العنوان المجتمع الثقافي (1396)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-2000
مشاهدات 67
نشر في العدد 1396
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 18-أبريل-2000
■ محمود شيت خطّاب وتراثه الأدبي
حادث جلل.. فقد الأعلام البارزين، ومصاب فادح.. إهمال ذكرهم، ودروس حية في استذكار حياتهم واستحضار مواقفهم.. فما أحوجنا- اليوم- لعلم هؤلاء الرجال وأدبهم الرفيع في وقت كدنا نفقد فيه العلم الحقيقي والأدب المشرق النقي، وما أحوجنا إلى رجولة هؤلاء الأعلام وشجاعتهم للوقوف بوجه الباطل والثبات أمام أعاصير الضلال والفساد.
د. مجاهد مصطفى بهجت «[1]»
لقد انفرط عقد السلسلة الذهبية الذي يزدهي به جيل هذا القرن الميلادي وآخر من نعي إلينا ونمى إلينا خبر وفاته الشيخ الجليل العلامة الأديب أبو الحسن علي الندوي الذي ودع في آخر يوم من العام الميلادي المنصرم، ثم العالم الفقيه الشيخ سيد سابق.
ومن هذه الأعلام التي نكست، والأنوار التي انطفأت جذوتها، وذهب بهاؤها اللواء محمود شيت خطاب، والشيوخ علي الطنطاوي، وابن باز وعطية سالم، ومناع القطان والدكتور عبد الستار القدسي، ومحمد المجذوب، والدكتور مصطفى الزرقاء، ومحمد ناصر الألباني، ويصدق وصف عامنا الأخير بعام الحزن، ويصدق وصف هذا الزمن بزمن قبض العلم، وفي الحديث الصحيح: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء» وهؤلاء إن ذهبوا فقد تركوا آثارًا عميقة في الفكر والثقافة والتراث وهم وإن كان يجمعهم صلاحهم وتقواهم وخشيتهم لله تعالى، ووقوفهم عند حدوده، والاقتداء برسوله ﷺ، والاجتهاد في الدعوة إلى الله على بصيرة- نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحدًا- فقد تميز كل منهم بخصال تفرد بها.
فقد عرف الشيخ الطنطاوي بأحاديثه الغدقة العذبة، وروحه الفكهة، وقربه إلى شرائح المجتمع كلها في دروسه ومواعظه- فهمًا وتوجيهًا وإصلاحًا- وعرف الشيخ الندوي بعمق فكره وفقهه الدعوي، كما عرف بقلمه الرفيع وأدبه الثر وعطائه الغزير.. وعرف الشيخ ابن باز بفقهه السلفي، وفتواه الرصينة وغيرته الإسلامية، وتفقده لأحوال المسلمين.. وعرف الدكتور القدسي بعمله الجامعي الدؤوب وصبره وحدبه على إخوانه، وقد عرفه إخوانه في البلاد الإسلامية أكثر من بلده.. جزى الله خيرًا هؤلاء العلماء المجاهدين، وأثابهم ورزقهم منازل الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، وجمعنا بهم في دار المقامة من فضله.
التراث العسكري
أما الشيخ العلم المؤرخ اللواء محمود شيت خطاب، فقد تميز بصلته الوثيقة بالسيرة النبوية الشريفة، ومعرفته العميقة بالتاريخ الإسلامي أحداثًا وغزوات وفتوحات، وتراجم أعلام، وسير قادة، ومعالم آثار في التراث.
وخير شاهد على ذلك مؤلفاته وآثاره التي تركها كتبًا وبحوثًا ومقالات، فلم ينقطع نشاطه العلمي ولا توقف قلمه عن الكتابة.. وإن كان النشر في العراق مر بظروف عصيبة، لا يجد فيها الكاتب فرصة النشر إلا في حدود ضيقة، لكنه كان ينشر بشكل دوري بمجلة المجمع العلمي العراقي حيث كان عضوًا فيه.
لقد كان- يرحمه ا- مفكرًا لامعًا، وعالمًا عاملًا ترك لنا تراثًا زاخرًا في فنون اختصاصه العسكري تحقيقًا وتأليفًا، وهو من أوائل المفكرين في هذا القرن الذين عرضوا تراثنا العسكري الإسلامي بمنهج حديث وأسلوب علمي رصين، فكتب عن الرسول ﷺ قائدًا، وعن تاريخ جيش النبي ﷺ، و«دروس عسكرية في السيرة النبوية»، و«غزوة بدر الكبرى» بل درس «العسكرية العربية الإسلامية» فضلًا عن «المصطلحات العسكرية في القرآن الكريم».
وكتب عن الخليفة الراشد أبي بكر- رضي الله عنه- الصديق القائد وعمر- رضي الله عنه- «الفاروق القائد» والصحابي الجليل خالد بن الوليد المخزومي وسلسلة قادة النبي ومنهم: عمرو بن العاص، والقادة الشهداء في مؤتة وقادة فتح العراق والجزيرة و«فارس» و«بلاد الشام ومصر»، و«المغرب العربي».
العقيدة .. والقيادة
وتعمق في تراثنا العسكري مبينًا علاقة العقيدة والإيمان بالقيادة العسكرية من خلال كتابيه: «بين العقيدة والقيادة» و«إدارة القتال في الجهاد الإسلامي»، ولعل من أجود مؤلفاته -على صغر حجمه في ١٧٤ صفحة- كتابه الشورى العسكرية النبوية «2» الذي كشف فيه عن مواقف الرسول ﷺ الشورية في الغزوات العسكرية، وحاول فيه حصر هذه المواقف باستقصائها واستخلاص الدروس والعبر منها، وقد درس تطبيقات الشورى العسكرية في عهد الرسالة ضمن تسع غزوات بدر واحد وحمراء الأسد والخندق والحديبية وخيبر وحنين والطائف وتبوك «3»، ثم لخص ذلك كله في جدول بخمسة مجالات «خانات».
وهي: «الغزوة» التاريخ، موعد الاستشارة المستشار والمستشارون، النتائج «4».
ولم يكن في عسكريته نظريًا تراثيًا، منقطعًا عن واقعه، بعيدًا عن الجانب العملي، بل تمتع بحس القائد المحنك وحدس الخبير المجرب، فهو الذي أعلن سنة ١٩٦٧ عن موعد هجمة إسرائيل وجعلها في الخامس من يونيو قبل وقوعها معتمدًا في ذلك على القواعد العسكرية العلمية.
وإن كان السياق يتجه نحو شمائله ومناقبه فقد كان- يرحمه الله- صاحب خصال رفيعة وخلال جمة لعل من أبرزها- مما عرفناه فيه- تواضعه وجرأته في الحق.
فهو وإن كان قد تقلد المراكز والمناصب العالية، وبلغ أعلاها وأسناها وزارة وإدارة، لكن صفة التواضع كانت حليته وزينته، فلم يعرف عنه التكلف في ملبسه وهيئته عند حضوره الدعوات الرسمية، حيث كان يشارك في أعمال المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بثوبه المتواضع وطاقيته فوق رأسه، وكان لا يفوت فرصة لقائه بالحكام في إسداء النصيحة والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. ولا يقبل هدايا الرؤساء وعطاياهم تعففًا وتنزهًا، لا تكبرًا أو تعاليًا.
أدبه وقصصه
لتن كان- خطاب- متخصصًا من الطراز الأول في التراث العسكري، وفنون الحرب والمعارك والقيادة العسكرية في تراثنا الإسلامي... فقد كان أديبًا له حظ وافر في الكتابة الأدبية، إذ أسهم في إصدار سلسلة من الكتب القصصية الهادفة ذات الطابع الإسلامي الواقعي الذي يحيي المعاني الإسلامية، ويبرز البعد الغيبي في الإيمان بالله تعالى وقدره خيره وشره، وقصصه إن خلت من عنصر الخيال المجنح، لكنها تحفل بغرائب الأحداث وعجائبها مما يقع في كل عصر ومكان، ويضفي على قصصه عنصر الإثارة والتشويق.
لقد نشر مجموعتين قصصيتين هما: عدالة السماء «5» وتدابير القدر مما وقفت عليه، ثم نشر مجموعتين أخريين وهما الرقيب العتيد، واليوم الموعود «6»، وهو جدير بأن ينهض أحد طلبة الدراسات العليا- ممن تتيسر له أدوات البحث بجمع آثاره- للكتابة عنه أديبًا وقاصًا، لاستجلاء هذا الجانب المجهول من شخصيته.
فإن كان قد غاب ذلك عن الدارسين وفاتهم وهو حي، فعسى أن يستدركوا ذلك بعد فقده، وهل يحق لنا أن نعاتب أهل بلادنا؟ كما عاتب الإمام فخر الدين الرازي «ت ٦٠٦هـ» بمرارة أهل بلده فقال لهم: المرء ما دام حيًا يستهان به.
ويعظم الرزء فيه حين يفتقد «6»
----------------------------------
الهوامش
رواه البخاري كتاب العلم ح «100» ومسلم كتاب العلم ح «٢٦٧٣».
طبع بالمجمع العلمي العراقي، بغداد سنة ١٩٨٦م.
راجع الشورى العسكرية النبوية ص ۲۲ – ۱۰۰.
راجع الشورى العسكرية النبوية ص ۱۱۸ – ۱۲۲، ومجموع استشارات الرسول ﷺ العسكرية هو إحدى وعشرون استشارة راجع ص ۱۱۷.
طبع الكتاب بدار الفكر دمشق ١٩٧٤م.
مجلة المجتمع –الكويت– العدد ١٣٣٦، ٢ – ٨ فبراير ١٩٩٩م.
طبقات الشافعية تاج الدين السكي، ج٨ ص٩ ، تحقيق الحلو والطناحي، ط الحلبي سنة ١٩٧١م.
-----------------------------------
■ قصة قصيرة
■ الحنين و.. الأرض
تهب نسمات رطبة... تصافح الوجوه.. تداعب القلوب أدرت رأسي للخلف.. أبحرت بين دروب الماضي بالخيال كنت طفلًا.. ألهو بالفقر... أقفز دون شعور بين حلقاته.. كان أهل القرية نادرًا ما يزورون عبد الرحيم بسبب حالته المادية القاسية.. تأتي الأعياد والمواسم... أجلس أمام البيت... أراقب المارة لا يزورنا منهم إلا القليل أتوجه لأبي متسائلًا عن هذا النفور لا يجود برد... شرود عميق صمت أبدي.. لا ينتهي يخرج.. أفزعني صوت المذياع عن مطاردتي لظلال أبي... والأغاني الوطنية التي تلهب الحماس... تتخللها فواصل قصيرة تسمع خلالها جمل صغيرة للزعيم الخالد والعدو الذي سوف يلقي به في البحر.. نصفق مثل الكبار في فرحة كبيرة.. دون أن نعي مضمون الكلام.. في الأعياد دائمًا أجد عمي عبدالستار متجهًا لمنزلنا.. يجلس... يضع يده في جيبه.. يخرج نقودًا ورقية جديدة أحضرها من البنك لهذه المناسبة.. أهنأ بها وأمرح.. شعرت أن يدًا من الخلف تمتد نحوي لتنبهني لشيء ما.. من فضلك أغلق الشباك قليلًا.. حاضر.. ثانية أسبح بالفكر.. استكمل فصول الماضي حيث تضحيات أبي وأسرتي.. سوف يسعد كثيرًا بتلك الهدايا الجديدة.. التي اشتريتها لأجله.. أعوضه بها عن آلام السنين الطويلة وكدح الليالي العجاف.. سأعرضه على أفضل الأطباء كي يستريح من الأمراض التي كتم أنينها بصدره.. أشياء وأشياء أحضرتها له سوف يسعد لها.. فوداعًا لكل الجراحات واهات الماضي.. وضعت رأسي من جديد مستسلمًا للنوم العميق صحوت على أصوات تتعالى بفرحة الوصول الكل يقفز بسعادة غامرة متحررة من قيود السنين.. وسلاسل الغربة سأتمتع برؤية أهلي وعشيرتي... فتحت الباب... قفزت شقيقتي بين يدي باكية.. لا تصدق.. لحظات صعبة على الغرباء.. مضى كثير من السنوات أين أمي؟.. قامت تتحامل على نفسها... فتحت ذراعيها لتأخذني بين أحضانها الحانية سألتها عن أبي.. أدارت عينها نحو فراشه المرتب.
لا يوجد عكازه الأثري على قائم السرير.. لعله وضعه في الطابق العلوي أو في أحد جوانب البيت- أعدت السؤال صمت.. قلت في نفسي قد يكون بالمسجد كعادته.. ذهب مبكرًا انتظارًا للصلاة.. أو لعله ذهب إلى بيت عمي عبد الستار كي يتفقا على خطوبتي لابنته عزة... الصمت يلف المكان.. صوت يتسلل من نافذة الجيران لمذيع التلفاز المشهور وهو يعلن عن خطاب الرئيس المؤمن في عيد العمال.. لقد اشتقت لملامح الأرض في وجه أبي... آه.. تذكرت.. لم أر بعد غرفة الاستقبال... إنه هناك يريد مفاجأتي بشيء ما.. أسرعت.. فتحت ما تبقى من زوايا الباب.. طالعتني صورة كبيرة لأبي مرسومة باليد- ليس بها قسمات الأرض ولا صبرها.. بها برواز موشح بالسواد- أسفل الصورة كلمات باهتة متناثرة.. اقتربت منها وقلبي يرتجف وعيناي متصلبتان.. تحسست الحروف العيون حبلى بالدموع.. الرثاء جد قليل.. فلمن أحمل الأفراح وبمن أرى حنين الأرض وصبرها؟
علي عبده النوبي
واحة الشعر
أمــــــاه
شعر: حيدر مصطفى
«لأن تكريم الأم لا ينحصر عندنا في يوم واحد من السنة، وتأكيدًا لهذه الحقيقة تأتي هذه القصيدة متأخرة بعض الشيء عن اليوم الذي سموه عيد الأم» المجتمع.
أماه ليتك تعلمين ما أحدثته يد السنين
بالمسلمين المؤمنين والمخبتين الطيبين
وبفتية في عزمهم أمثال أساد العرين
عشرون عامًا والعدا ظلوا بنا متربصين
عشرون لكن قبلها كنا كذاك معذبين
حتى البيوت بيوتنا عشنا بها متوجسين
فلربما في ليلة يأتي الطغاة مدججين
ضاقت بنا أحزاننا وعلا بغربتنا الأنين
من ذا يلم جراحنا؟ من ذا يريح المتعبين؟
كل النوافذ أوصدت وكريم أمتنا ضنين
أنى حللنا في الدنى کنا بهــا الصـــيـــد الثمين
وتساءلين بلهفة عن ذلك القلب الحزين
في كل يوم تبحثين وكل وجه تقرئين
وتؤملين لعل طيفًا من بعيد تبصرين
محزونة يا ويلتا بدموع عينك تغرقين
يا ليت أنك تعلمين! يا ليت أنك تسمعين
ماذا أحدث والأسى يقتات قلبي كل حين
ماذا أحدث والأسى المخنوق في جنبي دفين
متقاذفًا قلب الغريب من الشمال إلى اليمين
وأنا الذي لاقيت ما لاقيته عبر السنين
لأجل نفسي أن أذل هنيهة للمجرمين
سأظل عمري ثابتًا وقناة حقي لن تلين
وأظل أرفع للمعالي الرأس وضاح الجبين
أنا لا أبالي بالردى بوعودهم أو بالطنين
وأنا الذي عشت الهدى من يوم كنت وتعرفين
إني أنا ذاك الوفيي على الشريعة والأمين
لا بدع إذ ربيتني عمرًا على الحق المبين
فنشأت رغم شرورهم في الناس ذا خلق ودين
متفائلًا متعلقًا بالله ذي الركن الركين
أماه دعوة مسلم لله خالقنا المعين
أدعوه فيها أملًا بالنصر يحدوني اليقين
سلمت يمينك ما بذلت من الحنان وتبذلين
والله أدعو أن أراك بكل خير تنعمين
والعيش طول العمر يا أماه في خفض ولين
■ الفجر الجديد
■ المستقبل لمن؟
خالد المخزومي
المستقبل هو فقط للأمم التي تنهض وتبني. أما التي تركن إلى النوم والدعة فإنها سرعان ما تقبر وتصبح نسيًا منسيًا أو سطرًا في كتاب آثار، ونهضة الأمم لا تكون إلا بنهضة أفرادها، والفرد لا ينهض إلا إذا توافرت لديه همة عالية وفكر ثاقب وإحساس بالمسؤولية ورغبة في تغيير الواقع إلى مستقبل أفضل.
وهذا الفرد لا بد من أن يضع أمام ناظريه دائمًا، أن كل جهد يبذله هو من أجل فجر مشرق لأبنائه ولأبناء إخوته ولمجتمعه بأسره ولأمته كلها، بل للإنسانية جمعاء، والفكر الثاقب يستدعي تحديد أهداف عليا، وعدم الإحساس بالمسؤولية يكون دافعًا للانهزام والتقاعس والاتكال على الغير انتظارًا لمن يعلق الجرس.
فقه الدين: فهم هذا الدين، وفقه جوهره سبيل التغيير الواقع إلى مستقبل أفضل وأداة لرفع مستويات المناعة الذاتية، ولتعزيز الثقة بالنفس ولإكسابنا قدرات جيدة على الحوار بالتي هي أحسن لا شك أبدًا أن في دين الله قدرة ذاتية متجددة على بعث الموات وخوض البحار، وما ذلك إلا لأنه يسر، دين يتفق مع الفطرة الإنسانية ويشعر المخلوق بجمال الوجود وأنه جزء من هذا الوجود يتكامل معه مسبحًا لجلال الخالق عز وجل.
نزل الوحي على النبي الأمي بكلمة «اقرأ» وأُعيدت هذه الكلمة عليه لأنها السبيل لتغيير الحالة المعرفية للإنسان ولتحقيق الفهم من أجل ذلك كان ديننا دين القراءة والعلم والثقافة الموصلة إلى الله المحققة لعبادته والداعمة لاستعمار هذه الأرض ولذلك خلقنا، قال تعالى في سورة الشورى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (الشورى: ٥٢-٥٣)
العلم الحقيقي
إن العلم الحقيقي والثقافة العليا في الإسلام هي تلك التي تصل المخلوق بخالقه، وهذه الثقافة مختزلة في كلمة التوحيد شهادة ألا إله إلا الله وهي الكلمة التي وردت في سورة إبراهيم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ۞ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (إبراهيم: ٢٤-٢٥) وأما كلمة الكفر فهي الكلمة الخبيثة ومثلها كالشجرة الخبيثة التي احتلت مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَها من قرار وبين العزيز سبحانه مال الكفر في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ (إبراهيم: ٢٨)، وهذه الثقافة هي دعوة الحق التي يقول عنها الخالق عز وجل في سورة الرعد: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ۚ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ (الرعد: ١٤).
المسلم وثقافته المباركة هذه هو الصّياء والرحمة المهداة للبشرية، هو من كان ميتًا فأحياه الله وجعل نورًا يمشي به في الناس، هو فريد ليس كمن مثله في الظلمات ليس بِخَارِج منها، لذا فهو يحمل ثقافة ليست أي ثقافة وكلمة ليست أي كلمة.
الأمة والعولمة
إن أهم أهداف الأمة المسلمة التي يجب أن تحققها وهي تخوض بحار العولمة والانكشاف الحضاري الكبير وثورة الاتصالات وتقدمها أن تبني نفسها على أسس ثقافتها تلك، وأن تقدم هذه الثقافة للغير على أنها الروح الجديدة المحققة لسعادة البشرية. تقدمها ثقافة الوضوح والعقل التي لا تتدثر بالأغطية أو تقبع وراء الحجب هي الثقافة التي لا تخشى الحوار بل الحوار هو الذي يميزها عن غيرها، هي الانطلاق والتجدد، ثقافة لا تعرف للعقل قيودًا أو أغلالًا، بل تأمره بالتفكر والنظر في ملكوت الله هي ثقافة ليست مثل الثقافات التي اقتبستها جل الشعوب فكانت وبالًا على البشرية ومصدر شقاوة وتفتت ودمار لها، انظر الموضوع القيم الخاص بأثر الثقافة الفرنسية على البربر والشمال الإفريقي والوارد في أحد أعداد مجلة المجتمع هذا العام.
ولكي تقدم هذه الثقافة، ثقافة الرحمن الروح الجديدة الفجر المشرق النور المبين لا بد من صياغة عدد من الأهداف الاستراتيجية للأمة مثل:
صوغ المجتمع المسلم بحيث يكون أفراده ذوي قدرات عالية.
إيجاد قيادات متميزة.
إيجاد حلول عملية المشكلات المجتمع.
تكوين مؤسسات اقتصادية واجتماعية قوية.
العمل من أجل تمسك المسلمين بالخلق القويم وزيادة من يحمل هذا الخلق الرفيع في المجتمع.
من يعي هذه الأهداف يجد أنه يمكن بناء مشاريع ضخمة عليها لتحسين واقع الأمة وتحقيق الريادة لها والصدارة بين الأمم: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ﴾ (البقرة: ١٤٣)
ومشاريع البناء متعددة وفي محاور مختلفة مثل:
المحور الثقافي- التربوي- السياسي.
الاقتصادي- العقائدي.
ولتحقيق الأهداف الاستراتيجية للأمة التي ذكرت أنفًا تصاغ للمشاريع الوسائل والآليات العملية المناسبة للتنفيذ.
كيف نبني أمة مثقفة؟
إن المجتمعات والأمم لا تنهض إلا بمخزونها ورصيدها الثقافي والروح التي تسري فيها، والمعلومة هي البداية، وكل إنسان يسترشد به في ذلك عليه مسؤوليات حضارية تجاه مجتمعه ولا تزال تقاس حضارة الأمم بوفرة المعلومات. وعصرنا اليوم هو عصر المعلومات نعود للماضي حيث كان بيت الحكمة ببغداد في عصر الرشيد وتنطلق منه إلى مكتبة قرطبة مرورًا بمكتبة المدرسة النظامية ببغداد والتي كانت فهارسها «فقط» مدرجة في ستة آلاف مجلد هل كان ذلك الزخم والاهتمام الثقافي للأمة من فراغ أم من فهم لأهمية الثقافة ودورها الحضاري؟ كلنا يعلم أسمى تجليات هذا الفهم حيث كان الكتاب يوزن بالذهب في بعض العصور.
وعندما نعيد صياغة الأهداف الاستراتيجية للأمة وننزلها على المحور الثقافي سنجدها تصبح كالتالي:
صوغ المجتمع المسلم بحيث يكون أفراده ذوي قدرات ثقافية عالية.
إيجاد قيادات ثقافية متميزة.
إيجاد حلول عملية المشكلات المجتمع الثقافية.
تكوين مؤسسات ثقافية قوية اقتصاديًا واجتماعيًا.
لنأخذ مثالًا لما يمكن أن تقوم به الأمة تجاه إيجاد حلول عملية لمشكلات المجتمع الثقافية كهدف سام ونبيل.
مشاعل مضيئة...
المشكلة الثقافية مزمنة في العالم الإسلامي، وكم كتب الغيورون في ذلك، واضمحلت الأصوات أو كادت في أودية الغفلة تعرضت الأمة للمشكلة منذ عصور الانحطاط التي تلت الجمود الفكري الثقافي مع الفترة الأخيرة من الدولة العلية. ثم ما لبثت الشعل أن أضيئت في أكثر من قطر إسلامي. فها هو الأمير شكيب أرسلان، ومالك بن نبي ورسائل البنا، وكتابات المودودي، وشعر أحمد شوقي، ووحي القلم للرافعي، ونفحات الغزالي وأوراق الفتح اليكنية، وظلال القرآن وكتبه الأخرى السنية، وصوت الطنطاوي ونظرته الأبوية الحانية. ثم ها هو المنطلق كلها وعلى مدار الأعوام شواهد على شعل أيقظت في الأمة الحاجة إلى النهضة الشاملة الواعية فوجب على الخلف أن يتصل بهؤلاء السلف ليحقق ما تمنوه ولم يروه بعد.
مشكلات المجتمع على المحور الثقافي كبيرة ويجب أن توضع لها المعالجات الناجعة. وكم كان التوفيق الإلهي بالاختيار للرياض عاصمة للثقافة. كيف لا وهي في القطر الذي صدرت منه إشعاعات نور الإسلام وهداه.
أهم المشكلات
إن بعض أهم المشكلات عزوف الراشدين عن القراءة المفيدة والاستماع المفيد وفراغ الأبناء الذي يملأ دومًا بالثقافات الهزيلة أو باللا ثقافة أو ما يسمى بالثقب الأسود الكبير، تجد ذلك في ضعف المشاركات الثقافية تجده في الغيبة أو بعدم المعرفة باستخدام أدوات الثقافة ومصادرها، من منا لم يلحظ هبوط المستوى الثقافي لما يعرض في الصحف والمجلات؟ لقد أنشئت وأصدرت مجلات ثقافية متخصصة لتصحيح هذا الخلل، وكانت آخرها وأروعها مجلة «المعرفة» الصادرة من وزارة المعارف السعودية ويا للتوفيق الإلهي أن تكون من الجزيرة من مهبط الوحي أيضًا، مجلة أخرى «المجتمع» مجلة نهضة وثقافة عالمية كتب لها أن تبلغ عمرها الثلاثين وهي تسير من نجاح إلى نجاح في حل المشكلة الثقافية إذاعة القرآن الكريم من الرياض إذاعة متخصصة أسمعت صوت ثقافة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وكانت أنيس المستوحش وجليس المرأة في بيتها، ورفيق الرجل في الطرقات والترحال.. هذه مشاريع ندعو الله أن تصل بالأمة إلى خير عميم. فهل انتهينا لا نحن نحتاج إلى مشاريع ومشاريع الأمة ظمأى والبشرية في غيبة، لا تعلم بحقيقة النور الذي لدينا لأننا عجزنا عن حمله وتقديمه لهم أو جهلناه بداية.. فهل من مشمر ومنطلق؟
إن الجواب يأتينا في حديث المصطفى ﷺ الوارد في صحيحي البخاري والنسائي عن أبي هريرة: «... فسددوا، وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة، والروحة وشيء من الدلجة».
■ ضرورات ملحة لأدب الأطفال الإسلامي
د. أحمد زياد أبو غنيمة
تحتل قضية الطفولة أولوية مطلقة في عالمنا اليوم من حيث الاهتمام بها والحاجة إلى دراستها دراسة تحلل كنهها وفحواها ومشكلاتها وإفرازاتها ونتائجها، ومن ثم على ضوء هذا وذاك تقدم الحلول الصحيحة والسليمة، كما تأخذ قضية الطفولة حيزًا كبيرًا من اهتمام المؤسسات والمراكز المعنية بها من حيث عدد الدراسات والبرامج والأبحاث التي نسمع عنها أو نقرؤها في وسائل الإعلام المختلفة وفي برامج التربية والتعليم والفنون والثقافة وإيجاد الحل لمشكلات الطفولة هو الخطوة الأولى- بعد تشخيص هذه المشكلات- واللبنة الأساسية لإصلاح مسار الحياة التي نرغب لأطفالنا أن يحيوها ويعيشوها بعيدًا عن تعقيداتها وسلبياتها وهمومها ومشكلاتها.
ومن هنا تبرز أهمية أدب الأطفال، والدور البارز والخطير في بعض الأحيان، الذي يلعبه أدب الأطفال في هذا المجال من حيث التعبير عما نريد إيصاله إلى أطفالنا من قيم حضارية وثقافية واجتماعية مستمدة من عقيدتنا الإسلامية بالطريقة والوسيلة التي يفمهمونها ويستوعبونها بسلاسة وبساطة، دون الإخلال بالمضمون الأدبي من حيث الشكل الجمالي والفني الذي تتبعه.
ولأن ديننا الحنيف جاء بمنهج شامل متكامل لكل مناحي الحياة، وصلاحيته لكل زمان ومكان فإن مسؤولية الأديب المسلم، هي مسؤولية كبيرة وعظيمة تنبثق من عظم الرسالة الإسلامية التي يحملها ويدعو إليها في حياته وسلوكه.
أبناؤنا وبناتنا، هم رجال ونساء المستقبل، وهم عدة الأمة وأملها في بناء نهضتها، وحراسة أمجادها وتاريخها وبقدر ما نحيطهم من رعاية وتوجيه، يكون دورهم كبيرًا ومميزًا في خدمة دينهم ورسالتهم.
ولعل من أهم موجبات وضرورات أدب الأطفال الإسلامي في هذه الأيام، ما تعيشه أمتنا من ردة على كافة المستويات الاجتماعية والثقافية والسياسية.. فالحديث مثلاً عن الجهاد والاستشهاد أصبح في عرف البعض تطرفًا وإرهابًا، يجب محاربته والقضاء عليه، فمن هنا وجب وأصبح لزامًا على المهتمين بأدب الأطفال أن يوضحوا للفتيان والفتيات مفاهيم الجهاد والاستشهاد اعتمادًا على المفهوم القرآني للجهاد والاستشهاد والتطبيق العملي لهذا المفهوم القرآني من سيرة الرسول ﷺ وصحبه الكرام، أو من النماذج البطولية والاستشهادية لكثير من الأبطال والمجاهدين في تاريخنا الحديث حيث يزخر تاريخنا العربي والإسلامي بنماذج فريدة من البطولة والفداء من الرجال والنساء الذين باعوا أنفسهم لله مجاهدين في سبيل إعلاء رايته ونشر دينه، ودفاعًا عن أوطانهم ومقدساتهم، ولعل التذكير بسير هؤلاء الأبطال والمجاهدين هو الرد الأمثل لكل من يحاول استبدال مفاهيم الجهاد والاستشهاد من عقول أبنائنا وبناتنا بمصطلحات التطرف والإرهاب.
وكذلك فإن الكتابة للأطفال بتقديم نماذج جهادية بطولية صادقة من تاريخنا الحديث، تعتبر أشد وجوبًا في أيامنا هذه التي تشهد فيها أن المجرمين اليهود رابين وبيريز وشارون، ونتنياهو وباراك، قد أصبحوا في عقول البعض أصدقاء أعزاء، وأصبح من تلطخت يداه بدماء إخواننا في فلسطين وجنوب لبنان لا ينادى إلا «بالسيد فلان» فلذلك لا بد من العمل على تحصين أبنائنا وبناتنا من عمليات غسل الدماغ التي تمارس ضدهم، هذه العمليات التي تعمل على إلغاء كلمة فلسطين من الخريطة ليتم وضع اسم إسرائيل مكانها في أذهان أبنائنا والأجيال القادمة.
ومن جهة أخرى، فإن ما نراه من بعض شبابنا وفتياتنا ممن ينساقون وراء المظاهر الزائفة والعادات الفاسدة التي تردنا من مجتمعات غريبة عنا، لا يربطنا بها دين ولا تاريخ ولا أخلاق هو دافع آخر لضرورة الكتابة للأطفال، للتأكيد على القيم الحضارية للإسلام بما يدعو إليه من سمو في الأخلاق والمعاملات ورفعة في الأهداف والمنطلقات التي تريد الخير والصلاح والتقدم للبشر أجمعين.
وإدراكًا مني بضرورة تضافر الجهود والإمكانات لمحاربة المظاهر السلبية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، والتي تنخر في عقول أبنائنا وبناتنا فسادًا وإفسادًا، فقد وفقني الله تعالى لإصدار عدد من المجموعات القصصية التي تتحدث عن نماذج من أبطالنا المجاهدين في العصر الحديث «الشيخ أحمد ياسين الشيخ عز الدين القسام أبطال الانتفاضة» استعرضت من خلالها مفاهيم الجهاد والاستشهاد والبذل والعطاء، والحق والعدالة والقوة في المطالبة بحقوقنا ومقدساتنا، وغير ذلك من المفاهيم، أملاً أن أكون قد وفقت في إعطاء أبنائنا وبناتنا القدوة الحسنة التي يستلهمون من خلالها بعض المعاني النبيلة التي تعينهم على مواجهة ما يحيق بأمتنا من أخطار وتحديات.