يغويها ويغريها بالهبوط إلى الحضيض.


إصدارات مختارة

القدوة وأثرها في التنشئة

استدل كثير من علماء التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع على أن ممارسات الفرد الراشد لها جذور أساسية في ماضيه كطفل وربما قبل أن يولد، ويعتقدون أن البيئة التي ينشأ فيها الطفل لها أيضًا انعكاسات كبيرة ومؤثرة على حياته عندما يكبر ويصبح في عداد الراشدين وأول ما يقتدي الطفل به هو ذلك الوسط الأول الذي ينشأ فيه، فيكتسب منه كثيرًا من خصائصه وصفاته. ولهذا فقد جسد علماء التربية القد المسلمون أهمية القدوة كأسلوب من أهم أساليب التنشئة الاجتماعية، ومن هنا فإن مهنة التربية والتعليم تتطلب أن يكون المربي أو المعلم قدوة بصورة دائمة ومستمرة، ذلك أن أي إخفاق في هذه الخاصية، قد يترتب عليه كثير من حالات النكوص والتراجع في قمة التربية والتعليم. 

موضوعات هذا الكتاب القيم موزعة على أربعة فصول، تضمن الأول والذي عنونه الكاتب بـ«مدخل الدراسة» الحديث عن مشكلة الدراسة وأهدافها وأهميتها وحدودها ومصطلحاتها. وناقش الفصل الثاني الإطار النظري والدراسات السابقة من خلال المحاور التالية: مفهوم القدوة.

الأسس الاجتماعية المؤثرة في تشكيل القدوة- الأسس النفسية المؤثرة في تشكيل نماذج القدوة. 

وعالج في الفصل الثالث: منهجية الدراسة وإجراءاتها فتحدث عن مجتمع الدراسة والفئة التي طبقت عليها التجارب والأدوات والأساليب الإحصائية. 

وعرض في الفصل الرابع والأخير نتائج الدراسة وتوصياتها.

والكتاب بعد ذلك تجربة ميدانية تتوافق مع مفهوم الآية القرآنية: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21)، وإضاءة كاشفة تؤكد دور المعلم والمربي ومسؤوليته عن ارتقاء الأبناء في مدارج الرشد والكمال، أو تخبطهن في متاهات الضياع والضلال المبين لا قدر الله .

الكتاب: القدوة وأثرها في التنشئة.

المؤلف: د. محمد بن شحات الخطيب.

الناشر: مكتب التربية العربي لدول الخليج ص.ب ٣٩٠٨.

الرياض ١١٤٨١- هاتف: ٤٧٧٤٦٤٤- فاكسميلي: ٤٧٨٣١٦٥.


الجدران المتصدعة

كثيرون أولئك الذين انبهرت عقولهم بما حققته تقنية الغرب من تقدم مذهل في مجال العلوم والمخترعات المتنوعة في شتى المجالات، ولم يكتف هؤلاء بالإعجاب والدهشة لهذه المنجزات التي يعجز المرء عن متابعة جديدها كل يوم، بل إنهم -بقصد أو بدون قصد- وجدوا أنفسهم أبواقًا تنادي بالتبعية التامة لدول الغرب ومن سار في ركابها.

وأمام هذه الحقيقة رأينا تيارات جارفة تعصف بمجتمعاتنا وتدع بها دعًا نحو المناهج الغربية والاقتداء بها في الحياة، ملقية وراءها تركة الهدى والحق ميممة نحو القبلة الجديدة حيث الدعاة الذين يقفون على أبواب جهنم.

غفل هؤلاء عن رؤية الوجه الآخر لتلك الحضارة الزائفة، ولم يتمعنوا بروية، ولم يُحدِّقوا في العمق ليروا العفن خلف البريق والسراب، ولم يصبروا حتى يروا النتائج المذهلة لتنكب طريق الحق المستقيم. 

عن هذا كله يحدثنا كتاب الجدران المتصدعة، الذي يحشد مؤلفه فيه كمًا من المواقف والوقائع والإحصائيات عن الجرائم والشذوذ والفساد والظلم والبهيمية التي تعيشها مجتمعات الغرب اليوم.

ويأتي هذا الكتاب كلمة صادعة في هذا الزمن الذي يهيمن الغرب فيه على مقومات الأمم ويعمل أولياؤه على تعميم منهجه ومبادئه في كل قطر ودولة. 

إنه عرض حساس لقضايا مهمة تبرز خلالها ومن بين ثنايا الأسطر والكلمات تلك النهاية المؤلمة التي تنتظر مثل هذه المجتمعات التي خالفت الفطرة وتنكبت الطريق القويم!

الكتاب: الجدران المتصدعة. 

المؤلف: عبد الناصر محمد مغنم. 

الناشر : ص.ب ٢٢۰۱۳- الرياض ١١٤٩٥.


واحة الشِعر

ديمقراطية القرن العشرين

شَعر: محمود على الطبلاوي

سطعت شمس الدنيا تعلو 

وبلادي تغمرها الفرحة 

شربت من نبع الحرية 

غنت ألحان القدسية 

قد صارت تزهو في الآفاق عمودية 

أترى حقًّا ستظل الشمس عمودية

كانت تسمو وسط الأفق 

ترنو للمغرب والشرق 

والناس تعيش بلا قلق 

يسقون البذرة بالأمل 

ويعوذون برب الفلق 

من شر عداوات الخلق

ومضى التاريخ بما يحوي يعدو نحوي 

لم يسأل عن مجد ضاعا 

لم يسأل عن ظلم شاعا 

لم يسأل عن طفل شابا 

لم يسأل عن شيخ غابا 

لم يسأل عن أم ثكلى 

بل حملق في وجهي حينا لم يعرفني 

فملامح وجهي قد ذابت في عصر الزيف 

لم يعرف مني غير بقايا تاريخ وبقايا طيف 

قد جاء يسألني عن بعض رجال 

ويسألني عن فرسان الزمن الأخضر 

فأدرت له ظهر الخجل

وأشرت بإصبع حسرتنا نحو الشمس 

وطفقت أقول: لو كنا حقًا أبطالًا

ما مالت شمس الحرية نحو المغرب

انظر قد مالت ثانية كادت تغرب 

ظهرت ألوان حمرا وسط الأجواء

الشمس تهاوت ثملى في الأفق النائي

وتراءت طفلًا مذبوحًا تبكيه بحزن قتال أم ثكلى

صرخت صرخات رعدية 

وذئاب الظلم النارية تشكو للديمقراطية

من صرخات هستيرية

 تعوي للدنيا في صلف تنزعجوا 

هذي صرخات عربية إسلامية

يبكون شموس الحرية

فيجيب العالم في دعة، حمدًا للآت 

ظننًا خطبًا قد حدثا

هذي أشياء عادية

ثم طفقت أقول بحزن

لو كان بأمتنا حقًا فرسانا 

ما ذبحت قانا 

ولما صافحنا أعدانا 

لو كنا حقًا فرسانا 

ما اغتيلت فينا عزتنا 

ما ماتت فينا نخوتنا 

ما ثارت منا شكوانا 

ونظام العالم أجمعه 

لم يجرؤ أن يصدر لومًا 

ما دام القتلى قتلانا

وأدرت الدفة نحو البوسنة في خجل 

وعزفت القهر على أنات القيثار

فبكت من حزن أوتاري 

فجماجم قتلانا صنعت 

في الأرض جبالًا من عار 

هتكت آلاف الإسرار، كشفت أقنعة الأشرار 

فبدا لهم وجه عار 

يبدو في الشمس بلا خجل

ويقسم أرضًا مذبوحة

ويسلمنا من بلدتنا 

ما يكفي مقبرة أخرى 

للباقي من أهل الدار

وهنا خرج التاريخ من الحصة 

دمعت عيناه من القصة 

وبدت في الحلق له غُصة 

ورنا في الأفق كمن ينتظر المستقبل 

ومضى يروي: 

باق في القصة فصلان: 

فصل يولد فيه رجال 

يسعون إلى مجد قد زال 

ويعدون الجيش الأخضر 

يكسو وجه الدنيا خيرًا 

والفصل الثاني:

يأتي النصر على قارعة المستقبل

فالله بذلك قد أخبر

أن الأرض سيفقدها

من يتكبر من يتجبر

وسيورثها ربي قومًا

يبغون الجبار الأكبر

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: 105).


في صمت العظماء رحل محمود شاكر.. 

شيخ المحققين والمدافعين عن الإسلام في وجه التغريب

القاهرة محمود ثابت

في نهاية الأسبوع الأول من أغسطس من العام الحالي، وفي هدوء العظماء الذين ترفعوا عن الحياة الدنيا وزخرفها، وعن الشهرة وبريقها الزائف، رحل شيخ محققي التراث العربي الإسلامي الشيخ محمود شاكر عن عمر يقارب ۸۸ عامًا، وبذلك تنتهي حالة العزلة الشديدة التي فرضها الشيخ حول نفسه، بعيدًا عن واقع الحياة الثقافية الذي لا يرضاه، وإن كان قد عاش عمره في مقاومة فكر التغريبيين، أو الذين يحاولون تشويه مجتمعاتنا من داخلها بفرض واقع الحياة الغربي عليها، على أنه النموذج الأفضل للحياة، والبديل لما تحياه من قصور عن مواكبة الآخر، فلقد قال في حديث له نشر قبل وفاته: إن الذي رأيته في شبابي أفضل مما أنا فيه الآن، لأن الأمور الثقافية في نزول لا في صعود.

ولد الشيخ محمود محمد شاكر في الإسكندرية عام ۱۹۰۹م لأب كان يعمل في خدمة الدين الإسلامي، لذلك لم يلبث أن انتقل بأسرته إلى القاهرة، ليتسلم عمله كوكيل للجامع الأزهر، وبعد أن تلقى تعليمه الأساسي انتقل الشيخ محمود إلى الجامعة المصرية عام ١٩٢٦م، وكان يبلغ من العمر ساعتها ١٧ عامًا، فالتحق بكلية الآداب.

 وعلى الرغم من أنه كان يمتاز بالهدوء الشديد والاتزان، إلا أن أولى معاركه الفكرية بدأت في ذلك الوقت بعد استماعه إلى د. طه حسين -أحد المفتونين بنظام الحياة الغربي- ينكر أصلًا من أصول الثقافة العربية، ويقول عن الشعر العربي الجاهلي وهو رافد من روافد معرفة معاني كلمات القرآن الكريم إنه موضوع منحول كله أو جله، أو الكثير منه على الأقل.

وعلى الرغم من صغر سن الشيخ، وهو الطالب الذي يتدرج في كلية الآداب- لا يزال وقتئذ- إلا أنه وجد في نفسه الجرأة كي يعترض على أستاذه ويعلن رفضه لما يقوله، بل ويرفع صوته كاشفًا رغبة مجموعة من الكتاب والمبدعين والمفكرين النيل من تاريخنا وتراثنا الإسلامي لصالح الغرب، لا رغبة في تقدمنا كما يدعون، بل كي نظل إلى الأبد اتباعًا له.

معركته مع طه حسين

وكان من نتيجة هذه المعارضة القوية أن تصدى أتباع طه حسين في ذلك الوقت- منذ بداية الثلاثينيات وحتى الأربعينيات- زيادة على سلطة طه حسين نفسه، لجعل المجال أمامه ضيقًا، إن كان يرى العمل في الصحافة أو التعبير عما في نفسه من أفكار تفضح ما يضمرونه، إلا أن الله خيب عمل طه حسين وأمثاله الذين كانوا يشكلون مؤسسة ذات نفوذ وسلطات، تقرب من ينافقهم، وتقصي من يتصدى لهم -والتعبير للكاتب شكري عياد.

فإن كان هؤلاء يحاولون هدم الإسلام وكياننا الحضاري عن طريق التشكيك في أصول اللغة العربية، فلقد اهتم الشيخ منذ البداية بهذه اللغة العظيمة، وإن حاولوا إخراجه من الحياة الثقافية فإن مقالاته في مجلة الرسالة كانت كافية لإفشال سعيهم، وهي المجلة العملاقة التي كان يرأس تحريرها أحمد حسن الزيات، ويكتب فيها مصطفى صادق الرافعي، ومحمود أحمد جلال وغيرهم من المتمسكين براية الدين والعقيدة، وكانت مقالات الشيخ تحت عنوان «نمط صعب». 

وقد قال عنها الراحل الروائي يحيى حقي إنه يعتبر نفسه حينما يقرأها تلميذا في مدرسة الأستاذ محمود شاكر، بل كان ينصح رواد صالونه الأدبي بأن يقرؤوها، كي يكتشفوا شكلًا جديدًا غير مسبوق من أشكال الكتابة باللغة العربية، وهي شهادة صدق في حق الرجل من رواني كان ملء السمع والبصر في ذلك الوقت علها عوضته بعض ًا مما كان يلقاه من تعنت.

وعلى الرغم من هذا التاريخ الحافل بالنضال منذ صغر سن الشيخ، إلا أنه كان يقول عن الفترة من ١٩٢٦م، وحتى ١٩٣٦م وهي ما بين بلوغه السابعة عشرة والسابعة والعشرين من عمره: قضيت عشر سنوات من حياتي في حيرة زائغة وضلالة مضيئة، وشكوك ممزقة، حتى خفت على نفسي الهلاك، وأن أخسر دنياي وآخرتي، محتقبًا -حاملًا- إثمًا يقذف بي في عذاب الله بما جنيت فكان كل همي يومئذ أن ألتمس بصيصًا أهتدي به إلى مخرج ينجيني من قبر هذه الظلمات المطبقة علي من كل جانب.

منذ كنت في السابعة عشرة من عمري عام ١٩٢٦م، إلى أن بلغت السابعة والعشرين عام ١٩٣٦م، كنت منغمسًا في غمار حياة أدبية بدأت أحس إحساسًا مبهمًا متصاعدًا بأنها حياة فاسدة من كل جانب.

والفقرة الأولى من حديث الذات هذا، توضح إلى أي حد كان الأديب الشيخ حريصًا منذ البداية على رضا ربه، وبلوغ الجنة، وذلك بعدم الصمت على ما يجري داخل الساحة التي يستطيع الدفاع فيها عن دينه الساحة الثقافية. 

واتجه الشيخ إلى المملكة العربية السعودية لينشئ مدرسة جدة الابتدائية، ويغرس المبادئ العظيمة في أذهان الصغار، ويترجم لهذه الأفكار العملاقة بما يراه مناسبًا لواقع حياتهم، دون أن ينشغل عن مشروعه الفكري الذي يحدثنا عنه لم أجد لنفسي خلاص ًا إلا أن أرفض -فيقول: متخوفًا حذرًا شيئًا فشيئًا- أكثر المناهج الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية التي كانت يومئذ تطغى كالسيل الجارف يهدم السدود، ويُقرض كل قائم في نفسي، وفي فطرتي، ويومئذ طويت كل نفسي على عزيمة ماضية، أن أبدأ وحيدًا متفردًا رحلة طويلة جدًّا، وبعيدة جدًا، وشاقة جدًّا، بدأت بإعادة قراءة الشعر العربي كله، أو ما وقع تحت يدي منه على الأصح، واكتسبت بعض القدرات بلغة الشعر، وبفن الشعر، ثم تدرجت وقرأت ما يقع تحت يدي من كتب أسلافنا من تفسير الكتاب الله إلى علوم القرآن مع اختلافها، إلى دواوين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وشروحها، إلى ما تفرع عليها من كتب علماء الحديث، وكتب الرجال والجرح والتعديل، إلى كتب أصول الفقه وأصول الدين، وما شئت بعد ذلك من أبواب العلم. 

لقد بدأت معالم المنهج تتحدد في ذهن الشيخ وأخذ يسعى عمليا لتحقيقها بارتباط وثيق بالمناهل التي يريد التغريبيون- أعداء ديننا- إبعادنا عنها الشعر العربي القديم، والحديث الشريف من قبله، ومن قبلهما القرآن الكريم والعلوم المتصلة به وبالحديث وأنتج الشيخ كتابه العظيم «المتنبي» في ٦٠٠ صفحة على جزءين، أو سفرين كما يحلو له أن يقول.

وشاء الله أن يعود الطائر المهاجر إلى وطنه ووقف طه حسين بنفسه مناديًا في مجمع اللغة العربية، بأن يكون الشيخ أحد أعضائه، وذلك بعد عشرين عامًا تقريبًا من الخصومة بينهما، ولعل في دعوته هذه اعتذار عن موقفه الشديد منه.

وما كاد يستريح حتى كانت المعركة الجديدة معركة جذرية ما بين منهجين وأسلوبين وأيديولوجيتين، كان الشيخ يمتلك فيه- عن اقتدار- كل السلاح الذي يلزم للرد على داعية جديد ودعي آخر هو «لويس عوض»، في أول الستينيات عندما هاجم الثقافة العربية الإسلامية، مخرجًا آخر ما لديه من طاقات وقدرات كي يسير في الدرب الذي بدأه من قبله طه حسين وغيره، وهو النصراني يدافع عن عقيدة شبه دينية تقول: إن الصفحات الرائعة من التراث العربي يرجع الفضل فيها لليونانيين، واللاتينيين، ثم راح يشكك في شعر المعرى، وجذوره الثقافية. 

واشتعلت المعركة، واستخدم فيها الشيخ قدراته التي يتقنها من مناهج البحث والدراسة الحديثة، تعامل الذي يتقنها ويتعامل معها، تعامل الند الذي يؤمن بأن هذه المناهج الحديثة امتداد عصري لما أبدعته الحضارة الإسلامية في سنوات ازدهارها ونهضتها، وجمعت هذه المقالات بعد ذلك فكانت إضافة رائعة للأدب العربي عبارة عن مجلدين لكتاب واحد اسمه أباطيل وأسمار واستمرت جهود الرجل في تحقيق كتب التراث فكان من أشهر ما حققه تفسير الطبري، وغيره حتى كان عام ١٩٦٦م، وقد بلغ الشيخ سبعة وخمسين عامًا، فألقي القبض عليه، وأودع السجن على اعتبار أنه واحد من جماعة الإخوان المسلمين وبعيدًا عن عدم كونه كذلك، إلا أن الذين وضعوه داخل السجن لم ينظروا إليه على أساس من مكانته المتفردة كواحد من دعائم ارتباط الأمة بتراثها.

في الزنزانة

وكان عليه أن يحشر مع مائتين وخمسين في عنبر واحد، ويشهد الذين كانوا معه في تلك الفترة على أنه كان شديد الاحتمال، يغالب كبر سنه كي لا يبدي الله الشديد، وكذلك كان سمح الروح واسع الصدر مع الذين يعارضون أراءه ومواقفه في هذا المكان، ولكنه رفض أن يعتذر ليخرج من السجن، أبت نفسه العزيزة ذلك، وفضل الأسر على خروج فيه تأسف منه على شيء لم يرتكبه، حتى بعد ما ظهر عليه المرض من أثر سوء التغذية. ولم يقدر الله لهذه الفترة أن تطول أكثر مما يحتمل الرجل، فأفرج عنه، ولم تمض سنوات كثيرة حتى أخذ دوره المناسب من التكريم في حياته فانتخب عضوًا مراسلًا لمجمع اللغة العربية في دمشق عام ۱۹۸۰م، وحصل على جائزة الدولة التقديرية عام ۱۹۸۲م، وفي منتصف العام التالي فاز بعضوية مجمع اللغة العربية، أو مجمع الخالدين -كما يطلق عليه- وبذلك يكون عضوًا عاملًا فيه، وفي نهاية نفس العام توجت جهوده بأن حصل على جائزة الملك فيصل العالمية، وكان بذلك المصري الرابع الذي حصل عليها، وكانت معاركه السابقة معه أثناء حصوله عليها، إذ إن أنصار طه حسين لم يتركوه حتى بعد وفاة طه حسين، واعترافه بحق الشيخ، ولذلك قصة طريفة:

فقد كانت اللجنة التي تمنح الجائزة د. عبد القادر القط أحد تلامذة طه حسين، الذي رأى أن الكتاب الذي سيحصل على الجائزة «المتنبي» يضم هجومين على طه حسين، وإشارات إلى الفساد بما يتنافى- كما يرى د. القط- مع فكرة الجائزة نفسها، ولذلك قرر أن يمنح الجائزة للطبعة الأولى من الكتاب، لأنها تخلو من المقدمة الطويلة التي تتضمن الهجوم. وكان الشيخ قد أضاف تعديلات للكتاب عام ۱۹۷۸م، فما كان من الشيخ شاكر إلا أنه وقف ليعلن بين دهشة الجميع أن الذي حصل على الجائزة شخص آخر غير محمود شاكر الواقف أمامهم لأنه قد كتب مقدمة الكتاب أما الذي نال الجائزة فهو آخر لم يكتبها، وذلك الموقف فيه الإقرار الكافي بأهمية المقدمة، والثبات على الموقف. 

وهو موقف عظيم من رجل قال عن القرآن الكريم والحديث «النبوي»، والشعر العربي وتأثيرهم في منهجه.

أمدتني بخبرات جمة متباينة متشعبة أتاحت لي أن أجعل منهجي في تذوق الكلام منهجًا شاملًا متشعب الأنحاء والأطراف، يزداد مع تطاول الأيام رحابةً وسعةً، وحدةً وصفاءً، ونفاذًا ودقةً، وشمولًا واستقصاءً.

إن منهج المقاتل الذي يُشرع سلاحه في وجه كل من يحاول إنكار أصول الثقافة الإسلامية، والتقليل من شأنها كان جاهزًا في يد محمود شاكر.

ولخص أزمة الثقافة المصرية أنها ليست بمعزل عن انكسار الثقافة العربية بشكل عام، كطريق خطه الاستعمار لتمزيق الأمة الإسلامية، وقال عن الكتاب الذين اندسوا بين الناس كأبناء جلدتنا محاربين لهويتنا:

«إن كتابنا لا يقدمون شيئًا مفيدًا لمجتمعهم، ولا لقضايا مجتمعهم، ولو كانوا يسيرون في طريق صحيح لكان لهم شأن آخر، صحيح أنهم مجتهدون ولهم مجهوداتهم، ولكنها ضئيلة وباهتة فعندما أنظر إلى الوجود الحقيقي لطه حسين، أو توفيق الحكيم، أو إحسان عبد القدوس، أو نجيب محفوظ- أراه وجودًا ليس مفيدًا لقضايا مجتمعهم أو مشاكل وطننا». 

أما الكتاب الحقيقيون فهم الذين يتطلعون إلى واقع متفرد لمجتمعهم، يعتمد على تلاقيه الدائم مع عناصر تكوين الثقافة الإسلامية، لا الانصياع والقبول بالثقافة الغربية التي كان يراها غازية تسعى لتمزيق المنطقة فكريًّا، ولذلك فقد كان دور الكتاب المنكرين لدور الإسلام خطيرًا، إذ إنهم- حسب تعبير الشيخ- ليس لدينا مثقفون ولكننا مقلدون للغرب.

وهكذا عاش الرجل يتمتع بمكانة لا يراها منافسوه ممن يسيرون في الطريق الخطأ، وعلى الرغم من تجاهل بعض أجهزة الإعلام له، فقد كان يرى نفسه يسير في الطريق الصحيح وهكذا اختار العزلة والعكوف على القراءة والكتابة حتى أخرج لنا ٢٥٠ مقالة موزعة بين الدوريات زيادةً على كتبه.

محمود شاكر الشاعر

لا يعرف الكثيرون- حتى من أولئك الذين انبروا يشيدون بالشيخ بعد وفاته- أن قيامه بالدفاع عن الإسلام وثقافته قد شغله حتى عن موهبة شعرية جميلة، فللشيخ قصيدة طويلة ضمها كتابه «القوس والعذراء» ربما ليثبت لمعارضيه أنه قادر على الإبداع مثلهم، ولكنه تفرغ لما هو أجل وأكرم ولعل من أروع أبياته الشعرية وأكثرها عذوبة قوله:

ذكرتك بين ثنايا السطور

                                    وأضمرت قلبي بين الألم

 ولست أبوح بما قد كتمت

                                 ولو حز في نفسي حد الألم

 تمزقني ما حييت المنى 

                                 فأرفع ما مزقت بالظلم

فكم كتم الليل من سرنا 

                           وفي الليل أسرار من قد كتم

تشابه في كتم ما نستسر

                               سواد الدجى وسواد القلم

الرابط المختصر :