العنوان المجتمع الثقافي (1288)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1998
مشاهدات 90
نشر في العدد 1288
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 17-فبراير-1998
مدير مركز الدارسات الإسلامية بجامعة أكسفورد:
مهمة المركز تلاقح الأفكار بين مفكري العالم الإسلامي والعالم الغربي
- هدفنا الوصول إلى فهم أفضل بين الغرب والإسلام.
كتب د. حسن علي دبا
الإسلام والغرب تاريخ ممتد وطويل من العلاقة التي تقترب من الإيجابية حينًا، والسلبية حينًا آخر، وكلما توافرت فرص أفضل للحوار بين العالمين الإسلامي والغربي كان ذلك لمصلحة البشرية جميعًا.
ومنذ إنشاء مركز الدراسات الإسلامية بجامعة أكسفورد والمراقب يتطلع إليه للقيام بدور فعال في العلاقة بين العالمين.
مؤخرًا زار الدوحة د. فرحان أحمد نظامي مدير المركز، وفي جامعة قطر، وفي إطار الندوة العلمية لكلية الشريعة والقانون والدراسات الإسلامية ألقى محاضرة بعنوان «مركز الدراسات الإسلامية بجامعة أكسفورد ودوره في خدمة الحضارة الإسلامية في الغرب»، وقد قدمها أ.د. جمال الدين عطية رئيس قسم القانون بالكلية في جامعة قطر.
عدد الأستاذ الدكتور فرحان أحمد نظامي أشكال الاهتمام بالإسلام في الغرب؛ فقال: إن المعاهد الاستشراقية تقف على رأس المهتمين بالإسلام، حيث درس المستشرقون العالم الإسلامي، ونشروا العديد من المؤلفات حول العالم الإسلامي، ومن هؤلاء العدد الكبير الذي نخالفه الرأي... وأضاف: تقف المراكز الدراسية الإسلامية في الطرف الآخر، وهي توفر الأماكن لعبادة المسلمين في الغرب، لكنه نفى عن هذه المؤسسات الدور العلمي الأكاديمي، وقال إذا كانت وجهة النظر الإسلامية ممثلة في هذه المراكز فإنها تغيب عن المراكز الأكاديمية.
الأخلاق بلا جغرافيا:
وانتقل إلى الإشارة إلى فكرة الصراع، فاعترف بوجود هذا الصراع في الغرب، ولم ينفه عن ديار الشرق، وذكر حقيقة هامة وهي مسألة جغرافية، فالشرق ليس شرقًا جغرافيًا، لكن له امتدادًا أيضًا من خلال الأجيال التي نشأت في الغرب من المسلمين، كما أن الوجود الغربي لا يقتصر على الوجود الجغرافي في الأمريكتين، لكنه موجود كحضارة في عالمنا الإسلامي كالمبادئ الغربية التي وجدت طريقها في العالم الإسلامي... مشيرًا إلى حقيقة مجردة مهمة، هي أن المثل والأخلاق والمبادئ لا تعرف الجغرافيا، فهناك من يعيش في الغرب ويشعر أنه مهدد بقيم الغرب.
ولم يبتعد د. نظامي- وهو من أصل هندي- عن الصراحة حين ذكر أن الغرب لا يشعر بالتهديد حينما يقف شخص نصراني الدين وينتقد ما هو موجود في الغرب، لكنه يشعر بالتهديد حينما يفعل ذلك مسلم، وقال: إن هذا يدعونا للنظر إلى حقيقة مهمة، هي أن ذلك يرجع إلى جذور تاريخية شملت صراعًا بين العالمين، فإن ما هو مستقر في الغرب هو أن المسلمين يخالفون المجتمعات الغربية، وأن الخلاف بين النظرتين للحياة والمجتمع موجود... وانتهى من ذلك إلى دور المركز، فهو يعالج هذه القضايا، ويوضح هذه المفاهيم الموجودة في الغرب خاصة المراكز الأكاديمية.
حوار أم لا حوار:
وانتقل مدير مركز الدراسات الإسلامية بجامعة أكسفورد إلى الحديث عن الحوار، فقدم حقيقة مهمة، هي أن ما يسمى حوارًا بين الإسلام والغرب هو حوار من طرف واحد أحيانًا، وعلل ذلك بأنه عادة ما يمثل المسلمين فيه أناس ينطلقون من مبادئ غربية، مشيرًا إلى أن هناك أناسًا في الغرب لن يستفيدوا من الحوار الغربي الإسلامي، لكن هناك أيضًا من يهمه أن يحصل على معلومات عن الإسلام، مما قد يؤثر على نظرته إلى العالم الإسلامي.
واعترف- كمؤرخ- بأنه قد حدث انحراف منهجي في عالمنا الإسلامي وتغير منهجي، تمثل في عزل الإسلام في دائرة ضيقة تدعى بالدراسات الإسلامية فقط، وقال: ففي مركز الدراسات الإسلامية نحن مؤسسة صغيرة مرتبطة بجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة، وهي أول مؤسسة إسلامية في هذه الجامعة منذ نشأتها منذ 7 قرون، فمنذ 3 قرون أنشئ كرسي اللغة العربية، الذي تخرج فيه كثير من المستشرقين... وأضاف ضمن هذا الإطار يجب أن ينظر إلى مركزنا كمؤسسة إسلامية تديرها هيئة أمناء، على رأسها سماحة الشيخ أبي الحسن الندوي، وفي عضويتها علماء من العالم الإسلامي «منهم د. يوسف القرضاوي».
يجمع بين الدراستين:
وعن تفرد المركز عن غيره ذكر أن العديد من المؤسسات الثقافية الإسلامية في الغرب تدرس الدراسات الإسلامية، لكن المركز وحده هو الذي يجمع بين الدراسات الإسلامية والدراسات الغربية، فهو تجربة فريدة من نوعها خاصة في جامعة أكسفورد العريقة.
فالمركز يوفر وجود مجموعة من العلماء والأكاديميين والباحثين الذين يدرسون ويتعبدون ويصلون معًا، كل منهم يتولى دراسة مجال اختصاصه.
وتحدث د. نظامي عن جامعة أكسفورد فقال إنها تضم ٣٦ كلية كل منها مستقل ماليًا، وهي أشبه بنظام دولة الإمارات العربية المتحدة.
وقد أسس المركز طبقًا لاتفاقية رسمية تربط ما بينه وبين جامعة أكسفورد، وأعضاء هيئة الأمناء فيه يخدمون بصفتهم الشخصية رغم مجيئهم من دول إسلامية متعددة، ورغم أنهم يشغلون مناصب رسمية في دولهم، لكنهم كأمناء هنا بصفتهم الشخصية فقط.
أهمية العالم العربي:
وعن اهتمامات المركز قال د. نظامي إن المركز له اهتمامات بالدراسات الشرعية الأساسية مثل الفقه، كما أن له اهتمامًا مماثلًا بالدراسات الإنسانية كالتاريخ والعلاقات السياسية والتربية والتعليم.
ويعتبر المركز العالم العربي. هو قلب العالم الإسلامي، لكننا نعتقد أن العالم الإسلامي يمثل رقعة جغرافية وشعوبًا تمتد إلى ما وراء العالم العربي مثل دول شرق آسيا، وامتداد العالم الإسلامي داخل العالم الغربي مثل أوروبا وأمريكا، أما أثر المركز في هذا الوسط الغربي فقد أثبته د. نظامي فقال إنه لا إنه ليس جامعة للدراسات الإسلامية، بل هو مجال للتأثير في دراسات العالم الإسلامي عامة، وضرب مثالًا لذلك، فقال: الاقتصاد بشكل عام من وجهة نظر إسلامية يطور المركز عنه برنامجًا للبحث عن الإسلام والاقتصاد العالمي، وكذلك يطور المركز برنامجًا آخر للأبحاث عن الوجود الإسلامي في الغرب، وقضايا تعليم المسلمين في الغرب مع المحافظة على هويتهم.
الأطلس الإسلامي: فريد:
وعن دور المركز في النشر قال: يصدر المركز مجلة للدراسات الإسلامية، يكتب فيها العديد من الأساتذة والمفكرين من العالمين الغربي والإسلامي، وهناك مشروع رئيسي ومهم يتم الآن بالتعاون مع مطابع أكسفورد هو مشروع الأطلس الإسلامي، وهو دراسة التاريخ الثقافي والاجتماعي للعالم الإسلامي.
إضافة إلى العديد من الإصدارات عن حياة العلماء المسلمين بشكل مبسط وميسر، توجه للقارئ الغربي، وهو ما تفتقده المكتبة الغربية.
ومن قضية دور المركز في النشر إلى قضية كيف يدار المجتمع الغربي، وما محاور التأثير فيه تحدث د. نظامي:
إن وجود معاهد علمية إسلامية في الجامعات الغربية أمر ضروري؛ لأنه يؤثر في المجتمع الغربي على المدى البعيد، إنها تغير الصورة المشوهة للإسلام في وسائل الإعلام الغربية تغييرًا بعيدًا، لكنه تغيير مؤثر وفعال.
إن للمركز دورًا في فتح الأبواب للعلماء في العالم الإسلامي؛ لتصحح وجهة النظر الغربية عن الإسلام، ويمكن التعاون مع العالم الإسلامي، «من ذلك جامعة قطر».
كما أن هناك برنامجًا تثقيفيًا وتعليميًا للتعليم الديني، وهو مادة مقررة على كل التعليم في بريطانيا، يدرسها غير المسلمين، ويقوم بهذا البرنامج د. باسل مصطفى.
البعد الدولي ومؤتمر قادم:
وعن البعد الدولي قال د. نظامي إن للمركز بعدًا وعطاء في هذا المجال، فقد وجه المركز الدعوة إلى عدد من العلماء من العالم الإسلامي لإلقاء المحاضرات وطباعتها.
أما من العالم الغربي فقد القى الأمير تشارلز محاضرة، وزارنا نلسون مانديلا رئيس جنوب إفريقيا، كما جاء إلينا معالي رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد، وألقى محاضرة باسم «الإسلام الدين الذي يساء فهمه»، كما يقوم المركز بجهود متواصلة للإعداد لمؤتمر يُدعى إليه أطرافٌ وشخصياتٌ من العالمين الإسلامي والغربي للحوار حول قضايا تهم الطرفين، وأرى أن هذه المؤتمرات أثمرت كثيرًا.
واحة الشعر
بين جنبي خافق
شعر: عبدالله عطية عبدالله الزهراني
واقفٌ في حِمى الحرمْ *** قاصدٌ باب ذي الكرمْ
طارقٌ بابَ واحدٍ *** يغفرُ الجرم واللممْ
خلق الكون كله *** ليس يسهو ولا يهمْ
قد تعالى جلاله *** علم الناس بالقلمْ
بين جنبيَّ خافقٌ *** يشتكي من الألمْ
ألمي جرح أمتي *** جلب الهم والسأَمْ
كلما قلت جرحها *** سوف يُبْرَى ويلتئمْ
راشها سهم حاسد *** بالعداوات قد وسمْ
سيفها كان مصلتًا *** فنبا السيف وانثلمْ
أنشب الذل نابه *** فبدا السقم والورمْ
في ربا القدس إخوة *** فيهم الحزن مرتسمْ
فيهم الظلم قد عدا *** فيهم الفقر قد جثمْ
أين يممت ناظري *** راعني الذل والغشمْ
لا تسل عن جراحهم *** إن ربي لِمَن ظُلِمْ
آه من حال أمتي *** فقدت عزها الأشمْ
نسيت يوم خيبر *** يوم صهيون قد وجمْ
نسيت كل وقعة *** فعلها يسبق الكلمْ
تركت هَدْي ربها *** وتخلت عن القيمْ
واستهانت بدينها *** فأتى الجيل في صممْ
وسريعًا أصابها *** هول خطب بها ألمْ
إن لله غضبةً *** قد أُعِدَّت لمن ظَلَمْ
طرح القوم كربهم *** في حمى هيئة الأممْ
وتَشَكَّوْا لمجلسِ *** مَزَّق العدل والشيمْ
ونسوا باب ربهم *** كاشف الكرب والغممْ
كيف نشكو لخصمنا *** وهو بالحقد يضطرمْ
كيف نشكو لكافر *** قنن الظلم والنقمْ
يا لها من مهازل *** تجلب الشيب والهِرَمْ
كيف نبني وغيرنا *** يعشق الهدم والرممْ
ليت شعري إلى متى *** تتداعى لنا الأممْ
ربما عز قومنا *** ربما الفجر قد قدمْ
فنرى الغيث قد همی *** ونرى الليل قد خُتِمْ
ونرى كل روضة *** غصنها ماد وانسجمْ
ونرى البدر ضاحكًا *** ونرى الشمس تبتسمْ
المنشد الإسلامي موسى مصطفى لـ«المجتمع»:
أداء النشيد الإسلامي بطريقة «الفيديو كليب» تطوير فني للعمل يجعله أكثر تأثيرًا وجاذبية
حاوره في البحرين: خالد عبد الله
زار البحرين مؤخرًا المنشدان الإسلاميان محمد مصطفى «أبو راتب» وأخوه موسى مصطفى، وذلك للمشاركة في المهرجانين الإنشاديين اللذين أقيما بمناسبة الأسبوع الذي أقامته جمعية الإصلاح في البحرين لدعم صمود الشعب الفلسطيني في القدس الشريف، وقد كان لمجلة المجتمع هذا اللقاء مع المنشد الإسلامي موسى مصطفى حول النشيد الإسلامي وقضاياه، والمنشد الإسلامي موسى مصطفى من مواليد حلب بسورية عام ١٩٧٨م، ويدرس حاليًا المحاسبة في جامعة الزرقاء الأهلية بالأردن:
- بدايتكم مع النشيد الإسلامي كيف كانت؟
- بدأت النشيد عام ۱۹۸۷م، وعمري تسع سنوات في مهرجان الأنشودة الإسلامية الثاني في الأردن، حيث أنشدت نشيدة اشتهرت بها وأنا صغير، وهي أنشودة «حدثيني عن بلادي حدثيني»، وذلك تحت إشراف أخي «أبو راتب»، ثم واصلت المشوار في هذا الطريق.
- هل شاركت في مهرجانات أخرى خارج الأردن؟
- نعم، شاركت في عدة مهرجانات إنشادية في الجزائر، وإيطاليا، وبريطانيا، وقطر، وهذه هي أول زيارة لي للبحرين، وأنا هنا أسجل إعجابي وتقديري للشعب البحريني المتميز بأخلاقه وذوقه، الذي لمسته من خلال التجاوب الكبير الذي أبداه الجمهور في المهرجانين الإنشاديين.
- باعتبارك منشدًا إسلاميًا كيف تنظر إلى النشيد الإسلامي؟
- النشيد الإسلامي بداية هو دعوة ووسيلة وليس غاية، لأنك من خلال هذا النشيد إنما توصل دعوة الله إلى الناس وقضايا المسلمين، وترسخها في وجدانهم من خلال الكلمة واللحن والأداء المتميز.
- إذا تطرقنا إلى قضية الإنشاد بإيقاع أو من غير إيقاع، ما رأيك حول هذه القضية؟
- طبعًا الإيقاع مهم جدًا في الأنشودة الإسلامية حتى نستطيع أن نقدمها للناس في مستوى فني راق؛ لأن الهدف من الإيقاع ليس الطرب والاستمتاع، وإنما هو يقوم بضبط سرعة الأداء، ويحفظ المنشد من الخروج عن اللحن، وينظم مقاطع الأنشودة، ويحدث توافقًا بين المنشد والكورال، وأنا في استخدامي للإيقاع أستند إلى رأي شرعي معتبر، وللآخرين أن يأخذوا بالرأي الآخر، والدين يسر ويسع الجميع، فكلنا نسعى لجذب هذا الدين.
- النشيد الإسلامي ما زال مقتصرًا على فئة الملتزمين، ولم يحقق الانتشار المطلوب بين الناس، ما الأسباب في رأيك؟
- لعل أول الأسباب هو عدم إتاحة المؤسسات الإعلامية الفرصة لهذا النشيد حتى يبرز صورته، وإذا أعطينا فرصة ففي حدود ضيقة لا تحمل من التشويق ما تحمله الأغاني، لذلك أنا من مؤيدي أداء النشيد الإسلامي بطريقة الفيديو كليب؛ لأنه حين يتفق الصوت مع الصورة مع اللحن، يكون العمل أرقى فنيًا، وأكثر تأثيرًا وجاذبية، بالإضافة إلى ما سبق هناك معوقات أخرى مثل عدم توافر الشعراء الذين يكتبون الأنشودة وليس القصيدة؛ لأنه ليس كل قصيدة تصلح أن تحول إلى أنشودة، وكذلك قلة الإمكانات المادية، وقلة الأفراد الذين يخوضون هذا المجال مع أهميته الكبرى في تبليغ دعوة الله، فرب أنشودة أغنت عن ألف خطبة.
- لماذا نرى النشيد الإسلامي يقتصر على تناول قضايا الأمة الكبرى، وكذلك من ناحية اللحن نراه يقتصر على الألحان الحزينة، مع أن مقامات الألحان كما تعلم عديدة ومتنوعة؟
- طبعًا يجب على النشيد الإسلامي ألا يقتصر على هذا الجانب الذي ذكرته؛ حتى يحقق الانتشار المطلوب، فيجب أن يتناول كافة الموضوعات المرتبطة بالإنسان، لأن الأصل أن كل ما في هذه الأرض يجب أن يكون إسلاميًا، فيجب أن يتناول النشيد قضايا الأخلاق والعلاقات الإنسانية وغيرها، وألا يقتصر من ناحية الألحان على مقامات الألحان الحزينة، فإن الإنسان يحب أحيانًا سماع اللحن الحزين، وأحيانًا الألحان الأخرى؛ فيجب التنويع في الموضوعات والألحان والمقامات.
- ما انطباعاتك عن النشيد الخليجي؟
- أنا من محبي سماع النمط الخليجي في الإنشاد، وحقيقة أتمنى أن أؤديه، ولعلي أفعل ذلك مستقبلًا إن شاء الله.
- هل تقوم بتلحين أناشيدك بمفردك؟
- نعم، منذ حوالي ثلاث سنوات بدأت الحن، والأناشيد التي أنشدتها في مهرجان البحرين كلها من ألحاني، والفضل في ذلك يعود طبعًا- بعد الله تعالى- إلى أخي أبو راتب الذي أعد نفسي من مدرسة نشيده.
- ما آخر أعمالك التي تنوي تقديمها؟
- أنا الآن أعمل على إصدار شريط بصوتي، وبمساعدة أخي أبو راتب، وستكون أناشيده دعوية جهادية، كما وجهت لي دعوة للمشاركة في مهرجان قطر الرابع في فبراير الجاري إن شاء الله.
التدهور التشريعي في الحضارة الغربية: إباحة الإجهاض:
انزعج المسلمون في كل مكان من وثيقة مؤتمر السكان الأخير، نظرًا لاحتوائه على كثير من البنود الخطيرة المخالفة لكل التشريعات السماوية، ومن هذه البنود المطالبة بإباحة الإجهاض، ويظن بعض الناس الطيبين أن الغربيين قد حضروا إلى المؤتمر لكي يحصلوا على الموافقة لإباحة الإجهاض في بلادهم، وأنهم فشلوا في ذلك، ولكن الحقيقة هي أنهم يبيحون الإجهاض منذ مدة طويلة في بلادهم، وإنما هم كانوا يطمعون في إقناع بقية دول العالم- وخاصة دول العالم الثالث، وعلى الأخص الدول الإسلامية- بإباحة الإجهاض في تشريعاتهم.
وما حدث عندهم كان كالتالي: عندما اعتبروا أن ممارسة الجنس يدخل في نطاق الحرية الشخصية، وأنه فعل فردي، ليس للمجتمع التدخل فيه أو تنظيمه بأي شكل، وأن الزواج ليس شرطًا فيه، وأنه لا دخل له بالأخلاق من قريب أو بعيد، وإنما هو سلوك بيولوجي كالأكل والشرب يفعله الإنسان في أي مكان، وبأي طريقة، ومع أي شخص يرضى بذلك.. حين سادت هذه القيم انفلت التنظيم الاجتماعي، وزادت حالات الحمل غير الشرعي في الفتيات، وأصبحت مشكلة كبيرة، إذ كيف تتصرف طالبة في الإعدادية أو الثانوية أو الجامعة، في طفل لا تعرف من أبوه، وحتى لو عرفته، فإنه غير مستعد لتحمل مسؤوليته، وحتى لو تحمل مسؤوليته فماذا تفعل هي في الأطفال الذين ستلدهم بعد ذلك نتيجة الممارسة ذاتها، وبدلًا من أن يجلس العقلاء في هذه المجتمعات، ويراجعوا القيم السائدة، ويحاولوا تعديلها، أو الرجوع عنها إلى ما هو أفضل منها.. بدلًا من أن يفعلوا ذلك، وجدناهم يحاولون حل المشكلة بالهبوط أكثر وأكثر استجابة لضغوط الأمر الواقع الذي صنعته القيم والتشريعات الخاطئة، فنجدهم يطالبون بتسهيل حصول الفتيات الصغيرات على وسائل منع الحمل، ويلزمون المجتمع بتوفير العازل الطبي في المدارس والجامعات والأماكن العامة، وإذا حدث حمل بطريق الخطأ؛ فإن الإجهاض مباح، وقد ظنوا أنهم تغلبوا على المشكلة، ولكن تشريعاتهم هذه تفتح أبوابًا لا تنتهي من المشاكل الصحية والنفسية والاجتماعية، فقد أدت هذه التشريعات إلى خلل كبير في التركيبة الاجتماعية، وإلى عزوف الكثيرين عن الزواج، طالما أنه يقضي حاجته دون مسؤوليات، وأدت عمليات الإجهاض المتكررة إلى مشاكل صحية للفتيات، وأدت أيضًا إلى مشاكل نفسية؛ لأن المرأة تكون متعلقة بهذا الجنين الذي تضطر لأن تجهضه، ومع تكرار هذا الفعل تصاب بالكثير من مشاعر الذنب والإحباط، وتزداد هذه المشاعر حتى تصاب المرأة بأمراض نفسية كثيرة، ربما تصل إلى الانتحار.
ونتيجة لهذه التشريعات وما أدت إليه من سلوكيات، انتشر الإيدز انتشارًا كبيرًا، وفشلت الجهود في البحث عن علاج له حتى الآن، وأيضًا بدلًا من مراجعة التشريعات والسلوكيات، لجأوا إلى البحث عن وسائل تتيح لهم الاستمرار فيما هم عليه، فلجأوا إلى استعمال العازل الطبي، وأوهموا الناس بأنه يتيح لهم أن يفعلوا ما يشاؤون دون أن يصابوا بالإيدز، وقد أثبتت الدراسات العلمية أن العازل الطبي يحقق وقاية تصل إلى٦٠% فقط، أي أن احتمالات الإصابة بالإيدز نتيجة العلاقات غير المشروعة تصل إلى ٤٠% حتى مع استعمال العازل، وهي نسبة مخيفة خاصة مع مرض قاتل مثل الإيدز، ومع ذلك فهم مستمرون في غيهم دون الانتباه لهذا التحلل الخلقي، وتلك الإباحية المفرطة التي أطلقت الغرائز من عقالها بلا ضابط، وتتوالي المشكلات، ويتوالى التدهور التشريعي مسايرًا للانحطاط الغريزي بلا نهاية إلا الضياع في الدنيا، والخسران في الآخرة.
د. محمد المهدي
قراءات لغوية: في ثنايا المعاجم
كتاب «أسماء بقايا الأشياء»، لأبي هلال العسكري المتوفى حوالي سنة ٤٠٠هـ، مثال باهر لما وصل إليه فن صناعة المعجمات عند العرب، ولون فريد من ألوان تصنيف الألفاظ التي تشملها علاقة معينة في مصنف واحد، فقد ضمنه المؤلف ما اجتمع له من ألفاظ تدل على بقايا الأشياء، والكتاب على صغر حجمه دليل ثراء اللغة العربية، وقدرتها على التعبير عن الجملة الطويلة بلفظة موجزة، فبدلًا من أن نقول: «الماء المتبقي في الإناء بعد الشرب» تأتي كلمة «السؤر»، لتعبر عن ذلك، وبدلًا من أن نقول: «الكلأ المتبقي في مواضع متروكة للرعي لم تصل إليها الرواعي»، نقول: «التريكة»، وهكذا.
قلت: وهذا اللون من التصنيف شاع في عصر أبي هلال، وفي عصر من سبقه من علماء اللغة، الذين تباروا في وضع معاجم دلالية لمجموعات من الألفاظ، يجمعها حقل دلالي معين، وهو ما يعرف بمعاجم المعاني، أو المعاجم الموضوعية، وأشهرها رسائل الأصمعي: «الإبل، الشاء، الخيل، الوحوش، النبات»، وكذلك كتاب «فقه اللغة» للثعالبي، و«المخصص» لابن سيده، و«الثياب والحلي» لابن فارس، وغيرها من المعاجم.
إن هذا الكتاب يدل على سعة ثقافة أبي هلال المعجمية، وإدراكه للعلاقات الدلالية التي تجمع بين طائفة من ألفاظ العربية، وهو بعمله هذا يسهل على أبناء العربية- وبخاصة الكتاب منهم- مهمة التعبير عما يجيش في صدورهم من معاني بقايا الأشياء بألفاظ سهلة بسيطة، وأيضًا ليست بالغريبة، حيث استخدمها القرآن الكريم والسنة المطهرة، وشاعت في نصوص الأدب العربي، ومن هذه الألفاظ:
«الأثارة»، وهي البقية من كل شيء، قال تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ (الأحقاف:4)، و«الشرذمة»، وهي البقية من الشيء، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ (الشعراء:54)، و«الرمق»: بقية النفس، و«الرسيس»: بقية الهوى في القلب، و«العفافة»: بقية اللبن في الضرع، و«الغبش» بقية الليل، و«اللماظة»: بقية الطعام في الفم، و«الهلال»: بقية الماء في الحوض و«الهشامة»: بقية الحطب على الأرض بعدما حمل.
محمد علي حسين