العنوان المجتمع الثقافي (1640)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 26-فبراير-2005
مشاهدات 62
نشر في العدد 1640
نشر في الصفحة 48
السبت 26-فبراير-2005
قراءة في رواية:
«جريمة في شارع الملكة نازلي»
تأليف: محمد علي شاهين
«كاتب سوري مهاجر»
رواية تاريخية معاصرة، جاءت في ١٥٦ صفحة، شكلت جريمة اغتيال الإمام حسن البنا أبرز أحداثها، وقد جاءت لتستعيد رسم صورة ناطقة مليئة بأدق التفاصيل عن النصف الأول من القرن الماضي، حيث تبدو المشاهد والأحداث منسابة بعفوية وحيوية خلال المدن الصامتة، والأرياف المنسية والأحياء الشعبية في القاهرة، وسط صخب المقاهي وهمس الغرف المغلقة، وضحكات المترفين، وأنات المقهورين، وقد نقلت بصدق . وأمانة من ذاكرة شهود لازال بعضهم يعيش بيننا حياً، أصدق المواقف وأبلغ الكلمات.
فالمشاهد مازالت تحتفظ ببهجتها على الرغم من مر السنين، حتى قطرت الدم مازالت ساخنة، وكذلك الثقوب التي حفرتها طلقات المسدس لا تزال بادية للعيان في شارع الملكة نازلي، عندما أطفئت الأنوار، وتقدم عدد من الرجال ليطلق أحدهم النار على الإمام الذي لم يمت .. فينقل إلى المستشفى قصر العيني، ليترك وهو ينزف حتى صفي دمه؟!
ولكن الرواية كانت أوسع من هذه الحادثة فقد وقفت على حياة الإمام من الميلاد إلى الاستشهاد مع إبراز أهم المواقف في حياة الدعوة والداعية، وهي وإن نقلت من ذاكرة شهود لا يزال بعضهم أحياء، فقد نقلت أيضاً من مؤلفات ومذكرات بعضها كتبه تلاميذ الفقيد وإخوانه وبعضها خطه آخرون جذبتهم شخصية الإمام.
وفي هذه الرواية على كثرة أحداثها وتعدد شخصياتها حاول المؤلف أن يلتزم بالحقائق لأنه كما أشار في المقدمة يريد لروايته أن تنزع ما أحاط بشخصية بطل الرواية من طمس واستئصال، وأن تصلح الصورة التي زيفها الإعلام المعادي على مدى سنوات طويلة، وقد وظفت كثرة الشخصيات في إبراز الشخصية الرئيسة من خلال علاقتها بها سلباً وإيجاباً.
وفي هذه الرواية لا يكاد يلمس القارئ أي نوع من أنواع السرد، فقد كان اعتماد المؤلف على الحوار وحده وكان حواراً أساساً دون أن يتدخل بتعقيب أو تعليق، وقد أوجد هذا الحوار حيوية تجعل القارئ يتابع أحداث الرواية من خلال مشاهد متتابعة على طريقة «السيناريو» فارتبط بعضها ببعض دون أي انقطاع زمني مما أعطاها استمراراً وانسياباً في الحركة.
الناشر: الأردن – عمان. ص. ب: ١٨٢٦٨٣
مجلة الأدب الإسلامي
عدد خاص عن مصطفى صادق الرافعي
خصت مجلة الأدب الإسلامي الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي بعدد خاص مزدوج ضم العددين (٤٣ - ٤٤) وقد افتتح رئيس التحرير هذا العدد بالحديث عن: «أديب الإسلام الأكبر» وعد هذا العمل والندوة التي عقدت عن الرافعي في القاهرة العام المنصرم أقل ما ينصف به هذا الرجل العظيم الذي وقف أمام تيار التغريب، وكان في ذلك رائداً لأمته، فوقف تحت راية القرآن يخوض معارك كثيرة لفضح التقليد الزائف الذي سمي بالتجدد.
وقد ضم العدد مئتي صفحة من البحوث الجادة والمقالات والقصائد والسيرة الذاتية، وما ألف عن الرافعي من كتب وما قدم عنه من رسائل جامعية.
ومن أبرز البحوث في هذا العدد: «أصالة التجديد وتجديد الأصالة» للدكتور حسن الأمراني، و«الرافعي وقضية الإعجاز في القرآن الكريم» للدكتور صلاح الدين عبدالتواب، و«التصور الإسلامي للنقد الأدبي» للدكتور وليد قصاب، و«الطفولة في أدب الرافعي» للدكتور عبدالحميد الحسامي و«بين الرافعي وطه حسين» للدكتور صابر عبد الدايم، إلى جانب عدد آخر من الدراسات القت الضوء على القصة عند الرافعي، والمرأة في أدب الرافعي وشعر الرافعي، وطبيعة البيان عند الرافعي كما قدمت دراسات عن عدد من مؤلفاته مثل: حديث القمر والسحاب الأحمر والمساكين، وعلى السفود، وحظي كتاب وحي القلم بعدد من الدراسات التي تناولت جوانب متعددة فيه.
وفي باب أخبار الأدب الإسلامي تم استعراض الندوة الخاصة التي عقدت عن الرافعي في القاهرة، والتوصيات التي قدمتها الندوة في العناية بأدب الرافعي، وكذلك ندوة الأدب الإسلامي في اليمن بمناسبة اختيار صنعاء عاصمة للثقافة العربية عام ٢٠٠٤م.
كتاب الأمة
الخطاب التربوي الإسلامي
في سلسلة الكتب التي يصدرها مركز البحوث والدراسات بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر، صدر كتاب الأمة المئة تحت عنوان «الخطاب التربوي الإسلامي».
هذا الكتاب.. مساهمة نقدية للواقع التربوي من أستاذ أكاديمي وباحث مخضرم أحزنه هذا الواقع، بحيث امتد به النقد للأطروحات والرسائل العلمية في مجال العطاء الأكاديمي، ذلك أن عدم وضوح الفلسفة التربوية، وغياب المنهج والإشراف المتخصص، والموضوع المدروس المجدي يؤدي إلى الكثير من التعميم واختلاط الرؤية، ودخول الشأن التربوي من يحسن ومن لا يحسن، حيث تبقى الخطورة، كل الخطورة، عندما يتحول من يتصدرون للحل إلى مشكلات.
إن الكثير من مشاريعنا وأفكارنا يتطلب عمليات نقدية شديدة، وأحياناً قاسية لعلها تحرك الرواكد، وتصوب الخطوة وتبني ثقافة المراجعة والمقارنة والحوار... والناقد هو الناصح -والدين النصيحة- والشريك الأساس في عملية النهوض.
والخطاب التربوي الإسلامي هو اجتهاد بشري يجري عليه الصواب والخطأ.. هو بطبيعته وبشريته قابل دائماً للنقض والنقد، والإلغاء، والتعديل، والتطوير ولعله أكثر المجالات حاجة إلى النقد، ونقد النقد، لأن الركود يكرس التخلف.
ولابد أن نعترف بأن التربية، بكل أبعادها ومجالاتها، هي أشبه بالوسيط الكيميائي الذي يحدث التفاعل المطلوب، ويعيد صياغة الأمة، ويؤهلها لكيفية التعامل مع قيمتها وتوظيف مكانها الحضاري... إن الخطاب التربوي الإسلامي: منهج صناعة الإنسان المتغير المتطور والمتنامي المتسامي الذي يجب أن يعيش عصره، ويتأهل لفهمه وكيفية التعامل معه، منطلقًا من وحي السماء.
شعر: فيصل بن محمد الحجي
واحة الشعر
قلمي تدور. بل تدار حوله الشبهات... وتوجه إليه الاتهامات بسبب طريقته في معالجة جراحات العالم الإسلامي الدامية ومآسيه الفاجعة.... ولهذا فإني قبضت على قلمي وأودعته قفص الاتهام.... وبدأت أسأله معاتباً ومحاسبًا:
محاكمة قلم
أتشذ يا قلمي عن الأقلام لتسير منفلتاً.. بغير زمام؟
وسواك لما سار محسوب الخطى ألفيته علماً من الأعلام؟!
ما بال حبرك فاقعاً متوهجاً يزداد وهجا بازدياد ظلام؟!
تغريك أمواج الإثارة في المدى فتخوضها بسذاجة كغلام
وتقولها علناً.. وغيرك صامت يرنو كمن يرنو إلى الأوهام
ما بال عينك لا ترى في دربها خطر الصراحة والكلام الحامي؟
أو لا ترى الجدران تلقي سمعها لتصيد همسا في ضجيج زحام؟
أتظل في الدرب القديم.. ألا ترى فوق الدروب تناثر الأقدام؟
جدد مدادك كي تعيش مبراً من كيد واشٍ.. أو رذاذ خصام
فأجابني قلمي وسيل مداده دمع يسيل على حطام كلام
أنا مسلم علمت منذ طفولتي أن أستبين الحق في أحكامي
علمت أن الحق يعلو دائماً ويظل عملاقاً مع الأقزام
علمت أن الناس أحرار... فلا يفتات أقوام على أقوام
علمت أن الشعر قول صادق وبدونه إثم من الآثام
فسألته: لم تشمئز إذا بدت لـ الغرب ، بادرة بأي مقام؟
فأجاب: قد شاهدت منذ طفولتي ما زاد في همي وفي آلامي
شاهدت لندن مثل حوت جائع يجتاح كل موائدي وطعامي
ورأيت باريس، استغلت بأسها وثبت على وطني وثوب حرامي
ورأيت إسرائيل، تزرع شوكها في روضنا .. في قدسنا.. في الشام
وامتد حبل المكر.. يفصل بيننا ويحيل أمتنا إلى أقسام
وإذا بأمريكا تمد جحيمها فوق العراق بنية الإجرام
وعيونها ترنو لكل بلادنا بشراهة السرحان ([1]) للأغنام
فنصحته التزم السلام... . فقال لي: هل يؤمن الباغي بأي سلام؟!
أنشيح عن أطماعهم أبصارنا جهلا.. وندفن رأسنا كنعام؟
قل لي بربك ما العلاج وأمرنا في كف عفريت بغير نظام؟
لا مجلس الأمن احتوانا أمنه يوما... ولم يحم الظعينة حام
لم يكترث أحد بنا.. وكأننا من ضعفنا صفر من الأرقام
قلت: التزم بالصمت.! قال: وما الجدا؟ ومتى يرد الصمت سهم الرامي ؟
ما دور هذا الشعر؟ إن يصمت فقل: شيطان مكر أخرس متعام
ماذا أفاد الصمت أندلساً، وقد طمس العدو تراثها الإسلامي؟
ماذا أفاد البابري، وقد هوى مترنحا بمعاول الأخصام؟
ماذا يفيد الصمت إما زلزلت زلزالها في قابل الأيام؟
طأطأت رأسي.. فالحقيقة أشرقت كالشمس.. لا تخفى بأي لثام
ناديته اخرج سالمًا.. فالشؤم من ذئب عوى.. لا من هديل حمام..!
رباه قد ضاق المجال.. وإنني بين النقيضين استجار كلامي
حسبي رضاك بما أقول وأدعي ولمن يخطئني رضا الحكام..!
[1] السرحان: الذنب.
محمود الكسواني
أفراخ العلمانيين تطير بأجنحة سوقية
استعارت زمرة من أغرار العلمنة المعاصرة مدادها من لعاب إبليس وتفوقت عليه تفوقًا ملحوظًا، فإبليس -الذي تعرفه في القرآن الكريم- متكبر مغرور جاحد كافر، ومع ذلك كان أبعد المخلوقات عن شتم الخالق ونعته بالفاشل، فقد أقر إبليس لربه بالعزة والجلال، أما الذين استعاروا الغواية من الشيطان فلا أقل من أن يوصفوا بالمفلسين، لأن المفكر أو «الأديب» أو «المناظر» لا يلجأ للشتم والإثارة إلا إذا أفلس ذهنه، وفرغت جعبة عقله من كل حجة، أو قرينة، أو حتى شبهة دليل، فحسب تلك الأفراخ العلمانية أنها أقل دراية ومعرفة ومقارعة فكرية من آبائها الأولين الذين سقطت أفكارهم رغم توقدها وتمهد السبل السياسية لها مع مطلع القرن العشرين وانتصرت الفكرة الإسلامية عليها: صحوة وانتفاضة وحماساً وبذرة تجديد سوف تنمو وتنمو لأنها أعلى شأناً من الشتم واللمز وأفلام الإثارة التي تدغدغ عواطف السكارى، والإباحيين، والسوقيين، لكنها تتهاوى أمام الحجة البالغة .. حجة العقل والعلم اللذين يتبجح بهما كل همزة لمزة.
ومع أن الأحرار والعلماء وقفوا الأفراخ الإرهاب الفكري العلماني بالمرصاد وأوسعوهم ما يستحقون، إلا أن الأمر يحتاج إلى قراءة من زاوية أخرى، لأننا لابد ونحن عاكفون في سبيل الله، أن نتعلم من سقوطهؤلاء ما يقينا السقوط، ومن هبوطهم ما يرفع رؤوسنا علياً، فالعلم بريء من الشتم والعقل لا يعرف إلا الحجة بالحجة والدليل بالدليل.
إفلاس الفكر العلماني
هذا هو الدرس الأول للمنافحين عن الحق، ليكونوا على ثقة أن الانهيار العلماني وشيك، وأن الحق زاهق للباطل، وتلك سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
لقد ظن أفراخ الماركسية يومًا أن انتحال الإسلام فكراً وشريعة وسياسة واقتصاداً يمكن أن ينخر الفكر الإسلامي من داخله فانتحلوا الإسلام، وراحوا يدعون التجديد، ولكنهم انهاروا أمام تلامذة الفكر الإسلامي من أول جولة، حين انكشف أن تجديدهم ما هو إلا هدم للدين، وإبداعهم ما هو إلا بدع في الشريعة والعقيدة معًا.
نرثى لصغار العلمانيين كما رثينا للماركسيين، نرثى لهم لأن قلوبهم مريضة، وعقولهم منهارة وصغيرة صغر رواياتهم وأدبياتهم الخالية من الآداب.
نهنئ أنفسنا بأن الفرخ لم يحسن التحليق ولم يحسن اختيار الفضاء، فكان تحليقهم مشوهًا بالشتم وهاويًا بالسب وكأنهم تلمود أو عهد قديم منسوب إلى الحق زورًا وبهتانًا.
ليست المشكلة في أنهم يسعون للشهرة والمجد، فلكل مجتهد نصيب، أما أن تكون شهرتهم بالإثارة والجرأة على محاكمة الخالق، والتعرض والتعريض برسله، فالله أعلى وأجل من أن يسأل عما يفعل، فكيف إذا شتم ووصف بما يخجل الإنسان أن يصف به بشراً مثله؟!، فهنيئاً للعلمانيين إفلاسهم، الذي لا يعني سوى بداية نهايتهم وانقراضهم.
الديمقراطية: ليست من الإسلام في شيء
درس ثان يمكن أن نفهمه من دفاع أفراخ العلمانيين عن أفكارهم الإباحية، وشتائمهم الإرهابية، إنهم يحتمون بالفكر بالديمقراطي الذي أذن لهم بمناقشة ومحاورة ومحاكمة الخالق سبحانه فالديمقراطية بمفهومها الأساسي، حرية مطلقة في الرأي والتعبير، قل ما شئت ولا تخش حتى الله هذه هي الديمقراطية في جوهرها الغربي الذي يسعى العلمانيون الإعلاء راياته، وتتويج عروشه وتشييد أركانه.
وبالفعل، في نظر معظم القراءات الفكرية في الإسلام، فإن هذه هي الديمقراطية، نعم هناك من المخلصين من يرى غير هذا الرأي، ولكن ما تشهد به الأحداث يوميًا، أن الديمقراطية التي يسعى الغرب لإرساء قواعدها في ديار الإسلام هي أخطر مبدأ كوني على المسلمين، لأنها حقاً هي المنفذ الوحيد أمام زمرة السوقية والعيارين والشطار العلمانيين من أبناء جلدتنا، مع أن حامية الديمقراطية المعاصرة، الولايات المتحدة الأمريكية، تتخذ من الإيمان بالله شعاراً لها، وتفتخر بإيمانها به على دولاراتها، أما ديمقراطية أجلاف بني يعرب العلمانيين فإنها لا تقر قدسية أو تنزيهاً لله سبحانه ولا حباً وتوقيراً لرسول الله محمد ﷺ، الذي بجهاده ودعوته حررها من السجود للحجارة، وخلص مؤوداتها وإناثها من الدس في الثرى، فالله في نظرهم «فنان فاشل» أو «عاشق هابط» حصونهم التي يتحصنون وراءها هي مبادئ الديمقراطية التي مازال بعض المخلصين لا يفرق بينها وبين الشورى إلا بالحرف والرسم والاسم مع أن النظام الإسلامي نظام متفرد لا يقر بخيار في المبادئ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب:٣٦).
فلو سلمنا حقًا بالديمقراطية، سوف يتحول نقاشنا مع هؤلاء إلى موضوع آخر غير موضوع شتم الله ورسله، إنما سينحصر نقاشنا وحوارنا معهم تحت شعار هل الديمقراطية تسمح بإبداء الرأي في الله ورسوله أم لا تسمح، وهذا العمري أخطر من جريمة شتم الخالق ورسله، لأننا نكون ساعتها قد فقدنا الإيمان نفسه، فكيف يستهزأ بالله ورسله وآياته، ونقعد مع المستهزئين نحاورهم في جواز الاعتراض على الله ورسله في الديمقراطية أو عدم جوازه؟ والله أمرنا أن ننكر عليهم استهزاءهم وتعريضهم به سبحانه وبرسله وكتبه؟
الطيب والخبيث
درس أخير وليس آخرًا، يمكن أن نتعلمه من هذه الهجمة المسعورة على حرمات الله وهي التمييز بين المنافقين والمؤمنين بين الطاهرين والإباحيين بين المتربصين المرضى وبين أهل العدل والحق فالله عز وجل يمتحن الناس كما يمتحن الذهب وهذا ليس جديداً على المسلمين، وسواء جزعنا أم صبرنا فإن الفتن وحدها هي التي تصنع الرجال، فكم من عاص فاسق تاب ورشد مع الفتنة، وكم من عابد سقط أمامها، وهذا من التمحيص والتمييز الذي سوف يستمر ما دامت السموات والأرض: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت:٢-٣).
أسامة أحمد البدر
فكر الأزمة.. وزمن العافية!
كثيرة هي الاختلافات حول أفكار المبدعين والمجددين.. وتزداد كثرة كلما كان المجدد عميق الجذور في فقهه وعلمه وتنظيره.. وواسع الانتشار والأهمية في كتاباته.. وذا تأثير عريض على الساحة الدعوية أو المجال الذي يبدع فيه.. وليس أكثر من الاختلاف حول فكرة المجدد سيد قطب يرحمه الله .. لما لهذا الفكر من انتشار وتأثير.. ولحجم القاعدة العريضة التي تبنت آراءه ومنهجه في الحركة والتغيير .. لذلك تكثر الأسئلة ولن تتوقف حول هذا المنهج وتأصيله وأهمية الأخذ به الآن وفيما بعد ... كما تكثر الآراء حول هذا المنهج والكتابات بل الدراسات حوله .. موافقة أو مخالفة أو متحفظة على بعض وموافقة للبعض الآخر. ولعل مما يلفت النظر ويستدعي الوقوف عنده في هذا المجال قراراً صادراً عن شخصية دعوية جليلة لها باع طويل في الساحة الحركية لنصف قرن خلا .. مما يكسب هذا القرار أهمية، بل خطورة ترقى إلى مستوى الثوابت في بابه .. ونعني به ذلك القرار الذي حكم على فكر سيد قطب السياسي بأنه فكر أزمة ونحن اليوم والحمد لله في زمن عافية .... الأمر الذي يستدعي إذا نسخ فكر الأزمة ذاك . أو على الأقل حفظه كتراث مرموق في أرشيف الدعوة . واستبدال موجبات ومستحقات «زمن العافية به»!.
فهل نحن حقًا في زمن عافية ؟!
لن نتحدث عما يجري في أرض المسرى.. بل ستسأل عن أبسط من هذا بكثير، لنرى إن كنا فعلاً في زمن عافية .. هل تحكم أمة المسلمين وفق شرع الله؟!.. من يجرؤ أن يقول نعم؟!... هل خلت سجوننا ممن يوحدون الله .. هل خلت المنافي من الدعاة الذين فروا نجاة بأنفسهم وأطفالهم وأبدانهم من أذى المسرفين؟!.. هل تخلصت البلاد الإسلامية من أذى هذا الجار أو ذاك؟ هندوسياً كان أم نصرانياً ومن بني جلدتها حتى؟!... بل هل استقلت الأمة الإسلامية من ربقة الاستعمار وهيمنته على ثرواتها ومقدراتها فما عادت تلك الثروات تصب إلا في صالح شعوبها؟!.. هل .. وهل .. وهل؟!.. وإذا كانت إجابات هذه الأسئلة وغيرها نفياً فكيف يمكن أن نقول إننا في زمن عافية؟!
أما إذا كان رائدنا هو ازدياد عدد المحجبات.. أو توبة الفنانات.. أو تزايد أعداد الموسرين الذين يقصدون كل عام إلى العمرة.. أو نجاح هذا الأخ أو ذاك في انتخابات فرعية يكون أقصى غاية منها تقديم طلب إحاطة، أو استجواب لهذا الوزير أو ذاك.. إذا كانت مثل هذه المظاهر مما يدغدغ مشاعرنا المحبطة منذ عهود الاستقلال الاسمي عن الدولة الأجنبية.. فنحن فعلاً في زمن عافية .. ولكن... يا لها من عافية!
إن الأحزاب والحركات السياسية الأرضية تجعل من أول أهدافها أن تحكم بما تعتقد. سواء لشهوة الحكم ذاتها أو لتجسيد مبادئها في واقع يراه الناس.. وتقاتل في سبيل ذلك وتسجن وتهجر وتلاحق وقد تقتل أيضاً .. فما بال أصحاب النظرية السياسية الإسلامية قد اختزلوا اليوم غايتهم في بعض مظاهر هي مما يثلج الصدر ويستوجب الحمد حقاً .. ولكن أين هي من السعي لأن تحكم ليس بما ترى هي وإنما بما أنزل الله؟ سيما أن هذه الحركة ليست مخيرة بين أن تحكم أو لا تحكم.. ليست مخيرة أبداً بنص الكتاب أولاً وبمعطيات سيرة الرسول الذي هو قدوتها ثانيًا.. وبالميثاق الذي انطلقت هي منه يوم ولدت فكانت أكبر حركة سياسية دينية شهدتها الأرض.. وأخيراً بدواعي المنطق العقلاني المحض الذي يلزمها بأن توجد لأتباعها المحضن الأمن والمناخ النظيف الذي يمكنهم من الالتزام بما تدعوهم إليه دون أن يتمزقوا ما بين مثل دينهم وسموه، وما بين موجبات العيش في مجتمع بعيد كل البعد في مفاهيمه ومصطلحاته ومواصفاته التي تحارب كلياً ما تدعوهم الحركة الإسلامية إليه وبالتالي فلا مناص من التمزق.. وبالتالي تكون جناية وأية جناية أن ندعوهم لنبذ المنكرات مثلاً، بينما المجتمع كله يحرضهم عليها ... وبالتالي يكون الأسلم لهم – ولو مؤقتاً – أن نتركهم يبرمجون حياتهم على أسس مجتمعاتهم فنضمن بذلك عدم تمزقهم ما بين دعوة وواقعمخالف تمامًا لها!.
فإذا انحسر الهم الأسمى للحركات الإسلامية عن الحكم التام بما أنزل الله إلى مظاهر فردية من الالتزام بالواجبات الشرعية واعتبرنا أنفسنا بهذا أننا في (زمن عافية) فيا لها من عافية ويا له من زمن !!.
وإذا كان ذلك فلابد من العودة إلى المنهج الذي انبثقت عنه الحركة الإسلامية الأولى والكبرى.. ولابد من العودة إلى منطلقاته وتقييم للمجتمعات التي نعيشها وفقاً لهذا المنهج.. غير ناسين بالطبع تغير الأحوال التي تفرض تغييراً في الوسائل دون الخروج عن الهدف الأسمى ودون الخروج عن المنهج الأصلي لعملنا .. ومع التمسك التام بثوابته وتوجيهاته.. وبغايته الأولى والأخيرة «لتكون كلمة الله هي العليا».. ولو سمى البعض هذا الفكر بأنه فكر أزمة .. أو قرر حسب موقعه هو أننا والحمد لله في زمن عافية... فبالتأكيد نحن لسنا في زمن عافية أبداً .. بل إن الليالي حبلى بما هو أسوا.. وببساطة شديدة ليس لنا إلا ذلك الفكر الأصلي والأصيل سبيلًا للوصول إلى ما نبتغي: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل