العنوان المجتمع الثقافي (1389)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-2000
مشاهدات 56
نشر في العدد 1389
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 22-فبراير-2000
البعد الحضاري في القرآن الكريم
إعداد: مبارك عبد الله
إن المتابعين لمسيرة الحضارة الإسلامية منذ قيامها قبل أربعة عشر قرنًا على يد النبي ﷺ وما وصلت إليه من شأوٍ عظيم ودور لا يستهان به في قيادة العالم ليَتساءلون عن سر بلوغ الحضارة الإسلامية إلى مرتبة القمة في أسرع وقت؟ فنقول لهم:
إن الحضارة الإسلامية حضارة عظيمة جدًا استمدت قوتها وتوجيهاتها من الكتاب والسنة فركزت على زرع القيم والأخلاق في المجتمع الإسلامي الجديد حضارة اهتمت بالروح والجسد في آن واحد، حضارة حكمت نصف العالم برمته وكان لها رأي في كل قضية من قضايا العالم آنذاك، حضارة حمل قيمها وأخلاقها سلف عدول فسادوا بها الدنيا معتمدين على القواعد التي أرساها القرآن الكريم ووجه بها الحضارة الإسلامية.
وهذه القواعد هي:
القاعدة الأولى- العقيدة والتوحيد: أرشد القرآن الكريم الناس إلى عبادة الله عز وجل وأنه هو المستحق للعبادة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:21-22)، فأنقذ القرآن الكريم الناس من الخرافات والبدع والشركيات التي كانت تسيطر على عقولهم..
القاعدة الثانية- الأمن: وفر القرآن الكريم للحضارة الإسلامية قاعدة الأمن بكل ما تحمله من معنى، سواء كان أمنًا على الأنفس والأموال أو على الأعراض والديار، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة: 33).
فعندما توفر الأمن في المجتمع الإسلامي وخرجت جميع فئات المجتمع تشيد البناء الحضاري للمجتمع الإسلامي.
القاعدة الثالثة- العلم: قرر القرآن الكريم مبدأ العلم وطلبه، قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق:1-5)، فحث المسلمين على طلب العلم والبروز في مجالات العلم الشرعية منها والكونية حتى تحوز الأمة على خيري الدنيا والآخرة، فكانت الأمة الإسلامية بحق أمة العلم والعلماء.
القاعدة الرابعة- العمل الجماعي: قرر القرآن الكريم مبدأ العمل الجماعي وحذر من الفرقة، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: ۱۰۳)، فالعمل الجماعي يوفر للمشروع الحضاري طاقات منوعة في العمل والبناء.
القاعدة الخامسة- الحرية: أرسى القرآن الكريم مبدأ الحرية الشخصية لدى الفرد المسلم قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: ۳۸) وقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، والله عز وجل يعلم أن الناس يختلفون في الآراء، لذلك منحهم حرية إبداء الرأي في أمور دنياهم التي تجد لهم.
القاعدة السادسة- العدل والإحسان: قرر القرآن الكريم مبدأ العدل والإحسان قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل: ٩٠).
القاعدة السابعة- الإصلاح بين الناس: أمر القرآن الكريم المؤمنين بالتدخل بين المتخاصمين وإصلاح ذات البين لأنهم جزء من المجتمع المسلم الكبير قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات:10).
القاعدة الثامنة- الجهاد: كان لا بد للمنجزات الحضارية من قوة تدافع عنها خاصة أنه كان على حدود الحضارة الإسلامية قوات معادية تتربص بالحضارة الإسلامية فقرر القرآن فريضة الجهاد في سبيل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: 123).
وإن الحضارة الإسلامية والأمة الإسلامية نجحت عندما وجهها الله عز وجل إلى الطريق الصحيح واتبعت منهجه القويم، أما عندما تخلت عن منهج الله واستجابت لدعاة التغريب والعلمنة تراجعت إلى الصفوف الخلفية، وصارت في مؤخرة الركب، وصار دم المسلم أرخص الدماء، وفقدت الكثير من أراضيها.
ولن تعود للأمة الإسلامية عزتها وكرامتها وكبرياؤها إلا عندما ترجع إلى الشريعة الإسلامية، تعمل بها في شتى المجالات الحياتية، وإن الفجر لقادم وسيزول هذا الليل الحالك- إن شاء الله.
قايد سيف علي الحارثي
الانقضاض على المُقدّس أولى خطوات المتسلقين
بقلم: د. حلمي محمد القاعود[*]
مشكلة بعض المتسلقين في حياتنا الثقافية والفكرية أنهم لا يعرفون الخجل، ولا ينتمون أبدًا إلى شيء اسمه الحياء، ولذلك فإنهم على استعداد للمغالطة والاعتداء على المقدسات. لتحقيق مآرب رخيصة تقربهم من دائرة الضوء، وتجعل من بيدهم الأمر والنهي في حالة رضا عنهم.
وقد وجد هؤلاء أن التملق من أسرع الطرق التي تفي بالمطلوب، وهو تملق من نوع جديد، يختلف عن تملق الرؤساء والزعماء، إنه تملق القوة العالية المهيمنة.. أعني تملق الصليبية المعاصرة، وربيبتها الصهيونية، فهذه القوة تملك مفاتيح المنح والمنع، والشهرة والتعتيم، والغنى والفقر، لا في مجال السياسة والسياسيين فحسب، ولكن في مجالات الحياة الأخرى، ومنها المجال الثقافي والفكري، لذا يصعد كتاب ومفكرون في مؤسسات وهيئات بعينها، وينال آخرون جوائز متميزة، ويحظى غيرهم بشهرة ما، ولا بأس أن تتدخل هذه القوة العالمية المهيمنة برعاية أشباه كُتّاب ومفكرين عن طريق الحكومات مباشرة كما حدث مع سلمان رشدي وتسليمة نسرين وبعض المساكين العرب.
بالطبع سيقول بعض الناس هذا كلام يقوم على «نظرية» المؤامرة، وأقول إنه «تطبيق» المؤامرة، فالمؤامرة الصليبية قائمة منذ زمان بعيد، وتجلياتها عديدة، ليس أولها القتال ولا آخرها الاستعمار ولا أحدثها إقامة دولة يهودية غاصبة، وأنظمة موالية، ونخب متغربة، مع نهب منظم للثروات والإمكانات.. المؤامرة قائمة وواقعة وتطبيقاتها لا تخفى على من له أدنى عقل، أو «عقلانية».
ويحاول بعض المتملقين أن يقنعنا أن من انحازوا إلى الاستعمار الصليبي ورؤاه، ولم يكتبوا كلمة ضد الصهاينة القتلة، كانوا من رواد التجديد، وزعماء النهضة، ومحركي المياه الآسنة الراكدة منذ ثلاثة آلاف عام، كما يحاول هؤلاء إقناعنا أن من انحازوا إلى عقيدتهم وإلى وطنهم وإلى الاستقلال والجهاد ضد الاستعمار والصهاينة هم من المتخلفين السلفيين الذين يثيرون الفتنة الطائفية ويستعدون السلطات «وكأن السلطات تسمع لهم!». ويحرضون العوام والسابلة على خدام الاستعمار واليهود.
هذه المحاولة هي من التملق الرخيص للصليبية المعاصرة، وربيبتها الصهيونية ولا تمت إلى البحث العلمي بصلة، وهي هجاء رخيص للقابضين على الجمر في مواجهة الصليبية والصهيونية جميعًا، وإذا كانت هذه المحاولة مستغربة أو مستنكرة في أزمنة مضت فقد باتت اليوم أمرًا مألوفًا ومعتادًا يتناغم مع الدعوات الفاجرة لنسيان ما فعله الصليبيون المعاصرون والصهاينة، ويفعلونه بنا بشعوبنا في المشرق والمغرب من سلب ونهب وما يدبرونه من مكائد ومؤامرات وما يرتكبونه من مذابح ومجازر في أماكن عديدة، منها: فلسطين وكوسوفا والبوسنة والشيشان وكشمير وأفغانستان وداغستان وأذربيجان... إلخ.
عندما تجد كاتبًا أو باحثًا يطلب منك أن تنسى جرائم عدوك، وتعامله بلطف ورقة حتى لو كان يصفعك يوميًا على قفاك، وفي الوقت ذاته لا يتعامل معك بأي لطف ولا أي رقة، بل يعاملك بمنتهى القسوة والفظاظة، ويتهمك بالتخلف والظلامية وإثارة النزعات الطائفية، ويقدم رأسك مرفق باتهامات التطرف والإرهاب والعمل لحساب دول النفط أو غيرها إلى السلطات المعنية.. فما معنى هذا؟ الإجابة ببساطة: إنه يريد أن يرضي من يتملقهم ويقول لهم: هأنذا أعمل جيدًا لتصفية جيوب المقاومة التي تتصدى «لعولمتكم» المتحضرة.
إن تداخل الثقافي مع السياسي، كان المعبر الرئيس للصليبية المعاصرة، ومعها الصهيونية، لتفكيك الجهاد ضد تجلياتها ممثلة في الاستلاب والهيمنة والوحشية ومن ثم كانت النخب المتغربة هي العنصر الأساس، وهو «يهوذا» الذي خان المسيح عليه السلام وهي رأس الجسر الصليبي الذي يجعل الأوطان لقيمات سائغة في عصر «العولمة»، تلتهمها الحيتان الصليبية في لذة، وتهضمها في يسر، وتلقي بفضلاتها في سلاسة.
أعلم مسبقًا أن هناك من يتهمني بالتقوقع والانعزال عن الحضارة، ومعاداة الآخر، ولأني لست كذلك، فإن هذا الاتهام يحمل مغالطة صارخة، فهناك فارق بين الاستقلال والتقوقع، وهناك فارق بين الانعزال عن الحضارة والاحتفاظ بالخصائص الذاتية، وهناك فارق بين معاداة الآخر والتفاعل مع الآخر.. إن ديننا الحنيف يعلمنا العزة: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: ۸)، كما يأمرنا بعدم الانصياع للآخر والذوبان فيه ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: ١٢٠)، ويعلمنا الإسلام أن معاداة الآخر لا محل لها إذا كان مسالمًا موادعًا ولم يبدأ بشر: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8).
لقد جعل الإسلام من اللقاء مع الآخر والتفاعل معه أولية بشرية تحدث عنها القرآن الكريم في وضوح لا لبس فيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: ۱۳)، وكل ذلك يختلف عن الاستسلام للآخر والذوبان فيه، واستعارة قيمه المخالفة للعقيدة، وتمجيد ممارساته الوحشية والاندماج في أنساقه الفكرية القائمة على العدوان والاستعلاء والاستكبار.
ترى هل يجوز لكاتب ما أو مفكر ما أن يُبكِّت الأمة ويوبخها، لأنها لم تستجب لدعوات الإذابة والاندماج في الآخر، وارتداء ثيابه الثقافية الحضارية حتى لو كانت مليئة بالبقع والرقع الأوساخ؟
واحة الشعر
الشيشان.. وقمم البطولة
شعر: أحمد محمد الصديق
إلى الشيشان تتجهُ القلوبُ إلى الشیشان تنبعثُ الأماني إلى الشيشان.. والإسلام يعلو إلى الشيشان.. والأبطالُ سد أعاصير المنايا حيثُ دارتْ لئنْ هجَمَ الصليبُ.. فإن بحرًا وفي «القوقاز» بُركان تنزى وقالوا: نُزْهة.. فإذا الليالي ومَلْحَمةُ الجهاد لها دَوي وَقَدْ عَلمتْ شعوب الأرْضِ طُرًّا وها هُو نحوَ قاعِ الذُّل يَهْوي تُحرَّكُهُ الضغينة.. وهو غر كذاك تُساق للمرعى نعاج هم «الروس» الجُفاةٌ.. وما نسينا ولو مَلكَتْ جَماجِمُهُمْ عُقولًا فمهلًا يا أخا الإسْلام مَهْلًا إذا ما الدب عربد في غباء قياصرة.. أجلْ! والحقدُ فيهمْ ولكنْ بين أيْدينا علاج لَقَدْ هدموا القرى حتى توارتْ وَكَمْ ذا شردوا شعْبًا بريئًا وقصف الراجمات وقد تمادى فماذا بَعْد يا دُنيا أجيبي علام الطَّفْلُ يُسحَق وَهُو غَضْ وقد نهبوا بلادي.. واستباحوا وأوْحش ربْعُها حتى جفاها هم الدخلاءُ.. فاعجب إذ تراني أيا قممَ البُطولَة والتحدي كُمَاتُكَ لا يُشَقُ لَهُمْ غُبار تَغارُ الأسد منهمْ وهي أُسْد وما لانت لهم أبداً قناةُ لهم في الله مُعْتَصَم.. وفيهم وفي أعْطافهمْ نفحاتُ مجْد يدُ الرَّحْمَنِ تَمْنَحُهُمْ ثباتًا وإنَّ الفجر آت في يَديْه وليس سوى الجهاد لكُم طريق | وتحترقُ المنافذُ والدروبُ لها من وقد محنتها شبوب وتندحر الزعازع والخُطوبُ منيع.. والذرى طَوْدُ مَـهيبُ لها مَنْ صدْقِ عزمتهم هُبوبُ مِنَ الأهوالِ هيجه الصليبُ له في كل ناحية نُشوبُ تُزمجرُ.. وهي ثائرة غضـوبُ لساحات الوَغَى أبدًا تهـيب بأن الخَصْم خَتُال كذوبُ وَهَا هُوَ في لفائِفِه خَضيبُ يُجر إلى القتالِ.. فيَستجيبُ فإن فزعت فملجؤها الهُروبُ ففي الأفغانِ ما زالت نُدوبُ لأحجم ذلك القزم المعيبُ فإن صباح دولتهم كئيبُ فإن الدب مَصْرَعَه قريبُ قديم.. ما لعلته طبيبُ ومأخَذنَا لِعِلَّتهُمْ عُصيبُ وغيبها عن الأفق المغيبُ وعاثوا.. لا يُحاسبهم حسيبُ تطير له الجلامد.. أو تَذوبُ إِلامَ يَطُولُ ذَا الصِّمْتُ المريبُ وحقي في ثرى وطني سليبُ؟ حماها.. وانثنى الغصن الرطيبُ أنيس.. أو رثاها العندليبُ كأني في الديار أنا الغريبُ لقد فاحتْ مِنَ القِمَمِ الطيوبُ ولا يشكون.. بَل يُشكو اللغوبُ لهم في كل جارحة نيوبُ ولا قرت على ضيم جنوبُ أخو العلياء والندب الأريبُ عريق.. زانهُ الشَّرَفُ الحــسيبُ وفي الباساء تُمْتَحنُ الشعوبُ على هاماتِكُمْ تاجُ قشيبُ ومَنْ يَسْلكْهُ حَقًا لا يخيبُ |
من الأصل إلى التأصيل:
الاستلاب والعودة إلى الهوية في «قنديل أم هاشم»
في إنجلترا.. انخلع البطل عن هويته.. هبط في الأخلاق وصعد في تذوق جمال الطبيعية!
عاد إسماعيل إلى مصر فلم يرَ في المصريين سوى جنس سمج ثرثار عارٍ حافٍ.. وجمود يقتل كل تقدم.. إنها أقصى درجات العمالة التطوعية للمحتل.
وصل إسماعيل إلى المرحلة الأخيرة.. بعد الانخلاع عاد إلى التأصيل.
كما وصل إسماعيل إلى التأصيل فإن الأمل الآن في تكوين شريحة ثقافية متماسكة من المثقفين التأصيليين.. والظروف مهيأة لهم.
قبل أن تقرأ:
تشتمل الرواية التي يحللها الأستاذ محمد شاويش على بعض الرموز التي يتعارض بعضها مثل «مقام السيدة» مع المنطلقات الشرعية التي نعرفها.. خاصة ما يتعلق بالأضرحة والتمسح بها.
ولكن كاتب القصة وضعها باعتبارها رموزًا إسلامية ومن هنا فإن التحليل يستند إلى ما قصده الكاتب حتى وإن كان مخطئًا في قصده.
برلين: محمد شاويش
من بين الأعمال القصصية والروائية العربية العديدة التي تناولت موضوع العلاقة بين «المجتمع التقليدي» العربي والحداثة الوافدة تستوقفنا قصة يحيى حقي «قنديل أم هاشم»، إذ بدا لي أن حقي في هذه الرواية تنبه لجوانب عميقة في الموضوع لم يتنبه لها أغلب الكتاب الآخرين الذين كتبوا فيه.
وكل الذين مروا مثلي بمقرر الشهادة الثانوية في سورية يعرفون المقطع الذي يعود فيه ابن الأسرة إسماعيل من أوروبا، حيث درس طب العيون فيجد أمه تقطر في عين ابنة عمه الرمداء زيتًا مباركًا من قنديل مقام السيدة زينب، فينظر: «وفحص عينيها فوجد رمدًا قد أتلف الجفنين وأضر بالمقلة فلو وجد العلاج المهدئ المسكن لتماثلت للشفاء، ولكنها تسوء بالزيت الحار الكاوي.
فصرخ في أمه بصوت يكاد يمزق حلقه:-حرام عليك الأذية. حرام عليك. أنت مؤمنة تصلين، فكيف تقبلين أمثال هذه الخرافات والأوهام؟».
هذا المقطع استشهد به في مقرر «الأدب العربي الحديث» وهو في سياق النقد الاجتماعي الذي قام به الأدباء للخرافات والتخلف، والشخص الذي استشهد بهذا الصدام بين الطبيب وأمه يبدو أنه لم يكمل الرواية إلى آخرها وتركها مع طلاب الشهادة الثانوية لاعنًا مع إسماعيل هذا الجهل والتخلف ولعل أجيالًا من الطلاب كرروا قول إسماعيل الذي جاء بعد هذا المقطع. مع أن المقرر لم يستشهد به «أنا لا أعرف أم هاشم»، أي أن معلومات معد المقرر والطلاب عن المرحلة التي وصل إليها تطور وعي البطل، أو «تطور جدل التقليد والحداثة» في هذه الحالة العيانية من الوعي «كما قد يقول الفلاسفة» توقفت عند مرحلة النفي المطلق للتقليد. ولن يكون ثمة مانع عند هذا المعد «أو عند الطالب النجيب النموذجي الواعي» أن يذهب إلى القنديل ويكسره إن استطاع معرضًا نفسه إلى خطر القتل على أيدي «الجماهير الجاهلة».
ولو أن هذه المرحلة كانت فعلًا نهاية المطاف في مسار تغير وعي البطل لأرحنا أنفسنا والقارئ إذ إن هجاء المجتمع التقليدي و«أساطيره» و«أوهامه» عمل معتاد مكرر لا داعي للانتباه إليه ولهدر الوقت في الحديث عنه. ولكن مزية قصة يحيى حقي هذه أن الأمر لم يكن كذلك كما سوف ترى بعد قليل.
كتاب كثيرون تناولوا موضوع الهجرة إلى الغرب وانعكاس القيم الغربية التي تعرفها البطل المهاجر على بنيته العقلية والنفسية نذكر من هؤلاء توفيق الحكيم بسطحيته التي هي السمة الفكرية الغالبة عليه وبانبهاره غير المحدود بالمجتمع الفرنسي «مثلًا كتبه «زهرة العمر»، «سجن العمر»، «مصر بين عهدين»، وغيرها لا تختلف منذ أن كلف الآثاري الفرنسي في عودة الروح بالدفاع عن الفلاح المصري»، وتذكر أيضًا الطيب صالح بعصابيته ومبالغاته الفاقعة في «موسم الهجرة إلى الشمال». ويلفت انتباهنا أن هؤلاء الكتاب لم يهتموا «بالقصة الكاملة»- كما قد ندعوها- لهذه المغامرة الكبرى لأبطالهم، فهم يذكرون ما جرى للبطل في أوروبا، لكنهم لا يذكرون ما جرى له بعد ذلك، ولا ما قد يكون جرى له قبل ذلك من الممهدات للصدام الكبير مع هذا الآخر، وبطل الطيب صالح مثلًا لم نجد له لا سابقًا على مرحلة الهجرة ولا لاحقًا أي بعد عودته أي علاقة مع مجتمعه تذكر، بل تبقى التجربة مع الغرب سرًا مخفيًا لا يكشف عنه إلا في مذكرات يقرؤها الراوي بعد موته.
في قصة حقي نقرأ «القصة كاملة» فهو يخبرنا عن طبيعة علاقة البطل بالهوية «الممثلة بأهله وسكان حيه» قبل الهجرة وبعدها. وفي هذا المقال أنوي قراءة هذه القصة مع القارئ وتحليلها مذكرًا بملاحظة مهمة: إني حين أقرأ رواية ما أحاول ألّا أقع في فخ معتاد يقع فيه النقاد وهو تصديق الكاتب في كل شيء فهم لا ينفكون يستخلصون عبرًا من الأحداث الصغيرة والكبيرة وكأنهم يصدقونها جميعًا، أما أنا فأحاول ألا أغفل عما يبدو لي صادقًا وعما يبدو غير صادق في رواية الكتاب للأحداث، وهذا «كما أرى» هو الأسلوب الوحيد الذي يقودنا إلى منهج القراءة التأويلية غير المُضلَّلة «بفتح اللام الأولى وتشديدها»، وهو المنهج الوحيد المناسب للذين يقرؤون الأدب كشهادة على الواقع الاجتماعي والفكري والنفسي الموصوف فيه.
جميع الاستشهادات من «قنديل أم هاشم» مأخوذة من: يحيى حقي، قنديل أم هاشم، دار المعارف القاهرة، سلسلة اقرأ الطبعة السابعة ١٩٩٤م.
الرؤية العامة للقصة: من الأصل إلى التأصيل
القصة في رأيي تشبه قطعة موسيقية ثلاثية البنية «قل مثلًا «سماعي»!» سأسميها على التوالي وفقًا للزمن: الأصل، الانخلاع، العودة إلى الأصل. ولو كنت مغرمًا باستعارة مفردات الفلسفة الأوروبية «لأتحفت» القراء بمصطلحات الثلاثية الهيجلية الشهيرة ولكنني سأريح القراء من هذه البهلوانيات المفعمة بعقدة النقص السائدة في الثقافة العربية.
أ- الأصل:
البطل إسماعيل، وهو عم الراوي، فرع من شجرة لها جذور ممتدة، أما الشجرة فهي العائلة، وأما الجذور فهي المجتمع. هو في وقت واحد ابن الأسرة التي جاورت السيدة، وفتحت متجرًا «بورك لجدي فيه- وهذا من كرامات أم هاشم» وهو ابن ميدان السيدة وناسه: بائع للقول أو الحلويات أو غيرهما، «طرشجي» وخراط وبائع دقة أعمى لا يبيعك إلا إذا بدأته السلام، وأقرآك وراءه الصيفة الشرعية للبيع والشراء وقهاو وشحاذون رجال ونساء وأطفال وكل هؤلاء لهم مركز يدورون حوله: مقام السيدة زينب المضاء بقنديله وعلاقة البطل بالجماهير تصفها القصة هكذا: «هو خبير بكل ركن وشبر وحجر، لا يفاجئه نداء بائع، ولا ينبههم عليه مكانه. تلفه الجموع فيلتف معها كقطرة المطر يلقمها المحيط صور متكررة متشابهة اعتادها فلا تجد في روحه أقل مجاوبة. لا يتطلع ولا يمل، لا يعرف الرضا ولا الغضب، إنه ليس منفصلًا عن الجمع حتى تتبينه عينه»، والقصة تستطرد هنا استطرادًا ذا دلالة تحليلية مهمة «من يقول له إن كل ما يسمعه ولا يفطن له من الأصوات وكل ما تقع عليه عينه ولا يراه من الأشباح لها كلها مقدرة عجيبة على التسلل إلى القلب والنفوذ إليه خفية، والاستقرار فيه، والرسوب في أعماقه، فتصبح في يوم قوامه أما الآن فلا تمتاز نظرته بأي حياة... نظرة سليمة كل عملها أن تبصر» ص4.
هذه الهوية منغرسة انغراسًا طبيعيًا مثل اللغة الأم. إن البطل في هذه المرحلة لا يكتشف المجموعة التي هو منها، لا يكتشف مكوناتها ولا يميزها، بل نستطيع أن نقول: إنه لا يكتشف حتى مجرد وجودها- بمعنى الإدراك الواعي- تمامًا كما لا يحلل الإنسان مقومات لغته الأم، بل لا يكاد يكون «مكتشفًا»- بالمعنى الذي ذكرناه للتو- لوجود هذه المقومات. هذه الهوية منسجمة مع نفسها، لا أزمة فيها بعد. وهذا التصوير تراه صادقًا «وقد قلت إنني لا أصدق كل ما قد يقوله مؤلفو القصص أو الروايات غير أنني إن لم أذكر في هذا النص أنني أشك في الصدق فهذا يعني الموافقة الإجمالية على صدق المعلومات في هذا الموضع المعني».
وهو جزء من عائلة «عاشت في ركاب الست وفي حماها: أعياد الست أعيادنا، ومواسمها مواسمنا، ومؤذن المسجد ساعتنا» ص6.
وابنة عمه فاطمة النبوية فتاة بسيطة لا تتميز عن الأم والأب في شيء، ونظرتها إلى إسماعيل هي نظرة الأبوين عينها. والوعد القديم بتزويجها من إسماعيل صورة من صور استمرار إسماعيل جزءًا من هذه الأسرة بلا انشقاق «أو انخلاع» أو قل: إنه رمز وتأكيد لهذا الاستمرار.
ب- الانخلاع:
منذ أن دخل إسماعيل «المدرسة الأميرية» «وليس الأزهر» وتفوق فيها بدأت تظهر التمهيدات الأولية لحدث الانخلاع. والمسؤول عن هذه التمهيدات كانت الأسرة نفسها، غير أننا لا يفوتنا أن نذكر هنا نقطة الانقلاب الاجتماعي المهمة التي يمثلها احتقار المؤسسة العلمية الأهلية التقليدية: الأزهر «ممثلًا فـي ملاحقة صبية الميدان للفتيان المعممين بهتافات احتقارية» ونجابته في مدرسة «الأفندية» هذه جعلت أسرته تعلق آمالها به وتعامله معاملة خاصة تمييزية: «أصبح وهو لم يزل صبيًا لا ينادي إلا بـ«سي إسماعيل» أو إسماعيل أفندي، ولا يعامل إلا معاملة الرجال له أطيب ما في الطعام والفاكهة. إذا جلس للمذاكرة خفت صوت الأب، وهو يتلو أوراده إلى همس يكاد يكون ذوب حنان مرتعش، ومشت الأم على أطراف أصابعها، وحتى فاطمة النبوية- بنت عمه اليتيمة أبًا وأمًا- تعلمت كيف تكف عن ثرثرتها وتسكن أمامه في جلستها صامتة كأنها أمة وهو سيدها، تعودت أن تسهر معه كأن الدرس درسها (...)- قومي نامي يا فاطمة- لسه بدري ما جاليش نوم. بين حين وآخر تحيل دمعة مترقرقة شخصه إلى شبح مبهم. فتمسحها بطرف كمها وتعود إلى تطلعها. الحكمة عندها تتمثل في كلامه إذا نطق»، ص۸.
هذا الإخلاص المؤثر في القلب لم يؤثر على ما يبدو في قلب إسماعيل وعلى العكس: «وكلما كبر في عينها انكمشت أمامه وتضاءلت» ص۸.
والراوي يخبرنا أن الأب حين وافق على سفر ابنه إلى أوروبا على ما في ذلك من إرهاق مادي له إنما كان مدفوعًا بدوافع طبيعية وليست استلابية «بلاد بره! ينطق بها الأب كأنها إحسان من كافر لا مفر من قبوله لا عن ذلة بل للتزود بنفس السلاح» ص۲۰.
وهو يوصي ابنه بالمحافظة على دينه وفرائضه وحيث إن النساء موضوع لا بد من طرحه فهو يقول: «وإياك أن تغرك نساء أوروبا فهن لسن لك وأنت لست لهن...» ص ۲۱.
وللتأكيد على أهمية موضوع النساء في تقرير بقاء الهوية أو زوالها يصر الشيخ على أن يقرأ ابنه الفاتحة معه إعلانًا رسميًا لخطبته على ابنة عمه.
موقف الآب هذا هل هو واقعي حقًا لم يخترعه الكاتب بلا منطق يفرضه الوضع الاجتماعي الموصوف؟
أقول: نعم. فهذه الشريحة الاجتماعية كانت لم تحتك بأوروبا «خلافاً لبعض الشرائح المصرية العميلة التي كان الالتحاق بأوروبا أقصى ما تتمناه».
اختار الكاتب أن يجعل البطل يودع ميدان السيدة قبل أن يسافر.
وتصف الرواية مجريات الانخلاع عن الهوية في إنجلترا، وقد قامت بدور رئيس في تحقيق هذا الانخلاع ماري زميلته في الدراسة، وسنذكر في البداية تلخيص الراوي للانقلاب الذي جلبته إنجلترا لحياة البطل: «سبع سنوات قضاها في إنجلترا قلبت حياته رأسًا على عقب كان عفًا فغوى، صاحيًا فسكر، راقص الفتيات وفسق. هذا الهبوط يكافته صعود لا يقل عنه جدة وطرافة، تعلم كيف يتذوق جمال الطبيعة، ويتمتع بغروب الشمس- كأن لم يكن في وطنه غروب لا يقل جمالًا- ويلتـذ بلسعة برد الشمال» ص ۲۸ – ۲۹.
باختصار، في جدول الخسائر والأرباح هذا، هبط من حيث الأخلاق الإسلامية المتعارف عليها عند أهله، وصعد في ماذا؟ في تذوق جمال الطبيعة! تمتع بغروب الشمس والتذ بالبرد «وهذه اللذة خاصة به، إذ إن أهل أوروبا يلتذون على العكس بدفء الشمس كما هو معلوم». والجملة المعترضة «كأن لم..» تستوقفنا قليلًا: أهي احتجاج من الراوي، ومن ورائه الكاتب؟ أم هي نقد ذاتي لاحق وجهه البطل لنفسه؟
«ماري» فتحت له آفاقًا يجهلها من الجمال: في الفن، في الموسيقى، في الطبيعة، بل في الروح الإنسانية أيضًا. فضت براءته العذراء ونفضت نمطه السلوكي نفضًا يعبر عنه أحد الاثنين إما الراوي وإما البطل، فالمقطع يحتمل كونه سردًا للراوي أو مونولوجًا داخليًا للبطل، كما يُقال: «أخرجته من الوخم والخمول إلى النشاط والوثوق» ص۲۹.
وتكفي هذه التعابير المتقابلة وخم، خمول- نشاط، وثوق لنرى كيف حكمت الذات على نفسه فالشخصية الأصلية «وخمة وخاملة» والشخصية الجديدة البديلة المتناسبة مع معيار ماري الإنجليزي نشيطة واثقة.
أين كان «الوخم والخمول» يتجليان؟ على رأي ماري أو البطل تجليا عنده في الاستناد إلى هدف وبرنامج ثابت وفي التمسك بشيء «خارج نفسه»: الدين والعبادة والتربية أما «النشاط والوثوق» فيتجليان في رفض الدين و«العواطف الشرقية غير العملية وغير المنتجة»، وفي انعدام الاندماج بالناس وفي الانفصال عن الجموع ومواجهتها، وكانت النتيجة بعد أزمة روحية سببت له المرض أن «شفي» على يد ماري وخرج من الأزمة «بنفس جديدة مستقرة ثابتة واثقة. إن اطرحت الاعتقاد في الدين، فإنها استبدلت إيمانًا «كذا في الأصل» أشد وأقوى بالعلم لا يفكر في جمال الجنة ونعيمها، بل في بهاء الطبيعة وأسرارها» ص۳۲.
بعد هذا التحول هيأ إسماعيل نفسه للعودة إلى مصر التي يحبها وإلى المصريين ليصارعهم ويصارع «خرافاتهم وأوهامهم وعاداتهم» تقرأ في القصة «كلما قوي حبه لمصر زاد ضجره من المصريين» ص ٣٤، واستعمال «الضجر» هنا استعمال غير محدد المعنى، يحس الذي يقرأ أن هذه الكلمة قابلة للاستبدال بكلمات أخرى أدق مثل: احتقار، امتعاض، وفي النهاية القصوى: تبرؤ! وسوف نرى مصداق هذا في المجريات اللاحقة لعودته إلى مصر وسوف نرى الكره أيضًا يواجه به البطل مجتمعه ومعتقداته.
عاد إسماعيل إذن معتدًا بذاته الفردية نابذًا «لعواطف الضعف الشرقية» كافرًا بالدين مؤمنًا بالعلم، ترك عالم الروح وعالم الغيب وصب كل اهتمامه على الطبيعة «ببهائها وأسرارها».
عاد إسماعيل فواجه من البداية، والقطار يسير، باعة في ثياب ممزقة، قذارة وذباب، وفقر وخراب، «فانقبضت نفسه وزاد لهيب الثورة وزاد التحفز» ص ٢٦.
يدخل إسماعيل البيت فتكاد أمه يغمى عليها وهي تضمه وتقبله وتبكي فيخطر لإسماعيل خاطر: «ليس لها من الشخصية نصيب! ليست إلا كتلة طيبة سلبية»، وأضيف أنا، من عندي: ليست إلا كتلة من «عواطف الضعف الشرقية»، أما الأب فيستقبل ابنه بهدوء، وقوة هذا الأب ضحى بكل رفاهية ولم يتأخر عن موعد إرسال النقود لابنه.. الابن يرى المعيشة البسيطة فلا يملك نفسه أن يتساءل «كيف يستطيع أن يعيش بينهم؟ وكيف سيجد راحته في هذه الدار؟» أما فاطمة النبوية بقرويتها، بضفيرتها وأساورها الزجاجية الرخيصة فقد علم منذ رآها أنه سيخون وعده ولن يتزوجها.
وفي هذا الموضع سألاحظ أن انخلاع البطل لم يتم إذن على أرضية مبدئية ما، بأي مقياس للمبادئ، فهو لم يختلف فكريًا مع مجتمعه، لم يحاول الإصلاح فيحبط الأهالي محاولته فينكفئ، فها هو ذا يحتقرهم حتى قبل أن يبدأ ثورته التي نواها وها هو ذا يضمر الخيانة منذ البداية بلا تبرير، وبلا انطلاق من أي قاعدة نبيلة: لقد انطلق من قاعدة الرؤية الفوقية لأهله، وناهيك بها من انطلاقة لا تدلك إلا على أن إسماعيل تماهى بالمعتدي الذي هو الإنجليز محققًا بهذا أقصى درجات العمالة التطوعية للمحتل: العمالة الروحية، سيبقى كثير من مثقفي عصر النهضة العرب في هذا الموقع، أمثال سلامة موسى وحسين فوزي وغيرهم كثير، أما البطل فقد تغير في الصراع المرير لحسن الحظ.
وينتقل انخلاع البطل بصورة فورية من المرحلة السلبية إلى المرحلة الإيجابية: مرحلة الفعل، فما إن يرى أمه تضع الزيت في عين فاطمة حتى يصرخ فيها ويرمي الزجاجة فيكسرها ثم يتناول عصا أبيه بعد أن أخبرهم أنه «لا يعرف أم هاشم ولا أم عفريت» فيأتيه توبيخ أبيه «ونحن نرى أن الأب ظل ممثلًا قويًا للهوية ولم ينهر تحت وطأة الاستلاب» قائلًا: «هل هذا كل ما تعلمته في بلاد بره؟ كل ما كسبناه منك أن تعود إلينا كافرًا»؟
ويمضي إسماعيل مسرعًا إلى المقام وفي الميدان ينقل لنا المؤلف نظرة البطل السلبية إلى الجموع: صخب حيواني وأكل وضيع تلتهمه الأفواه.. «لم ينطق له وجه واحد بمعنى إنساني».
هؤلاء المصريون: جنس سمج ثرثار، أفرع أرمد عار حاف.. جمود يقتل كل تقدم. ص٤٤.
والقارئ يلاحظ فورًا الإعادة الحرفية للأطروحات العنصرية الاستعمارية على يد هذا الابن المنشق للمجتمع الأهلي.. غير أنني أريد أن أركز على نقطة مهمة ذكرها المؤلف «على لسان الراوي» تدل على موهبة تحليلية خاصة عند حقي في هذه المرحلة من تطور وعي البطل، مرحلة الانخلاع، لم تنطق الوجوه بمعنى إنساني. كأن جميع الحاضرين في الميدان صرعى أو كأنهم مستغرقون في النوم، هذه النظرة إلى المجتمع من الخارج، النظرة التي تريد هدمه حجرًا حجرًا لا تستطيع أن ترى معنى لسلوكيات هذا المجتمع، إذ «المعنى» إذا اعتقدنا بوجوده يقودنا إلى ارتباطات غير مرغوب بها عندنا إن كنا ننوي هدم بنية معينة، فالمعنى قد يقودنا إلى تفسير أو تبرير أو تحذير بأن عملنا الهدمي سيقود إلى تفاعلات ضارة بنا أو بأحد ما، والمعنى قد يعطي احترامًا للخصم نحن لا نريده فمن المريح للفاتحين- من طراز كولومبوس أو رودوس أو جنكيز خان- أن يعدُّوا لغة شعب الأرض المفتوحة مجرد «بربرة» وصراخ بلا معنى. إن إنكار المعنى على البنى الثقافية للآخرين هي مكون بنيوي من مكونات كل أيديولوجيا عنصرية.
ويصل الفعل الإيجابي للانخلاع إلى ذروته: إن إسماعيل يصل إلى القنديل ويكسره فتهاجمه الجموع وتكاد تقتله لولا نجدة خادم المقام صديقه القديم منذ الطفولة: الشيخ درديري.
ويعود إسماعيل ويمر بأيام لا يغادر فيها الفراش ويندم على أنه رفض عرض الجامعة الإنجليزية عليه أن يبقى ويعمل في إنجلترا: «إنه كالطير قد وقع في فخ، وأدخلوه القفص، فهل له من مخرج؟ يشعر بجسمه وقد شد إلى هذه الدار التي يطيقها، وربط إلى هذا الميدان الذي يكرمه، فمهما حاول فلن يستطيع فكاكًا» ص ٤٨.
ولا شك أن الأصل يبقى مكبوتًا في اللاشعور «بدون حاجة إلى أي تأويل فرويدي لمصطلحي «الكبت» و«اللاشعور» هنا» إذ إنه في المواجهة مع الذات الحقيقية، مع الأهل والوطن، لا يظهر إلى السطح إلا ما تختلف فيه مع هذه الذات، وما «نحقد عليها» لأجله، غير أن الذات الحقيقية أوسع من ذلك بكثير، تمامًا كما أن ذات الآخر التي نريد في السيرورة الاستلابية أن نتبناها هي أوسع بكثير من السطح البراق: الصفات الجميلة التي نريد اكتسابها، فالذات الحقيقية المترسخة في لا وعي إسماعيل هي أوسع وأعمق من الذباب والقذارة والباعة ممزقي الثياب، ومع ذلك فإن هذه الحقيقة: أن الذات الحقيقية هي الأرسخ لا تعني أن الاستلاب هو دومًا مرحلة مؤقتة يعود بعدها المستلب بصورة حتمية إلى الهوية «أي ما نسميه مرحلة التأصيل» إذ إن إيقاف مفعول الاستلاب يتطلب شروطًا خارجية قد تكون هي التوازنات الاجتماعية- السياسية في المجتمع المعني. وفي هذه الحالة الخاصة وصل البطل حقًا إلى مرحلة التأصيل مدفوعًا على الأغلب بقوة جذوره وبمزاجه العصبي الخاص وأخيرًا وصل إلى هذه المرحلة بفضل خيبة أمله بما كان بعده أقوى مكونات ذات الآخر: العلم الطبيعي، ذلك أن إسماعيل واثقًا من علمه يوقف علاج القنديل ويبدأ علاجه العلمي الذي تعلمه في جامعة لندن وتستسلم فاطمة النبوية لهذا العلاج ولكنه يقودها إلى العمى التام. وهنا يصدم إسماعيل صدمته الشافية لتبدأ الرحلة الثالثة: مرحلة التأصيل.
ج- التأصيل:
يهرب إسماعيل من البيت بعد وصول علاجه لفاطمة إلى تلك النهاية الفاجعة لا يلوي على شيء، ويسكن «ببنسيون» ويجوب الشوارع أغلب الوقت ويستعيد ذكرياته في أوروبا، ويتذكر من الاحتكاك اليومي ما يعرفه من سلوكيات شعبه ويتردد فكره بين النقائض: «تساءل إسماعيل: هل في أوروبا كلها ميدان كالسيدة زينب؟ هناك أبنية ضخمة جميلة، وفن راق، وأناس وحيدون فرادى وقتال بالأظافر والأنياب، وطعن من الخلف، واستغلال بكل الوسائل. مكان الشفقة والمحبة عندهم بعد العمل وانتهاء النهار يروحون بها عن أنفسهم كما يروحون عنها بالسينما والتياترو.
ولكن لا. لا. لو أسلم نفسه لهذا المنطق لأنكر عقله وعلمه. من يستطيع أن ينكر حضارة أوروبا وتقدمها، وذل الشرق وجهله ومرضه وفقره؟ لقد حكم التاريخ ولا مرد لحكمه، ولا سبيل إلى أن تذكر أننا شجرة أينعت وأثمرت زمنًا ثم ذوت وهيهات أن تدب الحياة فيها من جديد». ص51.
وهكذا: ساعة يفكر في الهروب إلى أوروبا وساعة يجد نفسه مدفوعًا إلى الميدان ويعود ويحدث نفسه: «لماذا خاب؟ لقد عاد من أوروبا بجعبة كبيرة محشوة بالعلم، عندما يتطلع فيها الآن يجدها فارغة ليس لديها على سؤاله جواب» ص ٥٢.
وتعود العلاقات مع المكبوت من خلال أشياء بسيطة ولكنها تحمل معها شعورًا بوجود «المعنى» الذي كان ينكره على ثقافته الأصيلة، مثلًا من خلال النكات التي كان يسمعها فيبتسم لها. ويأخذ بالإحساس أن هذا الشعب عريق حقًا. «ابن البلد يمر أمامه كأنه خارج من صفحات الجبرتي». اطمأنت نفسه وهو يحس بأرض صلبة تحت أقدامه: «ليس أمامه جموع من أشخاص فرادی، بل شعب يربطه رباط واحد هو نوع من الإيمان ثمرة مصاحبة الزمان والنضج الطويل على تارة وعندئذ بدأت تنطق له الوجوه بمعانٍ لم يكن يراها من قبل. هنا وصول فيه طمأنينة وسكينة والسلاح مغمد وهناك نشاط في قلق وحيرة وجلاد لا يزال على أشده والسلاح مسنون» ص 53.
لقد وصل إسماعيل إلى المرحلة الأخيرة في هذه السيرورة: الأصل- الانخلاع- التأصيل. لقد ذهب الزبد جفاء وبقي في الأرض الأصل النافع، وبانت الذات الحقيقية كذات متجذرة غنية ذات معنى تقف على قدم المساواة مع الذات الأخرى التي ظهرت بوجوه قوتها وضعفها، وليس بوجوه قوتها وحسب كما في مرحلة الانخلاع التي هي مرحلة الاستلاب.
وفي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر والتي تربى إسماعيل على الإيمان بفضائلها وبمنزلتها يدخل إسماعيل إلى مقام السيدة ويشاء الكاتب أن يجعل الفتاة نعيمة تفي بنذرها بعد أن تاب الله عليها وعادت إلى جادة الهدى في الليلة نفسها.
ويأخذ إسماعيل زيت القنديل وهو يقول في نفسه للميدان وأهله: «أنتم مني وأنا منكم أنا ابن هذا الحي، أنا ابن هذا الميدان، ويدخل الدار وينادي فاطمة تعالي يا فاطمة! لا تيأسي من الشفاء وعاد إلى علمه وطبه يسنده الإيمان وتتقدم فاطمة في الشفاء»، وتتعافى، ويفتتح عيادة بسيطة تستند إلى أساس من العلم دون المبالغة في الآلات والوسائل، مستندة إلى قاعدة من الإيمان، هذا العمود الذي تستند إليه حضارة شعبه، وتشتهر العيادة بين الفلاحين أكثر من اشتهارها بين سكان القاهرة نفسها ويتزوج فاطمة.
من الأصل إلى التأصيل
بعد هذه التجربة الثقافية- النفسية المريرة عاد إسماعيل إلى الانتماء إلى الأصل، لقد توقف عن محاولة قتل المجتمع الأهلي، وأبعد من ذلك: لقد أصبح جزءًا من هذا المجتمع الأهلي. لقد أصبح مدافعًا عنه غير أننا يجب أن نفرق بين الحالين: «الأصل» ويمثله الأب و «التأصيل» ويمثله الابن فالتأصيل تحول نفسي- اجتماعي- ثقافي يقوم به المثقف بعد عملية صراع وجدال طويل مع الثقافة المحلية بكل عناصرها الغازية والأصلية. وفي مجتمعنا العربي القائم لا نكاد نجد «مثقفًا أصليًا»، فقد تكفلت بالقضاء عليه لا عمليات التغريب فقط، بل عمليات الإصلاح أيضًا، والأمل الآن هو في تكوين شريحة ثقافية متماسكة من المثقفين التأصيليين هؤلاء الذين خاضوا تجربة مماثلة لتجربة إسماعيل واستخلصوا نتائجها. والذي أراه أن مجتمعنا يحتوي شروطًا قابلة للمقارنة مع الشروط التي أنتجت التحول الذي أنتج إسماعيل في طوره الأخير. لقد فشلت تجربة التحديث على الوصفات الحرفية المنقولة من الغرب، ونحن نرى بالفعل في الساحة الثقافية العربية بشائر بظهور مثل هذه الشريحة، بشائر ببدء مرحلة التأصيل في الثقافة الإسلامية، هذه المرحلة التي تكرس بدء حقبة جديدة بعد قرن ونصف من الاستلاب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل