; المجتمع الثقافي ( العدد 1576) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي ( العدد 1576)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 08-نوفمبر-2003

مشاهدات 66

نشر في العدد 1576

نشر في الصفحة 58

السبت 08-نوفمبر-2003

القصة في القرآن (1):

أهمية القصة في القرآن:

د: وجيه يعقوب السيد

القصة في القرآن وسيلة من وسائل التربية، وبث العبرة والعظة في النفوس وهي وسيلة من وسائل تبليغ الدعوة وتثبيتها، شأنها شأن الصور التي يرسمها للقيامة والنعيم والعذاب وشأن الأمثلة التي يضربها للناس، لكي يؤمنوا ويتدبروا عاقبة أمرهم.

وقد روي أن الصحابة رضوان الله عليهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقص عليهم من أنباء الأمم السابقة وحكاياتها، فنزل قوله تعالى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (يوسف: 3).

 فإذا كان بعض العرب قد ألفوا الاستماع إلى حكايات رستم واسفنديار التي كان يقصها عليهم النضر بن الحارث بقصد صدهم عن القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإن الله تعالى يخبر رسوله بأن ما يقصه عليه هو أحسن القصص، وهو القصص الحق، حيث يسوق الحكاية في قالب فريد ولغة مؤثرة وأسلوب بديع، يتناسب مع السياق العام للسورة وأهدافها.

 ولعل رغبة الصحابة رضوان الله عليهم في أن يقص عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنباء السابقين تؤكد أهمية القصة، فهي أداة للترويح عن النفس ووسيلة مهمة لبث العظة والعبرة، لأنها تعرض علينا أحداث التاريخ وأحوال الأمم وتجارب الأشخاص وما حدث لهم، وفي هذا ما يساعد على تثبيت العقيدة في قلب المؤمن وغرس الثقة في نفسه، لأنه يرى الصراع بين الحق والباطل وبين الخير والشر، ينتهي دائماً لصالح الحق والخير، وأن الأنبياء والمرسلين ينتصرون في النهاية، رغم المحن التي تعرضوا لهم.

قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيدا فَجَعَلنَٰهُمُ ٱلأَخسَرِينَ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ ﴾ (الأنبياء: 72:70).

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأنعام: 34).

ويهمنا في هذا السياق أن نشير إلى أن القصص القرآني قصص حق وصدق، ساقه الله تعالى لتثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وقد دارت أحداثه ووقعت في الماضي، وقد استخدم القرآن الكريم من أجل هذا الغرض كل أنواع القصة المعروفة القصة التاريخية التي تدور في الماضي، وتتحدث عن أشخاص وحوادث وأماكن معروفة، ومن هذا النوع قصص الأنبياء، وقصص المكذبين وما أصابهم من هذا التكذيب، وفي تعيين الأماكن والأشخاص والأسماء ما يؤكد للمسلم أن ربه بكل شيء محيط، وأنه قادر على إنفاذ أمره، وأن قراءة التاريخ بوعي تؤكد أن النصر حليف المؤمنين، وأن مصير المكذبين الهزيمة في الدنيا والعذاب في الآخرة، مهما كانت قوتهم.

وهناك القصة التاريخية الواقعية التي يقصد الله تعالى من سردها أن يعرض نموذجًا أو حالة بشرية لكي ينفر المسلمين من سلوك معيب، أو يحثهم على فعل حسن ولذلك فإن المقصود هو استنباط العبرة، والاتعاظ، وليس الوقوف أمام الأشخاص والأسماء والأماكن، فهي قصص قابلة للحدوث والتكرار في كل زمان ومكان، ومن هذا النوع قصة ابني آدم: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: 27).

فقد أراد الله من سوق هذه القصة، تبغيض المسلمين في الحقد والحسد، لأنهما آفة مدمرة وأن يخلصوا أعمالهم ونياتهم لله لكي يتقبل منهم صالح أعمالهم، وغالبًا ما كان الله تعالى يعقب على هذا القصص بالحكمة أو الموعظة التي تستخلص منها.

 وهناك القصة المضروبة للتمثيل التي لا يذكر الله فيها أسماء الأشخاص، إنما يسرد الأحداث بتركيز وتكثيف، ويكشف لنا عن صورة من طبيعة النفوس البشرية، سواء كانت خيرة أو شريرة، ومن ذلك قصة صاحب الجنتين التي وردت في سورة الكهف، قال تعالى: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ (الكهف: 32) إلى قوله: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا﴾ (الكهف: 43:42).

فهذا المثل لجميع من آمن بالله وجميع من كفر بالله، وليس من المهم في هذا السياق أن تعرف هذين الرجلين ولا مكانهما ولا الزمان الذي كانا فيه، فيكفي أن «تضرب مثلًا للقيم الزائلة والقيم الباقية، وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة، والنفس المعتزة بالله وكلاهما نموذج إنساني لطائفة من الناس: صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري، تُذهله الثروة، وتبطره النعمة، فينسى القوة الكبرى التي تسيطر على أقدار الناس والحياة، ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى، فلن تخذله القوة ولا الجاه وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه الذاكر لربه، يرى النعمة دليلًا على المنعم، موجبة لحمده وذكره، لا لجحوده وكفره» «الظلال: ج ٤ص ۲۲۷۰». وهكذا فإن القصة في القرآن بأشكالها المختلفة قصة موجهة خاضعة للأغراض الدينية التي جاءت لتحقيقها، لأن القرآن كتاب تربية وتوجيه وإنشاء حياة إنسانية كاملة ولا شك أن القصة القرآنية قد قامت بدورها على أكمل وجه، فاستجابت لها النفوس والقلوب، وأخذ الناس منها العبرة والعظة استجابة لأمر الله تعالى، وخوفًا من الوقوع في نفس مصاير السابقين!

قصة قصيرة:

الفتاة والنافذة:

منذ نعومة أظفارها وهي متعلقة بالنافذة الوحيدة التي بمنزلها تطل منها على الشارع الأمامي فهي مصدر تسليتها وأنسها، تقضي الساعات الطوال مطلة منها على الحياة شاخصة ببصرها لما وراءها وكبرت الفتاة وسيطرت النافذة على عالمها كله، فلم تعد تسليتها ولكن صارت حياتها كلها، منها ترقب المارة جيئة وذهابًا يتحدثون ويتفاعلون، يتفقون ويختلفون يتسامرون ويتشاجرون، وينشطون ويهدؤون كانت هذه هي كل الحياة بالنسبة لها، والشريحة التي يتيسر لها رؤيتها من خلال فتحة النافذة هي كل العالم في عينيها روعيها ويقينها، لم تكن تعلم بأمر البوابة الواقعة على أول الشارع يصطف أمامها المارون إلى الشارع الأمامي، يتحكم فيها جندي أسود اللون ضخم الجثة يشبه المارد في الأساطير القديمة، غليظ القلب مظلم العقل ينظر في ورقة أمامه بها تعليمات سيده ومواصفات من له حق المرور عبر البوابة فيسمح له بدخول الشارع الأمامي، أما الآخرون فيغلق في وجوههم البوابة، ولم تكن تعرف مغزى الأصوات الخافتة التي تتسلل إلى أذنيها من الشوارع الخلفية والجانبية عبر الجدران السميكة الصماء على هيئة همهمات هي خلاصة حياة حقيقية صاخبة، ولم تكن تدري لماذا يصر المالك على عدم فتح نافذة ولو صغيرة على هذه الشوارع.

 كانت أيامها تمضي متشابهة كأنها تعيش في قفر ترى وجوهًا كثيرة لكنها لا ترى خلفها معنى الإنسانية، قد ترى بسمات وتسمع ضحكات غير أنها لا تكاد تحس وراءها سعادة أو هناء، وذات مساء مر بالشارع الأمامي شاب وسيم الوجه بهي الطلعة، أنيق المظهر لم يكن في هيئته اختلاف عمن تراهم كل يوم فهو منهم وهم منه، غير أن وهجًا في عينيه ونورًا من وجهه وابتسامة حلوة على محياه جعلها تسمع دقات قلبه لأول مرة تحس بدقات القلوب منذ تعلقت بالنافذة، يتحدث لمن معه حديثًا طلقًا عذبًا، لكنه ينتقل بالإحساس إلى الإحساس وينسكب في القلب قبل أن تسمعه الأذنان، لفت انتباهها بشدة فشعرت برجفة تسري في جسدها كله وتسارعت نبضات قلبها وعرفت إحساسًا جديدًا يوشك أن يولد حلوًا نديًا بين ضلوعها، تقدم لخطبتها. رقص قلبها فرحًا قبل أن تفضحها عيناها وتتلعثم شفتاها بالإيجاب حدثها عن جدودها فربطها بهم ربطًا وأعاد للزهرة المجففة في ناقوس زجاجي جذورها فعادت لها الحياة. 

من أين جئت يا حبيبي؟ من الشوارع الخلفية حيث الحياة الحقيقية عابرًا إلى قلبك الغض الظمآن.

 أحمل إليك الري والحياة وأخيرًا أفاق الجندي الأسود على الحقيقة لقد خدعه الشاب الوسيم بهيئته ومظهره، فقد مر مع القوم لابسًا ملابسهم، ومتحدثًا لغتهم. ولم يفطن إلى الحقيقة الكامنة في أعماقه، أفاق بعدما تعلقت الفتاة بالفتى وربطت مصيرها به وأصبح حبها وريها وحياتها فاستعان بزملائه الجنود واستعدى على الشاب أترابه في الشارع الأمامي فتأمروا لإخراجه، وتشبثت به الفتاة تشبثها بالحياة، وكأنهم ينزعون منها الروح، ورأى دمعاتها فقال لها: تشجعي أنا في الشوارع الخلفية ما زلت أحمل لك الحياة.. 

ومضى ومضت معه روحها واستدارت الفتاة إلى النافذة بعدما أغلقتها لأول مرة في حياتها استدارت إلى الجدران السميكة الخرساء الصماء تحفر فيها بأناملها الرقيقة الناعمة لتفتح بها طاقة تدلف منها إلى الحياة الحقيقية..

منال نور

واحة الشعر: أشواقنا بدرية

شعر: شريف قاسم

أقبلت ذكرى نشرها الأشذاء ***; وحقولها الأمجاد والآلاء

 

يا بدر والأشواق ما نامت على ***جفن الفدا أو غامت اللألاء

 

أشواقنا بدرية تغري الخطى*** ; هيهات لم يلحق بها إعياء

 

توجت شهر الصوم فيه *** ; تبلحت أجلى مأثره، وفيه رجاء

 

ما هاب جند محمد فاستقرئي*** حسن البلاء وقد طغى الأعداء

 

فالفتح في ظل الجهاد ***إنارة قدسية ما في سناها داء

 

ما كنت إلا ما أراد إلهنا *** في سفر فخر لم يسمه خواء

 

أما الذين استطرفوا كنف الهوى ***  فتقاعسوا تشويهم اللأواء
 ***

دفنت مساعيهم بقبر تبارهم ***  ولكل خطو فاسد إزراء

 

نحوا شريعتهم فسامتهم يد*** ; لعدوهم من طبعها الإيذاء

 

وأتت عليهم عاصفات مكائد*** ; فعيونهم كقلوبهم عمياء

 

كفات أياديهم صحائف مجدهم ***; فوجوههم من قبحها ربداء

 

وترنحوا صرعى بساح مهانة*** ; وذوت حميتهم وغام سناء

 

كم قد خلوا بالمقذع الأردى وكم*** ; سامت شمائلهم رؤى بلهاء

 

لم يؤثروا إلا كنانة حقدهم*** ; فسهامهم كنفوسهم رعناء

 

وتعـاورتهم خيبة آثارها*** ; هذا الشقا المسجـور والأعباء

 

ادنتهمو من كل ذي خطل ولم*** ; تفلح لنيل مرادها الأهواء

 

إذا أبرموا للغي غاية جهدهم*** ; فتجهمت بدخانها الأجواء

 

الجاهليون الذين تشوفوا ***; كنف العلا ردتهم الغلواء

 

لم يعرفوا نهج الصواب وإن هموا ***; عجموا العقول فضلت الآراء

 

الله أنزل للنجاة كتابه***; وبغيره لا يصلح الإنجاء

 

أما الشعارات الوضيعة فانثنت*** ; بكماء لم تحفل بها العلياء

 

أما طموحات الشعوب فدعوة***; سمحاء فيها الفتح والنعماء

 

تأبى الخنوع بغاب عصر مظلم***; فــيــه العــدا أفعالهم نكراء

 

ما حل بالقدس الشريف وما جرى***; بجنين أو رفح لنا إفناء

 

أو يذبح الشعب المجاهد عنوة***; والمسلمون أذلة جبناء!

 

رحماك يا ربي فمُسعر نارها*** ; باغ عدو بالدماء سقاء

 

في القدس، في الشيشان في أفغاننا*** ; وعلى العراق تكالب السفهاء

 

حرقت سراييفو - حنانك – وانبرت *** ; في أرض كشمير المدى الخرساء

 

في شهرنا هذا بواكير السنا *** ; تسقى بفيض صباحها الشجواء

 

فتلين بعد مشقة وتصحر*** ; يحنو عليها في الهجير الماء

 

هي منية في سعينا وخصاصة*** ; وإذ الدُّنى رغم الفنا خضراء

 

رمضان في وجدان الشعراء (2 من 3): أخلاقيات رمضان:

أحمد إسماعيل عبد الكريم

الود والإخاء وتآلف القلوب فيض من فيوضات الشهر الكريم.

شهر رمضان هو المدرسة الأولى لتهذيب النفوس وترويض الأخلاق والسلوك فيتعلم الإنسان كيف يقف ضد هوى نفسه وكيف يقلص ملامح الأنانية فيها.

رمضان بفيوضاته الروحانية يقوم الأخلاق، وينمو فيه الود والإخاء والإخلاص بين الناس، وتتألف فيه القلوب، لينزرع بينها الود والمحبة وتتواصل العلاقات التي تكاد تنقطع عراها وتزول الخطايا وتستبدل فتزداد فيه الحسنات، وتمحى الخطايا والآثام، فيقول الشاعر أكرم قنبس مصورًا خلجات نفسه ورؤاه([1]):

ففي رمضان مغفرة وحب *** وتمتين إذا وهن الإخاء

وفي رمضان رفع للخطايا *** فلا يدنو من القلب الرياء

 فالصوم يعد مجمع الآداب كلها، المدرسة الكبرى في تهذيب النفوس، وهنا يتساءل الشاعر عما إذا كان يدرك الصائمون الحكمة من الصوم أم أنهم يصومون لأجل الجوع وإيلام الأجساد وتعبها ولا يدركون أن صوم الجوارح أولى وأحدر، وهنا يجد شاعرنا أحمد صدوق صافي حكمة من حكم الصوم فيسعف بها ذاكرتنا مشيراً إليها أن صوم الجوارح عن النزوات مقدم على الصوم عن الغذاء والشراب، وهنا يذكرنا بحقيقة الصوم كما أكدها المصطفى صلى الله عليه وسلم «فكم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش»

هل يدرك الناس ما في الصوم من أدب *** أم أنه الجوع للأجساد إيلام؟

صوم الجوارح قبل الصوم تنشده *** من قال زوراً فلا جاعوا ولا صاموا ([2])

وشهر رمضان يعد المدرسة الأولى لتهذيب النفوس وترويض الأخلاق والسلوك، إذ يقف - الإنسان ضد هوى نفسه ليكسر فيها ملامح الأنانية، فيقابل السيئة بالحسنة، ويتذكر الصوم ويذكر نفسه به وأنه في حالة ارتقاء يباهي به الله. U- ملائكته يقول الشاعر عبد المنعم «عبد الله حسن: «([3])

شهر الصيام وكم يهذب أنفسًا *** هذا الصيام وكم به تتخلق

إن سب فرد قال إني صائم *** ويهدي ما تحوي يعف المنطق

أنا صائم إني إذن متطهر *** وبكل أسباب الهدى متعلق

أنا صائم فيدي لقد اطلقتها *** بالخير في حب أجود وأنفق

فالصوم يمحو الشح من أعماقنا *** من يوق شح النفس فهو موفق

والصائم المعطاء يثمر صومه *** فتراه دوماً محسناً يتصدق

والصوم يغرس رحمة ومحبة *** فإذا القلوب تراحم وترفق

والناس من هدي الصيام أحبة  *** فإذا بها تحنو القلوب وتشفق

ما أعظم الإسلام إن بنهجه *** تمضي الحياة إلى الأمام وتسبق ([4])

والشاعر صديق حافظ في قصيدته «ربيع الروح» يشير إلى المكانة النفسية التي ينالها الصائمون فيقول:

الصوم يعلى من وضيع غرائز *** وطبائع سود الوجوه قبائح

تلك الغرائز كم لها من صولة *** مسعورة الأنياب ذات قباح

والنفس إن سفت وهيض جناحها *** فالصوم معراج بغير جناح

الصوم يمنحنا مشاعر رحمة *** وتعاون وتعفف وسماح! ([5])

 ويشير الشاعر رفعت عبد الوهاب المرصفي إلى نعمة الصفاء النفسي التي يتشح بها الكون:

كل الخلائق بالصفاء توشحت *** وتعطرت من أجل أعظم ملتقى

يا أيها النبع المحلى ماؤه *** بحلاوة العفو الذي قد أغدقا ([6])

ورمضان يحرر النفوس من ملذات الهوى فهذا الشاعر حسين عرب يقول:

ومحرر الأخلاق من قيد الهوى *** إن عمها من زيفه طوفان

بشراك تفتر الثغور لوقعها *** جزلًا ويخفق خاطر وجنان ([7])

ويشير الشاعر رمضان أبو غالية في قصيدته «حديقة رمضان» إلى المدرسة الرمضانية التربوية التي تربى النفوس، وتهذب السلوكيات.

هذا وفي الدنيا فإنك صابر *** صلب الإرادة فوق أي بلاء

أحبيت كل الناس حطت ضعيفهم *** بيد الرعاية دونما استعلاء ([8])

والشاعر محمد علي السنوسي يذكرنا بروحانية رمضان التي تطفئ نيران ظمأ النفوس المتعطشة إلى السلام، وينفث في خلاياها الرحمة والوئام حيث يجد فيها الظامئ ريه والسقيم شفاء من الأدواء العضال فيقول:

رمضان يا امل النفوس *** الظامئات إلى السلام

يا شهر بل يا نهر ينهل *** من عذوبته الأنام

طاقت بك الأرواح سابحة *** كأسراب الحمام

إلى أن يقول:

سور من الفرقان يرفعها *** إلى أسمى مقام

آياته تشفي السقام *** ولفظه يطفي الأوام

رمضان معذرة فإنا *** لا وراء ولا أم نام ([9])

ولرمضان فضل كبير في الوقاية والعلاج لكثير من الأمراض البشرية والأدران الظاهرة والخفية:

رمضان مدرسة ومشفى فالتمس *** منه الشفاء ومنهج الرضوان

لا تجعل التقوى على أيامه *** وقفاً وبعد تخوض في العصيان ([10])

وكرم رمضان وجوده لا يقفان عند حد، فهو منعم بكل خير مليء بكل صور العطايا والمتن، فيفيض على الكون بالطهر والبلسم والجنان يقول الشاعر:

وتجود باليمن المعبق بالشذى *** وتفيض طهراً بلسمًا وجنانا ([11])

وعندما يأتي رمضان يستبشر بقدومه الناس حيث ينعم البؤساء بنظرة من المسلمين الذين يلبون نداء الله عز وجل، فيقول الشاعر حسن فقي:

رمضان إن البائسين تطلعوا *** أملًا إليك.. فجد على البؤساء

بالخير تشملهم به وببسمة *** يشتاقها العانون للتأساء

من ذا أحق بذاك منك وأنت في *** عالي الذرا متربع ببهاء؟

الله من مكنت من آلائه *** فاشكره بالنعمى على الآلاء

فإذا نظرت من المشارف للورى *** فرأيت ثم اللهو في الأبهاء ([12])

ويشير الصوم يربي في النفوس الإحساس بمشاعر الفقراء الشاعر إلى حقيقة مرئية في حياتنا إذ إن الذين لا يجدون ما يقيم أودهم وذويهم:

لو قيل ما يعلو؟ لقال ضعيفنا *** أنا للعلو الست باب سماء!!

أو ليس قرشك في يد المولى... إذا *** اعطيتنيه بروحك الوضاء!!

تلك الحقيقة عطرتك كريمة *** بعطورها وحبتك بالأنداء

أعطتك فيض الله في قرآنه *** تتلوه في الإصباح والإمساء

تلتف في حلق عليه ولاتني *** والصحب تدرسه بكل صفاء ([13])

 ولرمضان عظيم السجايا والخصال التي تميزه عن غيره من الشهور، وهنا يناجيه الشاعر، مشيرًا إلى خاصية من خواصه التي اتسم بها حيث يغتنم فيه المسلمون لياليه فيعطرونها بمجالس الذكر وتلاوة القرآن الكريم، ويطيبون أيامهم بالأدعية التي تصعد للسماوات العلا ولا يحجبها سلطان من دون الله العلي الأعلى فيقول الشاعر أحمد سالم باعطب:

رمضان بالقرآن ليلك عاطر *** ويطيب يومك بالدعاء ويزهر([14])

 ويشير الشاعر محمد رائف المعري لملمح من الملامح الرمضانية إذ تتنزل الملائكة بالقرآن الكريم لشمول آياته لكل صغيرة وكبيرة في الكون بالبشريات العظيمة للذين صاموا إيمانًا واحتسابًا فيقول الشاعر:

فيك الملائك بالقرآن قد نزلوا *** آياته لجميع الخلق تشتمل

بشرى لمن صامه بشرى لمن بذلوا *** بشرى لمن من عطاء الله قد نهلوا ([15])

 ويصف الشاعر «أكرم قنبس» رمضان وما تجملت به سناياه من جميل السجايا وعظيم الصفات وجليل الخصال، حيث تبارك عن سواه. من الأشهر الأخرى، وزاد به العطاء، ونزل فيه القرآن الكريم، فيقول الشاعر:

أيا شهرًا تبارك عن سواه *** تباركنا وزاد بك العطاء

بك التنزيل نزل من علي *** ليهدينا فكان الاهتداء

أبر الناس کان به رسولاً *** وجبريل المودة والنداء ([16])

ومن الكرامات التي امتن الله بها على عباده المسلمين في هذا الشهر الكريم أن جعله مفتاحاً الأبواب الخير، فهذا الشاعر عبد الرزاق الخالدي يقول:

شهر الرضا فيه الجنان تفتحت *** أبوابها كرمًا لذي العرفان

لا تفتننك عن هداك ضلالة *** تلهيك عن ذكر وعن قرآن ([17])

 ويلقي الشاعر عبد الرزاق الضوء على كرامة من الكرامات الإلهية التي من بها الله على هذا الشهر واختصه بها دون غيره، حيث لا مكان فيه للشيطان ولا لذريته، ولا أتباعه حيث تصفد الشياطين، وتتعمد الرحمات الإلهية أنفس المسلمين ولا تغلبهم شهواتهم ونزواتهم التي تكاد تسيطر على كل تصرفاتهم فيقول:

خسيء اللعين وصفدت أحزابه *** بسلاسل من سطوة الديان ([18])

ويسلط الشاعر احمد صدوق صافي الأضواء ليكشف عن خاصية من خواص رمضان وهي تصفيد الشياطين أيضًا، ورحيلهم عن الكون وغيابهم عن الدنيا في السجون التي قدرها الله لهم ليستريح البشر من غزواتهم التي لا تنتهي وحروبهم الطاحنة التي تكاد تعصف بالكثيرين من بني ادم الذين سلموا لهم بالولاء والطاعة وهنا تظهر المفارقة حيث ينعم الناس في غيابهم، وفي حال سجنهم هذا بنعمة السمو الروحي والسلوكيات الكريمة والأخلاقيات السامية العظيمة التي ترتقي معها النفس البشرية محملقة في أجواز السماوات العلاء فيحيا المسلمون حياة العزة والكرامة ويصبح أمرهم من أنفسهم طاعة الله وإرضاءً له وحده سبحانه. لا يشاركهم في أمرهم شيطان ولا جان.

ما بال وسوسة الشيطان قد خفتت *** في هيكل الصوم لا شرك ولا أصنام

وكل خلق كريم في النفوس سما *** هذى شمائله عفو وإكرام

يا موسم الخير أحيتني بشائره *** وجدد العزم نفحات وأنسام ([19])

أما الشاعر الشيخ عبد الرزاق في قصيدته «رمضان والحج»، فيناجي من لبى نداء الله عز وجل، وصام رمضان مهنئا إياه بما أفاء الله عليه من نعمه وآلائه التي لا تعد ولا تحصى، حيث وهبه النور الرباني، والضياء الوجداني، واليقين المفعم بالثقة بنصر الله سبحانه وتأييده ضد عدو الإنسانية اللدود الشيطان، لعنه الله تعالى - كما استجابت جوارحه للطاعات، وأصبحت في معية الله للانصياع لرب العرش الذي تكفل بالحفظ لمن اتبعه ويستحث الشاعر المسلمين أن يغتنموا هذا الشهر بالطاعات والا يحرموا أنفسهم روعة الائتناس بجميل التكرمات من قيام واعتكاف وما سنة المصطفى فيقول الشاعر:

يا من هداه الله للإيمان *** وحباه نورًا من هدى رمضان

فأتاه من هدي اليقين حصانة *** قد جنبته مكايد الشيطان

فتمكن الإيمان فيه فبادرت *** أعضاؤه بالبر والإحسان

فانصاع للإسلام طوعًا عن هدى *** قد عمه بجوارح وجنان

قد جاء شهر الاعتكاف فكن به *** في طاعة تعطى رفيع جنان ([20])

ويصور الشاعر «يس الفيل»، روحانية الطاعة ولذاتها، حيث يجد المطيع الرحمة، والرأفة في اتباعه لأوامر الله عز وجل، إذ يشعر الصائم في تركه للطعام والشراب والشهوات راحة نفسية يستعذب من دونها هذا الحرمان، ويتلذذ بالطاعات ويبقى في ذمة الله - تعالى - وكنفه وشتان بين كنف الله وحضرته وبين حضرة الهوى والشيطان:

تستعذب الحرمان وهو مطية *** الجموح عصر للغناء يسير

ونلوذ بالرحمن يوقظ من غفا *** منا وعريد في مداه فتور

ونظل نسبح في الضياء مواكبًا *** جذلى يطوف بها ويصعد نور ([21])

 ويصور الشاعر «يس الفيل» مدى التغيير الذي يهب على الدنيا من غشيان الحياة بالسماحة والتكرم والأخلاق الحميدة وجميل السجايا التي تتنزل على مخلوقات الله - عز وجل ، إذ يرقى بالناس إلى منزلة ملائكية لا تدانيها أي منزلة أخرى، ومع ذلك الأثر الذي يتركه في بني الإنسان من المسلمين إلا أنه لم يتغير عن هذا الدور المهم والفاعل، فهو على المدى يغير ولا يتغير، فلم يعهده أحد أبداً أنه ترك الناس على سجاياهم التي كانوا عليها في الشهور الأخرى. التي تترك الناس في فيهم وضلالهم وفتورهم ودوراتهم في أفلاك الضياع يهيمون فيقول الشاعر في قصيدته «رمضان أنت بما نحب جدير»

رمضان یا ملا السماحة والرضا *** أقبل فما لك في الشهور نظير

تتغير الدنيا وأنت على المدى *** تأتي ولم يلحق بك التغيير

تمضي الشهور بنا ونحن على الهوى *** نحيا وفي ذلك الضياع ندور

وتلوح أنت على الربا فإذا بنا *** شوق يكاد إلى سناك يطير ([22])
الهوامش:

([1]) المنهل ع ٥٤٦، رمضان شهر الله لأكرم جميل قنبس.

([2]) أحمد صدوق صافي مواسم الخير المنهل ٥٦٢/44.

([3]) عبد المنعم عبد الله حسن، أنا صائم، منار الإسلام رمضان ١٤١٧هـ.

([4]) عبد المنعم عبد الله، أنا صائم منار الإسلام. رمضان ١٤١٧هـ.

([5]) السيد الصديق حافظ ربيع الروح الفيصل، ع 183/88.

([6]) رفعت المرصفي: رمضان يا عرس الهداية-الفيصل ع 183/77.

([7]) السابق.

([8]) رمضان أبو غالية، حديقة رمضان، الفيصل ع 171/117.

([9]) محمد السنوسي، المنهل، ع 527، ص51. 

([10]) الشيخ عبد الرزاق الخالدي، رمضان والحج، الفيصل، ع، 147، ص92.

([11]) جاك صبري شماس، الوعي الإسلامي ع409 ص27 أكرم الشهور.

([12]) حسن فقي، مرجع سابق.

([13]) رمضان أبو غالية، في حديقة رمضان، الفيصل، 171/117.

([14]) أحمد باعطب، المنهل،ع562 ص54.

([15]) محمد رائف المعري، أهلاً رمضان، ص53.

([16]) أكرم جميل قنبس، رمضان شهر الله، المنهل 546/76.

([17]) عبد الرزاق الخالدي، رمضان والحج، الفيصل 147/12.

([18]) عبد الرزاق الخالدي، مرجع سابق.

([19]) أحمد صدوق صافي، مواسم الخير، المنهل، ع 562 ص44.

([20]) عبد الرزاق الخالدي، سابق.

([21]) يس الفيل، رمضان أنت بما نحب جدير، الفيصل ع، 255/34.

([22]) السابق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

173

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

118

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم