العنوان آية الحقوق العشرة
الكاتب عقيل عبدالرحمن العقيل
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1993
مشاهدات 147
نشر في العدد 1043
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 23-مارس-1993
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونثني عليه الخير كله ونشكره ولا نكفره ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفوته من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا. أيها الإخوة القراء الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أما بعد:
يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْبُدُوا
اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي
الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ
الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ
أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (النساء:
36).
أخي الكريم: لقد ألزم الله عباده في
هذه الآية الكريمة بعشرة حقوق منها ما هو خاص به سبحانه وتعالى ومنها ما يختص
بخلقه، ومن هنا أخي الكريم سُميت هذه الآية بآية الحقوق العشرة، وقد أجمع العلماء
رحمهم الله تعالى، على أن هذه الآية من المحكم المتفق عليه ليس منها شيء منسوخ(1).
إخلاص العبادة لله سبحانه
وسنعرض في السطور الآتية- أخي الكريم-
إلى هذه الحقوق العشرة فنقول مستعينين بالله تعالى:
أول هذه الحقوق الأمر بعبادته سبحانه وإخلاص هذه
العبادة له فأمر الله عباده بالتذلل له والإخلاص فيه فالآية أصل في خلوص الأعمال لله تعالى وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره(2) قال تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾
(الكهف 110)(3) وقال سبحانه في موضع آخر:
﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ﴾
(الزمر: 3)، فلابد من إخلاص العبادة لله تعالى لذلك جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تبارك وتعالى: «أنا
أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»، فهو سبحانه
في غنى عن عبادة العبد وإنما العبد هو المحتاج إليه فعليه أن يخلص العبادة لربه
وأن تكون وفق ما شرع سبحانه وتعالى.
الإحسان إلى الوالدين
وثاني هذه الحقوق: الإحسان إلى
الوالدين، فالله يأمر الولد أن يبر والديه ويحسن إليهما نظير ما بذلاه في تربيته
من جهد وما قدماه له من تضحيات، فأحق الناس بالإحسان بعد الله سبحانه وتعالى
الوالدان ولذلك قرن الله شكره بشكر الوالدين فقال تعالى:
﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾
(لقمان: 14)، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي
العمل أحب إلى الله تعالى قال: الصلاة على وقتها قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين قلت
ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله» (متفق عليه)، وبالمقابل حذر الرسول صلى الله
عليه وسلم من عقوق الوالدين واعتبره من الكبائر، فعن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي
الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر
ثلاثًا؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئًا
فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت» (متفق
عليه)، والأحاديث في الحث على بر الوالدين والتحذير من عقوقهما كثيرة جدًا ولكن
حسبنا ما ذكرناه.
صلة الأرحام
وثالث هذه الحقوق أخي الكريم: صلة
الأقارب والأرحام فبعد أن حث الله على بر الوالدين أمر بصلة الأرحام لما بينهما من
ارتباط، ولذلك جعل المصطفى صلى الله عليه وسلم صلة الأرحام والأقارب علامة للإيمان،
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن
بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن
كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (متفق عليه). ويقول الله سبحانه وتعالى في معرض
التحذير من العقوق وقطيعة الرحم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ
تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ
لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾
(محمد: 22-23).
الإحسان إلى اليتامى
ورابع هذه الحقوق- عزيزي القارئ-
الإحسان إلى اليتامى برعاية شؤونهم وحفظ حقوقهم والإصلاح لهم، واليتيم هو من فقد
أباه وهو صغير دون سن البلوغ. ومن حرص الإسلام
على رعاية الأيتام وحثه على كفالتهم تلحظ- أخي الكريم- شمولية التكافل الاجتماعي
الإسلامي حيث خص الضعفاء بالرعاية أكثر من غيرهم وأجزل الثواب لمن يرعاهم، بل جعلهم
بمنزلة قريبة من الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة، مصداق هذا ما رواه سهل بن
سعد رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا وكافل اليتيم في
الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما»، (رواه البخاري)، كما توعد
سبحانه وتعالى الذين يأكلون أموال اليتامى ويغمطون حقوقهم استغلالًا لضعفهم
وتوعدهم بما تقشعر منه الجلود وترتعد منه الفرائص قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ
الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ
سَعِيرًا﴾ (النساء: 10).
الإحسان إلى الفقراء والمساكين
وخامسها- أخي الكريم- الإحسان إلى
الفقراء والمساكين بالتلطف والتودد لهم والأخذ بأيديهم ومساعدتهم في قضاء حوائجهم
ومد يد العون لهم فهم كما وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الجنة فعن حارثة بن
وهب رضي الله عنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقول: ألا أخبركم
بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضاعف لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ
جواظ مستكبر» (متفق عليه)، (العتل: الغليظ الجافي، والجواظ: الجموع المنوع. وقيل:
الضخم المختال في مشيته).
الإحسان إلى الجار
أما سادس هذه الحقوق وسابعها- أخي
القارئ الكريم- فيتمثل في قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ
الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾
(النساء: 36)، وقد فسر ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ بالقريب ﴿وَالْجَارِ
الْجُنُبِ﴾ بالغريب، وقيل ﴿الْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ المسلم ﴿وَالْجَارِ
الْجُنُبِ﴾ اليهودي والنصراني(3)، والإحسان قد يكون بمعنى المواساة وقد يكون
بمعنى حسن العشرة وكف الأذى والمحاماة دونه وهذا شامل للجار المسلم والكافر على
الصحيح(4)، وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على العناية بالجار وأوصى الأمة به
خيرًا فعن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (متفق عليه)، بل قد جعل
صلى الله عليه وسلم خير الجيران عند الله خيرهم لجاره فعن عبدالله بن عمر رضي الله
عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم
لصاحبه وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره» (رواه الترمذي، وقال: حديث حسن)،
وحذر صلى الله عليه وسلم من تأذية الجار ونفى تمام الإيمان عن ذلك المؤذي فعن
أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله لا يؤمن، والله
لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه» (متفق
عليه)، والبوائق الغوائل والشرور.
واعلم- أخي في الله- أن الجيران
ثلاثة: جار له ثلاثة حقوق، وهو الجار المسلم القريب فله حق الجوار وحق القرابة وحق
الإسلام، وجار له حقان وهو المسلم غير ذي القرابة فله حق الجوار وحق الإسلام، وجار
له حق واحد وهو الجار الكافر فله حق الجوار.
الإحسان إلى الرفيق في السفر
وثامن هذه الحقوق- أخي الكريم-
الإحسان إلى الرفيق في السفر وهو المراد بقوله تعالى:
﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ﴾
(النساء: 36)(5)، وإكرام الرفقة في السفر شيمة من شيم العرب وخصلة من خصال
الإسلام، وقد أثر عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قوله: «للسفر مروءة وللحضر مروءة،
فأما المروءة في السفر فبذل الزاد وقلة الخلاف على الأصحاب وكثرة المزاح في غير
مساخط الله، وأما المروءة في الحضر فالإدمان إلى المساجد وتلاوة القرآن وكثرة
الإخوان في الله عز وجل(6).
ولبعض بني أسد وقيل إنها لحاتم
الطائي:
إذا
ما رفيقي لم يكن خلف ناقتي له مركب
فضلًا فلا حملت رجلي
ولم
يك من زادي له شطر مزودي فلا كنت ذا
زاد ولا كنت ذا فضل
شريكان
فيما نحن فيه وقد أرى عليّ له
فضلًا بما نال من فضلي
الإحسان إلى ابن السبيل
وتاسع
هذه الحقوق- أخي القارئ الكريم- الإحسان إلى ابن السبيل وهو الذي يجتاز بك مارًّا،
والسبيل الطريق، فنسب المسافر إليه لمروره عليه ولزومه إياه(7).
ويتصور
الإحسان إلى ابن السبيل بإعطائه ما يحتاجه من قوت أو فرش أو نفقة، وتهيئة السكن له
إذا لم يكن هناك سكن خاص بالمسافرين، أو لم تكن معه نفقة السكن، كذلك من الإحسان
للمسافر إرشاده إلى الطريق الأمثل وبيان ما في طريقه من مخاطر ليتلافاها، وهذا شأن
المسلم مع أخيه دائمًا، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: فيما رواه عبدالله
بن عمر رضي الله عنهما: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة
أخيه كان الله في حاجته»، «ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم
القيامة ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (متفق عليه).
الإحسان إلى المملوك
وعاشر هذه الحقوق- أخي القارئ الكريم- الإحسان إلى المملوك بأن يطعمه سيده مما يطعم ويلبسه مما يلبس ولا يكلفه مالا يطيق من الأعمال فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم» (رواه مسلم).
وقد
ختم الله هذه الآية العظيمة بقوله: ﴿إِنَّ الله لَا يُحِبُّ مَن كَانَ
مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (النساء: 36)، فنفى
سبحانه محبته ورضاه عمن هذه صفته وفي هذا ضرب من التوعد، والمختال ذو الخيلاء أي
الكبر، والفخور الذي يعدد مناقبه كبرًا، وخص هاتين الصفتين بالذكر هنا لأنهما
تحملان صاحبهما على الأنفة من القريب الفقير والجار الفقير وغيرهم ممن ذكر في
الآية فيضيع أمر الله بالإحسان إليهم(8).
نعم
أخي الكريم لقد ركزت هذه الآية على تأسيس عقيدة التوحيد ثم حفظت لذوي الفضل على
الولد، وهما والداه، حقوقهما، كذلك أقاربه، ثم حضت على إحسان الجوار للجار وطيب
التعامل مع رفقة السفر، بعد ذلك حثت المسلمين على العناية بضعفائهم من المساكين
والأيتام والمملوكين. هذا هو الإسلام
وهذه هي تشريعاته العادلة التي تكفل لذوي الحقوق حقوقهم وتوصل هذه الحقوق في نفس
الإنسان لتكون مبدأ يسير عليه برغبة منه دونما دافع من أحد.
وفي
الختام أسال الله الكريم رب العرش العظيم أن يهدينا سبيل الإسلام وأن يرينا الحق
حقا ويرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، كما أسأله أن يغفر
لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، إنه ولي ذلك والقادر عليه،
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
====================
الهوامش
(1)
تفسير القرطبي ج 5 ص 180.
(2)
تفسير القرطبي ج 5 ص 180.
(3)
تفسير القرطبي ج 5 ص 183.
(4)
تفسير القرطبي ج 5 ص 184.
(5)
تفسير القرطبي ج 5 ص 188.
(6)
تفسير القرطبي ج 5 ص 189.
(7)
تفسير القرطبي ج 5 ص 189.
(8)
تفسير القرطبي ج 5 ص 192 (بتصرف)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل