; المجتمع الثقافي (1370) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1370)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1999

مشاهدات 68

نشر في العدد 1370

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 05-أكتوبر-1999

  • تاريخ المسلمين.. هل يعوق نهضتهم؟!

بقلم: عبد المجيد صبح

الراغبون عن الإسلام، وشانئو يقظة المسلمين يدعون إلى التخلي عن تاريخ المسلمين ويشككون في صحته، وجدوى الدعوة إلى إحياء ماضيهم وهم في دعوتهم يلبسونها لبوس العلم والمنهج العلمي، ليلبسوا على المسلمين دينهم وينطلي الزور على شبابهم، فما الحق في هذه الدعوة وما حقيقة علاقة الأمة بتاريخها؟

ما التاريخ: هو من حيث الظاهر حكاية أحوال الأمم السالفة، لكنه -من حيث جوهره- تحقیق رواية الحدث وتوثيق الواقع، ثم تحليل الحدث الواقع، وتمييز عناصره، ثم تعليل ذلك الواقع والتعرف على أسبابه وبواعثه ونتائجه، ثم استنباط قانونه العام الذي يكون بمثابة القاعدة المجردة، يهتدي بها الباحث إلى الحكم على وقائع الدهور، بهدف الأخذ بأسباب الفلاح، واجتناب دواعي الخسران، ومن هنا قيل في تعريف التاريخ إنه دراسة الماضي، لفهم الحاضر، وبناء المستقبل إذن - بهذا البيان العلمي - تكون الدعوة إلى اجتثاث تاريخنا دعوة للهدم لا للبناء، ولا تستند إلى علم صحيح، ولا إلى منهج من مناهج البحث العلمي. التاريخ ضرورة لكل امة، لأنه مراتها التي تتبين فيها معالم نهوضها، وتتجلى فيه شخصيتها المتميزة، وعبقريتها الخاصة، ورسالتها الحضارية ثم هو مظهر إحساس الأمة بنفسها، وارتباط أجيالها. فاهتمام الأمة بتاريخها ليس ترفًا، ولا عملًا من المحسنات وخطوط التزين، ولا عملًا من التزيد الذي يمكن الاستغناء عنه، ولا هو نكسة من العيش في الماضي المقطوع عن الحاضر والمستقبل، ولنا مثل مضى من الغرب عندما أراد أن يخرج من ظلامه المركوم، في نهاية عصوره الوسطى، فقد نزع بنهضته إلى أصوله الإغريقية والرومانية، ولا سيما الآداب والفنون، أما المؤرخون العرب فقد كان لهم حس تاريخي فريد جعلهم قمة فريدة في علم التاريخ من حيث المقدار، والموضوع، والمنهج، والباعث النفسي، وتفسير حركة التاريخ، ثم من حيث الغاية من العناية به.

أما من حيث المقدار، فقد كان العرب أكثر أمم الأرض إنتاجًا في هذا العلم، وقد شهد بهذا «مارجيليوث» في كتابه «دراسات عن المؤرخين العرب» فقال العرب أمة اشتهرت بالتاريخ، وكذلك بالتبع - كثرة عدد مؤرخيها. أما الموضوع، فقد أرخ المسلمون للإنسان وهو موضوع التاريخ الأول، وأرخوا لكل ما يتصل به من الأحوال والزمان والمكان، والعادات والتقاليد والدول والجماعات بل والنبات والحيوان، وأرخوا لأفكاره، ودياناته، وفي طبقات العلماء، وفي الأقاليم وفي المدن كأصفهان، وبغداد، وحسبك أن الحافظ ابن عساکر کتب تاریخ دمشق في مائة مجلد !! شهادة المستشرقين: أما المنهج فقد سبقوا جميع أمم الأرض في وضع مبادئ التحقيق والتوثيق والنقد والتمحيص، حتى أصبحت هذه المبادئ علومًا مستقلة، مثل علوم الرواية والدراية والجرح والتعديل، ومعاجم الرواة من الرجال والنساء على سواء، وفي سبيل التوثيق ابتكروا ضبط الحدث بالسنة والشهر، واليوم أحيانًا، ولم يعرف هذا في الغرب قبل عام ١٥٩٧م، على ما ذكرت الموسوعة العربية عن المؤرخ «باكل». وقال «مارجليوث» وصل مؤرخو العرب مرتبة سامية من التوثيق، جعلت كتبهم ذات نفع عظيم للبشرية!  هذه الشهادة من المستشرقين كانت بعد نهضتهم، ووصولهم إلى مناهج البحث الحديث ومعرفتهم بمبادئ النقد والتوسع في الحفريات واستكشاف الآثار، فكيف يتسنى لمثل الكاتب شوقي جلال في مجلة العربي عدد (١٤٨-٤٠٦) أن يصور تاريخ المسلمين على أنه «رواية»، لم تمحص ولم تخضع لقواعد النقد، فلا تثبت على مقاييس العلم الحديث فيالله للعجب العجيب والغفلات تعرض للأريب لقد ساعد اتصال الغربيين بالمسلمين عن ستة سبل - كما جاء في "قصة الحضارة" التجارة، وترجمة كتب المسلمين وإيفاد طلبة الغرب إلى جامعات المسلمين، ووفود علماء الغرب إليهم، واختلاط الغربيين بهم في الشام وصقلية والأندلس، ثم التصادم بينهم في الحروب الصليبية -ساعدهم ذلك على تمحيص تاريخهم، ونقد كتبهم المقدسة، كما اكتشفوا به أن «هبة قسطنطين» التي تزعم أنه حينما غادر روما نصب البابا خليفة له، وأعطاه حق إدارة الأراضي المحيطة بروما- اكتشفوا تزويرها في القرن الخامس عشر عن طريق أن لغتها لا يمكن أن تكون لغة القرن الرابع كما جاء في تشكيل العقل الحديث ص ٤٢ من سلسلة عالم المعرفة. لقد تعلم الغربيون من المسلمين علم أصول الحديث، كما تعلموا مناهج النقد التاريخي من علماء المسلمين ومن مقدمة ابن خلدون، فاستقام لهم تاريخهم وحياتهم، أفبعد هذا يقول قائل منا واسمه من أسمائنا - دعوا تاريخكم؟! «القلق النبيل»: أما باعث المسلمين على العلم والعناية به، والتاريخ وتوثيقه فهو ذاك القلق النبيل الذي غرسه فيهم الإسلام بفرضه طلب العلم ونفيه السرية بين من علم ومن جهل، ولم يقلقوا لطلب مال ولا سلطان، إنما قلقوا طلبًا للعلم فرحلوا في طلبه إلى أقطار الأرض إن العالم قلق، وإن الجاهل مطمئن، وقد أوجد الإسلام في المسلمين عامة، قلق العلم النبيل، بينما أمم الأرض في غفلاتهم سامدون، أما تفسير التاريخ فقد ابتكر علماء المسلمين تفسيرًا عجبًا، وهدوا إلى تفسير لحركة التاريخ تؤيده الآثار التاريخية، من أقدم اثاره إلى أحدثها، ذاك أن دافع حركة التاريخ هو الإيمان بالله خالق هذا الوجود، وأن ارتباط البشرية بهذا المبدأ قربًا أو بعدًا هو أساس تطبيق قانون التاريخ الذي سماه الله في القرآن «سنة الله»، وبين أنه لا تبديل لها ولا تحويل، فليس صراع الطبقات هو محرك التاريخ، وليس هو تفسير التاريخ، كما زعم الماركسيون، وقد نقض زعمهم الواقع الذي نشاهده، وأخذت شعوب الإلحاد الماركسي تفيء إلى ربها، مما يشهد لصحة التفسير الإسلامي للتاريخ، فهل يراد منا أن ندع ما ثبتت صحته ونأخذ ما ثبت بطلانه؟ أما الغاية التي من أجلها عني علماء المسلمين بالتاريخ وما يتصل به، فقد كان، كذلك، عجبًا من عجائب الدهور أثبت به هؤلاء العلماء نظرية وحدة الإنسانية، ووحدة الأمة الإسلامية أثبتوا وحدة الإنسانية بما سجلوا من تاريخ الإنسان، وبما طوفوا بلاده، ودونوا دياناته وأفكاره وفلسفاته، وعاداته وتقاليده، هذا في وقت تمايز الناس فيه بالجنس، وبالدين، وبالأرض وأقاموا بهذه الوحدة الإنسانية روابط بشرية تعارف فيها الناس، وتعاونوا على الخير مع اختلاف الوانهم. ولم يفتهم- مع ذلك - أن يثبتوا، ويدعموا نظرية أمة المسلمين، ووحدتها، في وقت كان رجال السياسة يمزقون وحدة هذا الجسد، ويقطعونه إربًا إربًا، كانوا على ذلك يثبتون وحدة المسلمين الزمانية والمكانية، وحدتها في المكان، أثبت المؤرخون الجغرافيون ذلك بتطوافهم بلاد المسلمين من أقصى الأندلس في الغرب إلى أقصى الصين في الشرق لا يحتاج المسلم في تحركه ذاك إلى تأشيرة دخول ولا إلى جواز سفر، ولا يقال له أو عنه إنه غريب أينما حل، وفي هذا التجديد الفكري والعلمي والعملي، وفي دعم تفسيرهم للتاريخ. ووحدة البشر، ووحدة المسلمين ابتكروا «العمود الفقري» للتاريخ كله، ذلك هو بعثة محمد ﷺ فقلب التاريخ، ونبض عروقه، وجهازه العصبي، وعموده الفقري إنما هو مبعثه عليه الصلاة والسلام، فالتاريخ عند المسلمين اقسام ثلاثة ما قبل ذلك المبعث، كأن ما قبله تمهيد له، وما بعده تتميم له، فنقطة البدء في تاريخ المسلمين هي ذلك المبعث محفوفة بالتمهيد والتتميم، وبهذا الابتكار انطلق المسلمون يصنعون المعجزات إن تاريخ المسلمين ليس معجزات صنعها الله بمعزل عن البشر، إنما هو معجزات تاريخ صنعها المسلمون بإيمانهم بالله.

الكيد لهذه الوحدة

 هذه الوحدة الزمانية الصاعدة إلى مبتدأ التاريخ الإسلامي ومنبعه وعصب فقاره، والمكانية التي ربطت أرض المسلمين حيث يوجد أي من المسلمين بحيث كانت أرض المسلمين وطنًا واحدًا لكل مسلم -هذه الوحدة في صعودها الرأسي وانسياحها الأفقي- تعرضت وتتعرض وعلى يد المسلمين وفكرهم إلى التمزيق، بسكين في يد ناعمة تلبس زورًا قفازًا من العلم!! ففي الوحدة الزمنية، يزعمون أن تاريخ المسلمين مجرد رواية لا تثبت على مناهج النقد الحديث، ويزعمون أن نصوص هذا التاريخ - لا ستثنون قرآنًا ولا صحيح حديث- وإنما هو بزعمهم «منتج ثقافي» تأثر بأحوال زمانه وبيئته، فما علينا من إثم إذا تركناه وأن موروثنا كله إنما هو مجرد ثقافة، ينقضها تطور الزمان.

إن حقائق الأشياء ثابتة والعلم بها متحقق، ولا تناقض بين الثبات والتغير، فتطور الزمان، وتغير أحوال الناس لا يستلزم عدم وجود ثوابت في فكرهم ووجدانهم، والإسلام نفسه - مع تقريره الثوابت في الأنفس والآفاق من فطرة الإيمان بسنة الله في الكون- يقرر مبدأ التغيير حين نعى على المقلدين استمساكهم بما كان عليه آباؤهم ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾(المائدة:١٠٤).

وحسبك من دين يجعل العقل والعلم حكمًا على الموروث فقول الراغبين عن الإسلام بالتغير الزمني المطلق، بحيث لا وجود لثابت يساوي في الخطأ القول بالثبات الزمني المطلق بحيث يرفض كل جديد والإسلام وسط بين الطرفين.

أما الوحدة المكانية، فمازالت هدفًا لكيد الكارهين من أمكنتهم غفلة المسلمين من بلادهم، يكفيك مثلًا تقسيمهم الشام إلى أربع دول ثم تمهیدهم الخامسة إسرائيل، ومن عجب أن الداعين إلى ترك وحدتها الزمنية يدعون المصريين إلى الاعتزاز بالفرعونية، وأن المعتزين بالحدود المصطنعة يتغافلون عن دول أروبا التي تتوحد اليوم على خلاف بينها في

اللغات والتاريخ، ومذاهب الأديان، وعهود حروب دامت مئين من السنين فيا عجبًا لقوم لا ينصفون لقد سقطنا – عملًا في أفكار الأعداء، فماذا جنينا؟ وهل جنينا إلا خسران أنفسنا، والتمكين لعدونا، وهذه إسرائيل اليوم كما يقول الفيلسوف الفرنسي المسلم رجاء جارودي في كتابه «الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل»، يمكنها إشعال حرب ثالثة، لن تكون إلا حربًا ضد الإسلام والمسلمين.

فما المخرج؟

إن العلة ليست في قوة عدونا، إنما العلة في وهن قلوبنا، ونسيان أنفسنا والتسابق غير الكريم إلى عدونا.


  • واحة الشعر
  • الأقصى يتعرض للهدم

شعر: حفيظ بن عجب آل حفيظ الدوسري

سيهدمونك فاهدا لا تكن صلفًا                وراع أنك في ذل الخيانات

 يا مسجد الخير هذي امتي نسيت           معنى الكرامة في شر الحزازات

 یا منبر المجد إن القوم قد رحلوا           وودعوك بإذعان، وإخبات

 یا مسجد الحق ما في الركب مستمع       فلا تكن كمناد في المتاهات

 يا مسجد النور ضل القوم قبلتهم           شرقًا وغربًا على أنغام رنات 

 فلا تسلني لماذا ضيعوا شرفي              ولا لماذا تباروا في التفاهات

 فكلهم كهشيم ضل وجهته                  والريح تحمل أشتاتًا لأشتات 

 بكيت من حرقة في القلب تدفعها           فما عساك ستبكي دون آهات

 سيهدمونك فاهدا لا تكن صلفًا              وراع أنك في ذل الخيانات       

 إلى متى انت تبقى شامخًا أبدًا              وكُلُّ قومك في وحل المذلات  

 یا ضيعة الدين ما في القوم من رجل      يُعِيدُ للناس أخبار البطولات..

                         .... ورسالة من يحيى عياش

                       شعر: إبراهيم بن فهد المشيقح

حكموا علي بأنني إرهابي                قالوا بأني قد فقدت صوابي

 زعموا بأني مسلم متطرف              والويل كل الويل للإرهاب

 قد جيشوا إعلامهم ليبثها                  في أذن هذا العالم المرتاب

 قالوا باني لا أجيد تحاورًا                غير السلاح بجيئتي وذهابي

فتضافرت كل الجهود وأصدروا          حكمًا علي.. وحكمهم بغيابي

 حكموا بقتلي.. حيث إني مسلم           أبغي الكرامة.. أو يهال ترابي

 إن كان رد القدس صار تطرفًا           فأنا أبيح تطرفي لصحابي

فالقدس سوف تعود رغم انوفهم            هذي السيوف نسلها لرقاب

 وليهدموا بيتي فإن تُرابه                   سيكون للأنذال «قبر غراب» 

 إني لفرد من أسود مـحـمـد                والأسد تخشى في نظام الغاب

 يا من زرعتم رجسكم في أرضنا          سترون كيف يسومكم أحبابي

 فهناك في أرض المعاد أحبة               عشقوا الممات كعشقكم السراب

 يا أيها اللقطاء هذا مدفعي                  لن يدخل الجبناء من أبوابي 

 قالوا بأن الغرب يكره سيرتي              ويرى بأن الموت في جلبابي

 فعذرته فلقد رآني مرة                     أستبدل الأكفان بالأثواب

يا أيها اللقطاء هذا مذهبي                  أمشي بهدي محمدي وكتابي

سأزيحكم من قدسنا بعبوة                  تأتي على الجبناء والأذناب

أما إذا ما متُّ يوم كريهة                  فحجارة الأطفال بالأعقاب

الرابط المختصر :