العنوان المجتمع الثقافي (1297)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1998
مشاهدات 140
نشر في العدد 1297
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 28-أبريل-1998
■ وداعًا.. رئيس تحرير الاعتصام
بقلم: د. حلمي محمد القاعود
رحل كالنسيم هادئًا وديعًا، كأنه لم يقصد أن يزعج أحدًا في حياته أو عند رحيله، مع أنه في حياته كان رمزًا لمقاومة ترفضها قوى الشر، وأعداء الإسلام، وكان عند رحيله رمزًا للصبر الجميل على البلاء الذي استمر سنوات طوالًا!!
كان «محمد عاشور» رمزًا للصلابة التي تمثلها الكلمة المتوضئة... تولى مسؤولية «الاعتصام» فشهدت في زمنه قفزة نوعية وكمية... وأصبحت علامة على تطور أفضل في مجال الفكر الحركي الإسلامي، كما ذاعت شهرتها في أرجاء البلاد والعالم الإسلامي، وصارت أعدادها -بفضل الله- تذهب إلى السوق ولا ترجع، وأضحت «الاعتصام» نموذجًا للمجلة الإسلامية التي تقرأ من الغلاف إلى الغلاف.
ابتعدت «الاعتصام» عن الإنشائيات المكرورة، والمعالجة الميتة لقضايا الأمة، فكانت كلماتها سهامًا حادة في صدر صد الفكر المنحرف، وحائط صد يذود عن المسلمين المستضعفين، وكانت سوطًا يلهب ظهر الفساد والعفن والانحلال.
خاضت «الاعتصام» في ظل رئاسة «محمد عاشور» العديد من المعارك المشهورة، دفاعًا عن الإسلام والحرية، فكانت المطالبة الدائمة بتطبيق الشريعة الإسلامية، والدفاع عن أفغانستان التي قهرها السوفييت الشيوعيون، وكان موقفها المدافع دائمًا عن فلسطين وشعبها ضد الغزوة الصليبية التي يتقدمها شذاذ الآفاق من اليهود، وكان صوتها الداوي الرافض للمصالحة مع العدو اليهودي الغادر، وكان وقوفها الصلب مع مسلمي أسيا وأفريقيا وأوروبا المضطهدين وكانت ملاحقتها الدائبة الجريئة لعملية التغريب والإذابة التي تتبناها القوى الشريرة في الداخل والخارج، وكانت... وكانت... بالإضافة إلى التعريف بمنهج الإسلام وشريعته وغاياته ومقاصده.
وفي خضم ذلك، كان محمد عاشور -رئيس تحرير الاعتصام- جنديًّا مجهولًا: يقرأ ويراجع ويخطط، في صلابة المجاهدين، وزهد العارفين وثقة المؤمنين - ولا نزكي على الله أحدًا.
بعد توقف الاعتصام منذ سبع سنوات تقريبًا، لم يتكلم أحد من أنصار حرية الصحافة عن إغلاق منبر، والإطاحة بسفير متجول في أرجاء العالم الإسلامي يقدم للناس صورة من صور الحرية والتعبير في مصر الإسلامية.
منذئذ، رأيت محمد عاشور يتراجع صحيًّا، وتظهر على ملامحه علامات الفقد.. فقد «الاعتصام» الابنة والأم والحب... وتعرض الرجل لأزمات صحية متوالية.
لقد خلف محمد عاشور مجموعة من الأعمال الفكرية والأدبية، بذل فيها جهدًا كبيرًا، ووقتًا طويلًا أبرزها تحقيقه لمسند الإمام أحمد، وصحيح البخاري، والصمت وحفظ اللسان، ومن كتبه المؤلفة: الدعاء، وخطب عمر بن الخطاب... إلخ.
رحم الله الدكتور محمد عاشور، الهادئ الوديع، الذي رحل كما يرحل النسيم، ونسأل الله أن يجمعنا به في الفردوس الأعلى مع الأبرار الصالحين.
■كتاب جديد أصدرته الإيسيسكو للدكتور عبد الهادي التازي.. القدس والخليل في الرحلات المغربية
صدر عن المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة -إيسيسكو- كتاب جديد لمؤلفه المؤرخ الديبلوماسي المغربي الدكتور عبد الهادي التازي بعنوان: «القدس والخليل في الرحلات المغربية: رحلة ابن عثمان نموذجًا»، يتضمن الكتاب عرضًا وتحليلًا لما ورد في ثماني شهادات لثمانية رحالة مغاربة زاروا المدينتين الفلسطينيتين القدس والخليل في عصور مختلفة.
ويشتمل الكتاب الذي صدر في 110 صفحات من القطع الكبير على وثائق تاريخية ذات أهمية بالغة.
كما يحتوي الكتاب على ملاحق تضم النصوص الشرعية التاريخية للأوقاف المغربية في القدس والخليل.
ويقول الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة في تقديمه لهذا الكتاب، «إنه إذا كان لنشره من دلالة في الظروف الحاضرة، فإن من أبرزها التعبير الصريح والبين بأن القدس والخليل تظلان الهدف الأكبر لنضال أصحاب الحق من أجل أن تظل البقعتان الطاهرتان كما عرفهما التاريخ، أرضًا للسلام، وموئلًا لحوار الحضارات، وملتقى لأهل الإيمان، على نحو ما كانتا عليه عندما كان يقصدهما المؤمنون من كل مكان من دون خوف أو تهديد من أي كان، وعندما كان يلتقي فيهما الزوار من كل جهات الأرض احتفاءً بتلك المعالم التي ظلت منارة للإنسانية جمعاء».
■النجرامي يتسلم الجائزة الأدبية لعام 1998م ويتبرع بقيمة الجائزة لتعليم اللغة الأردية
لكناؤ: حصل البروفيسور محمد يونس النجرامي -مستشار رابطة العالم الإسلامي لشؤون القارة الهندية ورئيس جمعية المثقفين المسلمين بالهند- على الجائزة الأدبية الأردية من لجنة الجوائز للأدب الهندي والأردي لعموم الهند، وقد تسلم البروفيسور النجرامي هذه الجائزة الأدبية مساء يوم السبت في 28\3\1998م بحضور نخبة من الوزراء والأدباء والشعراء والمسؤولين في الحكومة، وفي إعلان من لجنة الجوائز ذكرت بأن الجائزة في الأدب الأردي لعام 1998 م منحت للبروفيسور النجرامي نظرًا إلى خدماته ومجهوداته التي قام بها للحفاظ على اللغة الأردية وصيانتها من الاندثار في صورة فتح المدارس الصباحية والمسائية لتعليم اللغة الأردية، والتي تعتبر مصدرًا وحيدًا للتعرف على الإسلام والفكر الإسلامي في الهند.
■واحة الشعر
دم الجزائر موَّار بساحتها !
شعر: د. عدنان علي رضا النحوي
اصمت! فما عاد يجدي عنده الكلم ولست أدري: عمى أعياه أم صمم
أو غضبة نزعت من صدره أملًا فجُن والتاع منه الساح والقمم
أو حسرة زرعت غيظًا يمور به هول تفجر منه السهل والأجم
أو حيرة في فيافي الأرض تاه بها رُشد وضلت على أوهامها القدم
أو ثورة من أسى باتت تمزقه فقطعت بين أنياب الأسى الرحم
أو فرقة أوهت الآمال فانفرطت كل العُرا وحبال الود والذمم
فأصبحوا شيعًا شقت ثغورهم للمجرمين على أبوابها ازدحموا
تبلد الحس! لا حزن ولا فرح يهزه، أو أسى أو نكبة عمم
دم الجزائر موَّار بساحتها بهيجه أمم من بعدها أمم
***
يا للجزائر! أهوال مروعة وفتنة في رباها اليوم تضطرم
دم تدقق في ساحاتها وجرى كأنه الموج في الساحات يلتطم
دم الجزائر، وَيحي، كان نور هدى وكان يُشرق منه السهل والعلم
وراية الحق في ساحاتها خفقت لله، لا لسواه، الحرب والسلم
أرض الشهادة! ما زالت منائرها نورًا توهج من عَليائه الشمم
ألقت على الساح من أكبادها فلذًا تدافعوا زُمرًا تمضي وتقتحم
لله درك! كم أطلقت من بطل فأشرقت منهم الأفلاك والنجم
ولم تزل قمم الأجبال من دمهم وهاجة وذرًا «أوراس» تضطرم
«أوراس» ذكرى! وهل تنسى معاقله وكان يهدر منها سيله العرم
من كان يأوي إليه من مطاردة: بالله، لا بسواه، كان يعتصم
أرض الجزائر! ماذا قد دهاك وما تكاد منك جراح الأمس تلتئم
قد كنت نورًا على الآفاق منتشرًا وطلعة برؤى الآمال تبتسم
بالأمس كنت دمًا بالنور مؤتلقًا واليوم من دمك الظلماء تكتتم
ماذا دهاك؟! فأضحى الليل منعقدًا على رُباك وماج الشر والغمم
هذي الجريمة من يُوري مواقدها ومن يؤججها؟ الأشباح والظلم
ماذا أرى في سواد الليل؟! واعَجبًا كأنه شبح يدنو وينهرم
يكاد يطلع أحيانًا فأنكره يحوطهُ في ذهولي الشك والتهم
***
طفل تمزق بالسكين أضلعه ونسوة بجنون الفأس تصطلم
النائمون على أحلامهم صُعقوا وما أفاقوا ! وغاب العمر والحلم
والعائدون بزاد من مجاهدة يغذون من أنفس في الدار تزدحم
عادوا فما وجدوا إلا بقيتهم: أشلاؤهم مزق من حولهم ودم
لله در أب كم كان يدفعه لزوجه وبنيه الشوق والجشم
على يديه هدايا كي يفاجئهم ففاجؤوه: سكون الموت والعدم
تنهار أضلاعه! يهوي على فزع يكاد يصرعه مما رأى اللمم
ما بين ساقٍ هنا أو بين جمجمة هناك، تلقى سباق الموت يحتدم
وذاك وجه على عينيه حملقة من الفجاءة من أهوالها الألم
***
كأنه كان يرجو! فانطوى أسفًا لما رأى لهفة الآمال تنهزم
على المحيا بقايا الشوق تقرؤها وخيبة الأمل المرجو ترتسم
دقت رؤوس! وشق البطن وانتزعت ضلوعهم! والأسى باقٍ بها يصم
ولو رأيت «ورودًا» في ملاعبهم تفتحت عنهم الساحات والأكم
في روضة من رياض العلم يحضنهم شوق ويغذوهم التحنان والرحم
كأنما فرحة الدنيا بفرحتهم وطلعة الشوق بالآمال تبتسم
ولهفة من ذوات الخدر تصحبهم ندى الحنان وعطر العلم والنسم
مرت عليهم يد السفاح دامية على شفار الردى حُزَّت رؤوسهم
وباقة من صبايا الحي قطعها فأس! إلى الله نشكوهم ونحتكم
ما للمدارس تغزوها جرائمهم ما للمنازل والساحات تقتحم
أين الحنان؟ وأين الأهل؟ واعجبًا كأنما فتحت للمجرم الأطم
قصِّي «بليدة» ما عانيت من فزع ورجِّعي عن رُبى «وهران» ما علموا
وفي ربي «المدية» الحمراء مجزرة قد أفلتت من يدي «صنَّاعها» اللجم
هذي المجازر في «الملاحة» انفجرت فسل تنبُّلك عن أهوالها التخم
في كل ناحية ذبح ومهلكة وكل واد وريع بات يلتهم
دوِّي على مسمع الدنيا نداؤهم كأنما الناس قد أفناهم الصمم
أين الذين ادَّعوا في الأرض مرحمة؟! كأنهم من نواحي الأرض قد عدموا
أين المجالس والهيئات ويحهم؟! أين النظام الذي تلهى به الأمم
أين الحبال التي كانت موثقة بالله؟! أين عرا الإسلام والرحم
طاش الصواب! فما أصغت لنائحة أذن ولا وعت البلوى قلوبهم
***
من أضرم النار؟! من غذى اللهيب بها فعم من وقدها الإجرام والضرم
ومن رمى الفتنة السوداء فانطلقت منها الفواجع والشحناء والأضم
كلُّ الشياطين في ساحاتها دلفت يشدُّها الطمع القتَّال والنهم
تحوك من عتمة الظلماء فتنتها مكر يُدار وكيد ظل يجترم
تسللوا وبلاد الله مشرعة للمفسدين! قلوب فُتحت لهم
ولم يكن غير باب يلجؤون له باب الهوى وهوان النفس دونهم
ليس الملوم عدو في مخاصمة هو العدو فلا يرجى به اللسلم
نحن الملومون! عهد الله نحمله وليس يحمله من دوننا الأمم
يد التقيِّ براء من جرائمهم وقلبه بهدى الإيمان يعتصم
والمسلمون نقاء في مجاهدة فخشية الله في ميدانهم عصم
لهم من الحق نور يستضاء به ومن هداه «سبيل الله» يلتزم
وإنهم لوفاء في معاهدة لله يصدق فيها الشرع والقيم
وإنهم لجلاء في مخاصمة لله إن ثار في ميدانهم خصم
صدق إذا شهدوا عزم إذا نهضوا عون إذا فزعوا عدل إذا حكموا
من كان يسجد للرحمن خاشعة أحناؤه كيف ينحو نهج من أثموا
للظالمين دروب ليس يحصرها عدَّ، والحق درب واحد حَرَمُ
■ قصة قصيرة
■ بكاء المآذن
بقلم :أسامة أحمد البدر
عبق الفجر المضمَّخ بالطيوب يلفه ويتغلغل إلى روحه ويعلو به حتى يكاد يطير... والدرب إلى الجامع الكبير يغسله الطل الذكي كأنه دموع نجوم باتت ساهرة تناجي ربها... ترجو رحمته وتخاف عذابه... والشوق الذي يحسه كل صباح يشده إلى الجامع الكبير موصول الأنس يملأه بأنفاسهم الطاهرة الذكية رجالات «عبد الملك ابن مروان...» الطيبون...
ويافعًا كان... وإلى اليوم... ولحداء المؤذن العم «أبو الوليد» وإياه موعد لا يتخلف... وللدعوة الشجية التي يطلقها «الصلاة خير من النوم... » تلبية روحه وأعضائه لا تتأخر ولا يعيقها مرض أو كرى...
وخاشعًا ينصب فيه صوت الإمام الشيخ الجليل محملًا بآي الذكر الحكيم... فيملؤه بنشوة قدسية وينصت معها إلى وحي السماء كأنما عليه أنزل... فيرق له قلبه، وتخشع له جوارحه، ويفيض الدمع من عينيه لما عرف من الحق، حتى إذا بلغ «القنوت» ردد مع الداعين: «آمين... آمين... آمين»...
ولم يك وحده... تعودوا -عصبة من أقرانه وهو- أن يخف أنشطهم ليمر على الباقين يوقظهم عبر النافذة بإشارة متعارف عليها أو طرقة خفيفة أو «حبلة» موصولة بيد الأخ النائم يسحبها الناشط إليه فينتبه !!!...
فإذا اكتملوا اتجهوا في موكب مهيب تحفه الملائكة وتغشاه الرحمة ويذكره الله فيمن عنده... فإذا قضيت الصلاة وكان للشيخ الإمام درس موعود... وإلا... انفلتوا يغشون الدروب الخالية الوقور، يملأونها ذكرًا وتسبيحًا، وينعمون بأحضانها الممدودة لهم دون بقية الناس، ويعبُّون من ذلك الفيض الرباني المنسكب مع الندى... وينصتون إلى الجدران اليقظة يسمعون تسبيحها ربها... أو شكاتها من جهالة الجاهلين!... أو دعاءها لهم بيوم مبارك صديق... وكم عقدوا في هذه البواكير الطيبة من صداقات... فتارة مع عمال النظافة يحيونهم بأسمائهم التي حفظوها... وتارة مع موزعي الصحف اليومية يخفون إليهم بالمساعدة فيجزونهم بما في أيديهم ينثرونه لهم -هنيئًا مريئًا- ليكونوا -من ثم- أول من يطلع على أخبار الدنيا في ذلك الصباح...
ولكن... ما له اليوم تثقل به روحه وتقعد جوارحه ويحس في نفسه بشيء من الكدر خفي لم يعهده من قبل... بل إنه ليحس أن في صوت العم «أبو الوليد» لحنًا معذبًا خائفًا حسيرًا... أم تراه وهو المكدر المحزون قد عكس ما يحسه على صوت المؤذن الرائق الرخيم ؟!...
ولم يكن شيء ليحول بينه وبين الصف الأول من جماعة الفجر... فلينطلق مع ما أعد لكل هم وغم من قولة نبيه الكريم ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾...( سورة الأنبياء الآية 87 )
... لكنه اليوم يمضي وحده !!... فلم يعد ممكنًا بعد الذي عصف بالناس أن يتواعد وإخوانه... وصار عليه أن يمضي في غير دربه المعهود... ذلك الدرب الذي أحبه وأنس به وحفر له على جوانبه وجدرانه صدى خطواته من يوم كان يافعًا يتقافز بهمة ونشاط... الدرب الذي طالما تشبع فيه من أنفاس «الوليد» و «ابن عبد العزيز...» وتلك الذرية الطيبين الصالحين... ذلك الدرب بات محرمًا عليه بعد المتاريس... وراح يتعرج في «زوابيق» ملتوية أين منها تلك الدروب المنداة الساكنة الوقور... بل أين منها تلك القمة الخفيفة الأثيرة لديه والتي كانت تهبه -مع الذكر- عروجًا لروحه إلى أعالي السماء.
لقد انكشفت الأزقة واتسعت الساحات بفعل ما تهدم... وتسلطت الكاشفات الحارقة عليها في الليل مثل النهار... وامتلأت الحنايا والمنعطفات بالحديد المصفح والملامح المنكرة، وبقرقعة لا تنتهي ولا ترعى لليل صفاءه ومناجاته ولا للسكون تسبيحه وأسراره!.
مكدر النفس ضيقها راح يمضي... لا يرده شيء... يتلفت ويحتسب إخوة فاتوا... وأنسًا حبيبًا كان يمنح حياته مذاقًا ودافعًا ومعنى... وذكرًا يخرج من صدره حرًّا طليقًا يطاول به عنان السماء وتشاركه فيه النجوم والشجر والطيور.
على أنه يمضي... جنبات المسجد الكبير تبدو هامدة ذاهلة محزونة... وعلى «مصطبة» المصلى تراءى له بقايا دم لامس أنفه شذاه فأحس أنه دم طيب... مبارك... وقور... حتى إذا خطا إلى الحرم الدفيء المتململ من قلة المصلين راعته عينا المؤذن الساكن الحزين وهما تدمعان... فأدرك بقية الخبر!...
إنها دماء الشيخ الجليل الإمام... استوقفوه -بسمعه الثقيل- فلم ينتبه لصراخهم... فرأوا أن يلحقوه بالبقية... الصفوة المختارة الصالحين... إلى حيث يقيمون هناك... في عليين... ولم يدر بعدها هل سحَّت السماء... أم هما عيناه... أم عيون الأجداد الصالحين... أم هي المآذن ذرفت تبكي روح الشيخ الجليل؟!.