; المجتمع الثقافي (1430) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1430)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-2000

مشاهدات 67

نشر في العدد 1430

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 12-ديسمبر-2000

قفزات الأقزام حول الضحية

تنادوا وقد آدماهم صبية الحي أن يالثارات يهود..! فإذا بكومة من الأقزام تتراكض خارجة من جحور متفرقة منقادة بغريزة حيوانية دنيئة نحو وحش كاسر ترك بقايا فريسته متعففًا وراح يمشي الخيلاء معجبًا بين جموع أدماها القهر والظلم متحلقة حول مشهد مسرحي صاخب تتابع أحداثه المبكية وهي تتكرر كل يوم في مشهد واحد وزمن واحد.

وتأبى الأقزام إلا أن تغشى ساحة الحدث وتنشب أظفارها في لحم الضحية المتورد لتنهش منه وتقضي على بقيته والجموع على تحلقها بائسة لا تحرك ساكنًا.

رويدكم أيها الأقزام الأشرار فإن في الجموع بقايا من عزائم الإيمان ستجعلكم تندمون على فعلتكم وتتمنون لو أنكم لم تخلقوا ولكن هيهات... ولات ساعة مندم.

 لقد دفعكم خوفكم من الجموع الهادرة إلى التسابق نحو الجحور الثعبانية في أول الأمر حتى إذا توسط الساحة وحش كريه فضرب يمينًا ويسارًا وأثار غبارًا اختلطت به ذرات من دم قان وشمت وجوه الجموع المحتشدة إذا بالغبار ينقشع عن جسد ساخن يصارع الموت بين أنياب حديدية رهيبة تقطع لحمه وتهرس عظامه حتى إذا طعمت لحمة وارتوت من دمه ابتعدت بخيلاء لتقف غير بعيد عن ضحيتها ولتدع الأقزام يأمنون فيخرجون ويسارعون إلى نهش التركة غير عابئين بالجموع التي تسمرت في مكانها وهي تنظر بعين دامعة إلى ذلك الجسد الممزق والمدد أمامها والغيظ يأكل قلوبها من مشهد أولئك الأقزام الجبناء الذين استغلوا حماية القوي ليطبقوا على البقية الباقية من الجثة.

 إيه دنيا العجائب والمفاجات..كم عرضت علينا من مشاهد لمآسٍ تنفطر لها القلوب القاسية، وكم ألقيت علينا دروس وعبر، ولكن أين ذلك من تلك المشاهد الهزلية الساخرة التي أحالت ضحكاتنا بكاءً مرًا سكبت فيه عيوننا دمًا، وملأت حشرجة صدورنا الفضاء، إنها مشاهد قفزات الأقزام حول الضحية وأصواتهم النشاز تملأ السكون المرعب.

أولئك الأقزام الذين تجمعوا بعد تشرنم، وأعادوا رص صفوفهم، وتكوموا فوق بعضهم حتى لكأنهم من غبائهم يحسبون أنهم يبدون كمارد مخيف لكنه مارد من صراصير هشة ستذروها الرياح.

أولئك الأقزام قد ربطت ألسنتهم سيول الجموع الهادرة التي اقتحمت قلاعهم وحطمت متاريسهم وكسرت سيوفهم قبل أن يحميهم الوحش المجنزر.

أولئك الأقزام الذين عادوا إلى سيرتهم النتنة التي كانوا عليها والتي يظنون أنها ستفعل فعلها لأن الطبائع لم تتغير، والناس هم الناس لم يتبدلوا لم يفطنوا إلى أن الطبع غلب التطبع... هذا التطبع الذي يطلقون عليه التطبيع هو الجلد الصناعي الذي أفنوا عمرهم في تصنيفه حتى إذا جهزوه وألبسوه بعض المعجبين إذا بجلودهم الأصلية لم تطقه فمزقته ورمته في مزبلة الاستسلام.

أولئك الأقزام الذين بروا أقلامهم بمبراة الطغاة واستوردوا أسود حبرهم من خيالات أهل العجل والصليب ما زالوا يلوثون عقول أبنائنا بنجاسات من كتاباتهم الممتلئة بالكذب والأضاليل يمليها عليهم شيطانهم الكبير الذي يزعم أنه الأوحد على هذه الأرض وقد خسئ.

أولئك الأقزام الذين يقتاتون عفن الأفكار المنحرفة ويخربشون كلماتها على صحائف أهداها لهم الكذابون من يهود... ألم يعلموا أنهم ملأوا رؤوسهم بصديد جهنم فخابوا وهزموا...؟! أولئك الأقزام الذين فرحوا بفتات أسيادهم، وظنوا أنهم عزوا بحمايتهم ألم يعلموا أن الناس قد هتكت أستارهم وفضحت عوراتهم فلم يبق لهم معين ولم يعد يفدهم قطيع المنافقين الجبناء الذين تخلوا عنهم في ساعة الضيق؟!

 أولئك الأقزام عادوا كما تعود الجراثيم لينشروا الوباء مرة أخرى، وفاتهم أن الناس قد أخذوا جرعات كافية من لقاحات العبودية الحقة لرب العباد ودفقات منعشة من خليط إيماني شافٍ، ودفعات جهادية قوية لنفوس طال رقادها فلم تؤثر فيهم سموم هذه الجراثيم كما كانت تفعل يوم انعدمت هذه اللقاحات واختفت هذه الدفقات ووقفت تلك الاندفاعات فارتدت هذه الجراثيم على زراعها وبالًا وفتكًا مسرعة في فنائهم. 

هنيئًا لكم أيها الأقزام على هذه النهاية المحتومة ولتكن درسًا قاسيًا لكبيركم وشيطانكم كي يعرف حقيقته فلا يتمادى ويعرف حدوده فلا يتجاوزها                                                                                        

 صفوان ناجي الطنطاوي
 

قصة قصيرة

وجه آخر مختلف

أسامة أحمد البدر

أعترف أنني لم أعرفه.. رغم أنه حدثني كثيرًا عن أبيه الذي نزح من «الجنين» عام (٤٨) إلا أنني لم أعرفه.. وحدثني عن مولده في مخيم «عين الحلوة» بعد «النكسة» بأيام.. وعن أخيه الذي هاجر ليدرس فاعتقلوه بالإرهاب.. وعن أخته التي عادت من «تل الزعتر» بلا ساقين وعن بني عمومته الذين فقدوا في «صبرا وشاتيلا»... وعن بيتهم الذي ضاع تحت جنازير الدبابات في اجتياح (۸۲) وعن خطيبته التي تعاهدا يومًا على الزواج لولا أن غيبها القصف في «قانا»... وعن زوج أخته الذي انتهى به الإنهاك فصار أشبه برجل طاولة قعد عليها المتفاوضون طويلًا.. ولكن دون جدوى!!...

وأعترف أنني -ورغم كل هذا- لم أعرفه، توقعت له أسماء كثيرة مما أعهدها.. لكنه تبدى في هذه المرة بملامح جديدة -صلدة وثابتة- فخرب على حدسي وتركني في حيرة أتساءل:

ألست حزينًا من كل ما مر بك من الأهوال؟! فهز كتفيه في حركة أدركت فيما بعد أنها ليست لا مبالية على الإطلاق وقال: «أبدًا.. الحزن للنساء.. ولنساء الجبناء فحسب، أما نحن فلدينا يقين أن الأمور لا تسير إلا هكذا..» ثم ردد عليَّ آية كريمة لقنها له جده من زمن ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (سورة آل عمران: 104) وقال بعد هذا عمرك سمعت أن الحق يستعاد دون دماء.. أو أن الطاغية يرد المظالم بمجرد الكلام.. ثم يردف وهو يبتسم في يقين عمره ما كان النضال نزهة حتى تذهلنا -بعد- كثرة الإصابات! الحزن لم يعد من مفرداتنا والموت عادة شبه يومية... وتشييع الموتى من الطقوس الهينة التي ننجزها على عجل التفرغ إلى ما هو أهم!.. ثم يتابع حديثه وهو يمسح عن مرفقيه وجعًا تبدى في وجهه من أثر استناده على الطاولة التي كانت بيننا: الأهم لدينا هو تحقيق شرف الانتماء!

قافلة «صلاح الدين» لا يلتحق بها كل أحد ولا ينال شرف رفقتها إلا من اصطفاه مولاه، ثم إن شرف حماية الأقصى نعمة تستحق شكر المولى ولا نجد ما يقابلها إلا التضحية بكل ما نملك..

لم يكن يبكي هذه المرة.. ولم يكن يتشكي.. لا من الظلمة أو الذين باعوا أو خانوا أو طبعوا.. لذلك تغيرت على قسماته وكدت أعترف بعجزي في معرفته.. ولكن السؤال المتمرد ظل يلح على خاطري ويدفعني لمزيد من الإبحار «بمن تحتمون إذن؟!» فقال بإصرار وثبات «بنا.. بصدورنا ... بيقيننا أن النصر من الله وحده -فانطلقنا الحجارة وهذه الأكف التي تشاهد- بعدما خلعنا كل ريقة كانت تستجرنا من قبل بشعاراتها... وتحصنا بالحد الفاصل الذي نصبناه ليهود... إما دولتنا وأقصانا أو... الإبادة.. إن أرادوها عاصمة لدولتهم المزعومة فليأخذوها جرداء خاوية.. وأما قبل ذلك فلا.. وعليهم -الآن- أن يقرروا.. فلقد قررنا!

لم أستطع -أعترف- معرفته.. حسبته جاء يطلب مددًا.. أو يسأل لقومه قوتًا من قومي أو وساطتهم عند من يسامرونهم كل صيف.. لكنه لم يكن يبكي كما أنه لم يكن يصرخ كان يتكلم بعينيه البراقتين بتحد عجيب وجديد حاولت أن أفهمه كم نحبهم ونتعاطف معهم وندعو لهم كي يستردوا بلادهم، وكان يبتسم لي في وده القديم ويحاول أن يفهمني كم أنني قديم.. لا أتابع ما يدور ولا أدرك ما فعل بهم «القسام» وسيرة «البنا».. ولعلي أكثرت عليه بأسئلتي لأنه ختم حديثه على عجل وقال: «إذا بقيتم ترهبون «العلم الأزرق» وتحسبونه مصدر نعمتكم.. فاسمح لي أن أودعك..»

حاولت أن أمسك به.. أن ألحق بخطوته.. لكنه تناول حجرًا مغتصبًا ومدببًا ومضى يركض نحو اتجاه يبدو أنه يعرفه جيدًا وتدرب عليه أعوامًا طويلة.. حتى غاب عني أو كاد.. بينما وافاني صوته المتهدج العميق يقول: «اسمع يا أخي في الله.. تدربوا على رمي الحجارة نصيحة، نصيحة من أخ لن تعرفه الآن.. وإذا بقي لون الدم يفزع نساءكم فابقوا إلى جوارهن ولا تترقبوا أن يمر بكم عند عودته صلاح الدين»!..

إلى.. درة الأقصى

شعر: د. أحمد السيد

ولدي الحبيب...

يا درة الوطن السليب

 يا تاج عرس

توَّج الأقصى المهيب

 قل للمشارق والمغارب 

للشمال والجنوب 

يا من تَنادَوا بالسلام

وعودة الحق السليب!!

 أي السلام بشرعكم 

غير المذابح واللهيب؟! 

وأي حق عندكم

 إلا لمغتصب غريب؟! 

سرق المنازل والمآذن

 والحدائق والدروب

 بَقَر المراضع والرضيع

 وصوتكم صمت مريب

هو غرسكم وبدعمكم

صار المعربد والرعيب

           ****

قل يا محمد... يا حبيب

للنائمين من الشعوب

 قوموا.. أفيقوا 

لا سلام ولا كلام

مع الكذوب

فالموت يحمله عدوكم

بداركم قريب

نصب المشانق والمحارق

والمجازر والخطوب

وأعد قائمة بأسماء 

الأجنَّة

في البطون

ألا تجيب؟! ألا تجيب؟!

        ****

قل للأشاوس ينعمون

بكل خيرات تطيب

 لمن تترست الكتائب؟

 لمن سلاحكم الرهيب؟

 إن لم يكن للذود عني

 أو عن الأقصى الحبيب 

لا الشجب يغني لا اللجان 

ولا الخطابة والنحيب

فالجُبن غشاكم

 ونال سلاحكم

ودمي صبيب

بل تلك أيديكم

تصافح قاتلي

 عند الغروب

    ****

قل للطغاة المجرمين

«بني القرود»

أرضي المقدسة الخصيب في كل فجر تنبت

الأسد المسومة الجيوب

ودمي الطهور قد ارتوى

بدماء يحيانا الحبيب 

سيفور طوفانًا يدمر

جمعكم الخبيث

ولا مجيب

سيحيل أحلام القرود 

غدًا

إلى نُوب تنوب

  *****

قل للأسارى خلف

 قضبان الحياة...

هنا الحياة.. هنا

الرحيب

مَنْ في حياتكم

 القصيرة

غير محزون ثليب؟ 

قل يا محمد «ليت قومي يعلمون»

ما للشهيد من النصيب

 جنات عدن والجداول

والطيور الخضر

 والشجر الحلوب

في ذكرى الأديب الإسلامي: علي أحمد باكثير

يتميز «باكثير» بسبق الريادة والخصب والتنوع الأدبي

  • جمع «باكثير» بين الموهبة والالتزام العقائدي فكان أحدا فرسان الأدب.

  • بعد هزيمة ٦٧ راح نزار قباني يشتم الأمة ويسفه تاريخها ولغتها كتعبير عن اليأس الذي أصابه جراء الهزيمة المهينة.. بينما انتصب باكثير يؤدي دوره التنويري، يستحث الهمم ويرسم للأمة طريق النهوض.

اشتهر الأديب الإسلامي الكبير علي أحمد باكثير بأنه صاحب استشرافات مستقبلية تضمنتها مسرحياته ورواياته العديدة التي جاءت الأحداث التالية لتؤكدها وتكشف شفافية هذا الأديب الفذ.. وابتداءً من منتصف الأربعينيات كانت مسرحياته التي خصصها لمعالجة القضية الفلسطينية -تنبأ في مسرحيته «شيلوك الجديد» بظهور الكيان الصهيوني- تكشف عن رؤية عميقة لأصل المشكلة، بوأت لباكثير مكانة متميزة في أداء دور «زرقاء اليمامة» المنذر بالخطر.. وفي مسرحية «شعب الله المختار»، تنبأ بعملية الصلح... وفي «إمبراطورية في المزاد»، تنبأ بانهيار الإمبراطورية البريطانية قبل حدوثه بسنوات.. وفي «الزعيم الأوحد» و«الثائر الأحمر»، جاءت النهاية الواقعية لنظام عبد الكريم قاسم في العراق وللنظام الشيوعي في العالم مطابقة لما كتبه. 

هذا هو باكثير الذي مرَّت في ۱۰ نوفمبر الماضي ذكرى وفاته الحادية والثلاثين.. وهو الذي تنبأ «إني على يقين أن كتبي وأعمالي ستظهر في يوم من الأيام وتأخذ مكانها اللائق بين الناس... إني أرى جيلًا مسلمًا قادمًا يستلم أعمالي ويرحب بها» وها هي الأيام تؤكد صحة رؤية باكثير.. فهناك اهتمام متزايد بدراسة أدب باكثير.. وهناك قناعة تكبر أنه يمثل -بحق- أحد الأدباء الإسلاميين القلائل الذين بنوا إنتاجهم الأدبي على أسس ومفاهيم إسلامية واضحة واستلهموا الإسلام عقيدة وحضارة وشريعة طوال حياتهم.. فيما يتميز باكثير عن سائر الأدباء الإسلاميين بسبق الريادة والخصب والتنوع الأدبي الذي لا يكاد أديب إسلامي يجاريه فيه باستثناء -ربما- الأديب الراحل د نجيب الكيلاني.

 وبعد الدراسات القليلة التي تناولت باكثير مثل دراسة د. السومحي عن حياته، ودراسة د. عبد العزيز المقالح عن ريادته للشعر.. برز خلال السنوات الماضية باحثان اهتما بالأديب باكثير وبدراسة آثاره دراسة أكاديمية متعمقة، أولهما د. محمد أبوبكر حميد الذي حقق ديوان أزهار الربى في شعر الصبا، كما جمع أحاديثه الصحفية والتلفازية والإذاعية في كتاب من أحلام حضر موت إلى هموم القاهرة بالإضافة إلى دراسته العليا التي اهتمت بباكثير مسرحيًّا مقارنة ببعض المسرحيات الغربية...

وهناك الباحث الآخر، د. أبوبكر البابكري الذي خصص دراسته العليا الماجستير والدكتوراه لدراسة جوانب من أدب باكثير رحمه الله.

وبالطبع يبدو واضحًا أن انتماء باكثير لليمن كان دافعًا أساسيًّا للاهتمام به، لكن إسلامية الرجل ووضوح الفكرة الإسلامية في أدبه كانت دافعًا إضافيًّا عند الباحثين الآخرين وتمكنا من خلال دراستيهما من إزاحة النسيان عن جوانب مهمة في حياة باكثير واتجاهه الاسلامي المبكر منذ حياته الأولى في حضرموت ثم انتقاله إلى عدن حتى وصل إلى مصر واستقر فيها، وبرز نجمه في ذروة العمل الإسلامي المعاصر أيام الإمام الشهيد حسن البنا.. وهي فترة الازدهار بالنسبة لأدب باكثير التي امتدت منذ منتصف الأربعينيات حتى منتصف الخمسينيات قبل أن يفرض اليساريون المصريون -وخاصة الماركسيون- حصارًا على باكثير حتى وفاته بعد سيطرتهم على منابر الثقافة والصحافة والمسرح في مصر، وأطلقوا عليه لقب «علي إسلامستان، والشيخ علي وإسلاماه»، ومع ذلك فلم يستسلم باكثير واستمر يكتب رغمًا عن الحصار.. وخلد فضائح الحقد الشعوبي الماركسي في مسرحيته الشهيرة «حبل الغسيل» التي كانت رائدة في التصدي لتيار الانفلات من اللغة العربية ومحاربة الأصالة الإسلامية والعربية في الأدب والشعر... وبسببها شن الماركسيون حربًا إعلامية شعواء على المسرحية وتهجموا على شخصه فسقط مريضًا بأزمة قلبية لم تمهله سوى سنوات ثلاث قبل أن يلقى ربه وهو يقول: «لأن أكون راعي غنم حضرموت خير لي من هذا الصمت المميت القاهرة».

مرحلة التألق

ارتبطت مرحلة التألق والازدهار في المسيرة الأدبية للأستاذ باكثير بسنوات الازدهار للحركة الإسلامية في مصر.. فقد كان واضحًا أن الخلفية الإسلامية له قد جعلت من الطبيعي أن يكون باكثير الأقرب لحركة الإخوان المسلمين.

كان باكثير -الذي ولد في سوربايا- الإندونيسية لأبوين يمنيين قد عاد إلى حضرموت يافعًا لدراسة العلوم الشرعية والعربية.. ونهل من المعين الصافي للتراث الأدبي العربي والعلوم الإسلامية، وظهرت في حياته اتجاهات إسلامية أصيلة تدعو للتمسك بالقرآن والسنة الصحيحة ونبذ البدع والخرافات التي كانت تخيم بقوة على المجتمع الحضرمي في سنوات العشرينيات، وهو الاتجاه الذي عبر عنه في أولى أعماله «همام أو في بلاد الأحقاف» التي عكست الأوضاع الفكرية والاجتماعية السيئة المخالفة للإسلام.. وفيها لخص فكرته وموقفه قائلًا:

أنا لا أعرف إلا دعــوة                           لجمال الدين شقت غلفا

تندب الناس إلى دين الهدى                 مثلما كان بعهد المصطفى

وفي عدن -التي قضى فيها عامًا واحدًا- التقى رواد الإصلاح الإسلامي «البيماني وأحمد الأصبخ»... ورحل إلى الصومال البريطاني -حينها- وسيط خير بين مجموعات اليمنيين الذين انقسموا بين دعوة التمسك بالإسلام النقي والسنة الصحيحة وبين دعوة تقوم على شيء من الخرافات القائمة على تعظيم الأنساب والتقليد الأعمى والعصبية المذهبية!

 لكن بداية مرحلة العطاء والنبوغ بدأت مع وصوله إلى مصر عام ١٩٣٤م، ودراسته الأدب الإنجليزي واشتغاله في سلك التعليم، بل إن بداية النبوغ كانت ردًّا على أستاذ إنجليزي كان يزعم أن الإنجليزية وحدها تمتاز بالشعر المرسل دليلًا على عظمتها ومرونتها، وسخر يومها من باكثير الذي انبرى يدافع عن اللغة العربية، فكان الرد الفوري هو إصرار باكثير على موقفه وانكبابة على ترجمة فصول من مسرحية شكسبير الشهيرة روميو وجوليت بالشعر المرسل، وهو ما يزال في السنة الثانية بكلية الآداب سنة ١٩٣٦م ثم تأليفة لمسرحية «إخناتون ونفرتيتي» كذلك بالشعر المرسل سنة ١٩٣٧م. 

ومنذ منتصف الأربعينيات، بدأ باكثير ينشر مسرحياته القصيرة في الصفحة الأخيرة في جريدة «الإخوان المسلمون في كل يوم أحد طوال الفترة (٤٦ - ١٩٤٨م) ... بالإضافة إلى مجلة «الدعوة» و«المسلمون» فيما بعد.. ولا شك أن هذا الأمر يعني بوضوح انحياز باكثير للفكرة الإسلامية والجماعة التي حملت رايتها عاليًا، ولا ريب -أيضًا- أن في هذا دلالة على وجود علاقة متينة بين باكثير، وبين الإمام الشهيد حسن البنا -رحمه الله- وسائر قيادات ورجالات الإخوان.

 وفي الذكرى العشرين لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين أنشد باكثير محببًا: 

عشرون عامًا بالجهاد حوافل                   مرت كبين عشية وضحاها

ما كان أقصرها وأطول باعها                    في الصالحات إذا يقاس مداها

هي دعوة الحق التي انطلقت فلم            تقو المدافع أن تعوق خطاها

لله مرشدها، فلولا صدقه                      لم يغزُ آلاف النفوس هداها

في قلبه وريت فشب ضرامها                   بلسانه حتى استطار سناها

بالأمس نجوى في فؤاد واحد                   واليوم في الدنيا يرن صداها

زعموا السياسة ذنبه يا ويحهم                 ما فضل دین محمد لولاها

دين الحياة، تضيع أخراها على                  أبنائه إن ضيعوا دنیاها

فليمض عنها الهادمون فإنه                     بناء نهضة قومه وفتاها

نموذج للأديب الإسلامي

جمع باكثير بين الموهبة والالتزام العقائدي فكان أحد فرسان الأدب في عصر العمالقة، وظل ينافس الأديب الشهير نجيب محفوظ، ويباريه في الفوز بالجوائز الأدبية، وظل المسرح المصري القومي يفتتح مواسمه -مرات عدة- بمسرحيات باكثير.. ورغم كل ذلك ظل على وفائه للإسلام، وبإمكانات هذا الدين «كنت دائمًا أرى أن الإسلام قوة روحية ومدنية كبرى، وأن الإنسانية الحائرة ستظل دائمًا في حاجة إلى الاهتداء بنوره»... ولذلك عندما كتب رواية «الثائر الأحمر» التي تناولت قصة القرامطة أقحم في السرد طرفًا لم يكن له وجود في التاريخ الحقيقي، وهو دور الحركة الإسلامية التي رفضت مروق القرامطة وإلحادهم ورفضت -كذلك- فجور الحكام وفسقهم وظلمهم للرعية.. وجعل حركة «أبو البقاء» البغدادي، هي التي تنتصر في الأخير وتهزم شيوعية القرامطة بالدعوة إلى الإسلام الصحيح القائم على العدل والمساواة والتكافل الاجتماعي وظل مبشرًا بصلاحية الإسلام لإنقاذ البشرية من أمراضها وأزماتها.. وكان أول أديب في «مصر» يحصل على منحة تفرغ لمدة عامين خصصها كلها لكتابة ملحمة عمر -رضي الله عنه- لأنه كان يؤمن «نحن في نهضتنا الحاضرة أحوج ما نكون إلى الاقتداء بسيرة عمر الزعيم الإسلامي الأمين الذي يحرص على اتباع السنة ويجتهد مع ذلك في ابتداع الوسائل الجديدة في مواكبة التطور في جميع ميادين الحياة».

 ظل وفيًا لرجالات الإسلام رغم كل المحاذير فعندما كان المجاهد العربي محمد علي طاهر مطاردًا من المخابرات البريطانية لم يتردد في مساعدته، فاستأجر له شقة باسم مستعار بضمانته، وظل همزة الوصل بينه وبين أسرته. لكن وفاءه الأكبر كان للشهيد سيد قطب الذي زاره بعد خروجه من السجن مرارًا «رأس البر»، حيث كانا يقضيان ساعات طويلة في الحديث والحوار عند شاطئ البحر، كما يروي ذلك الأستاذ عمر العمودي زوج ربيبة باكثير ناهيكم عن محاولته مرار التوسط لدى القيادة المصرية لإطلاق سراح «سيد قطب» في سنوات اعتقاله الأولى والثانية وكان هو نفسه قد نجا من الاعتقال عام ١٩٥٤م -كما يروي الناقد الشهير د. علي شلش- لأن القيادة المصرية شطبت اسمه من قوائم الاعتقال بحجة أنه «ضيف عربي عندنا» وفي فترة الستينيات عندما كان رجال الحركة الإسلامية في المعتقلات، شارك باكثير في إلقاء المحاضرات في جامع عمرو بن العاص، جنبًا إلى جنب مع الشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ محمد الغزالي والشيخ صلاح أبو إسماعيل.

 مثل باكثير في حياته نموذجًا متفردًا للأديب الإسلامي، فقال عنه يحيى حقي «كنت في الأزمات أطلب صحبته لأنه يعالجني ويردني إلى السكينة والصواب بوسيلة بارعة هي أن يكفكف أولًا من أنانيتي وجموح مطامعي فأستخف بالأزمة، وأعجب كيف كنت الذي كنت».

 وقال عنه د. عبد العزيز المقالح «كان باكثير وإلى آخر لحظة من حياته الحافلة بالجهاد بالكلمة يؤمن بأن أعداء الأمة العربية وأعداء الأمة الإسلامية يعملون على ألا يظهر نظام حكم يقوم على الدين الحقيقي». 

وقال عنه الأستاذ عباس خضر: «لم يكن تحصيل باكثير في الثقافة العربية الإسلامية علمًا فقط، بل كان عقيدة غُرست في أعماقه من الصغر، فامتزجت بمشاعره» أما د. نجيب الكيلاني فقال عنه: «كان يحمل الإسلام في عقله وقلبه عقيدة ومنهاج حياة.. وقد عانى باكثير لأنه كان يؤمن بأصالة الفكر الإسلامي».

 ووصفه د عبده بدوي: «إن رائحة العروبة والإسلام أصبحت واضحة في أعماله إلى حد أن البعض يطلق عليه اسم علي إسلامستان».

 أما علي باكثير فقد كان يعرف أنه يخوض معركته مع التيارات الشعوبية والإلحادية دفاعًا عن العروبة والإسلام، لذلك فقد كان واثقًا من انتصار الفكرة الإسلامية رغم حالة الحصار والمطاردة التي كانت تستهدفه وتستهدف الفكرة ورجالها، وعندما سخروا منه قال: «إنهم يسمونني علي إسلامستان وهذا لقب يشرفني لأنه يؤكد إسلاميتي ويؤكد هويتي التي لم أغيرها ولن أغيرها طوال حياتي وأموت عليها متى شاء الله».

الهزيمة

وعندما حلَّت الهزيمة بالأمة عام ١٩٦٧م وقف في مؤتمر الأدباء العرب في بغداد عام ١٩٦٨م يؤدي دور الأديب المسلم الملتزم الواثق بانتصار الأمة بعيدًا عن اليأس والإحباط والشماتة التي عبَّر بها أدباء كبار عن موقفهم تجاه الأمة.. وربما كانت المقارنة مطلوبة بين نزار قباني، الذي راح بعد الهزيمة يشتم الأمة ويسفه تاريخها وتراثها، وحتى لغتها القومية انعكاسًا لحالة اليأس التي أصابته جراء الهزيمة المهينة. بينما انتصب باكثير يؤدي دوره التنويري المعروف عنه منذ أربعين عامًا ينذر ويستحث الهمم، ويرسم للأمة طريق النهوض، فيقول في قصيدته الشهيرة «نكون أو لا نكون».

غدًا بني قومي... وما أدنى غدًا

إمَّا نكون أبدًا

إما نكون أمة من أعظم الأمم 

ترهبنا الدنيا وترجونا القيم 

ولا يقال للذي نريد: لا 

ولا يقال للذي نأبى: نعم

 تدفعنا الهمم

لقمم بعد قمم

أو يا بني قومي نصير قصة من العدم

 تحكي كما تحكي أساطير إرم 

غدًا وما أدنى غدًا.. لو تعلمون

 إما نكون أبدًا أو لا نكون. 

يتبع ....

استمد هذا المقال معلوماته من دراسات أدبية متعددة للباحثين د. محمد أبوبكر حميد ود أبوبكر البابكري.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل