; المجتمع الثقافي (1411) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1411)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-2000

مشاهدات 58

نشر في العدد 1411

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 01-أغسطس-2000

المثقف الإسلامي وآليات التغيير الاجتماعي

د. خضیر جعفر

لعل المعادل الموضوعي للمثقف الإسلامي هو المغير الاجتماعي الرسالي، وأهم أسلحة التغيير الاجتماعي عنده ثقافة واسعة يزينها الالتزام، والثقافة لدى الإسلامي الهادف، ليست سعة اطلاع وحسب، ولا تعني القدرة المتألقة في فهم الواقع وكفى. ولا هي مجرد إبداع فكري، وإن كان هذا كله جيدًا ومطلوبًا، ولكن الثقافة والمعرفة عند الإسلاميين نعمة يستحق واهبها الشكر، ولطف يستوجب الكدح لكسب رضا المنعم العظيم سبحانه، وشكر نعمة الثقافة زكاتها، وزكاتها نشرها فكرًا ومنهجًا وسلوكًا عمليًا يصلح أن يصير من صاحبه قدوة تحتذى، ومن تعاطيه اليومي بمفرداتها شهادة على روعة الفكر الذي يتبنى، والثقافة التي بها يتحلى، وسر انتصار رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم، تجسيده العملي لمعرفته الثقافية، وتطبيقه للقرآن المجيد، لقد «كان خلقه القرآن».

 إن أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى القدوة والأسوة، وإلى النموذج الإسلامي الذي تشكلالثقافة بعض معالم شخصيته، عبر حسن أدائه وتعامله الواعي السليم مع نفسه وربه والآخرين، بل ومع الحياة والأحياء والطبيعة التي سخرها الله له منذ أن جعله خليفة في أرضه ليعمرها بالخير والحب والعطاء والصفاء، وتلك هي سنة الأنبياء الذين اجتازوا بوابات المعرفة المكتسبة عندما أهلتهم سماتهم، لأن تكون قلوبهم أوعية للإلهام الإلهي الذي تتصاغر أمام أسفار عظمته مكتبات الدنيا وكل مدارس علوم الحياة.

إن الثقافة بالنسبة للإسلامي العامل لا تعني بحال من الأحوال أن يتحول ذهنه إلى مكتبة جامدة، ولا أن يصبح عقله مستودعًا لأكداس من معلومات وعلوم قد يخزنها جهاز الحاسوب «الكمبيوتر»، على صفحة «ديسك» أو دائرة C.D وإنما هي روح شفافة تشع على من يتسربل أثواب كمالها فيما تأبى إلا أن تنشر عطرها على من حولها من الآدميين.

وإذا ما هبت على المثقف - أي مثقف - نفحة إيمان عاطرة، فذلك يعني أن الثقافة لديه تكون قد اكتسبت بعدًا رساليًا، تتحول معه من مجرد سعة اطلاع إلى مسؤولية والتزام ووعي وعطاء، ولابد أن تتضاعف مناسيبه عندما تضيع الأمة بوصلة رشدها في لجج بحار الفتن، وتفتقد علائم هداها وسط أعاصير الفوضى والانفلات.

 إن فتنة أزمة الوعي والافتتان بحب الدنيا والارتكاس في وهدة البعد عن الله تحتم على من أتاه الله بسطة في العلم وسعة في المعرفة أن ينهض داعيًا إلى الله مغيرًا، وسراجًا نيرًا يضيء للحيارى دروب حياتهم المعتمة، ويرسم على دروب قوافل التائهين لوحات عبور، وعلائم مرور، تشير بأسهم الوعي صوب الرشاد عند مفترقات الطرق وتقاطعات الخطوط دون أن يقتصر عطاؤه هذا على الأقربين، لأن حضارة الإسلام هي حضارة الحب والرحمة والخلق الرفيع الذي يشع كخيوط أشعة الشمس التي تطل على الجميع بلا استثناء،  وما لم يعكس الإسلاميون ثقافتهم سلوكًا حيًا، وفكرهم ممارسات يومية تغرق الآخرين بفيض ألطافها، فلن يكونوا أهلًا لحمل الأمانة، ولا يمتلكون لياقة المتسربلين بأثواب الحضارة الإسلامية الطاهرة، والتي بعض معطياتها أن يتخلقوا بأخلاق الله الرحمن الرحيم، الذي بعث رسوله الأكرم صلي الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وفي العالمين خلق كثير لم يؤمنوا بالله طرفة عين، لكن أجنحة الرحمة الإلهية تظلل حتى السادرين في غيهم ، حينما تبقي باب التوبة مفتوحًا لا يغلق بوجه أحد سوى المشركين مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾ (النساء : ٤٨). 

ومن هنا فإن ساحة عمل المثقف الإسلامي هي كل الأرض، ومخاطبوه هم كل سكانها لا يضيق صدره بأذاهم، ولا ييأس من هدايتهم يظل يدعو ويكدح ويواصل العطاء والفداء والدعوة والدعاء بأدب جم، وتواضع كريم كسنبلة القمح الملأى التي تطأطئ رأسها محنية العود لامتلائها، لتظل مثيلاتها الفارغات شامخات أو كالنخلة المثمرة تهدي للذين يقذفونها بالأحجار رطبًا جنيًا، وتمرًا شهيًا، ولن تغير من طبعها وإن تكاثر عليها الأذى، وتمادى المؤذون.

انتبهوا، لم ندخل الألفية الثانية بعد!

تمضي الأيام ونمضي في سيرها حتى نهاية المطاف، ونتطلع فإذا حاجات لنا لا تنقضي يمر من فوقها الزمان ويتركنا نتحسر ونتألم

لماذا قعدنا ولم نعمل؟،ثم ندرك أننا بقعودنا للتحسر والتفكر قد ضيعنا وقتًا آخر، فتتسرب إلى قلوبنا الندامة ثم نلجأ إلى النوم والاستكانة ونترك العمل، وكأنه قد حان الأجل، وهكذا أغلبنا يتمنى لو عاد به الزمان إلى الوراء، لكان فعل وفعل ولما حصل ما حصل ولغير وبدل،.!

 واليوم لا أريد أن أتحدث عن زمن كل امرئ على حدة، بل أتحدث عن المسلمين عامة الذين يجلسون الآن مستكينين، فلم يعد هنالك متسع من الوقت لقد سبقنا الغرب ولا مجال للحاق بالركب، وإلينا تشير كل أصابع الاتهام وهنا فوق رؤوسنا تنصب كل السهام، يقولون لقد أصبحنا في القرن الحادي والعشرين وما زلنا نعيش على هامش السنين!

ولعجبي كل شيء أقنعونا به لدرجة أننا قد نسمع منهم بأن الساعة الآن الثامنة فلا نتعب أنظارنا بأن نطل في ساعاتنا التي على الأغلب هم صنعوها لنا، ولكي لا نتعب أنظارنا ،لنجزم بأن الساعة كما يقولون، بينما لو حركنا منا ساكنًا لوجدنا بأن الساعة لدينا ما زالت على الثانية، فالتوقيت عندنا مختلف،لكن الضعيف هكذا وراء الأقوى ينجرف، لا يتجرأ بأن يعترض أو ينحرف،وهكذا مرت سنون ونحن في مصاف التابعين، ونحن نظن أنفسنا معهم، وسنواتنا هي سنواتهم،فقد أصبحنا إمعة، عطلنا كل الأدمغة، بل ومحونا التاريخ،ولكن ماذا لو أتعب أحدنا نفسه ونظر في التقويم، وأمعن في التاريخ،ليس أي تاريخ، بل تاريخنا الإسلامي، تقويمنا الهجري أين هو؟ هل تخطينا الألفية الثانية حتى نتحمل كل هذا اللوم والعتاب؟ كلًا بل نحن ما زلنا في القرن الرابع عشر، وبالتحديد في عام ١٤٢١ للهجرة النبوية،وما زال لدينا وقت طويل حتى نتخطى الألفية فلماذا التبعية؟ ونحن ما زالت لدينا فسحة في الزمن للكد والعمل وتحقيق الهوية، وبالذات الهوية الإسلامية. 

والسؤال الآن: هل يفرحكم ذلك؟ وهل ستستغلون الوقت ذلك الشيء الثمين لتلحقوا ما فاتكم بدل أن تبكوا على أطلالكم؟

 تفكروا،ماذا لو كان أحدنا يظن نفسه في العشرين من عمره، وكان متفوقًا في دراسته لفترة من الزمن ثم تقاعس وأهمل عندما مر بظروف ثم قعد وسلّم بأنه قد فاته القطار وبأنه متعثر لا محال، ثم جاءه من يخبره بأنه قد حصل لبس في عمره وبأنه مازال في الرابعة عشرة وأمامه فرصة الآن للتعويض والدراسة والتحصيل.. لا بد أنه سيفرح، وسيزيد على ذلك بأن يتدارك النقص، فهو الآن يعيش مرتين وأصبحت لديه خبرة كيف يستفاد من السنين.

إذن قفوا، لا تعيرونا بنقصنا فلا يقارن ابن الرابعة عشرة مع ابن العشرين وبخاصة إذا علمنا بأنه- أي ابن العشرين - تسلّق على أمجاد الآخر، غار منه فأغار عليه وسلبه نتاجه،فابن الرابعة عشرة هذا كان نابغة قبل أعوام، قبل أن يغزو عليه أقوام،بل كان متقدمًا على كل الأقران، مع أنه أصغرهم وأينعهم فمزقته يد العدوان ثم مرض وسقم بعدما فارقه أحباب، علماء صنفوا له في العلوم ألف كتاب،فلم يتدارك نفسه ولم يقو إيمانه فتقوضت أركانه وهوى من نقص الإيمان، وهكذا سرق منه مجده وبنى عليه غيره ثم مضى يقنعه بأنهما في العمر متساويان لكن في الفهم لا ،وفي العلم لا ، وهذا لعمري صدق الكلام مع أن في جيبه قرآنا يحكي ماضي الزمان وحاضر الزمان وآخر الزمان، لكنه غفل عنه وأهمله،فأوقظوه الآن أخبروه بما كان، فما زال هنالك متسع من الوقت والزمان، وعامنا هو هذا العام ١٤٢١هـ ولم يفت علينا الأوان ولا نحن دخلنا ألفية الأعوام.

الآن نحن أصغر في العمر فقط، لكن أحلامنا أكثر من أن تعد، آمالنا أكبر من أن تُحد،سنسبق الأمم ويكون لنا الظفر وهم السابقون ونحن اللاحقون فنحن الأصغر، وما العيب في هذا وما الضير؟

 إن حالة الموازنة تلك والمقارنة بين اثنين غير متكافئين في العمر تولد اليأس والإحباط ونبذ الذات، أو تولد التبعية، لماذا؟ ونحن بإمكاننا أن نبني لنا شخصية، نبتعد عن التقليد لكن نتعلم ونستفيد ونتعظ من التجارب السابقة، نتخذها عبرة للسنوات اللاحقة،ننظر فقط إلى سنواتنا الهجرية، نتمسك بلغتنا العربية،والأهم شرعتنا الإسلامية فهي الهوية، نعم نحن الأصغر وأمامنا طريق إلى المستقبل، لكنه غير مرتبط بهم بل مستقل وقد نكون الأحسن، بل يجب أن نكون الأحسن لأنه لدينا الشرعة الأفضل والأكمل، سننشرها لا نمل،فلم ينقض الوقت بعد، وهؤلاء حكموا علينا قبل حلول العهد.

أروى المؤيد العظم

الرابط المختصر :