; نظرية الأدب في التصور الإسلامي (1) بين موضوعية الأديب وذاتيته | مجلة المجتمع

العنوان نظرية الأدب في التصور الإسلامي (1) بين موضوعية الأديب وذاتيته

الكاتب حسين علاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-2001

مشاهدات 56

نشر في العدد 1435

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 23-يناير-2001

منذ القدم اكتسب الأدب قيمته، وصار محط دراسات وقراءات وتعريفات متعددة.. لكن من الصعوبة بمكان إيجاد تعريف نظري وعلمي للأدب، لأن مضمون كلمة «أدب» يقوم على تعريف ضمني ومتحرك دومًا.

وقد أختلف المؤرخون والكتاب في تحديد دور الأدب، فقيل هو: إظهار مواضع القوة والجمال من الحياة وعرضها عرضًا جميلًا مؤثرًا مثيرًا للعواطف والوجدان وباعثًا للانفعال.

وقيل إنه من الأعمال العقلية التي لا يمكن أن تصدر إلا من هذا المخلوق العاقل الذي يسمى الإنسان.. وهو يحاول إثارة الشعور الإنساني عند إيراد ظاهرة من ظواهر الكون والحياة. 

وقد تختلف التعاريف ويختلف النهج الأدبي وطرق التعبير ويكون هناك تغاير في  الفكري لكنها كلها تصب في ملتقى واحد، وهو التعبير الوجداني عن النوازع الفكرية بأساليب متعددة.. والأدب في عمومه يهدف إلى تثبيت القيم وتأصيلها في النفوس، أو هو المفترض في رسالة الأدب لأنه ارتقاء فكري من طبيعته السمو بالإنسان.. ولذلك عندما تنحرف رسالة الأديب تتحول إلى هدم للقيم وتدمير للمثل.

والأدب يختلف في نهجه وطرقه وأساليبه من فرد إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى مجتمع مغاير، بل قد يختلف في  غاياته ومنطلقاته إلا أنه وفي كل صيغه وألوانه.. يخاطب الوجدان ويستثير المشاعر بما يحشده من صور وما يقدمه من تصورات وما يرصده من تجسيم للأفكار وتجسيد للأحداث، وما يؤدي إليه من رؤية شاملة للحياة والأحياء من منظور أدبي، حيث تمتزج فيه الأحاديث، وتلتقي من خلاله الأفكار، فتنطلق الأمنيات مما يدنيها من الحقيقة أحيانًا، ويرتقي الخيال إلى ما يشبه الواقع، وقد يجنح الأسلوب الأدبي إلى الإغراق في الخيال، أو يلتزم بتصوير الواقع، لكن تظل له الشفافية الفاعلة والتأثير الآخذ، وتطوير المفاهيم، وترقية الذوق العام، والارتفاع بمستوى المدارك الإنسانية على وجه العموم.

الأدب والإنسان

في عمق التاريخ، ومنذ أن وجد الإنسان البدائي نفسه في مواجهة الطبيعة، ومظاهرها الجميلة والمخيفة، ومنذ أن واجه الموت في الخطر الداهم وأحس بيد خفية تمتد إليه بالنجاة.. ومنذ أن عجز عن تفسير قضايا كثيرة تمر به بين الحين والآخر.. منذ ذلك الوقت بدأ إحساسه بالقدر وبدأ تعبيره عن هذا الإحساس في طقوسه الدينية وابتهالاته.. وعندما عثر على صورة التعبير الفني، في أناشيد وقصص أولية عبر– فيما عبر عنه - عن إحساسه القوي بالقدر.

وتكشف لنا دراسات الآثار والنقوش البدائية في الكهوف أن القدر حقيقة رهيبة في حس الإنسان القديم يخافها ويتقيها غالبًا.

وفي فترات غيبة الأديان السماوية عن المجتمعات البشرية بسبب بُعد هذه المجتمعات عن الأديان، كان الإنسان يضع البدائل المختلفة لمفهوم القدر، ويقترح له الأوصاف ويحيطه بقدر كبير من تصوراته البدائية المختلفة.

وكان الأدب يبرز هذه الصورة في أطره الفنية المتنوعة، ويجعلها في حالات كثيرة مضمونه المهم (1).

فإذا كان الأدب قد تطور عبر التاريخ في وسائل تعبيره الأكثر بدائية.. كالرقص والغناء والبلاغة والكتابة والمرح.. وإذا كانت وظيفته قد تفرعت وتعددت وتضمنت مشروحات للغة والشعر، وسير الرجال والأحداث، ونوادر الأحكام والحكايات، فإن وظيفته الأساسية التي ظلت ملازمة له في مساره التاريخي تكمن في علاقته الحميمة بالإنسان.

ومهما اختلفت وتعددت وسائله ومذاهبه وموضوعاته، فإن الأديب يبحث عن الإنسان في علاقته بالوجود والحياة، وفي تفاعله مع ذاته ومع الآخرين، وفي ذوبانه الكلي بالواقع في تذوقه للغة والفن وانفعاله بهما في الولوج إلى أعماق شخصيته وأحاسيسه. 

وقد اتسعت مكانة الإنسان في الأدب، وباتت مهيمنة عليه في اللحظة التي تراجعت فيها مكانته وسط تطورات العلم والتقنية، بحيث بدأ الإنسان يتلمس خضوعه القدري للعلم وإفرازاته، ويزداد إحساسه بقيمته الهامشية وتحوله إلى سلعة وعدد ووسيلة للعمل، بدلًا من أن يكون غاية العلم الأولى والأخيرة، كما أن شعوره كإنسان يمتلك إرادة وحرية ويتمتع بعالم داخلي خاص شهد تراجعًا ملحوظًا أمام ضغوط المقولات والبنى الكلية والقوانين التي دأب العقل العلمي والفلسفي على فرضها عليه منذ بدايات عصر النهضة في الغرب على وجه الخصوص، إضافة إلى الضغوط المتعددة التي وضعته في حال خضوع وتبعية للدولة أو الأيديولوجية.

ووسط هذه التحولات كان الإنسان يزداد قلقًا، ويتعاظم قلقه، ويعمق مع ازدياد الأزمة الحضارية العامة، حيث يكتشف حقيقة كونه  مشاهدًا لما يجري حوله لا مشاركًا فيه، ضحية له وفريسة يبحث عن وجوده الذاتي وهويته.

«وكان على الأدب مهمة التعبير عن هذه المعاناة وإعادة الاعتبار لقيمة الإنسان التي ضاعت وسط المسار المأساوي للعلم والحضارة الحديثة، وما تطور الاتجاهات الرومانسية والواقعية والإنسانية في الأدب الغربي الحديث إلا انعكاسًا لردة فعل الأدب تجاه هذا المسار المؤلم». (2)

الأديب.. إنسان

وليس الأديب مجرد إنسان يملك مشاعر وأحاسيس، ويعاني من المشكلات والصعاب والآلام المنتشرة في المجتمع الإنساني، وإنما هو أيضًا، وقبل أي شيء آخر، يبحث عن تجاوز لهذه المعاناة وعن حلول للمشكلات حتى وهو في أكثر لحظاته انفعالًا وتصويرًا وإبداعًا.

«فالأديب إنسان يعيش ضمن مجموعة من البشر يتبادل معهم التأثر ويشاركهم الهموم والتطلعات.. فهو لا يعيش في فراغ زماني ومكاني، ولكنه يعيش ضمن مجتمع حي متحرك يهدف إلى التطور والرقي نحو الأفضل، كما يهدف إلى معالجة قضاياه الاجتماعية التي تقف عائقًا في طريق هذا التحرك المستمر والمتجدد، فهو يتأثر بكل احترازات الذبذبة الإنسانية سلبًا وإيجابًا، ويتأثر بكل ألوان الطيف الحياتي التي تنسكب في وعاء وجوده كإنسان يمثل طبيعة الوجود، وممثل لها، وهو كإنسان تاريخي يجب أن يرسم الطريق للأجيال الحاضرة والقادمة عبر أدبه الإنساني الثري...». (3)

فالأدب الحق هو الذي يتأمل الكون وعالم الإنسان.. وهو الذي يستمد قوته من الحياء والجمال معًا، ويحرص على أن يكون لنظم المجتمعات غاية تعكس ما في نفوس البشر من  هموم وآمال وشعور بالأمن والطمأنينة.

وبينما يكون الأدب تعبيرًا  عن الكون والوجود  الإنساني بكل تفاصيله، فإنه وفي الوقت نفسه عمل إنساني، ورسالة من إنسان إلى إنسان آخر، فالأديب هو بالدرجة الأولى إنسان يستحضر في ذاته جميع الناس، والقارئ أو المتلقي هو أيضًا إنسان يكتشف في الأثر الأدبي مكانته، وقيمته كإنسان وقيمة أقرانه من البشر في نسيج لغوي خاص.

وبالتالي تظهر وظيفة الأدب الإنسانية ونوعيته وجماليته في عملية توليف متكاملة يتحد فيها الأديب مع المتلقي، ويجتمعان معًا في تجربة وإحساس وانفعال أمام مشكلات الحياة والوجود والمصير والمستقبل.

الأسلوب القرآني جاء معبرًا عن هذا التوازن الفكري والفني معًا، فلم يطغ فيه عنصر على آخر، بل هناك توازن واعتدال في الظلال والأضواء والألوان والمدارك والمشاعر والأخيلة.

ولم يكن الإسلام لينظر إلى الفنان نظرة تخرجه من طابعه البشري، ولكن يتيح له حرية التعبير عن هذه الحساسية بمقاييس يربيه عليها حتى تصبح جزءًا من ذاته وكيانه، ويصبح التعبير عنها تعبيرًا ذاتيًا لا يتناقض مع موضوعيته الإنسانية المحددة.

وبهذا يكون الأديب الإسلامي موضوعيًا ذاتيًا في آن واحد، لا يغالي في موضوعيته إلى حد التصوير الواقعي الصرف، ولا يستغرق في ذاتيته إلى حد الخروج على مصاديق الواقع بحجة صدقه مع ذاته وانسجامه مع تجربته.

إن الإنسان في الأدب الإسلامي قوي متوازن منسجم مع الذات والكون، بخلاف ما هو عليه في الآداب الأخرى من الضعف والانحراف والتمزق والضياع، والإسلام لا يحد من التجربة الأدبية على اتساعها، ولا يحصرها في دائرة معينة وإنما يمنحها الاتساع والشمول بقدر ما له من اتساع في تغطية أبعاد التجربة البشرية.

وهذا لا يعني عدم التعاطي مع عوامل الضعف والخطأ في التجربة البشرية، وبما في طبيعة النفس الإنسانية من نزوع إلى السمو، لهذه يتم تصويرها واقعيًا بوصفها أخطاء ولحظات ضعف تعتري الإنسان، ولكن ما تلبث أن يتغلب عليها، أو أن تؤدي به إلى مصيره المهلك بسبب عدم مواجهته لها.

الهوامش

  1. انظر دراسة الدكتور عبد الباسط – أزمة تصور في الأدب – مجلة الوعي الإسلامي – العدد 223، ص 97 – 98.

  2. د. علي الشامي – الفلسفة والإنسان – دار الإنسان – ص 278.

  3. مفيد قميحة – الاتجاه الإنساني في الشعر العربي المعاصر – دار الآفاق الجديدة – بيروت – ص 119.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

121

الثلاثاء 12-مايو-1970

دعوة الحق: اللَّه أكبر (شعر)

نشر في العدد 11

120

الثلاثاء 26-مايو-1970

في رثاء الشهيد باعبّاد