العنوان المجتمع الثقافي (1518)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 14-سبتمبر-2002
مشاهدات 55
نشر في العدد 1518
نشر في الصفحة 50
السبت 14-سبتمبر-2002
لغويات سياسية
«لقد دخلت السياسة اليوم في كل شيء حتى اللغة.. واللغة داخلة منذ القدم في كل شيء.. حتى السياسة»
استبد.. وأخواتها
عبد الله عيسى السلامة
بعد أن أنهى المدرس شرح بيتين من الشعر، للشاعر المعروف عمر بن أبي ربيعة، وهما:
ليت هنداً أنجزتنا ما تعد *** وشفت أنفسنا مما تجد
واستبدت مرة واحدة *** إنما العاجز من لا يستبد
سأله أحد الطلاب مستغربًا:
أستاذ.. هل انتقل الاستبداد من السياسة إلى الحب؟
وسأل طالب آخر:
هل الاستبداد «فيروس» ينتقل بالعدوى؟
ابتسم الأستاذ وقال: ليس الأمر أمر عدوى، بل هو أمر استعداد.
قال طالب: أستاذ.. ما المقصود بالاستعداد؟
قال الأستاذ: أن يكون من يقع عليه الاستبداد مستعدًا، أو مهيأ لقبوله والخضوع له، فما كل النفوس تقبل الخضوع للاستبداد.
قال طالب: حتى الاستبداد في الحب، لا تقبله بعض النفوس؟!
قال الأستاذ: أجل.. حتى الاستبداد في الحب، فالاستبداد هو الاستبداد، وإن تغيرت مظاهره وأسبابه، والخضوع هو الخضوع.. وإن تنوعت أشكاله وكيفياته.
قال طالب: أستاذ .. أنت تحدثت عن المجني عليه، ولم تتحدث عن الجاني أعني: وقفت عند الضحية التي يقع عليها الاستبداد، ولم تقف عند الجهة التي تمارس الاستبداد.
قال الأستاذ باسمًا: هذه الجهة لا حاجة للوقوف عندها يا عزيزي، لأنها ليست فئة محدودة من البشر، إنما هي تشمل البشر جميعًا، فالأصل في طبع الإنسان أن يستبد إذا وجد من يقبل استبداده، ويخضع له، وإذا وجد إنسان، أتيح له أن يمارس الاستبداد فلم يفعل، فلا بد من النظر إلى طبيعته نفسها، فإذا وجد أن طبيعته تخلو من نزعة الاستبداد، فلا بد من النظر إلى السبب وتلاحظون أن الشاعر ابن أبي ربيعة حصر السبب في العجز وحده، والمقصود هنا هو سبب الإحجام عن ممارسة الاستبداد، لا سبب خلو النفس من نزعة الاستبداد، أما أن تخلو نفس بشرية من نزعة الاستبداد، فهذه حالة نحسبها نادرة، تكاد تكون مقصورة على الأنبياء، وقلة من عباد الله الذين اقتربوا من الكمال البشري في طباعهم وأخلاقهم،
قال طالب: أستاذ.. أرجو المعذرة، إنك وسعت دائرة الاستبداد كثيرًا، حتى جعلته كأنه فطرة بشرية، مع أن كثيرين من الناس غير الذين ذكرتهم يرفضون ممارسة الاستبداد، بل يأنفون أن يكون طبعًا لديهم أو خلقًا.
قال الأستاذ باسمًا: أ أنت منهم؟
قال الطالب: أجل.
قال الأستاذ: فهل حاورت أحدًا من زملائك في قضية فكرية، أو أدبية.. أو في مسألة اجتماعية أو سياسية..؟
قال الطالب: أجل... كثيرًا.
قال الأستاذ: فهل تحس بالارتياح، حين تجد نفسك مضطرًا للتنازل عن رأيك، والأخذ بآراء الآخرين؟
قال الطالب بثقة واعتداد: ولم أتنازل عن رأيي.. ما دمت على صواب؟
قال الأستاذ: أأنت دائمًا على صواب، في آرائك كلها؟
قال الطالب: أظن ذلك، وحتى لو كان بعض آرائي خطأ، فإن آراء الآخرين أيضًا عرضة للخطأ فلم - أتنازل عن رأي أظنه صوابًا، لأخضع لرأي أظنه خطأ؟
قال الأستاذ: حسن.. فإذا أجمع عدد كبير من زملائك، على أن رأيك خطأ، فماذا يكون موقفك؟
قال الطالب: ما دمت واثقًا من صحة رأيي فليس مهمًا عندي، أن يجمع على خطئه عدد من الطلاب كبيرًا كان أم صغيرًا، فقد يكون هؤلاء المجمعون، جهلة، أو حمقى أو أغبياء، أو مغرضين.
ضحك الأستاذ وقال: حسبك.. حسبك.. ماذا تركت لفرعون، أو نيرون أو هتلر، أو ستالين، أو موسوليني؟
قال الطالب: أستاذ.. أولئك كانوا حكامًا.. وأنا مجرد إنسان صاحب رأي.
قال الأستاذ: الحمد لله على أنك لست حاكمًا، فماذا تفعل بالناس لو استلمت سلطة عليهم؟
إنك ما تزال طالبًا، وتتهم مخالفيك بالحماقة والجهل والغباء والهوى، لمجرد احتمال مخالفتهم لك في الرأي، دون أن يخطر في بالك أن الصواب قد يكون إلى جانبهم وهم أكثرية، وعقولهم لا تقل عن عقلك قوة، وضمائرهم لا تقل عن ضميرك نقاء - بحسب الأصل- فكيف تفعل بهم، لو ملكت مصائرهم ورقابهم؟
قال طالب آخر: أستاذ.. إن هذا الذي يحاورك، أكثر الطلاب تشبثًا برأيه، وإصرارًا عليه، بالرغم من أنه يرى الصواب بشكل يقيني قاطع عند غيره أحيانًا.. ولكنه يظل يعاند ويجادل ويكابر.. بل يصرخ أحيانًا في وجوه مخالفيه محقرًا من شأنهم، مستهزئًا بهم، كما لو كانوا عبيدًا عنده، لا زملاء له.
قال الطالب المجادل بحدة مخاطبًا زميله: اسكت أنت؟ وما مستواك حتى تخوض في هذه الأمور؟
قال الأستاذ باسمًا: حسن يا بني.. يبدو أن مستواك أنت أرفع من مستوى زملائك جميعًا، بل من مستوى أستاذك أيضًا، وإلا لما رفعت صوتك على زميلك أمام مدرسك، في حصة علمية وحوار هادئ.. وقد أثبت بالدليل القاطع، أنك ترفض الاستبداد.. طبعًا وخلقًا وممارسة... ضحك الطلاب من غمزة الأستاذ لزميلهم، الذي لزم الصمت.
ورفع أحد الطلاب يده قائلًا:
أستاذ.. كان الحديث عن الاستبداد في السياسة والحب، فانتقلنا إلى الاستبداد بالرأي، فهل يعد هذا استبدادًا حقًا؟
ابتسم الأستاذ وقال: هذا أسوأ أنواع الاستبداد، وأكثرها شيوعًا.. فما كل الناس عشاقًا يخضعون لاستبداد من يحبون، ولا كل الناس حكامًا يمارسون الاستبداد على محكوميهم... إنما كل الناس يملكون آراء وأفكارًا وقناعات يؤمنون بها ويدافعون عنها.. وعلى هذا، فليس ثمة إنسان واحد، إلا وهو ممارس لاستبداد الرأي - إن استطاع - أو خاضع الاستبداد الآخرين عليه وعلى رأيه.
قال طالب: من أين يستمد المستبد قوته، التي يفرضها على الآخرين فيستبد بهم؟
قال الأستاذ باسمًا: من ضعف الآخرين، ألم تقرأ في التنزيل عن فرعون ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (الزخرف: ٥٤)
قال طالب: أستاذ... ألا تلاحظ الجرس اللغوي لكل كلمة من الكلمات الواردة في سياق الحديث عن الاستبداد؟!
قال الأستاذ باسمًا: هذه لفتة لطيفة منك، وألفت نظرك ونظر زملائك إلى أن الكلمات لم تأت هكذا اعتباطًا، فمن يستبد لا بد له بداية أن يستمد.
أي يستمد قوة تعينه على الاستبداد، وخير قوة له هي ضعف من حوله - ولكي يمارس المستبد استبداده، يجب أن يظهر غيره استعداده لقبول الاستبداد، أما سمعتم بنظرية «القابلية للاستعمار» التي أشار إليها مالك بن نبي.. يرحمه الله؟
قال طالب: سمعنا بهذه النظرية.. أستاذ، بل ربما سمع بها بعضنا أو أكثرنا، لكن ليست هذه هي المسألة، المسألة هي: كيف نستطيع أفرادًا وأممًا، التخلص من الاستبداد؟
قال الأستاذ باسمًا: بسيطة.. أما سمعت الكلمات المتجانسة قبل قليل «استبد.. استمد.. استعد..».
أضف إليها كلمة أخرى، مثل استرد..
قال طالب: وما وظيفة هذه الكلمة في السياق.. أستاذ؟
قال الأستاذ: هذه قطب الرحى في الصراع، فالمرء الذي يفقد إحساسه بذاته، وشخصيته، أمام مستبد معشوق، أو أمام مستبد يفرض رأيه.. عليه أن يسترد هذه الذات، أو هذه الشخصية التي افتقدها في أعماقه، لكي يستطيع مجابهة الاستبداد الذي يمارس عليه، ومن يخضع للاستبداد السياسي ويفقد حريته التي تصبح ألعوبة في يد الحاكم المستبد، عليه أن يستردها بنفسه، لأنها لا تمنح له أبدًا، فلا أحد يتاح له التحكم بحريات الناس فيخنقها ليفعل بهم ما يشاء.. ثم يقول لهم: أنتم أحرار في أن تعارضوني. ولكي يسترد حريته هذه لا بد أن يسترد قبلها إحساسه بذاته وشخصيته، وهنا يقتضي السياق، دخول كلمة جديدة هي «استجد» أي أن تستجد طباع جديدة، أو أخلاق جديدة لدى الشخص الخاضع للاستبداد، لكي يستطيع أن يغير واقع البؤس والاستعباد «أي الاستبداد» الذي يحيط به ويهيمن عليه، وهذا يعيدنا إلى كتاب الله العزيز، لنلتمس شاهدًا للحالة.. فأيكم يذكر أية تفيد هذا المعنى؟
رفع عدد من الطلاب أيديهم. فسأل الأستاذ أحدهم عن الآية، فقال الطالب أستاذ إنها الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١)
قال الأستاذ: أحسنت وأرجو أن تكونوا جميعًا قد فهمتم قاعدة استبد.. وأخواتها...
قضايا قديمة متجددة
الأباطيل في «سكرية» نجيب محفوظ
إيمان البهنساوي
بعدما قرأت ما جاء على لسان «سوسن» إحدى شخصيات الجزء الثالث التي تقول: «ينبغي أن تكون الكتابة وسيلة محددة الهدف..» «السكرية ص ۲۰۹- ۲۱۰»، أيقنت أن الكاتب ممن يؤمنون بأنه يجب أن يكون هناك هدف وراء كل شكل من أشكال الكتابة سواء كان قصة أو مسرحية أو شعرًا أو مقالة.
ومن المؤسف حقًا ألا يجني القارئ هدفًا من وراء تلك الرواية سوى التشكيك في الدين، والقول بأن الدين أسطورة، حيث كتب المؤلف على لسان إحدى الشخصيات قائلًا: «الشيوعية علم، أما الدين فأسطورة» «السكرية ص ١٥٢»، والقول بأن الدين خرافة، حيث جاء في الصفحة ٢٩٦ من السكرية ما يلي: «عرفت بالتجربة، أنه ليس من العسير إقناع المثقفين بأن الدين خرافة، وأن الغيبيات تخدير وتضليل» وكذلك القول بأن الدين قديم ويورث، حيث يقول بالحرف الواحد «الزواج والدفن على سنن ديننا القديم، أما الحياة فعلى دين ماركس» «السكرية ص ۲۷۱»، وكتب أيضًا: «ولكن أعلم أيضًا أن الأمويين قد ورثوا الإسلام وهم لا يؤمنون به، ومع ذلك فهم الذين نشروه في بقاع العالم القديم حتى إسبانيا» «السكرية ص ۲۹۷».
فالإسلام في نظر الكاتب دين قديم، لا يصلح للعصر الحديث والحياة المتجددة والمتغيرة، وإن كتب ذلك على لسان بعض الشخصيات، لأنه لم يذكر ما ينفي هذه الأقوال، فقد قال ما نصه: «بل قل بقاء عقيدة أكثر من ألف سنة آية لا على قوتها، ولكن على خطة بعض بني الإنسان، ذلك ضد معنى الحياة المتجددة، ما يصلح لي وأنا طفل يجب أن أغيره وأنا رجل، طالما كان الإنسان عبدًا للطبيعة والإنسان، وهو يقاوم عبودية الطبيعة بالعلم والاختراع، كما قاوم عبودية الإنسان بالمذاهب التقدمية، ما عدا ذلك، فهو نوع من الفرامل الضاغطة على عجلة الإنسانية الحرة» «السكرية ص ١٣٥»، وليس ذلك فحسب، بل إن المتمسكين بدينهم قد اعتبرهم الكاتب رجعيين، وأن العلم كفيل بطردهم، حيث كتب ما نصه: «ألا ترى أنهم يخاطبون العقول بلغتنا فيقولون اشتراكية الإسلام؟ فحتى الرجعيون لم يجدوا بدأ من استعارة اصطلاحاتنا، وهم لو سبقونا إلى الانقلاب فسوف يحققون بعض مبادئنا ولو تحقيقًا جزئيًا، ولكنهم لن يوقفوا حركة الزمن المتقدمة إلى هدفها المحتوم، ثم إن نشر العلم كفيل بطردهم، كما يطرد النور الخفافيش» «السكرية ص ۲۹۷»، وقد أفصح الكاتب عن مبادئهم هذه بأنها الشيوعية حسبما أوردته من قبل، وقد نسي الكاتب الكبير أن العلم يفضي إلى الإيمان بالله، وأن الدين الإسلامي يدعو إلى العلم، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨) وأنه لا تعارض في الإسلام بين الدين والعلم، وأن ماركس لم يطلع على الدين الإسلامي، وإنما يتكلم عن دين أوروبا التي عاش فيها.
قد يتعلل البعض بالقول إن هذا ليس بالضرورة هو رأي الكاتب، فالكاتب إنما يعبر عن رأي بعض شخصيات الرواية، أجل فإن من حق الكاتب أن يعرض وجهة نظر شخصياته، التي منها المنحرف والسوي والملحد والمتدين، ولكن الممعن في قراءة تلك الرواية يلاحظ أن الكاتب يسهب في عرض وجهة نظر تلك الشخصيات الهدامة، أما الشخصية الإسلامية الملتزمة بتعاليم دينها فنجدها انهزامية في أي حوار يدور بينها وبين الشخصيات الأخرى الملحدة، بل إننا نجد أن تلك الشخصية الإسلامية عاجزة عن الدفاع عن عقيدتها، عاجزة عن دحض تلك الأباطيل والافتراءات على الدين، سلبية ليس لديها القدرة على التعبير عن وجهة نظرها بطريقة واضحة أمام القارئ، وكلنا يعرف أن الذي يتقمص الشخصيات هو الكاتب نجيب محفوظ، فيصبح هذا هو هدفه من الكتابة، فعلى سبيل المثال: في حوار بين أحمد الذي يمثل الشخصية الملحدة، وعبد المنعم الذي يمثل الشخصية الإسلامية الوحيدة في القصة، يجيب عبد المنعم ردًا على أخيه أحمد: «أنتم لا تعرفون دينكم.. هذه هي المأساة» «السكرية ص ١٣٤». ولم يثبت نجيب محفوظ ردًا على لسان هذا المسلم، بينما يسهب في إثبات أقوال الملحد والشيوعي، وإذا قلنا إن الكاتب هنا ما هو إلا مرأة تعكس أفكار ومعتقدات شخصياته، أجيب بأنه يجب على الكاتب في هذه الحالة أن يتمتع بروح الأمانة في عكس تلك الآراء والمعتقدات بأن يعطي الفرص بالتكافؤ بين جميع الشخصيات لتعرض وجهة نظرها بوضوح وتدافع عن مبادئها، وهذا ما لم يفعله بالنسبة للإسلام والمسلمين.
والجدير بالذكر، أن نجيب محفوظ قد سبق أن نشر في العدد ۱۸۹۵ من جريدة «السياسة» الصادرة في الكويت يوم 3/ 9/ 73 أنه لا يتردد في اختيار الماركسية لإيمانه بسلامة التطبيق في ذاته، بغض النظر عن الشك في النظرية أو مآسي التجربة، فإذا كان ما ينشر من تصريحات صحفية يتعلق بكمال إيمانه وعدم طعنه في الأديان، إذا كان ذلك صحيحًا، فالواجب عليه أن يصدر كتابًا يصحح فيه العديد مما ورد في كتبه والتي لا يعلمها الكثيرون، لأن عرضها في مسلسلات قد خلا تمامًا من هذه الأباطيل، حيث حذفت، وأيضًا عليه أن يكتب رأيه في انهيار الشيوعية نظرية وتطبيقًا.
مراد هوفمان في كتابه «خواء الذات والأدمغة المستعمرة»
الحضارة الغربية في ورطة عميقة
إدريس الكنبوري
أهمية كتاب الدكتور مراد هوفمان هذا في كونه صادرًا عن رجل عايش جميع الأيديولوجيات التي أفرزتها الحضارة الغربية المعاصرة، والتي يعرفها بأنها أول حضارة ملحدة في تاريخ البشرية، وفي كونه كذلك متزامنًا مع هبوب رياح العولمة التي أصبحت تبشر بسيادة الغرب ونهاية التاريخ، بما يعنيه كل ذلك من أن الإنسانية حققت النموذج الحضاري المنشود.
لكن هوفمان في كتابه «خواء الذات والأدمغة المستعمرة» يسير عكس التيار، إنه يرى على العكس أن الحضارة الغربية وصلت إلى الباب المسدود، وبالتالي لم يعد أمامها من خيار سوى العودة إلى التدين والاستجابة لنداء الفطرة، أو الاندثار والهبوط إلى القاع.
وعنوان الكتاب عنوان معبر حقًا، فخواء الذات هنا، يشير إلى الغرب الذي يعيش حالة من فقدان الارتباط بأي قيمة والأدمغة المستعمرة هي عقول النخب الثقافية والسياسية في العالم العربي والإسلامي، التي لم تكف يومًا عن استيراد ما أفرزه الغرب على علاته.
لقد أدى انتهاء الاحتلال العسكري الأوروبي لدول آسيا وإفريقيا إلى الاستقلال السياسي لهذه الدول، ولكن التبعية ظلت قائمة، فقد بقيت هذه المستعمرات السابقة مستمرة في «الافتتان» بالحداثة والاشتراكية الغربية «كما لو لم تكن كل منهما قد فقدت مصداقيتها في الغرب في كل من الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية» وهذا ما جعل العقول القائدة في آسيا وإفريقيا - والتعبير لهوفمان - غربية أكثر من العديد من مفكري الغرب، «أقل ما يقال إن هؤلاء المفكرين العلمانيين في العالم الثالث عملوا لاستقلال بلادهم من داخل حدود الحضارة الغربية، وبهذا اكتملت الحلقة النهائية لاستعمار الأمة، بمجرد استقلالها».
لقد عملت القوى الاستعمارية على تحديث التعليم في البلدان التي احتلتها من مسارات غربية، لتربي قادة محليين يرعون مصالحها، لكن «ليس من الصعب رؤية حدوث ذلك، ولكن الأصعب رؤية استعمار الأدمغة يستمر لمدة خمسين عامًا بعد إنهاء الاحتلال العسكري» يعتبر هوفمان أن كثيرًا من المثقفين العرب والمسلمين لا يزالون منذ مائة وخمسين سنة، يتبعون فكرًا يبدو لهم تقدميًا، ولكنه لا يمثل اليوم «سوى هامش سفلي في صفحة تاريخ العلم» ويوجه دعوة صريحة قائلًا: «هنا دعوتي هي: دعونا لا نرفض الحضارة الغربية من الألف إلى الياء. فهناك الكثير الذي يمكن أن نتبناه منها، ولكن أستحلفكم بالله، دعونا نأخذ منها أفضل ما فيها».
من زيف الشيوعية إلى زيف الحداثة
إن نشأة مراد هوفمان في ألمانيا، ثم عمله كدبلوماسي ألماني، فرضا عليه دراسة الشيوعية التي كانت «أمرًا ملموسًا في ألمانيا» الأمر الذي جعله يختزن الكثير من التجربة الشيوعية عمومًا، وفي ألمانيا خصوصًا، «وعلى هذا أستطيع القول: إني أعرف ما أتحدث عنه، وفي الحقيقة لم أندهش من انهيار الاتحاد السوفييتي، فذلك كان أمرًا حتمًا، والسؤال الوحيد بهذا الخصوص كان متى؟
ويفكك هوفمان الأيديولوجية الشيوعية التي بنت فلسفتها على محاربة الدين، باعتبار ذلك ألف باء المادية، من الناحيتين العلمية والفلسفية، فمن حيث العلم، لم يصح اليوم، ولا مثال واحد للجدلية في الطبيعة، ليسقط أساس المادية الجدلية التي ادعت العلمية، ومن الناحية الفلسفية، فإن فرضية الوصول إلى المرحلة الشيوعية تقضي نهائيًا على نظرية الجدلية، لأن الشيوعية في التصور الماركسي تعني انتفاء الصراع ويلخص هوفمان القضية في فقرة واحدة: «لم تكن الشيوعية فكرة طيبة ساء تنفيذها، بل هي فكرة سيئة منذ البداية، ولا يمكن تنفيذها» وهذا ردًا على بعض العلمانيين العرب الذين ما زالوا متشبثين بها، بدعوى أن الذي فشل هو التطبيق، لا النظرية الثابتة.
لكن الشيوعية ليست سوى الوجه الثاني للحضارة الغربية المادية، فالوجه الآخر هو الرأسمالية. هنا يرى هوفمان أن الحضارة الغربية تؤسس مشروعيتها اليوم على العلم والحال أن العلم لا يجيب عن الأسئلة الكبرى للإنسان، ليظل الدين «بعيدًا عن إمكانية الاستغناء عنه» فالعلم يرتكز على الاحتمالية وليس على اليقين الذي يقدمه الدين «ذلك أن الإنسان المعاصر يتملكه الاحتياج العاطفي إلى التفسير، والإجابة عن الأسئلة التالية: لماذا يوجد هناك شيء؟ من أين جاء العالم؟ لماذا نحن هنا؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ فالعلم الغربي في حاجة إلى الحكمة الشرقية، والعودة إلى الروحانيات لكي يقهر «الرؤية الميكانيكية المتشظية للعالم، وهي السمة الغالبة للعلم الغربي» ولن يتأتى ذلك إلا عبر «ثورة ثقافية» باستخدام سلاح العلم والإيمان.
حضارة على الحافة: لقد ظل العلم الغربي طوال القرنين الماضيين، يحاول تقويض الإيمان بالله، من خلال مادية «علمية»، حتى صار الغرب أول حضارة ملحدة في التاريخ، ولم يثمر هذا الميراث العلمي إلا مجتمعًا لا أدريًا، نفعيًا، استهلاكيًا، موغلًا في الفردية، وليبراليًا، بما يعني حضارة تنشد المتعة حتى النخاع، وقد اعتقد الغرب أن الدين يسير نحو التراجع، ولكن الواقع عكس ذلك تمامًا، ولعل هذا ما يفسر صدمة الغرب حين يرى الإسلام في تنام، لأن هذا التنامي يشكل تشكيكًا في عقيدته العلمية بتراجع الدين ودوره في الحضارة المعاصرة.
ویری هوفمان هنا أن ما خسرته الكنائس من جهة الثقة فيها، والحضور، حصلت عليه الطوائف وجماعات الأديان الشبابية، والحلقات السرية، والخرافات لأن «هذه الموجة الجديدة من التدين تجد جذورها في الحنين إلى التوحد العضوي، والبحث عن المعنى الغائبين بشدة في الحياة المعاصرة».
لقد استقر عصر الكم والإدراك الحسي للأشياء، وهما فقط لهما الاعتبار في الحضارة الغربية، على حساب القيم الجوهرية للإنسانية، وأصبح الإنسان مبدأ لنزواته وشهواته التي يرسمها له الإعلام، باعتباره «ضفيرة من المعلوماتية والتسلية «المعلوتسلية». وأصبحت الثورة الجنسية «مثل العجل المصنوع من الذهب» حافزة الإعلام والاقتصاد، فانهارت الأسرة الضحية الأولى لهذه الثورة، وانتشرت المخدرات والخمر بشكل مهول، حتى أصبح الغرب «في ورطة عميقة»...
الإسلام هو الحل
يعقد مراد هوفمان الفصل الأخير من كتابه تحت عنوان «الإسلام: الإجابة والحل» لتبيان مدى حاجة الحضارة الغربية إلى الإسلام حتى تتحرر من قيودها، فالإسلام يتضمن كافة القيم التي يحتاجها الغرب، ويقدم له إمكانية التصالح مع نفسه.
ومع أن هوفمان غير مقتنع بأن واقع العالم الإسلامي اليوم يعبر حقيقة عن نموذج إسلامي صادق في التطبيق والممارسة، فإنه لا يتردد في القول بأن شعار «الإسلام هو الحل» هو شعار موجه إلى الغرب والمسلمين معًا، غير أن أزمة الغرب نابعة من ذاته وحضارته هو، بينما أزمة العالم الإسلامي غير نابعة عن ذاته بالأساس بقدر ما هي نابعة من الغرب، لذلك يختتم هوفمان كتابه المفيد والقيم بالقول: «سوف تتمتع الدول الإسلامية بالحرية الحقيقية عندما يتمكن قادة الفكر لديها فقط من فك رقابهم من الانبهار غير القابل للنقد بكل شيء غربي، وأن يعودوا للاغتراف من المصادر الثرية للثقافة الإسلامية الخاصة بهم. لقد حان الوقت لفعل ذلك»، نعم لقد حان الوقت.
إصدارات مختارة
مجلة «رؤى»
مجلة «رؤى» منبر فكري إسلامي للحوار الحر والمسؤول بين أهل الفكر والثقافة حول قضايا الأمة الحساسة والاستراتيجية نظريًا وميدانيًا.
وهي تتناول في كل عدد إشكالية فكرية محورية من أسئلة الفكر الإسلامي المعاصر والمستقبليات، وتثير قضايا معرفية واجتماعية واقتصادية وسياسية، وفقهية بالتحليل والدراسة بعيدًا عن التسرع في إطلاق الأحكام واتخاذ المواقف، وتحاور في هذه المجالات بجرأة وبحث عن التجديد.. العلماء والمتخصصين والخبراء.
تعرض العدد الجديد «رقم ١٥ يوليو ۲۰۰۲م» من المجلة إلى السؤال التالي: «ماذا نملك من مقومات الحضارة؟ أرادت المجلة من خلال هذا السؤال أن تحيط برؤية منهجية شمولية، بالأبعاد المختلفة لمخزوناتنا التاريخية، وإمكاناتنا النظرية المعاصرة، ونظراتنا الاستراتيجية، وكذلك لعاهاتنا المعقدة التي تعيقنا عن إنتاج القيمة، من أجل الإسهام في مستقبل الحضارة، وتجديد معنى الإنسان المعاصر، واستشراف فكر إسلامي إنساني، يدرك رسالته تجاه الحداثة ومآلاتها.
تناول الإشكالية بالدراسة والتحليل مجموعة من المفكرين والباحثين في قضايا الفكر الإسلامي منهم أحمد عبد الله عبد الرزاق قسوم، علاء طاهر، منير شفيق، راشد الغنوشي، حسام شاكر، محمد المستيري، مولود عويمر، محمد الغمقي، سهام بادي موزة غباش وشيماء الصراف.
بالإضافة إلى الملف، احتوى العدد على دراسات قيمة تحت العناوين التالية:
«نقد نظرية السلام الديموقراطي»، لأحمد سالم من جامعة إلينوي بأمريكا، و«الغرب في أدبيات الفكر العربي الإسلامي» للباحثة صباح البغدادي، و«علم الفيزياء ينقض نظرية التطور» لأورخان محمد علي.
أما العدد القادم «السادس عشر» فسيتعرض للسؤال التالي: «القرن ۲۱: قرن الحوار أم الصراع الحضاري؟ وهو يود من خلال هذا السؤال، أن يثير النقاش بين المساهمين حول مدى حقيقة أو وهم مقولتي الحوار والصراع الحضاري اللتين تتصارعان في عالمنا المعاصر، هل البشرية اليوم أقدر على إنتاج قيم السلام والتعايش والاعتراف بالهوية الحضارية، أم أنها تسير نحو حتمية الصراع بين القيم المختلفة، والنماذج الحضارية المتباينة؟ وكيف يمكن أن نسهم بنموذج حضاري إسلامي من أجل بناء مستقبل حواري بين الشعوب يحجم من نزعات الهيمنة والتحكم في مصير البشرية، التي تستحكم عالم الحداثة والعولمة الغربية اليوم؟
ويحتضن عمل مجلة «رؤى» مركز الدراسات الحضارية بباريس الذي تأسس في شهر رمضان ١٤١٩هـ/ يناير ۱۹۹۹م، ليكون مؤسسة علمية وفكرية مستقلة، تسعى إلى المساهمة في التقريب بين وجهات النظر المختلفة في الساحة الفكرية العربية والإسلامية، وإلى دفع التواصل بين اهتمامات المثقفين المسلمين في الغرب، والعالم العربي والإسلامي، ووصل المثقف المسلم الأكاديمي بتحديات الساعة التي تواجهها أمتنا، وهو يعمل على تحقيق ذلك من خلال إصدار مجلة رؤى وتنظيم الندوات والمؤتمرات والملتقيات المحلية والدولية.
عنوان المجلة
Roua/CECP
4 rue Galvani 75017 Paris
Tél: 00 33 1 40 10 24 46
Fax: 00 33 1 40 10 24 47
E.mail: rouacecp@hotmail.com
نحو بلوغ آمن
«نحو بلوغ آمن» هو الكتاب الأول في سلسلة «معًا نربي أبناءنا» الصادرة عن إسلام أون لاين نت.
وهذا الكتاب إبحار في قلب العاصفة التي تسمى مرحلة المراهقة في حياة الإنسان، تلك المرحلة بكل مزاجيتها وتقلباتها ومثالياتها، وخطورتها تحتاج إلى بحارة من نوعية ممتازة، لم تحترف الإبحار وحسب، وإنما برعت في معرفة طرق النجاة والوصول بالرحلة إلى النهاية الآمنة، وهذا يتطلب ثقافة تتخطى حفظ المفردات وجمع الأسماء والمواصفات إلى القيادة السليمة العالية الجودة التي تمارس الواقع وهي تحلم، وتحلم وتحلق وهي تضع الرجل بعد انتهاء الخطوة السابقة، ينقسم الكتاب إلى أبواب ثلاثة: الأول ويدور حول تساؤلات الأهل الحائرة في توجيه الأسئلة الجنسية... هل هيأت ابنك أو ابنتك لدخول المراهقة؟...، الإعلام الجنسي والاستعفاف ثم الأمهات في مواجهة خصائص المراهقة، والباب الثاني بعنوان قضايا المراهقين والمراهقات الثائرة، أما الباب الثالث فيحتوي تساؤلات المعلمين والمعلمات الذي يمارسون العملية التعليمية في حقل الألغام بين المراهقين.
الناشر: إسلام أون لاين نت
خجل وغيرة وعدوانية
مثلث مشكلات الأبناء: الخجل والغيرة والعدوانية كيف نعالج كل واحدة من هذه المشكلات وما الصعوبات التي نواجهها والاحتياطات التي ينبغي أن نتوخاها ونحن نعاين كل حالة على حدة وكيف السبيل إذا اجتمعت أكثر من عقدة في الطفل الواحد؟ والكتاب يخصص لكل واحد من هذه الإشكالات فصلًا كاملًا، فالخجل والانطوائية احتلا القسم الأول الذي يتحدث أولًا عن أسباب الخجل ويقترح محاورة الأبناء للتخفيف من الخجل ويفسر الانطوائية بأنها نوع من انعدام الثقة بالنفس.
أما الباب الثاني فيبحث موضوع غيرة الأشقاء وينصح من البداية بإعداد الطفل الأول لحسن استقبال الضيف الجديد، ويحذر من المفاضلة بين الإخوة، لا سيما بين الذكور والإناث، وجاء الباب الثالث بعنوان: العناد والعدوانية، حيث اعتبر العناد هو المكون الأول للعدوانية، وناقش العدوانية بين الضرورة ورد الفعل وتساءل هل يفيد الضرب في معالجة العناد؟ وتحدث عن دائرة الاهتمام القاتلة كمحضن لحالة العناد. الكتاب هو الثالث ضمن سلسلة «معًا نربي أبناءنا» الصادرة عن موقع إسلام أون لاين نت..
الناشر: إسلام أون لاين
لبيك يا أقصى
«دیوان شعر»
إلى أطفال الحجارة عمالقة الرجال في الألفية الثالثة الذين قلبوا الموازين رأسًا على عقب وتصدروا الأحداث بانتفاضتهم المباركة التي زلزلت كيان بني صهيون، ملبين بذلك أحاسيس الأمة، محيين وجدانها، معيدين لها هويتها، يقدم الشاعر هذا الشعر البديع الذي هو ديوان العرب وضمير الأمم، ونشيد المصلحين الذين يريدون الخير والرفعة والسؤدد لشعوبهم وبلادهم، وينأون بأنفسهم عن مواطن التدجيل والتبجيل، ويرفضون الارتماء في أحضان المعتدين الغاصبين، ويتأبون على الإغراء ولا يحني جباههم الوعيد، لأن الوجوه التي تتوجه للذي فطر السموات والأرض لا يلفت نظرها بريق زائف، ولا يشغل بالها تخويف مرتجف خائف.
المؤلف: د. محمد أياد العكاري
الناشر: المكتب الإسلامي -بيروت ص. ب 3771/ 11
هاتف: ٤٥٦٢٨٠(٠٥).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل