; المجتمع الثقافي (1647) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1647)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 16-أبريل-2005

مشاهدات 65

نشر في العدد 1647

نشر في الصفحة 48

السبت 16-أبريل-2005

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (الضحى:2)

د. حامد بن محمود آل إبراهيم

alibrahimh@hotmail.com

صلى الفجر مع الجماعة في مسجد الحي, ثم تولى إلى الزاوية البعيدة في نهاية المسجد حيث لا يكاد يراه أحد, ألقى بظهره إلى عاموده المفضل، ثم بدأ في أذكار الصباح، جاءته سورة الضحى، لا يدري كيف، لكنه سمع صوتًا رحيمًا يقسم (وَالضُّحَى .. (الضحى:1)، ...والضحى, أراد أن يرفع رأسه لينظر من الذي يقسم لكنه لم يستطع، فقد جاءت التالية ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (الضحى:2) بعد ضجيج الضحى جاءت هدأة الليل وسكونه, ليل مسجى كهذا الذي سجي في فراشه، فلا صوت له ولا حراك، أخذه المشهد الصاخب، ثم هدأت نفسه مع الليل المسجى الهادئ. 

جاءه النداء بالبشرى ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (الضحى:3) فرح بها، فقد غفر الله له ذنبه وأصبح موصولًا بربه، إذا تم الوصال مع الرحمن بعد الوداع والهجران، فذاك النعيم لا شك ولا جدال، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى (الضحى:4), الدنيا هي الأولى التي نعرفها، ولكن هيهات لها أن تكون هي الخير في الحقيقة، إنه يعلم أنها مزرعة الآخرة، ولولا ذلك ما رضي بها، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (الضحى:5), أحس بصوت النداء هذا يأخذه بعيدًا في الزمان, أحس كأن الصوت يأخذه في أعماق نفسه, والسنين تطوى أمام ناظريه يوم مات أبوه، رجع من صلاة العشاء يسأل أمه عن أبيه: لماذا لم يره في المسجد وجاءه رد حزين هذا هو مسجى في فراشه، وقد كست الحمى جبينه، ما كاد يلمس الجبين، حتى أحس بلسع الحمى ووطأتها, هوى على وجهه يقبله، والتمس يده يتحسس نبضه، ويا لعجب ما وجد!! لقد كانت نبضات القلب تتزاحم ثم تخفت, ضربات القلب تشتد ثم تهدأ. جريان الدم يتدفق ثم يسكن!

 ثم ما عاد يحس شيئًا لم يدرك ماذا جرى، ولكنه نظر إلى وجه أبيه فرأى الحمى وقد تلاشت آثارها، ولسعة الحرارة وقد هدأت فورتها، وقد ارتسمت ابتسامة صافية على الوجه الوقور، ثم صمت كل شيء، فلم يعد يسمع أصوات الداخلين والخارجين في الغرفة، إلا كلمة واحدة ما زال يتردد صداها في أعماقه يتيم لقد مات أبوه، وعادت الصيحة والنداء ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (الضحى:6), انتقل من كلمة اليتيم إلى ما هو عليه الآن في بيته الفسيح, وأولاده البنين والبنات وأحفاده وحفيداته، وقد تحول المنزل إلى موكب صداح، فقد جاءت إجازة الصيف، وأقبل عليه وعلى بيته الجميع.

 فتحول ذاك اليتيم البغيض إلى جماعة موارة، فيها الصغير والكبير, الشاب والصبي, الفتاة والجارية، وقد أحاطوه جميعهم بحبهم ورعايتهم واهتمامهم، فراح اليتم بعيدًا وجاءت الجماعة، والعائلة، و«الربع» والقبيلة. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (الضحى:7) هتف بها المنادي فتلاشت الخيالات, وانفض الموكب من حوله, ليرى شاطئ البحر في المدينة الساحلية، حيث سافر للدراسة، وابتعد عن القرية ومساجدها والأهل والأحباب والعلماء وحلقات الدرس!! وإن ينس لا ينسى ذلك الشاطئ المتعدد الأدوار, كأنها عمارة ضخمة قد احتضنت البحر وأمواجه بين ذراعيها إلى صدرها غير الحنون!! فقد كان صدر فجور وابتذال، خاصة في فصل الشتاء حيث لا يرتاد الشاطئ إلا قلة من الشباب، وما أدراك ما يفعل الشباب بعيدًا عن الأهل والعقلاء، ولكن الله سلم، واجتذبه أصدقاء الخير والتقوى، وبدلًا من تعدد الطوابق حول البحر، وجد تعدد الطوابق حول البيت العتيق، حي على الصلاة، حي على الفلاح الله أكبر، الله أكبر, والبيت... وما أدراك ما البيت, كأنه جوهرة غالية تجتذب الناظر إليها إلى أعماق الهدى والتقوى، وتشمل الطائف حوله برحمات رب البيت.. فهدى .. وهدى.

﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (الضحى:8)، كان رزقه قد قدر عليه، فبعد وفاة والده، وكساد تجارته من بعده، كان الرزق يأتي كأنه يمر من تحت عقب الباب، لقد أغلق باب الرزق الواسع، فلا يمر إلا النذر اليسير من ذلك الثقب الصغير، فيفي بما يقيم صلبه، أو يكاد، وها هي السنوات تمر وينال شهاداتها وأوسمتها، ويفتح له باب الرزق واسعًا, وتنهال عليه نسمات الغنى والمال من حيث أصاب، وقل إنه الوهاب، فتغيرت حاله وتبدلت أيامه. وجاء بالباب فتى، وأوشك سائقه أن يزجره ويقهره لكي لا يسد الطريق أمامه فأشار إليه أن يتركه، وبدأ الفتى حديثه: أنا يتيم مات أبي...؛ لم يسمع حديث الفتى، ولم يتبين ما يقوله ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (الضحى:9) ابتسم للفتى وأخبره أن له مجلسًا يوم الإثنين بعد صلاة المغرب، ولو جاء صائمًا فهو مدعو إلى الإفطار على مائدته يوم الإثنين مساءً. 

وفي مكتبه انهالت عليه أسئلة السائلين, هذا عن علوم الحاسب، وهذا عن الأدب والقصص، وهذا عن الفقه والتفسير، قام مساعده ونائبه وقد اغتاظا من كثرة السؤال, وأوشكا أن ينهرا السائلين شفقة عليه؛ نظر إليهما وقال: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (الضحى:10) ثم قائلًا رافعًا صوته ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (الضحى:11) فإذا بید زوجته تهزه؛ استيقظ قم إلى صلاة الفجر فقد أذن المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح, الصلاة خير من النوم!!.

أخي

بهاء فرح

ليس في القلب سوى شوق للقياك..

 أفتش في وجوه الناس علي أجد.. صورتك.. تطاردني في ذاكرتي.. في خيالي.. وحتى في أحلامي.. يراودني طيفك في سكون الليل الهادئ.. تأتي مع النسيم العليل.. تحيي في القلب شوقًا كنت أتمنى أن أنساه.. تذكرني بأيام ماضيات خلت أنها ربما صارت شيئًا من النسيان.. تحمل بين يديك ذاكرتي الجميلة.. أحاول أن أبتعد.. تقترب مني أكثر وأكثر.. تمسح بيدك على رأسي.. تبعث في أوصالي مشاعر لم أحس بها منذ زمن.

ألمحك هناك تأتي من بعيد.. من بين أيام وساعات.. من كلمات تناثرت وضاعت معانيها.. من بين أحلام باتت سرابًا لا تتخطى كونها أحلامًا.. من ذاكرة ليس فيها سوى الفراغ.. أنت تأتي من هناك.. من حيث تركتك ومضيت.. من حيث كان آخر سلام وآخر قبلات وعناق.. هناك أنت بقيت.. وهنا أنا الآن صرت.

 من هناك صوتك يناديني.. أسمع همساتك الهادئة.. كلمات ليست كأي كلمات.. وابتسامة ساحرة رسمت على شفتين تحدثا كل الظروف.. ابتسامة خرجت من بين الألم.. ألمحها وأحس دفأها وصدقها.. أنت فقط من يستطيع أن يطلق مثل هذه البسمات.. ولسانك فقط عليه مثل هذه الكلمات.

 وأنا هنا.. مازلت أذكر يوم التقينا.. أنا وأنت وقيود كبلتنا.. أي قيد جمع قلبين في الله!... أي قيد وحد الفكرة في عقولنا.. أنت وفقط.. أنت بكلماتك تبعث في النفس معنى للأمل.. تبقي الأحلام على مقربة من الحقيقة.. موعد تحياه في الذكرى وفي الأمل.. تمضي الأيام وتبتعد.. وأنا هنا.. وأنت مازلت هناك.. كلماتك.. بسمتك.. وقضبان السجن التي لم تستطع أسر عزيمتك.


  • أناشيد الطفل المسلم من الميلاد إلى الاستشهاد .. أنشودة الطفل هي السلم المتحرك إلى مكونه الحيوي الخاص
  • القراءة أساس التعلم، ولا تقل أهميتها للإنسان بحال عن أهمية المشي أو النظر أو الكلام.
  • كيف بدأ كل الرواد بمحاكاة الغرب.. حتى في المضامين والأغراض؟ وكيف يصبح نشيد الطفل ترجمة صوتية لحركته التلقائية؟
  • ولا يختلف أدب الكبار عن أدب الصغار في شيء، إلا في الموضوع الذي يحمله إلى كل منهما.

وإذا كنا نشكو من «كبار لا يقرؤون».. فليس ذلك إلا لأنهم كانوا «صغارًا لا يقرؤون».. لأن الثقافة تبدأ بالطفل, ولعل الوظيفة الحسية والوجدانية لإيقاعات الشعر الخفيف اللطيف تمثل اختصارًا لهذه المسافة الفاصلة بين الطفل... والسماع... والقراءة... والأدب... والثقافة.

ذلك لأن الطفل يولد مزودًا بحاسة سادسة، يدرك بها ما في الإيقاع من حركة وجمال وتذوق، ويتفق العلماء والباحثون على أن إدراك الطفل للموسيقى والنغم، يسبق إدراكه للمعاني والألفاظ، وأن ملكة السمع هي أول ملكاته حساسية وإرهافًا، وأسبقها تربية من خلال «مناغاة الأم»، و«أغاني المهد», ومن ثم تتم عملية المران السمعي للطفل، وذلك لأن الشعر والحركة المنظمة والإيقاع المتناغم, يكاد يكون ترجمة صوتية وموسيقية لحركة الطفل التلقائية، ومن ثم تتم استجابته العفوية لهذا الإيقاع الراقص داخليًا وخارجيًا بصورة نفسية، ووجدانية منسجمة، ومتسقة، وممتعة.

وعلى امتداد أدبنا العربي والإسلامي، ظل أدب الأطفال هو المربع المظلوم في المسيرة الإبداعية، ذلك يحمل الرقم الصعب الذي لا يقدر على ارتياده إلا أصحاب المواهب المركبة والأوزان الإبداعية الثقيلة لما يتطلبه هذا العمل الشاق من قدرات خاصة لدى الكاتب أو الشاعر على حد تعبير الكاتب الإنجليزي صمويل بيكت عندما سئل: لماذا لا تكتب للأطفال؟

فقال: لأنني لم أنضج بعد

ولعل هذه الإجابة تعكس مستوى الإحساس بالمسؤولية الضخمة التي تلقى على كاهل كاتب الأطفال... بصفة عامة، فضلًا عن شاعر الأطفال بصفة خاصة.

● قصر الأحلام

وبدخول الشاعر إلى ميدان الإبداع للأطفال، يشعر كأنما دخل قصر الأحلام وفتح كل ما صادفه من نوافذ تطل على المستقبل، ولسنا هنا بصدد التاريخ التراثية وامتداد هذا الفن في أدبنا العربي سواء وقف به البعض عند عمرو بن هند، وهو يفخر بقبيلته بني تغلب في فضاء الجاهلية الوسيع:

ملأنا البر حتى ضاق عنا           ***          وماء البحر نملؤه سفينا

إذا بلغ الرضيع لنا فطاما           ***         تخر له الجبابر ساجدينا 

وقد علم الله أن «بني تغلب» لا تملأ برًا, ولا تملك سفينًا.. ومن ثم فلن تعلم الدنيا شيئًا عن فطام أبنائها أو حتى موتهم، فضلًا عن أن يخر الناس لصبيانهم سجودًا, وعلى الرغم من هذا التضخيم المنتفخ، فإن هذا العطاء الشعري يدلنا على مدى ما كان يتمتع به طفل العرب في ذلك الحين من حقوق، وما يأخذه من اعتبارات شأنه فيها شأن أي عضو في قبيلته، وربما يفوقه كثيرًا. وسواء رجع الباحثون أيضًا بهذا الشعر الخاص بالأطفال، ليقفوا به عند «بشامة بن حزن النهشلي» وهو ينسج على نفس المنوال الجاهلي الغشوم:

 وليس يهلك منا سيد أبدًا    ***    إلا اقتلينا علامًا سيدًا فينا

 وسواء قال به رجل كالسابقين.. أو ترنمت به امرأة «كهند بنت عتبة» وهي ترقص وليدها معاوية بن أبي سفيان وكأنها ترضعه رؤيتها المستقبلية بالسيادة والقيادة... قائلة

إن بني معرق كريم               ***            محبب في أهله حليم 

 ليس بفحاش ولا لئيم            ***           ولا بطحرور[1]  ولا شؤوم

صخر بني فهر به زعيم        ***         لا يخلف الظن ولا يخيم[2] 

أو قول «منفوسة بنت زيد الخيل» ترقص ولدها حكيمًا من زوجها دريد بن الصمة:

 أشبه أخي وأشبهن أباكا

 أما أبي فلن تنال ذاكا

 تقصر عن مناله يداكا

 إلا أن مثل هذه القطوف التي ورد فيها ذكر الأطفال على ألسنة الرجال والنساء في مجال الجاهلية وقسوة أيامها... لتدلنا أوضح دلالة على تلك النظرة العالية إلى الطفل... واعتباره رجلًا يسد مسد السادة والقادة, وينظر إليه نظرة الرجل للرجل، ليهنأ الطفل بعالمه وهو موفور مقدور... يناجي الوالد ولده: 

يا حبذا روحه وملمسه

 أصلح شيء ظله وأكيسه

 الله يرعاه لي ويحرسه 

ويداعب وليدته بكل ما في عاطفة الأبوة من رحمة وحنان، ورجاء ودعاء لكريمته أن تكون فرعًا طيبًا من شجرة طيبة فيقول:

كريمة يحبها أبوها 

مليحة العينين عذبًا فوها

 لا تحسن السب وإن سبوها

● أدب الطفل المسلم

ثم تدخل الدنيا من بوابتها الواسعة إلى إيوان الإسلام، فتتم أسلمة القيم والفضائل والأخلاق، كما تتم أسلمة المعايير والأنظمة والضوابط حتى لتظل أنواره قبل قدوم الحبيب صلي الله عليه وسلم- فتحنو عليه الشيماء أخته من الرضاع، لتهدهده في بوادي بني سعد: 

يا ربنا أبق لنا محمدًا

 حتى أراه يافعًا وأمردا

 ثم أراه سيدًا مسودا

 واكبت أعاديه معًا والحسدا

 وأعطه عزًا يدوم أبدا

 إلا أن هذه النماذج على كثرتها في صدر الإسلام، ووجودها في الجاهلية لا تمثل تيارًا في الشعر العربي، كما يرى المؤرخون والنقاد وبالتالي لا تمثل فرعًا يعتد به في أدبنا العربي ولعل انشغال النقاد والمؤرخين والرواة، بجزالة وفحولة الشعر والشعراء، قد جعل أدب الأطفال هو «الفرع النحيل» في شجرة الأدب العربي. وظل الأمر كذلك إلى أن عرفت حضارتنا العربية والإسلامية نظام المربين، حتى يتلقى أبناء الأشراف معارفهم وعلومهم على أيدي هؤلاء المربين، وتصبح بيوتهم هي المدارس الأولية التي يتلقون فيها علوم اللغة والتربية والفنون والآداب والخطوط والألعاب وفي مدارج بيوتهم يتم تربيتهم على الفروسية والرمي ومقومات الرجولة المبكرة.

فهذا معاوية بن أبي سفيان مثلًا يقول لمربي أولاده: «اجعل الشعر أكبر همك وأكثر أدبك».

لكن كثيرًا من هذه الأهازيج والأغاريد, يلقيها الآباء والمربون ارتجالًا دون إعداد أو تدوين، لتؤدي دورها التربوي وتحدث أثرها التهذيبي، ثم تمضي مع الأيام، كالصيد الذي لم يقيده قيد لكن تاريخ أدب الطفل ما زال يحمل لنا تراثًا طيبًا من أغاني الحداء وأهازيج الإباء وأراجيز السبق والمبارزة إلى أن حل عصر التعليم المنظم لأبناء الأمة كما يحكي لنا «أبو الحسن القابسي» في أشهر رسالة تاريخية للتربية والتعليم عند المسلمين «أحوال المعلمين والمتعلمين» في القرن الرابع الهجري, والتي سبق بها المسلمون الشرق والغرب في أحقية كل طفل في تعليمه من بيت مال المسلمين، إذا لم يستطع أهله الإنفاق عليه، أما الأمر الثاني الذي سبق المسلمون به الدنيا جميعًا في مجال التربية والتعليم فهو المطالبة بتعليم البنات؛ لأن الدين الإسلامي عام لكل الناس، ثم توالت مؤلفات علماء التربية المسلمين كابن مسكويه المتوفى سنة ٤٢١هـ وأبي حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ)، وابن خلدون (ت 808هـ)، وابن سحنون من قبل (المتوفى سنة ٢٥٦ هـ ).. وغيرهم وغيرهم. 

وباتساع دوائر التربية والتعليم بالكتاب والمسجد والمدرسة أصبحت الحاجة إلى أنشودة الطفل ماسة وملحة، وبدأ أدبنا يعرف ما يسمى بأدب الأطفال على وجه التحديد وهو يحمل ملامحه ومضامينه... فاللفظ قريب من مفردات الطفل اللغوية, والمضمون يحمل الموعظة «والحكمة» والتربية والتهذيب والتوجيه، وأشعاره ذات موسيقى وإيقاعات ساحرة آخاذة، ومقاطعه قصيرة راقصة وقوافيه ذات جرس ورنين وجمال.. حتى قيل يومًا لأعرابي: صف لنا ابنك؟ قال: ولد الناس أبناء، وولدته أبًا يحسن ما أحسن، ولا أحسن ما يحسن.

●وتمر القافلة

وتمر القافلة بعصورنا الإسلامية المتعاقبة, حتى نصل إلى عصرنا الحديث، حيث تفرع شجرة أدب الطفل إلى: شعر، وقصة، ومسرح، وحدوتة، ومسلسل تلفازي، وفيلم سينمائي. ويعنينا هنا مسيرة «شعر الأطفال».. لما قدمنا له من خصوصية التأثير، وجمالية التعبير، وفاعلية الحركة، ولما يتفرع عنه اليوم من نشيد وأنشودة فردية وجماعية، وأغنية فصحى وعامية ومسرحية شعرية، وقصة وحكاية شعرية، كان الرائد محمد عنان جلال (۱۸۳۸ - ۱۸۹۸م) منتبهًا لها عندما أصدر - لأول مرة في تاريخنا الأدبي الحديث - «العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ» وهو يحكي لنا قصصًا شعرية عن أعمال «لافونتين» الفرنسية وحكايات «إيسوب» اليونانية، و«كليلة ودمنة» العربية، ويضيف إليها ويحذف منها، بروحه الحرة، وفطرته النقية... التي نزل بها إلى عالم الطفولة والأطفال لأول مرة... وهو يقول: 

كان البخيل عنده دجاجة    ***      تكفيه طول الدهر شر الحاجة

أو يقول:

رأيت أرنبًا ذليلًا خائفًا            ***          أوى إلى بيت هناك واختفى

أو يقص قصة «الغراب والنسر»

  رأى الغراب النسر مر بالغنم            ***          واختطف الصغير منها واغتنم

فأخذته غيرة التقليد                          ***          وجاء للأغنام من بعيد

وحام كالنسر على الغنيمة                  ***          واختار كبشًا عد للوليمة

فأنشب الغراب فيه باعًا                     ***           وهم للجو فما استطاعا

وبقيت أظافره مغلولة                        ***            ولم يجد بدأ لأي حيلة

فأقبل الراعي مع الأولاد                    ***        وأمسك الغراب بالأيادي

وقصها علي.. قلت سيدي                   ***       ما أضيع البرهان في المقلد

 ولعل محمد عثمان جلال، قد أصاب المحز، حينما أسمى ديوانه «العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ»، ذلك لأنه عمد إلى اصطياد الحكمة، واستنباط العبرة بصورة تربوية وطريقة تعليمية تهذيبية، تصلح أن تكون أساسًا قياسيًا لكثير من الشعر التربوي الذي لا يجزئ عنه في موضوعه سواه، وله وظيفة لا يؤديها غيره من فنون القول، حيث استهدف في كل ما قدم أصول الحكمة واحتال فنيًا في طرائق إيصالها وإيضاحها للطفل وإن عاب كثير من المعاصرين هذه الطريقة في شعر الأطفال... إلا أن المقومات الأخلاقية والدينية والتربوية... تشفع لها فنيًا إلى حد كبير، وتبقى الكرة في ملعب الهجامين على كل الأصول, لتقول لهم ماذا قدمتم أنتم؟... وما مصير ما قدمتموه من ذمة التاريخ وحافظة الأيام؟ وأين موقعه من ميدان التربية والتهذيب التي تعتبر المناط الأول في شعر الأطفال؟

[1]  طحرور: ضعيف خفيف غير ذي جلد

[2]  يخيم: يجبن

الرابط المختصر :