العنوان المجتمع الثقافي.. العدد 1273
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1997
مشاهدات 58
نشر في العدد 1273
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 28-أكتوبر-1997
مهرجان كاظمة للتراث الإسلامي مشاركات متميزة.. وتركيز على الإعلام ومشاكله
يوم السبت 11/ 10/ 1997م كانت الحركة الثقافية في الكويت على موعد مع جمهورها في احتفالية تضمنت انطلاق مهرجان كاظمة الثاني للتراث الإسلامي، والذي افتتحه وزير العدل وزير الأوقاف والشئون الإسلامية محمد ضيف الله شرار بكلمة قال فيها: إن الحاجة ماسة إلى تبني كل ما من شأنه الحفاظ على التراث الإسلامي، وإبراز الدور الرائد للفن الإسلامي في إثراء الحضارة الإنسانية، وأضاف الوزير أن المهرجان استمرار لمسيرة الحضارة الإسلامية التي بدأها الأولون واستلهامًا لكل ما هو جميل في ثقافتنا، وحرص المهرجان على تحريك الوجدان الإسلامي الكامن في النفوس بهدف التواصل مع التراث الإسلامي الأصيل.
من جانبه أكد وزير التربية والتعليم العالي، رئيس مجلس إدارة الصندوق الوقفي للثقافة والفكر د. عبد الله الغنيم أن الهدف الرئيسي لإنشاء الصندوق هو أن يكون رافدًا ثريًّا للعطاء الفكري والثقافي في الإطار الإسلامي، وليكون معبرًا يربط ماضي الأمة بحاضرها.
وقد أشار د. عبد الله الشيخ نائب رئيس مجلس إدارة الصندوق الوقفي للثقافة والفكر إلى أن مهرجان كاظمة يعد تأكيدًا على أن الثقافة هي التربية، وأن التربية هي القيم والأخلاق والإبداع، منبهًا إلى إعطاء المهرجان الفرصة للفنان المسلم للتعبير عن فكره وقيمه ورؤيته للجمال والحياة والكون بأسلوب متميز.
مدير الصندوق الوقفي للثقافة والفكر إياد الشارخ ذكر أن المهرجان مساهمة في الارتقاء بالذوق العام وبناء قاعدة جماهيرية واعية بقيمة الخط العربي والزخرفة الإسلامية، بالإضافة إلى التعريف بالصناعات اليدوية الإسلامية والعمارة الإسلامية والجوانب الفنية الجمالية فيها، والتوعية بدور الإعلام في خدمة الثقافة الإسلامية.
الإعلام الإسلامي
تضمنت فعاليات اليوم الأول للمهرجان محاضرتين: كانت الأولى بعنوان «الإعلام الإسلامي.. المصطلح والمواصفات»، أشار فيها د. عبد القادر طاش إلى أن الإعلام الإسلامي لا يزال في مراحله الأولى، ولا سيما أنه يواجه آلة الإعلام الغربي الرهيبة بكل ما يدعمها من تقنيات، وما تمتلكه من إمكانيات وما تحفل به من وسائل إغراء وتأثير، ومن هنا فإن الإعلام يواجه تحديًا مزدوجًا، فهو ليس فقط بحاجة إلى التواصل مع جمهوره، وإنما أيضًا إلى التصدي للتضليل الذي ينبعث من الإعلام الآخر عبر كل القنوات وبمختلف الصور والتجليات.
الإعلام والفقه
في المحاضرة الثانية تزايد عدد الحضور بصورة ملحوظة، حيث أفاض الدكتور يوسف القرضاوي في شرح العلاقة بين الإعلام والفقه، مؤكدًا بالمناسبة على الفرق بين الإعلام الديني والإعلام الإسلامي، مبينًا أن الأول تمثله خطبة الجمعة والدرس الديني، والمحاضرة المتخصصة، أما الإعلام الإسلامي فهو يشمل كل عمل أو حركة، أو مسرحية، أو إعلان أو عرض شيق شريطة أن تضاف إلى كل ذلك اللمسات الإسلامية التي توجه المسار، وتحدد الهدف، وأشار د. القرضاوي إلى وجود اتجاهات ثلاثة في الإعلام: الأول: الذين يبيحون كل شيء من غير ضوابط، والثاني: الذين يحرمون شيء على الإطلاق، داعيًا إلى الاتجاه الثالث.. اتجاه الوسطية الإسلامية التي تبيح في حدود الضوابط الشرعية وتحرم ما ثبت بالدليل الصحيح والصريح.
وقد استشهد بقول سفيان الثوري: إنما الفقه الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد. وأضاف د. القرضاوي أنه من غير المعقول أن تستخدم إسرائيل القمر الصناعي للتجسس علينا والتعرف على كل شبر من بلادنا، بينما يستمر الخلاف عندنا حول مشروعية التصوير، وهل هو حلال أم حرام؟
رحلة التواصل الحضاري
في اليوم الثاني بدأت فعاليات مهرجان كاظمة للتراث الإسلامي بمحاضرة د. يعقوب الغنيم وزير التربية الأسبق، والتي كانت بعنوان «كاظمة.. رحلة التواصل الحضاري»، ذكر فيها كيف يلتقي عبق الماضي في هذه المنطقة التاريخية مع جمال الحاضر وعطاءاته المتجددة.
وكانت المحاضرة الثانية بعنوان «عوائق في طريق الإعلام الهادف» شارك فيها الفنان المصري حسن يوسف، وزهير المزيدي رئيس مجلس إدارة شركة TC للدعاية والإعلان في الكويت، وقد عدد كل منهما المعوقات التي تعترض طريق الإعلام الهادف، بدءًا بمشاكل التمويل ومرورًا بالمضايقات الكثيرة من المعارضين لهذا الإعلام المميز، وانتهاء بإشكالية التحليل والتحريم.
أما اليوم الثالث فتوزعت فعالياته بين محاضرة بعنوان «صورة المرأة في الإعلام العربي» للصحفية المصرية مايسة عبد الرحمن التي أكدت أن المرأة لم تأخذ دورها الصحيح، حيث إنها تستخدم في مجال الدعاية والإغراء أكثر مما يستفاد منها في الثقافة والفكر والأدب.
بعد ذلك كان المهتمون بالأدب وهواة الشعر بشكل خاص على موعد مع الأمسية الشعرية التي أحيتها الشاعرة المصرية علية الجعار بإلقاء عدد من قصائدها وأشعارها الكثيرة المتناثرة في دواوينها «إني أحب 1968م», ثم ديوان «أتحدى بهواك الدنيا», «غريب أنت- -في قلبي- ابنة الإسلام- على أعتاب الرضا» بالإضافة بعض قصائدها الجديدة.
وسبق للشاعرة كتابة تمثيليات إذاعية وتلفزيونية منها «سباعية مصعب بن عمير- حياة الصحابيات أم سليم ورفيدة الأنصارية» بالإضافة إلى نشاطها الاجتماعي, ورحلاتها الإغاثية إلى البوسنة والهرسك وغيرها.
بمناسبة إطلاق سراح الشيخ المجاهد أحمد ياسين
شيخ الانتفاضة
شعر: فيصل بن محمد الحجي
كل يعاديك.. لكن كلهم حضروا
يرحبون وفي أقدامهم إبر
يسرهم أن يرى «التلفاز» صورتهم
إلى جوارك.. كي يبدوا ويفتخروا
يرحبون.. وفي عمق السجون رموا
أبناءك الغر.. فالميزان منكسر
أضحت رغاب نتنياهو مقدسة
لو كان يرضيه هجر «المصطفى» هجروا هجروا
يرحبون.. ولو صالوا لصرت لدى
سجانهم في زحام السجن تنحشر
يقبلون وفي تلك الشفاه قذى
من خد «رابين» لا يمحى له أثر
يعانقون.. وكم فاضت عواطفهم
في حضن «بيريز» ما تندى له الغرر
يعانقونك -يا شيخي- ونحن على
بعد نعانق ما يأتي به الخبر
نود لو هبت الأنسام حاملة
عطر البطولة في الأنحاء ينتشر
لعلها توقظ الغافين في دعة
والغافلين.. ولا يدرون ما الخطر؟
لعلها تجذب الهامات.. ترفعها..
كي لا تخر سجودًا للألى كفروا
يا للغرابة.. سيخ مقعد.. وله
في كل ناد لواء شامخ نضر!
على السرير قد استلقى.. وهامته
فوق الثريا.. فما أزرى به الضرر
على السرير.. به الأمراض قد نخرت
في كل عضو.. فما تبقى ولا تذر
لكنه خلف سور الحق معتصم
بالله.. ملتجئ لله.. مصطبر
هذا السرير سرير الملك لا خشب
مزخرف ربه «المزعوم» محتقر
شيخ الشيوخ.. ألا ليت الشيوخ جثوا
حول السرير.. هناك المجتنى درر
هناك صبر وإخلاص وملحمة
من الصمود هناك العلم والأثر
هنا الكرامة.. لا يحظى بلذتها
من حول مائدة السلطان يعتمر
يقود في زحمة الأوجاع معركة
سلاحها نصرة الرحمن والحجر
الشيخ أعزل والأعداء قد ملكوا
كل السلاح وما فازوا وما ظفروا
ما فل إيمانه طغيانهم أبدًا
إيمانه أن جيش الحق منتصر
يبني كما قد بنى «البنا» وقدوته
خير الأنام فما ينتابه خور
يا معشر العلماء الله سائلكم
عن قولة الحق لما يشمخ الأشر
شتان بين شيوخ الدين إن زهدوا
وبين شيخ «حكومي» له وطر
الله أخزى «نتنياهو» وأرغمه
ليطلق الشيخ.. والأنظار تنبهر
أخلى سبيلك من أحداقه ورمت
تكاد من ثوران الغيظ تنفجر
بالأمس كان عنيدًا.. لا يلين لمن
تشفعوا رحمة بالشيخ.. وانتظروا
«دراجة» المقعد المسجون يحسبها
«دبابة» سوف تغزوه وتنتصر
قد كان يطفئ في عمان «مشعلنا»
فخيب الله من كادوا ومن غدروا
صاروا أسارى وكانوا الآسرين فكم
في حكمة الله قد بانت لنا عبر
جاءوك تحت ظلام الليل والتمسوا
منك الخروج.. كذا أشرقت يا قمر!
يا مرحبًا بلواء الحق يسطع في
غياهب اليأس.. والآمال تحتضر
كصاحب الغار.. حاشا أن يساوره
خوف.. وثالث من في الغار مقتدر
اليوم بيارة الليمون قد ضحكت
من بعد ما لبثت في الحزن تعتصر
اليوم يبتسم الأقصى.. وحق له
من بعد ما عبثوا فيه وما حفروا
اليوم كل فلسطين ارتدت أملًا
كالغيث فوق قلوب الناس ينهمر
ترى الثكالى عزاء في مصائبها
يرى اليتامى «أبًا» كالظل ينتشر
يرى الشباب «فدائيًّا» ولحيته
تضيء كالفضة البيضاء تنصهر
لم يثنه الشيب.. بل زادت حماسته
لم يثنه الداء.. ليت الداء ينحسر
قصة قصيرة - الطريق إلى سراييفو
بقلم: محمد محمود عمارة
الآن أنا في طريقي إلى المجد.. إلى عالم الأضواء والشهرة، هكذا أخذ يحدث نفسه، وهو في طريقه إلى «زغرب» محطته الأولى التي سينطلق منها إلى «سراييفو» ليغطي أنباء المعارك الدائرة هناك بين المسلمين والصرب.
الأفكار والخواطر تتداعى إلى ذهنه لتأخذ أشكالًا وصورًا مختلفة، فهي تارة على شكل أسئلة، وتارة أخرى على صورة أحلام وأمنيات، كان أول سؤال تبادر إلى ذهنه «ترى ما عنوان أول تحقيق صحفي أرسله؟».
لا بد أن أختار عنوانًا براقًا يخطف الأبصار وتنخلع له القلوب، سأستغل تعاطف الناس مع قضية مسلمي البوسنة لألعب على هذا الوتر، وأحقق ما أصبوا إليه، تصبح تحقيقاتي حديث الساعة بين الناس، عندئذ سيصبح اسمي معلمًا من معالم الجريدة وسأختصر عدة سنوات من العمل المضني من أجل الوصول إلى عمود صحفي يكون إمضاؤه ممهورًا باسمي.
أفاق على صوت قائد الطائرة وهو يعلن عن اقترابهم من مطار «زغرب» وأنهم على وشك الهبوط.
أخذ قلبه يدق فرحًا، فلقد اقترب من تحقيق حلمه، وأطلق لخياله العنان، وكان كلما تخيل سلسلة التحقيقات التي سيرسلها وتصور الناس وهي تقرؤها بشغف وتنتظر بلهفة التحقيق الذي يليه كلما ازدادت سعادته.
أخذ ضابط الجوازات الكرواتي يقلب في أوراقه، استوقفه الاسم، الجنسية: الديانة سأله بلهجة لم يرتح إليها: «عربي مسلم، واسمك إسلام؟».
أجابه: «نعم».
نظر إليه نظرة ملؤها الحقد والكره والبغض، لم يعرف لذلك مبررًا، ولكن ضابط الجوازات فاجأه بقوله: «إذن لقد جئت إلى سراييفو يا إسلام لترى نهاية الإسلام بعينيك».
ثم أخذ يضحك بصوت عال، وأخذ من حوله من الضباط الكروات يشاركونه الضحك. أخذ أوراقه ثم تركه وانصرف، لكن لا زالت ضحكات ضابط الجوازات ورفاقه تلاحقه، نظر خلفه، وجدهم ينظرون إليه في سخرية وهم مستمرون في ضحكاتهم.
طلب من سائق السيارة أن يقوده إلى مقر قوات الأمم المتحدة حتى يحصل على تصريح من هناك يسهل له المرور إلى سراييفو عبر نقاط التفتيش الصربية، هكذا أخبروه في الجريدة، وعليه أن يلتزم بالتعليمات.
ما أن وصل هناك حتى وجد كثيرًا من الصحفيين، كل منهم يمثل جنسية مختلفة، ابتسم لنفسه وهو يقول: «حقًّا أمم متحدة».
بعد طول معاناة وصل إلى «سراييفو»، ولكن هناك شيئًا ما قد تبدل داخله، حتى الأسئلة التي جاء بها من بلاده عن المجد، عن الشهرة، عن عناوين تحقيقاته الصحفية نسيها لتحل محلها أسئلة أخرى كلها تبدأ بأداة الاستفهام: لماذا؟
«لماذا عاملوني هكذا في مقر الأمم المتحدة؟ لماذا جعلوني أبقى في «زغرب» ثلاثة أيام قبل أن يعطوني التصريح؟ لماذا لم يفعلوا هذا مع مراسلي الصحف الغربية؟ لماذا هذا الأسلوب المهين في التعامل معي عبر كل نقطة صربية كنت أمر بها؟ لماذا تبدلت معاملتهم معي كلما قرءوا اسمي وديانتي؟ لماذا عاملوا بقية الصحفيين الأجانب معاملة كريمة وعاملوني بخشونة وجفاء لدرجة أنني اعتقدت أنهم سيفتكون بي عدد النقاط التي مررت بها؟».
أحس أن ديانته وجنسيته تسببان له مشكلة هنا في بلاد تدعي الحضارة، وبين قوم يدعون المدنية والبعد عن التفرقة القائمة على جنس أو دين.. «هراء» صرخة علا بها صوته ليتبعها بقوله: «كلمات جوفاء تهدمها أفعال شنعاء».
«نحن نعالج المصابين بأقل الإمكانات كما ترى، فنحن نعاني من نقص الأدوية والأدوات والمعدات الجراحية، نحن بحاجة إلى المساعدات الإنسانية العاجلة، ولكن هنا تتجمع أعظم آيات البطولة للوقوف والصمود أمام العدوان الصربي» كانت تلك هي الكلمات التي شرح بها أحد الأطباء ظروف المستشفى لإسلام.
اقترب الطبيب من امرأة أشار إليها، أخبر إسلام أنها إحدى المجاهدات وأنها أصيبت في إحدى المعارك الحربية.
اقترب منها إسلام حاول أن يحدثها بالإنجليزية، لكنها فاجأته بسؤال عربي فصيح: «لماذا جئت إلى هنا؟».
سألها متعجبًا: «قبل أن أجيبك أود أن أعرف أولًا أين تعلمتي اللغة العربية؟».
«تعلمتها في الأزهر، فأنا تعلمت هناك وحفظت القرآن الكريم ثم عدت إلى بلادي لأحمل لواء الدعوة، ولكن الصرب لم يعطوني الفرصة لأكمل رسالتي، فأخذت مكاني بين المجاهدين، والآن جاء دورك لتجيب عن سؤالي».
أخبرها بلهجة الواثق: «أنا هنا لأغطي أخباركم»، لكنها فاجأته مرة أخرى بسؤال حيره: «وهل تحتاج أخبارنا لتغطيتكم؟ إن أخبارنا ملء الدنيا وملء الأسماع، أخبار انتهاك الصرب لأعراضنا، تشريدهم لأطفالنا، استيلاؤهم على أرضنا وأوطاننا، إن سؤالي هو: ماذا قدمتم أيها العرب المسلمون لنا؟».
تلعثم وهو يحاول أن يجيب عن سؤالها وأحس بأن رده عبارة عن مجموعة من الكلمات البلهاء: «لقد قمنا بالكثير، لقد شجبنا، استنكرنا، وأكثر من هذا طالبنا الأمم المتحدة أن تقوم بإغاثتكم، كما طلبنا من قوات حلف شمال الأطلنطي أن تحميكم، ألم تغثكم الأمم المتحدة؟! ألم تحمكم قوات الحلف؟».
نظرت إليه نظرة حاول أن يهرب منها ثم تمتمت: «الأمم المتحدة؟! حلف شمال الأطلنطي؟!» ثم أتبعتها بكلمات كانت بمثابة الصفعات على وجهه، بل كانت وابلًا من الرصاص تمنى لو اختبأ منه.
«ألا تستحي يا رجل؟ أتطلب من غير المسلمين أن يحموا المسلمين؟! أتطلب من غير المسلمين أن يغيثوا المسلمين؟! أين أنتم وأين دوركم؟
حدثني آبائي وقرأت في التاريخ عن الخليفة العباسي الذي هبت جيوشه تؤدب جيوش الروم لأن امرأة استغاثت به في أقصى بلاد المسلمين وقالت: وامعتصماه، والآن هل لي أن أسألك كم طفل صرخ وبكى؟ كم امرأة ضاع صوتها وهي تصرخ وتستغيث، وتنادي: واإسلاماه؟ هل أغثتموها؟ أين أنتم أيها المسلمون؟ هل أنتم بالدنيا مشغولون؟ وعن المال تبحثون؟ أم أنكم وراء شهواتكم وملذاتكم تلهثون؟ أتعرف ماذا يسمونكم في الغرب؟ المسلمون المتخلفون».
أحس بالكلمات تختنق بداخله، ولم يجد ما يرد به عليها، كما أنها لم تترك له الفرصة بل أجهزت عليه بقولها: «انظر حولك إلى هؤلاء الأطفال الذين أصيبوا من جراء القصف الصربي بعاهات قتلت بداخلهم أحلام الطفولة».
نظر حوله فوجد أطفالًا في عمر الزهور وكل له إصابة مختلفة، ولكن هاله مشهد طفل فقد عينيه وإحدى ساقيه، ولكن مع ذلك يحاول أن يبتسم في براءة الأطفال.
ابتسم لها في رفق، استأذن، تركها وانصرف، لكن لا تزال كلماتها ومشاهد الأطفال المصابين تطارده. عاد إلى الفندق، حاول أن ينام، لكن هيهات فلقد خاصم النون جفنيه، لكنه قرر أن يعود إلى تلك المرأة في الصباح.
وصل إلى المستشفى، قابل الطبيب، سأله أن يقابل المرأة التي كان يتحدث إليها بالأمس، لكن الطبيب أخبره أنها أصرت على الخروج على الرغم من إصابتها لتشارك في إحدى العمليات ضد الصرب.
لم يفرغا من حديثهما حتى حدثت جلبة داخل أرجاء المستشفى، أسرع الأطباء لاستقبال الجرحى وأسرع هو معهم، لمحها من بعيد، اقترب منها وجدها مصابة بجرح بالغ، تلفظ أنفاسها الأخيرة، تتمتم: «أنا الآن في طريقي إلى المجد»، تسلم الروح لبارئها.
أما هو فلقد وصل الآن إلى قناعة، أخرج ورقة وقلمًا من جيبه، كتب رسالة إلى رئيس التحرير، ختمها بالعبارة التالية:
«جئت إلى سراييفو بحثًا عن المجد من خلال الشهرة والأضواء، لكنني اكتشفت أنني ضللت الطريق وأخذت امرأة بيدي.. إن المجد أبدًا لم يكن في الشهرة والأضواء، لكنه هناك بين صفوف المجاهدين».
الندوة العالمية للشباب الإسلامي - تقرير سنوي حافل بالعطاء والإنجاز
أصدرت الندوة العالمية للشباب الإسلامي بالمملكة العربية السعودية تقريرها السنوي لمكتب جدة، وقد تناول التقرير سردًا للإنجازات التي نفذت خلال سنة 1417هـ والتي شملت تنفيذ العديد من المشاريع التعليمية والدعوية والتربوية، ورعاية الأيتام، والمشاريع الصحية والموسمية.
وأورد التقرير مقارنات الأعمال التي تمت خلال السنوات الثلاث الأخيرة توضح الإنجازات المميزة لهذه السنة، وتحدث التقرير عن مشروع كفالة الدعاة الذي شمل 13 دولة يعمل بها 115 داعية.
وأوضح التقرير مدى اهتمام الندوة بمشاريع الصدقة الجارية؛ إذ بلغت التكاليف الإجمالية لقسم المشاريع من بناء المساجد وحفر الآبار سنة 1417هـ ما مجموعه نحو 3.3 مليون ريال سعودي.
الحصون المنيعة
بقلم: محمد صالح حمزة
لعل من نافلة القول أن السياسي يمتلك هامشًا يتسع أو يضيق حسب مقتضى الحال والحدث.. ورغم ارتباطه «السياسي» بثوابت بلده وأمته وعقيدته إلا أن مقاصد المصلحة وحسابات الربح والخسارة تبقى من أبرز الشواخص التي تحدد اتجاهاته وتتحكم في مفاصل تحركه.
ويحتفظ في جعبته بعد ذلك كله بكم ليس بالقليل من التبريرات التي يقدمها بين يدي مواقفه عند الخطأ.. وفي كثير من بلادنا العربية والإسلامية درجت الشعوب بسبب الكثير من الممارسات الرسمية، على الشك في أرباب السياسة وافتراض الخطأ فيما يصدر عنها سلفًا.
أما المثقفون وأرباب الكلمة وأصحاب الفكر، فإن النظرة تجاههم تختلف بشكل كبير، وإن كانت هذه النظرة راحت تهتز على خلفية تبعية العديد من هؤلاء للسياسي فمنذ أيام الجاهلية الأولى كان للكلمة عند العرب فعلها الإيجابي في صنع الحدث وتكوين ما يمكن أن نطلق عليه بلغة اليوم مصطلح «الرأي العام».
وبعد أن أكرم الله هذه الأمة بحمل رسالته الخالدة إلى العالمين تعمق دور الكلمة عند العلماء والفقهاء.. وجاءت المحنة التي تعرض لها الإمام أحمد بن حنبل -فيما سمي خلق القرآن- درسًا تاريخيًّا بكل ما تعنيه هذه الكلمة.. ما تزال الأجيال تحمله للأجيال حمل عبرة وعظة وقدرة.. تقول للعالمين جملة: إن أثر الكلمة والفكر ومواقف أهل الكلمة والفكر في الأمة بليغ جدًّا وعميق جدًّا.. وقد شكل على الدوام الحضن المنبع والأخير الذي يقي الأمم من التصدعات والانهيارات السياسية إذا وجد في هذه الأمم من يقف وقفة ابن حنبل وأمثاله.
وإن أمتنا اليوم تمر على مختلف الصعد بمحنة تكاد تقوض الأبنية الفكرية والعقدية والمسلمات فيها.. ومن هنا يجيء حديثنا في وقته عن صمود رجل الثقافة والفكر والمبدأ -من العلماء والدارسين- وعن دوره في الحفاظ على الثوابت الأصلية والصمود الشعبي، وإن التاريخ ليزخر بالأمثلة التي تؤكد دور العلماء والمثقفين أصحاب الفكر في الأمة.. وكيف يقي هؤلاء الأمة من الانهيارات والضياع وفقدان الهوية.
أول خليفة راشد على وجه الأرض أبو بكر الصديق رضي الله عنه.. وحده وقف موقفًا أنقذ الأمة بكاملها يوم أن ارتدت معظم قبائل العرب ومنعت الزكاة.. وتساهل الكثيرون يومئذ ولم يحملوا الأمر على محمله الخطير، ولم يلحظوا أنه بمثابة نقض عرى الإسلام عروة عروة، وأنه يمكن أن يشكل بداية الانهيار لهذا الدين.. فجاءت وقفة الصديق لتنتشل الأمة بكاملها وتفوت الفرصة الخطيرة.
وبعد ذلك بزمن جاءت هجمة التتار التي لا يشبهها إلا السيل الجارف ولم تستطع أي قوة عسكرية في طول البلاد وعرضها أن تقف في وجههم، وجرف تيارهم كل السدود التي اعترضته، وحطم كل القلاع التي وقفت في طريقه.. وجثت الأمة على حافة اليأس والقنوط.
فجاء صوت «العز» العز بن عبد السلام الذي لم يكن ضابطًا في جيش ولا قائدًا في عسكر، بل كان من أهل الكلمة والفكر.. فهز كيان الجماهير وأعاد ترتيب أولوياتها: فبدأ ببيع المماليك الذين فرطوا أو أساءوا أو خالفوا ثوابت الأمة وانحرفوا عن عقيدتها.. ثم حرك مكامن القوة في الأمة وفعلها ووظفها بالاتجاه القويم.. فحالت وقفته دون الانهيار، ورفعت رأس الأمة عاليًا، وما يزال التاريخ يعبر القرون نشوان جذلًا لهذه المفخرة التي سجلت في صحائف كل منتم إلى أهل الفكر والثقافة والكلمة.
ومن بواعث الاطمئنان على هذه الأمة أن رب العزة قد تكفل بحفظها، وأنه كلما انفرجت الزاوية بين مسيرتها وبين جادة الصواب ابتعث الله من جنوده من يجدد أمر دينها ويردها إلى سبيل الحق.
وهذا «المجد» المقصود ليس ملكًا من السماء.. ولا جانًّا تشقق عنه أخاديد الأرض.. بل هو فرد من أفراد هذه الأمة حصرًا.. ومن غير أهل الفكر والثقافة والعلم والفقه جدير بأن يتبوأ مثل هذه المكانة الكريمة السامية، ويتصدى لهذا الشرف العظيم؟
وها هي الأمة اليوم بمنعطف من التشرذم والتمزق والهوان تتضاءل أمامه هجمة التتار وهجمة المغول.. ذلك أن الهجمة السالفة كانت مجرد قوة لا تدعمها فلسفة ولا تواكبها عقيدة.. وهجمة اليوم تتسلح بالقوة ومن ثم بالمنهاج الذي يطرح نفسه كحضارة تزعم قيادة البشرية وتزين وجهها بكل ما قدمته المدنية من أساليب وعلوم وتقنيات، لذا فإن خطرها أشد، وفتكها أبلغ، وبالتالي فإن التحدي كبير وخطير.
ولكن إدراك العلماء والمثقفين والأصلاء والمؤمنين لدورهم ومكانتهم في الأمة وتمثلهم ضميرها الحي المتيقظ وحراستهم الواعية لثغورها جعل منهم خط دفاعها المنيع وآخر قلاعها الحصينة.. يسترشد الناس ببوصلتهم الهادية ثابتة الاتجاه نحو بر الأمان وجادة الصواب.
ونحن على يقين بأن السلسلة الناصعة المتميزة التي نظمت مواقف علماء وفقهاء ومفكري هذه الأمة منذ الوقفة الشجاعة لأبي بكر رضي الله عنه في محنة الردة إلى زمن ابن حنبل إلى صعود العز بن عبد السلام في وجه التتار إلى وقفة العالم الشاعر أبي الفداء الفذة مع صلاح الدين، إلى يوم الناس هذا.. نقول: إن هذه السلسلة ستمتد، لا محالة لانتشال الأمة من محنتها هذه لتضعها في مكانها ومكانتها الصحيحة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل