; المجتمع الثقافي(1578) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي(1578)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 22-نوفمبر-2003

مشاهدات 73

نشر في العدد 1578

نشر في الصفحة 58

السبت 22-نوفمبر-2003

 

«حالم بفلسطين» ملحمة سطرتها مشاعر الطفولة الحالمة

راندة غازي: طفلة أيقظت ضمير الرأي العالمي بعدالة القضية الفلسطينية

تفوح من جسمها النحيل ومحياها رائحة النبوغ والعبقرية، فها هي أشادت صرحًا شاهقًا عالي البناء، قوي الأساس، صرحًا روائيًّا دافعت به عن اللاجئين والمقهورين في القدس وفلسطين، وحسنًا.. فعلت الطفلة الإيطالية «مصرية الأصل» راندة غازي «١٥ عامًا» عندما شاهدت بأم عينيها مأساة الصبي محمد الدرة، ومن قبله ومن بعده مآسي الآباء والأمهات والأطفال الذين يتمهم مصاصو الدماء الصهاينة، التفتت راندة حولها لتسطر المأساة بكلماتها الجميلة وسردها الفياض الممتلئ روعة وعذوبة.. والذي تتقاطر منه طلقات الإدانة والسخرية والاستهزاء بجيش الدفاع الذي لا يقهر الذي استباح كل شيء وعاث في الأرض فسادًا، بينما ترقب شاشات وتلفزات العالم هذه الجريمة في صمت.

عناصر الجريمة.. كيف بدت؟ وتكشف راندة أبعاد الجريمة بلباقة أدبية تامة لا تتواني فيها عن إضفاء الطابع الجمالي.. المحبب لنفوس الغربيين، المدهش في آن، والمخيف في آن آخر، الكاشف لانتهاب الباطل وفلوله لقيم الحق والحقيقة، إن ما تبرزه الرواية عبر عقلية الطفلة راندة غازي هو أن جريمة «إسرائيل» بحق فلسطين وأطفال الحجارة لن تمر مرور الكرام، فهناك ملايين النفوس المشرئبة للنصر التواقة لحلم العودة والتحرير، وما الانتفاضة الثانية إلا رنين الجرس الذي ينذر بساعة الحسم والمعجزة فـ «إسرائيل» لا تريد السلام، ولا تخطط له، ولا تسعى إليه كما تقول الرواية، ولكنها جرثومة عفنة تهيم في بحر الدماء والقرصنة منذ مطلع القرن العشرين وحتى اليوم، وما الدول الغربية سوى إمعات توافق على شروط الصهاينة، على حساب الحق العربي الإسلامي المنتهب في فلسطين.

 آن للطفولة أن تنتفض: هبت راندة غازي من نومها الذي رانت عليه أمارات التلاعب الإمبريالي الصهيوني بحق القضية الفلسطينية، لتترك القنوات الفضائية والإعلام الغربي الموالي ولتقرأ عن وعي كافة أبعاد الفضيحة العالمية في فلسطين ولتدرك بقلبها الصغير البريء، وكلماتها المعسولة الساذجة، عن الدم المهراق بلا قيمة على كامل المدن العربية المحتلة، وهو ما تيقنت منه بعد قراءة الواقع الذي غاب عنها وعن الرأي العام العالمي لسنين طويلة، مما قادها إلى كشف حجب الزيف والزور عن عيون المثقفين شرقًا وغربًا، إن الطفولة أصبحت على حد وصف راندة، هي القنبلة التي ستشعل فتيل نهاية المعركة، لأنها عرفت طريق النصر، طريق الحجارة والإيمان واللجوء إلى الله، بعد أن تخلى عن صبيان فلسطين كل العالم.

لا سلام مع الأفاعي: وتلح راندة غازي على تأكيد حقيقة أكدها القرآن والسيرة النبوية، وهي نكوص اليهود عن إبرام أية معاهدات أو اتفاقات سلام، قائلة: «إن الحكومة الإسرائيلية ليست راغبة في السلام، لأن السلام يعني مفاوضات سلام، يعني تسويات، يعني اهتمامًا، يعني إنسانية وإحساسًا، لكن الإسرائيليين يريدون الأراضي، يريدون أرض «إسرائيل» الكبرى لن يرضوا بالسماح للفلسطينيين بإقامة دولتهم، لم يحترموا أبدًا المعاهدات، يحاولون أخذ كل شيء... كل شيء».

المهارة العالية في الوصف

ومما يحمد لراندة دقتها في الوصف والسرد، وامتلاء نفسها بالقدرة العجيبة على التعبير عن النفس الإنسانية بتفرد شديد، فها هي تصور منظر الدماء المتدفقة من الفلسطينيين «هذا المشهد.. هذا المشهد.. كم هو مرعب.. ببطئه ولا نهائيته وفظيع... ولكن كم هو حقيقي» هكذا بدا له ذلك المشهد أفظع ما أحزنه، لم يحزن مثل هذا الحزن منذ يوم مولده.

الإيمان سلاح فاعل

كما تلمح الروائية بنظرتها الثاقبة للأمور، برغم حداثة سنها إلى قيمة وأهمية وجدوى سلاح الإيمان بالله والعقيدة المتينة لتحقيق النصر المؤزر على الأعادي، فهي تقول على لسان إحدى الشخصيات «.. كان أبي يقول لي دائمًا، حتى اليوم الأخير أن أتحلى بالإيمان وألا استسلم أبدًا، إن العودة إلى الحوار الآن تعني الاستسلام لإرادتهم والانصياع لتعسفهم..» وهو صورة إيمانية ترددت في أكثر من موضع بالرواية.

أدب إنساني رفيع

على أن أهم سمة من سمات الرواية انفتاحها الإنساني الرحب عبر الثقافات المختلفة والأيديولوجيات المتغايرة، لترسم صورة حقيقية إنسانية واقعية بلا رتوش، عن مآسي أهل فلسطين اليومية، ونضالهم الأسطوري بلا سلاح أمام جيش مدجج بالأسلحة التقليدية والنووية، إن راندة غازي استوعبت سقطات الروائيين العرب الآخرين الذين انحصر إبداعهم في دائرة المحلية، ولم يستطيعوا الخروج به إلى العالمية، لكونه أدبًا لا يعرف طريقه نحو الآخر، نحو إقناعه بعدالة وموضوعية ونزاهة قضيتنا التي لفتت راندة الأنظار والأفئدة والعقول إليها، وهو ما نتج عنه في النهاية إحساس الغرب بحماقته وانحيازه السافر إلى «إسرائيل» بينما الضحية لا تجد من يدافع عنها، وهو ما تحقق اليوم بعد أن قرأ العالم كله إبداع راندة المدافع بقوة ومنطقية واعية، ونسج روائي محكم عن الانتفاضة وعن تاريخ النضال العربي الإسلامي في فلسطين، وعن ضرورة تحرير كامل التراب الفلسطيني المحتل.

لقطات قصصية 

ندوة 

المغرب: الحسين رزوق.

١- محور:

قرر طلبة وحدة الشعرية الجاهلية تنظيم ندوة ذات علاقة بتخصصهم فشجعهم رئيس الوحدة وباقي أساتذتها، واختاروا جميعًا للندوة موضوعًا حظي بالإجماع، صيغ على الشكل التالي: أوضاع المسلمين في العالم وقضاياهم.

٢- محاضرون

من أجل إشراك كل المهتمين بموضوع الندوة بمختلف تخصصاتهم، وليتم تناول الموضوع بشمولية ألح بعض أساتذة الأدب الجاهلي على المشاركة فيها، وتم استدعاء أساتذة آخرين ذوي اهتمام بالموضوع: أستاذ النقد الحديث، وأستاذ التاريخ القديم، وأستاذ البيولوجيا، وأستاذ الأدب العباسي، وحالما وصلتهم الدعوة سارعوا بتأكيد حضورهم وشكرهم للجنة على حسن اختيارها لموضوع يتناسب مع العصر أولًا ومع تخصصها ثانيًّا. 

٣- الموعد

قررت اللجنة المنظمة بدء الندوة في الساعة الثامنة صباحًا، وسجلت ذلك في جدول الأعمال، وهي تعلم علم اليقين أن لا أحد، ولو كان رئيس اللجنة نفسه سيحضر قبل التاسعة والنصف، وعندما كان الموعد حضر أستاذ لم يستدع، وإنما وكله آخر نيابة عنه، وامتلأت الصفوف الثلاثة الأولى عن آخرها، ولم تبدأ الندوة إلا بشق الأنفس بعد أن اكتشف رئيس اللجنة المنظمة وقتها، ووقتها فقط أن الكهرباء مقطوعة منذ سنوات عن قاعة المحاضرات.

٤- المحاضرة الأولى والأخيرة:

 أذهل المحاضر الكل وحطم أفق انتظارهم لما افتتح محاضرته بقصيدة غزلية فأعجب بها الجمهور إعجاب إلى درجة أن بعض الحاضرين لم يشعر إلا وهو يجد نفسه خارج القاعة، وأدهش الكل مرة أخرى لما تحدث عن دور الأدب الصومالي في النهضة الصينية وتأثير النهضة اليابانية على فكر قصي بن كلاب، وتساءل عما إذا كان من الممكن الحديث عن علاقة بين سمك جنوب إفريقيا وخشب السويد، فصفق جميع من بالقاعة: رئيس الجلسة، والمقرر والمصور.

٥- محاضرة ناجحة: انتصف الليل ولم يكمل المحاضر محاضرته، وقد تسرب بعض ماسحي الأحذية إلى القاعة إعجابًا بالمحاضرة فناموا فيها، وتحوم الحاضرون حوله ليوقف المحاضرة، مقبلين رأسه، ويديه، ورجليه، ووعدوه باستدعائه في ندوة أخرى فرفض ورفض، ثم رفض، ولم يقبل إلا بعد أن أقسم رئيس الجلسة إنه سيحل ضيفًا على الوحدة في لقاء قريب قادم.

٦- تقويم:

بالكاد أنهى الجماعة الندوة عند الفجر على إيقاع مقابلات في الملاكمة، ولكنهم قرروا عقد لقاء خاص بالوحدة لتقويم نتائج الندوة، فأجمعوا على أنها كانت ناجحة بكل المقاييس، وأنها قد تخللتها بعض العيوب الصغيرة التي لا تقدح في نجاحها مثل إغفال رئيس الجلسة تصفيف شعره، ونسيان المصور آلة التصوير في البيت، فضحك رئيس الوحدة ووعدهم أن يذكرهم بذلك في الندوة المقبلة.

المجتمع الثقافي

بين الماضي والحاضر

مصطفى نور الدين المعداوي.

- السلام عليكم.

- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

- أيمكنني أن أساعدك يا أخي؟ مالي أراك تتأمل بدهشة كل ما حولك؟

- كلما نظرت إلى شيء رأيت عجبًا.. سبحان الله.

- ومم تعجب؟ أنا لا أرى هنا أعجب منك؟ فهيئتك وملابسك غريبة؟ أغريب أنت عن هذه البلد؟

- كلا.. لست غريبًا عن البلد فحسب.. بل غريب عن الزمن أيضًا، فأنا من أهل العصور القديمة.. منذ ما يربو على ألف سنة.

- سبحان الله.. نعم.. حق لك أن تعجب أشد العجب.. ما رأيك في العصر الحديث.

- أبهرني جدًّا ما شاهدت من تطور عجيب في كل المجالات، عجبت من يعيش في الصحراء فيأكل الطعام إذا أحب باردًا وإذا أحب ساخنًا، وعجبت لذلك الصندوق العجيب الذي ينقل لنا ما يحدث في بلاد الروم والترك لنشاهدهم ونسمع أصواتهم، وعجبت للآلات الضخمة كيف يحركها الإنسان بمجرد شد ذراع أو ضغط زر لتقوم الآلة بإنجاز 

العمل الذي ينوء بالعصبة أولي القوة، وفي وقت وجيز، وعجبت للبيوت يعيش فيها المرء الليل نهارًا بإضاءة المصابيح العجيبة، وعجبت لمن يرتحل من بلد إلى بلد يركب دواب عجيبة لتوصله إلى ما يريد، وهو راكب على ظهرها ، بل في داخلها ، في سرعة الريح أو تسبق الرياح في غاية الراحة، وبعضهم يركب طيورًا ضخمة لم يشهد لها أبي ولا جدي ولا جدهما مثيلًا، وعجبت وعجبت.. فسبحان الله العظيم، الذي خلق للإنسان العقل فصنع به ما ييسر حياته وأعماله.

- لو خيرت بين البقاء في هذا الزمان والعودة إلى الماضي فماذا تختار؟

- اختار الحاضر بالتأكيد.. بل لا أفكر في ذلك الماضي أبدًا وكيف أستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟! إنه لزمن عظيم.. آه .. لقد تذكرت شيئًا.

- وما هو؟

- قد تجولت كثيرًا وكنت أسأل الناس عن دار الخلافة.. أين هي الآن؟ وهل ما زالت في بني العباس؟ أم زالت دولتهم، وخلفهم غيرهم، ولكني لم أتلق إجابات مقنعة، فما الأخبار؟ ومن الخليفة الآن؟ أريد أن أراه، وأسلم عليه، وأبايعه، وأضرب إليه أكباد الأبل..

- أي خليفة تقصد؟ وعن أي شيء تتحدث؟ هل عدت إلى الماضي من جديد؟

- كلا لم أعد، سأذهب إليه بالطائر الضخم، ولكن أین مقره.

- لا يوجد الآن ما يسمى خليفة.. هذا كان أيام العصور الوسطى...

- ماذا تقول؟ ومن يمسك زمام العالم الآن؟

- أمريكا!!

- ومن أمريكا هذا؟

- إنها دولة عظمى تتحكم في العالم.

- حسن.. أليس لهذه الدولة خليفة؟

- كلا، لا خليفة ولا سلطان..

- لماذا؟

- لأنهم غير مسلمين.

- ويتحكمون في العالم؟!

- لم أقصد هذا ولكن...

- ولكن ماذا!!؟ وماذا عن المسلمين؟ من الذي يحكمهم.

- ......................

- مالك لا تحر جوابًا؟

- لأن الحقيقة مرة..

- ويحك.. وما الحقيقة؟

- الحقيقة أن المسلمين أصبحوا بلا قائد!!

- وهذا التقدم وهذا التطور ألم تنتفعوا به؟ لتحاربوا أعداءكم؟

- إن كل ما ترى من آلات متطورة هو من صنعهم، لذا فهم يملكون أشد منها بأسًا.

- ماذا؟ أليس هذا من صنعكم؟!

- نحن لا نصنع شيئًا سوى الكلام والمناداة بحقوقنا فقط.

- يا للخيبة.. لقد كان الأعداء يحسبون لنا ألف حساب.

- وما زالوا يحسبون لنا آلاف الحسابات في البنوك الأجنبية.

- كانت الكلمة الأولى للمسلمين دائمًا.

- وما زالت لنا.. نحن أول من يشجب وأول من يستنكر، وأول من يدين ما يحدث في فلسطين وفي العالم الإسلامي كله.

- وماذا يحدث في فلسطين؟! هل عاود الطاعون أهل فلسطين؟

- بل أشد من الطاعون فتكًا... 

- هل عاد الصليبيون فاحتلوها؟

- بل أشد من الصليبيين ضراوة ووحشية وظلمًا.

- قل بالله عليك.. وهل هناك أكثر مما فعله الصليبيون يوم أن احتلوا بيت المقدس!! أتكون الشياطين نزلت عليهم وتخطفتهم من بيوتهم؟!

- بل احتلها اليهود إخوان الشياطين فجاسوا خلال الديار وأفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة.

- اليهود؟!!.. ما سمعنا أبدًا أن لهم دولة أو أن لهم قوة.. وأنتم ماذا فعلتم؟

- قتلوا الأطفال والنساء.. والمصلين في المساجد

- وأنتم ماذا فعلتم؟!

- فرقوا شملنا.. وأمعنوا في إذلالنا وإقصائنا.

- وأنتم ماذا فعلتم؟

- نحن؟!! لم نفعل شيئًا.. أقصد...

- ماذا تقصد؟ أبعد هذا كلام؟! لقد عدت أتمنى العودة إلى زمان العزة والقوة والمنعة يوم أن كانت ملوك الأرض تخطب ودنا وتسعى لإرضائنا، يوم أن كان زمام العلم والتقدم في أيدينا، وكل ذلك لأننا لم نترك کتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولم نضيعهما... وقبل أن أترككم أقول: هناك أمل كما كان لصلاح الدين أمل.. فلتنظروا ماذا فعل صلاح الدين واحذوا حذوه، واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا... وداعًا.

- ................

 القصة في القرآن (٢)

أغراض القصة في القرآن 

د. وجيه يعقوب السيد

امتاز قصص القرآن الكريم بسمو غاياته، وشريف مقاصده، وعلو مراميه، فاشتمل على فصول في الأخلاق والتربية والتعليم، ووظفت القصة في القرآن توظيفًا رائعًا من أجل تحقيق الأغراض الدينية المتعددة، وفي الوقت ذاته لم تخل القصة القرآنية من الخصائص الفنية والجمالية المعروفة، إذ عرض القرآن الكريم قصص الأنبياء والأمم السابقة في شكل فني جذاب ولغة موحية وأسلوب معجز يؤثر في المتلقي، فتارة يطول السرد وتارة يطول الحوار، وتارة أخرى يكتفي القرآن بالإشارة العابرة الموحية، التي تغني عن الإعادة والتطويل.

ولا شك أن أغراض القصة في القرآن هي أغراض القرآن نفسه، فالقرآن كتاب هداية ودعوة وبلاغ قال تعالى: ﴿ وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (الأنعام: 92)

وكذلك القصة، فهي وسيلة من وسائل الدعوة والتبليغ والهداية، حيث تختصر العبرة والموعظة في حكاية مؤثرة، ويسعى القرآن الكريم إلى التأثير في النفس بكل وسيلة ممكنة، ومن أهم الوسائل المؤثرة في النفس القصة والحكاية كما أشرنا قال تعالى: ﴿ وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾ (هود: 1٢٠-١٢١)

وقد خضعت القصة القرآنية في موضوعها وفي طريقة عرضها وإدارة حوادثها، لمقتضى الأغراض الدينية (..) ولكن هذا الخضوع الكامل للغرض الديني، ووفاءها بهذا الغرض تمام الوفاء، لم يمنع بروز الخصائص الفنية في عرضها، ولا سيما خصيصة القرآن الكبرى في التعبير، وهي التصوير "التصوير الفني في القرآن ص:۱۱۷"

وقد تناولت القصة القرآنية العديد من الأغراض الدينية التي تناولها القرآن الكريم من مثل إثبات وحدانية الله، وصدق رسوله ﷺ وإظهار قدرة الله، وبديع صنعه والترغيب في فعل الخير والتنفير من فعل الشر والسوء، والحديث عن مكارم الأخلاق كالصبر والشكر والتسامح والعلم وقيمة العمل وغير ذلك من الموضوعات الأساسية التي دعا إليها الإسلام، وكل ذلك يحكيه الله تعالى في أسلوب فني جذاب.

 فمن أهم أعراض القصة في القرآن الكريم إثبات وحدانية الله وبيان صدق رسوله ﷺ وأن الدين كله لله، ولذلك ستلاحظ تأكيد القرآن في معرض حديثه عن الأنبياء والمرسلين على ذكر دعوة التوحيد التي كانت سمة عامة في كل الدعوات السابقة قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الأعراف: 59)

 ﴿  وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ ( الأعراف: 65)

وقال تعالى: ﴿ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الأعراف: 73)

وهكذا نجد التوحيد هو أساس العقيدة التي جاء بها كل الأنبياء والمرسلين.

بيان صدق الرسالة

أما بیان صدق رسالة الرسول ﷺ من خلال القصة، فيكمن في أن النبي ﷺ يقص على العرب كل هذا الكم من القصص على الرغم من أنه لم يكن كاتبًا ولا قارئًا، ولا عرف عنه أنه كان يجلس إلى أحبار اليهود، بل إن أهل الكتاب أنفسهم كانوا يسألونه عن أشياء لا يعرفها غيرهم، ومع ذلك يجيبهم عنها ويقصها عليهم في أسلوب عجز الجميع عن محاكاته، وقد جاء في سورة آل عمران في أثناء عرض قصة مريم قوله تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ( آل عمران: 44)

وسائل الأنبياء في الدعوة.... واحدة.

وكان من أغراض القصة في القرآن بيان أن وسائل الأنبياء في الدعوة إلى الله واحدة، وأن استقبال قومهم لهذه الدعوة متشابه، حيث يؤمن الضعفاء وذوو العقول الراجحة، بينما يتصدى الملأ والمستكبرون في الأرض بغير الحق لدعوة هؤلاء الأنبياء، وفي هذا دعوة للأنبياء والدعاة بالتحلي بالصبر وعدم اليأس، لأن نصر الله حليف المؤمنين دائمًا مهما طالت محنتهم، وكل هذا يعرض في قالب قصص جذاب قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَن لَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۖ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ  فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ (هود: ٢٥- ٢٦- ٢٧)

وعلى هذا، فإن أغراض القصة في القرآن كثيرة ومتعددة، وهي خاضعة دائمًا للغرض الديني، حيث تبين عاقبة العمل الطيب والصلاح، وعاقبة الشر والفساد، وتوظف داخل سباق معين لهدف معين، ولذلك فقد تكررت القصة الواحدة في أكثر من موضع، وفي كل مرة نجد اختلافًا واضحًا عن المرات السابقة في الأسلوب وطريقة العرض بما يتناسب مع الهدف الرئيس من ورودها.

كما أن القصة في القرآن تعرض بالقدر الذي يكفي لأداء هذا الغرض، فمرة تعرض من أولها ومرة من وسطها، ومرة من آخرها، وتارة تعرض كاملة وتارة يكتفى ببعض حلقاتها، وذلك حسبما تكمن العبرة في هذا الجزء أو ذاك.

 «من أثر خضوع القصة للغرض الديني أن تمزج التوجيهات الدينية بسياق القصة، قبلها وبعدها وفي ثناياها».

(السابق: ١٣٧).

الثورة والراعي المنطوح

هدر الراعي وهو يلوح بعصاه النارية، كعريف في جيش متخلف، ووقفت الثيران مهتاجة أمام الإشارة الضوئية الحمراء، على إيعاز الراعي وعصاه العتيقة الطراز التي يلوح بها في إيجاراته العنيفة الشديدة الانحدار، كانت السيارات تجوز الشارع عند إشارتها الخضراء، والثيران تحملق بخيفة وحذر بعيون واسعة كأنها تغوص في ضباب! ولكنها ما لبثت أن هدأت.

الكل في الشارع، وعلى الرصيف، يسير بنظام، وبكل يسر واتساق عبرت عند إشارتها الخضراء، ولم تكن تنتظر صوت الراعي الجاف الملعلع، وزمجريره المزعج، في حنجرة صدئه أبلاها الزمن، الذي رغم ذلك يكاد يفجر أذانها في لحظة سيرها وهي تخب في منطقة العبور، مع حركة عصاء المتعكرة المزاج النرجسية الرنات، وعلى الرصيف بمحاذاة الشارع، توقف أحد الثيران مستفهمًا: الكل وقف، والكل عبر تبعًا للإشارة الضوئية، فما الحاجة إذن إلى راع مثل هذا الراعي يسوقنا بصوته المسلول، وعصاه التي لا تفتأ تلهب ظهورنا؟ وفيما هو كذلك كانت عصا الراعي تسوطه حتى سمع القطيع رنينها، ولكن الفكرة دارت في رأسه مرة أخرى تأخر قليلًا بين القطيع الجاري كالسيل.

 اندفع بشدة ناطحًا الراعي بقرني رأسه الضخم حتى رأي الراعي وعصاه في الهواء ثم انطرح فوق عربة محملة بالبطيخ.

 وقفت الثيران تكظم ضحكة هدارة في صدرها المشحون، ووقف ثورهم البطل، مبرزًا صدره أمامه، خطيبًا، وقال: نحن في زمن الاكتشافات والتقدم الحضاري، عصر الإشارات لا العصي والضيم، عصر الموسيقى لا أصوات الزحار المريض.

 قال ثور في لهجة متسائلة: ولكن كيف سنسير؟ ألسنا بحاجة إلى قيادة؟ قال الثور، زعيم الانقلاب بلهجة ثورية: بلي، قيادة تقودنا من أمام وإلى أمام، والحكم كما ينص عليه ميثاق حقوق الإنسان، خارت الثيران شديدًا، وذيلها يترجرج ويدور بانفعال، تقول: والزعامة؟

خار الزعيم، وقرناه يومضان غضبًا في وجه عابس قطوب، مئزئزًا ذيله كالسوط، وحاضرًا بظلفه الأرض من تحته.

 لقد تجاوزنا أخلاقيات النقاش بين الثيران على ما يبدو، همس البعض.

 همس آخرون، فيما كان الزعيم يشتعل به الهيجان.

 نحوا كل شيء إلا دستورنا الثوري!

ماجد غالب، أستراليا

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1576

65

السبت 08-نوفمبر-2003

المجتمع الثقافي ( العدد 1576)