العنوان المجتمع الثقافي(1311)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1998
مشاهدات 70
نشر في العدد 1311
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 04-أغسطس-1998
اللغة العربية والتحصين الحضاري
بقلم: د حمدي حسن
استطعت أثناء مراجعة الأدب الطبي العالمي حول بحث علمي أن أقف على حقائق مذهلة.. هناك أبحاث طبية مكتوبة باللغات النرويجية.. والعبرية.. والألمانية. والسلوفاكية.. والدانماركية هذا فضلاً عن الكورية والإسبانية والتركية وسواها إلا اللغة العربية.
يكتبون علومهم بلغاتهم ويفرضون على الآخرين قراءاتها بلغاتهم ويعلمونها لأولادهم بلغاتهم إلا الأعراب.. لقد كفروا نعمة اللغة من جملة ما كفروا!! ونافقوا الدول القوية وقاموا يكتبون ويعلمون أولادهم بلغاتها.. إنه التيه!!.
نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما نرد العزة بغيره يذلنا الله.. ومن جملة الذل الذي نعيشه بين ظهرانينا اليوم الذل اللغوي.. فاللغة ظل القوة ورديفها تمتد معها حين تمتد وتنحسر معها حين تنحسر، وها نحن نرى انحسار الحرف العربي في عدة بلاد إسلامية كالصومال وأذربيجان وسواها، بل نرى الذل اللغوي في البلاد العربية ذاتها.. وما زالت نظرية ابن خلدون قائمة فالشعوب المهزومة تقلد الشعوب المنتصرة في كل مجالات حياتها.. في ماكلها -وينظر هنا إلى انتشار المطاعم الأمريكية في البلاد العربية- وملبسها -وينظر هنا إلى انتشار الموضات الأوروبية في العواصم العربية.
في اليوم التالي لنزولها إلى العواصم الغربية - وطريقة كلامها - ينظر هنا إلى قول أحدهم، بأن من لا يتكلم لغة اجنبية يعتبر أمياً حتى ولو حمل دكتوراه اللغة العربية - وها نحن اليوم نعيش جنون اللغات الأجنبية.. حتى كأن تقدمنا منوط فقط بإتقاننا لتلك اللغات.. نرطن ونرقى.. وبقدر ما يكون الرطن يكون الرقي!! حتى أصبحت تلك اللغات تنافس اللغة العربية وتزاحمها في المرحلة الابتدائية وقبل الابتدائية.. وتعليق التقدم الحضاري بلغات الأعاجم مغالطة أخرى تعيشها هذه الأمة وتحتاج إلى زمن طويل لتعقل أنها ليست علة التخلف، بل إن علة التخلف مدى اتباعنا لهؤلاء الأعاجم.. ألا لا بُدَّ للمريض كي يقف على قدميه ويتماثل للشفاء أن يعتمد على مناعته الذاتية وقدراته الإبداعية وملكاته التاريخية وتراثه القديم مع عدم إغفال الغذاء العلمي المعاصر بعد ذلك.. ومن القدرات الذاتية الإبداعية التي ينبغي عدم إغفالها والقفز عليها هي اللغة العربية التي شرفنا الله بالتكلم بها.
ولعل نظرية ابن خلدون في محاكاة المغلوب للغالب مأخوذة من قول النبي r لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، والاتباع دليل الانجذاب والإعجاب.. فما يتبع أحد أحداً إلا إذا أذعن له وسحر به وأسلس له القياد.
وهي نبوءة منه r لما سيؤول إليه حال الأمة من القيادة إلى الاتباع، ومن النصر إلى الهزيمة.. ويبلغ الانصياع والذل مداه حين يعدل المرء عن السعة إلى الضيق، وعن الانفساح إلى الضنك وعن الفاضل للمفضول حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، لا لشيء إلا لأنهم دخلوه.. الم يدخلوه ؟؟ إن مجرد دخولهم ذلك المضيق الحرج لدليل حضاري عند المهزومين، وهو دليل كاف لأن يدفعهم للدخول دون تفكير.. إنه مذهب القرود المرتكسين على أن هذا التقرد السلوكي مظهر عملي للداء وليس هو الداء نفسه.
الداء هاهنا.. في القلب.. إنه الانهزام والاستسلام للهزيمة والشعور بالنقص أمام الغزاة.. وما ذلك إلا نتيجة الحيرة عن منهج الإسلام الأصيل.. المنهج الرائد الذي يعيد دفة الريادة والثقة بالنفس لمن يستعصم به... وينقله من التفرد السلوكي إلى التفرد السلوكي.. ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضنك المناهج الأرضية إلى سعة المنهج الرباني.. عندها لن يكون لجحر الضب سحر وجانبية.. ولن يكون للغات الأعاجم قبول وقابلية.
وليس العيب في الاستعمار ذاته ولكن في القابلية للاستعمار عند الشعوب الضعيفة حسب مالك بن نبي يرحمه الله.
أنا لا ألوم المستبد إذا تحكم واستبد *** من شأنه أن يستبد وشأننا أن نستعد
ذلك أن انحسار لغة نتيجة هزيمة أهلها سيؤدي بشكل طبيعي إلى تمدد لغات الأقوياء لملء الفراغ الحاصل.. هذا لا يعني بالضرورة قوة اللغة ذاتها ولكنه فراغ لغوي أمامها فامتدت لتملاه، وحيثما يذهب القوي تذهب معه لغته بالطبع وإن كانت اعجمية سقيمة وحيثما ذهبت اللغة تركت ظلالاً واثاراً ثقافية مزمنة لا تشفى منها الشعوب بسهولة، وهذه الظلال الثقافية كثيراً ما تقلب الكراهية للمستعمر إلى ود وانبهار فتكتشف الشعوب المسكينة جمال الاستعمار بعد الجلاء فتجري خلفه مغمضة العينين!! فيجرد جيل قلمه للدفاع عنه وهو ابن الجيل الذي جرد بالأمس حسامه للخلاص منه!!.
أحقاً كما يقال إن العنز البلهاء تحب جزارها وتهرب منه إليه.. أليس احتفال مصر بذكرى الاستعمار الفرنسي المجيد مظهر من مظاهر هذا الداء.. الاستعمار الثقافي (باللغة والريموت كونترول من باريس ثم اليس سعي فرنسا المحموم اليوم لإقامة رابطة الدول الفرنكفونية .. ودمج مصر فيها .. وسيلة لتحقيق الاستعمار - لغوياً وثقافياً، وهي التي عجزت عن تحقيقه عسكرياً ؟!.
لقد شفيت الشعوب الإسلامية والعربية من الاستعمار العسكري فمتى تشفى من أثاره المزمنة.. الاستعمار الثقافي واللغوي ..؟؟ متى تستعيد هذه الشعوب ذاتيتها المسلوبة ولغتها المحبوبة.. متى تتعلم بلغتها كما تتكلم بها ؟!.
تلك علامة العافية والشفاء.
الهدية الباقية
بقلم: أحمد فارس(*)
حين أطبق علي هم عنيد، تمثلت قول الشاعر:
وَإِذا ما أَظَلَّ رَأسَكَ هَمٌّ *** قَصِّرِ البَحثَ فيهِ كَيلا يَطولا
سدى ذهبت كل محاولاتي أن أقصر البحث في ما أنا فيه، فلا فرعون الهم يقصر عني ولأبحر الخلاص منفلق أمامي، قلت أجر خطاي إلى صديق لعلي أفرغ ما في رأسي في أذنيه ولكن خشيت أن أقع في شرك أكبر من شركي فلربما حوت جعبة صديقي هموماً أكبر من همي.
قلت لي في رسول الله r أسوة حسنة إذ كان يفزع إلى الصلاة إذا حزبه هم قسمت توضأت وحالما انتهيت من الوضوء، مددت يدي على رأسي اتحسس قطرات الماء، فما وجدت شيئاً، تبينت أني لم أمسح رأسي، توضأت مرة أخرى، شرعت في الصلاة، وما كدت أرفع رأسي من ركوع الركعة الأولى حتى داخلني وسواس "أتراني قرأت الفاتحة"؟، قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله.
أخذت أذرع الغرفة جيئة وذهاباً إلى أن أنهكني التعب القيت بجسمي المنهد بجانب مكتبتي الصغيرة، ومددت يدي إلى كتاب في الزاوية اسمه نزهة الناظرين لم يكن في ذهني أن أقرأ عنواناً محدداً أو صفحة بعينها.
وإنما وقعت عيناي أوَّل ما وقعتا على صفحة (۲۰۱) وفيها:
قال لقمان الحكيم لابنه: يا بني إني موصيك بست خصال فيهن علم الأولين والآخرين:
الأولى: لا تشغل نفسك بالدنيا إلا بقدر ما بقي من عمرك فيها.
الثانية: أعبد ربك بقدر حوائجك إليه.
الثالثة: اعمل لآخرتك بقدر ما تريد المقام فيها.
الرابعة: أن يكون شغلك في فكاك رقبتك من النار ما لم تظهر لك النجاة منها.
الخامسة: لا تكون جراتك على المعاصي إلا بقدر صبرك على عذاب الله تعالى ما لم يظهر لك النجاء منه.
السادسة: إذا أردت أن تعصي الله تعالى فاطلب مكاناً لا يراك الله U وملائكته فيه.
ما كدت أشرب هذه الكلمات حتى أفقت من غيبوبتي وانعتقت روحي من أسر همومي، هدأت نفسي وتراجع الهم عني، تسألت: متى تراي اشتريت هذا الكتاب؟ فتحت الصفحة الأولى فإذا بها: أخي في الله، وصديق عمري، أقدم لك هذا الكتاب مع دعائي لك بالشفاء العاجل.
حينما أخذت استعرض شريط الذكريات ذكريات الأيام التي لازمت فيها السرير الرمادي في قسم الجراحة قبل أعوام تذكرت باقات الورود التي ذبلت وعلب الحلوى التي تكدست وكل ذلك انتهى في حينه، ولم يبق من ذلك كله إلا هذا الكتاب غفر الله لصديقي الذي واساني حين عادني وأذهب عني همي وغمي حين نظرت في صفحة من صفحات هديته، قمت إلى الصلاة صليت ركعتين تملكني فيهما خشوع ما تذوقت حلاوته من زمن بعيد، تذكرت قول الشاعر:
إنّا نحبُّ الوردَ, لكنّا نحبُّ الأرضَ أكثرْ *** ونحبُّ عطر الورد، لكن السنابل منه أطهرْ
فقلت:
إنّا نحبُّ الوردَ, لكنّا نحبُّ الكتبَ أكثرْ *** ونحبُّ عطر الورد، لكن الحكمة بالحب أجدر
ومن يومئذ عاهدت نفسي إن أنا عدت مريضاً أن أقدم له في يميني وردة واحدة فقط، وكتاباً واحداً على الأقل.