; المجتمع الثقافي (1702) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1702)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 20-مايو-2006

مشاهدات 64

نشر في العدد 1702

نشر في الصفحة 44

السبت 20-مايو-2006

عطا الله أبو السبح وزير الثقافة الفلسطيني:

نعمل على إنهاء الأمية الثقافية

علا عطا الله (*)

مشكلات حركة «حماس» التي صعدت إلى قمة السلطة في فلسطين لا تقتصر على الجانب السياسي والاقتصادي وما يتعلق بهما من قضايا التفاوض مع الكيان الصهيوني والملفات الأمنية، وتوفير حاجات المواطنين ولكن يمتد مأزق حماس إلى الجانب الثقافي والفني أيضا. وإشكالية «حماس» مع الملف الثقافي ليست مشكلة حماس وحدها، وإنما هي مشكلات الحركة الإسلامية على امتداد الفضاء العربي والإسلامي، وهي قضايا تحتاج إلى تفكيك ومناقشة هادئة وتوازن بين ما يطرحه الفقه وبين ما يفرضه الواقع.

ومن هنا يحتل الحوار مع «عطا الله أبو السبح» وزير الثقافة الفلسطيني في حكومة حماس أهمية خاصة؛ نظرًا لعدة اعتبارات منها طبيعة العلاقة الملتبسة بين ممارسة الحركة الإسلامية للعمل العام وبين ما تفرضه ضرورات الواقع المعقد في الاشتباك مع قضايا الناس ومشكلاتهم، وكذلك ما يطرحه الحكم والاجتهاد الفقهي وبين تنزيل هذا الحكم على أرض الواقع.

والواقع أن الحوار مع «أبو السبح» وإن لم يقترب من القضايا الثقافية على المستوى الفكري والتنظيري فإنه يعطي بعضًا من الملامح للتعامل المحتمل من الحركات الإسلامية تجاه الشأن الثقافي، وكيفية إدارة هذا الملف الشائك المعقد برؤى منفتحة.

فلترة المواقع الإلكترونية

ما موقفكم من المواقع الإباحية على الإنترنت.. هل تقع تحت بند «لا يحتمل التأجيل»؟

في أكثر الدول تحررًا وإباحية يعملون على فلترة المواقع ومنع تقديم المواد الإباحية للمراهقين فكيف بنا؟.. بالطبع ستحظر هذه المواقع وسيكون لنا حوار مفتوح ومتواصل مع شركات النت ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وسنحمي جاهدين كل شاب ومراهق فما يعرض لهم من إباحية يدخل في اطار الهدم والتخريب وليس هو من الثقافة في شيء.

وماذا عن المهرجانات الغنائية وكل ما يتعلق بالغناء وأهله، وعن خوف محبيه ورواده من سياسة القمع القادمة؟

سنتحاور مع كل أعضاء مجلس الوزراء، ونتناقش بهدوء وروية، وسأوصل لهم قناعاتي وستصل إلى منظمي المهرجانات والمنتجين والمخرجين والتجار. لن نكون في برج عاجي، فوزارتنا هي وزارة الوزارات وهي الشارع، وهي المجتمع الفلسطيني، وهي الإنسان، وبإذن الله عبر الحوار سننتهي إلى قواسم مشتركة للخروج بنتائج ترضي الجميع. 

ولكن ماذا لو فشلت لغة الحوار وعلى طاولته قرار ينتظر منك التوقيع على إقامة مهرجان غنائي؟

 سأعتمد لغة الحوار، وسأعمل على إيصال قناعاتي للجميع، وفي النهاية هناك سياسة عامة ستحكم الوزارة ستعمل على تطبيقها، وإذا قضت هذه السياسة بمنع المهرجان فسيتم منعه.

ولكن ألا تخشى من اتهامكم من قبل البعض بالرجعية بعد قرار المنع؟ لن يضيرنا أننا رجعيون وهي تهمة لن نخاف منها ولن نتوارى؛ فالشعب الفلسطيني شعب التناقضات والتباينات فهناك العديد ممن يرى في الغناء ثقافة، ونحن سنراعي هذه الخصوصية ولن نكون قمعيين.. سنفتح باب الحوار مع الجميع ولن نغلقه، وسننظر في المردود الثقافي لكل ما يعرض لنا، وبعدها نحكم.

وماذا عن دور السينما المنتشرة على طول فلسطين وعرضها؟

الأفلام التي ستعرض عبرها ستخضع للتقنين والفلترة والرقابة، ولن يسمح بعرض أفلام تخدش الحياء وسنلجأ في أمور كثيرة للمجلس التشريعي، فهو حاضنة الشعب الفلسطيني، وما نحن إلا سلطة تنفيذية. فالتغيير الفكري والأيديولوجي لا يأتي جملة واحدة ولا يأتي طفرة ولهذا فسنتعامل مع القضايا بالتدريج وسنترك للعملة السليمة مهمة طرد العملة الزائفة.

إنهاء الأمية الثقافية

أثناء تسلمكم لحقيبة وزارة الثقافة وعدتم بالارتقاء بالوزارة لإنهاء الأمية الثقافية.. فماذا تقصدون بالأمية الثقافية؟ وكيف ستتخلصون منها؟

 قصدت بالأمية أننا شعب لا نقرأ والقراءة هي سبيلنا إلى الثقافة؛ فمثلاً طالب الثانوية العامة تسأله في التاريخ والأدب والفيزياء يجيبك ولكن اخرج عن نطاق الكتاب المدرسي، عندها ستتوقف لغة الكلام، وقياسًا على الطالب هناك شرائح عديدة في مجتمعنا الفلسطيني تعاني من أمية ثقافية عالية جدًّا.

ومن ثم فالمطلوب تفعيل المناهج الثقافية في: كافة الأصعدة وأن يتحول أكثر شعب متعلم في المنطقة -نسبة التعليم 85%- إلى أكثر شعب مثقف عن طريق عقد الورش والمسابقات والندوات والمهرجانات الثقافية وسيكون لدينا مشروع القراءة للجميع ومكتبة في كل مدينة بل في كل قرية تحتوي على كتب في شتى المجالات.

هل هذه المكتبات ستكون لها مواصفات خاصة؟ بمعنى هل ستروج للروايات والكتب المنافية للآداب والألفاظ ذات الإيحاءات الجنسية؟

ما تتحدثين عنه يدخل في خانة اللاأدب وليس الأدب؛ فالصين حاربت الإباحية ومنعت تسويق كتاب لمادونا بل اشترطت على دور النشر أن تحذف الكثير من المشاهد، وهذا أمر تفعله الحكومات الحريصة على شعبها وثقافته وحمايته من الانسلاخ إلى هويات أخرى..

وماذا عن مشاريعكم المستقبلية على المستوى الثقافي؟

سنعمل على إحياء فكرة القصر الثقافي، وسيتم فيه استضافة نخبة من المثقفين الفلسطينيين والعرب، وسنرتقي بالأدب الإسلامي من خلال فتح الباب على مصراعيه أمام أقلام وإبداعات الشباب المسلم الواعد، وعقد المسابقات والدورات لتعليم الفنون المختلفة وصقلها بالمعرفة والعلم وتطوير اتحاد الكتاب والارتقاء به... أطمح إلى إنشاء سينما إسلامية؛ فالساحة الفلسطينية والعربية لديها الكفاءات اللازمة لتحقيق هذا الطموح، وسنحتضن المواهب والفنون الثقافية الإسلامية، فلدينا الأنشودة الإسلامية العذبة والراقية، لدينا المبدعة ميس شلش وخليل عابد .. فلماذا لا نستبشر خيرًا. 

وكيف ستديرون علاقاتكم داخل الوزارة؟

سأكون صدرًا حانيًا لكل عامل في الوزارة، وسيكون بيني وبينهم روح التفاهم ولغة الحوار ولن أجلس في برج عاجي أو بيت من زجاج؛ فالكفاءة ستكون هي المعيار في التعيينات.

 

(*) صحفية فلسطينية بمكتب الجيل للصحافة

 

بيان من الروضة الشريفة

شعر: محمد تاج الدين

 

هل للنبوة من أشبالها نسب * * * وهل لهم غيرة تلتاع.. أو غضب؟

وهل ينام على العدوان من عرفوا * * * بأنني لجميع المسلمين أب!!؟

وأين من يدعي حبي.. أليس له * * * ما يمنح القبة الخضراء أو يهب؟؟

يا مسلمين - وللإسلام نخوته * * * لا يوقد النار عنوان ولا لقب

لا قدس الله من شاهت ضمائرهم * * * فما اشمأزوا ولا استاؤوا ولا اكتأبوا

الصامتون شياطين قد احتفلوا * * * بالشانئ الأبتر الملعون وانتسبوا

أنا محمد!! والأكوان تحمـدنـي * * * فكيف ترضون لي إزراء من كذبوا!

لكم محياي ميثاق وبسملة * * * لم تبل طلعته الأيام والحقب

ذاتي أجل من التشويه فاغتبطوا * * * والوجه أسمى من التشويش فاقتربوا

هنا من الملأ الأعلى أطل عسى * * * أنفاسكم تتلظى والرؤى تثب

هما نداءان - ملء الكون - قد عبقا * * * ليوقظا أمتي الإشفاق والعتب

هنا من الروضة العلياء أرسلها * * * إلى المحبين أشواقًا لينتصبوا

فلتشرعوا الهامة الشماء سامقة * * * فليس مني من ارتابوا أو انسحبوا

قلبي عليكم.. إليكم نظرتي.. ويدي * * * إلى الألى استوطنوا الإيمان فاغتربوا

إن الجراح التي فيكم أشد على * * * نفسي من السفه الغاوي الذي ارتكبوا

(إنا كفيناك) تكفيني إشارتها * * * و(إن شانئك) التكريم والحسب

لسوف يعطيك... تشفيني بشارتها * * * (والله يعصمك..) التبجيل والأرب

أعداؤكم لن ينالوا من حماي.. ولا * * * يصادر النور ما قالوا وما كتبوا

وإنما اختبروكم بي وما عرفوا * * * أنتم رماد لكي يذروه.. أم لهب

آن الإياب إلى حضني.. إلى حرمي * * * لعل ما أجرموه للهدى سبب

قد قلتها لابنتي الزهراء ذات ضحى * * * أني إلى الراحة الكبرى سأنقلب

لا كرب يوحش روحي بعدما عرجت * * * وفي حمى الله لا حزن ولا نحب

إن لم تغاروا - وقد أوليتكم ثقتي- * * * فإن لي غيرة الجبار يا عرب

 

في محاضرة للمفكر طارق البشري 

مشكلات الحوار الثقافي بين الغرب والإسلام

علينا أن نمارس ثقافتنا كما فهمناها.. ونمارس مفاهيمنا التي تشحذ عزائمنا

قد نجد في كتابات بعض المستشرقين أمانة.. لكن يجب الانتباه إلى أن الغرب عمومًا أسير مصطلحاته الخاصة

القاهرة: مصطفى عاشور

أثارت المحاضرة التي ألقاها المفكر والمؤرخ المصري طارق البشري في معهد الدراسات العربية بالقاهرة مؤخرًا تحت عنوان «مشاكل الحوار الثقافي بين الشرق والغرب» الكثير من التفاعل والإعجاب من الحضور؛ نظرًا لأهمية القضية التي طرحها، والأفكار التي عرضها.

وقد أكد البشري -في تلك المحاضرة- أن الغرب يسعى لستر صراعه السياسي مع الشرق في كونه صراعًا ثقافيًّا، رغم أن الصراع سياسي في الأصل، ورأى أنه إذا كان العدوان سياسيًّا فلا داعي أن نشغل أنفسنا بالحوار الثقافي وألا نعبأ برأي الغرب فينا، وأن يكون جدلنا الحقيقي مع أنفسنا وقوانا الداخلية.

ورأى أن الغرب في العقود الأخيرة يحاول أن يجعل مشكل المسلمين ذاتيًّا، وليس مشكلاً معه، فمنذ عام 1980م كان أغلب صراعات المنطقة ذاتيًّا، بل ظهرت مشكلات ثقافية داخلية في العالم العربي؛ فقد كانت الحقوق تفهم في السابق على أساس أنها حقوق الأمة في تقرير مصيرها، ولكنها حاليًا تفهم على أساس أنها حق المرأة تجاه الرجل مثلاً ومن ثم انزوت فكرة الحقوق الجماعية وظهرت حقوق الفرد.

ودعا البشري إلى أن نمارس ثقافتنا كما فهمناها باعتبارها الوعاء الذي يجمعنا للمقاومة، وأنه ليس مطلوبًا منا أن نبرر أنفسنا للآخرين، وأن نمارس مفاهيمنا التي تشحذ عزائمنا، وألا نتورط في حديث أكثر من اللازم عن صراع الحضارات.

الحوار بين السياسي والثقافي؛ في بداية المحاضرة أشار البشري إلى قضايا من المفترض أن تحكم الإطار العام عند الحديث عن أي حوار ثقافي بين الإسلام والغرب، في مقدمتها :

الالتباس بين الديني والسياسي؛ فالمعروف أن أي نظام سياسي يحتاج إلى جامعة ما بين الحاكم والمحكومين، وبغياب هذه الرابطة تصبح تكلفة البقاء عالية، وهذا ما يظهر واضحًا في الموقف من الحاكم الأجنبي الذي لا ينتمي إلى الجماعة السياسية؛ فالاحتلال - مثلاً - مشكلة ثقافية وسياسية معًا.

- محاولة ستر العدوان السياسي وراء أسباب ثقافية؛ فدائمًا يحاول المعتدي أن يصور الصراع السياسي على أنه صراع ثقافي؛ فنظرية صراع الحضارات التي جرى تصويرها على أنها صراع ثقافي هي في الأساس صراع سياسي.

وتناول قضية الاستشراق، معتبرًا أن الاستشراق أعطانا مناهج علمية، لكن في الفترة الأخيرة الاستشراق يحكم الفكر الغربي في الفكر المتعلق بالمسلمين، ويشرح الوقائع التاريخية بالمنهج الذي يفهم به هو وقائع تاريخه رغم الاختلاف بين التجربتين؛ فالاستشراق ينظر للإسلام من منطق إما مسيحي وإما لاديني، ويحاكم النظم الخاصة بالإسلام من معاييره هو، ومثال ذلك تقسيم السلطات في الدولة، فالغرب يقسم السلطات إلى قضائية وتشريعية وتنفيذية، وعندما ينظر إلى الحضارة الإسلامية وتجاربها يتساءل: هل هذا التقسيم موجود أم غير موجود؟ وعندما یری أنه غير موجود - وفقًا للمنظور الذي يرى به – يطلق على النظم الإسلامية أنها نظم شمولية معتبرًا أن الإمام (الحاكم) تتجمع في يديه جميع السلطات.

وتساءل البشري هل غابت السلطة التشريعية عن النظام الإسلامي؟ وأشار إلى أن المستقر في المجتمع أن السلطة التشريعية مأخوذة من الكتاب والسنة؛ فالفقهاء كانوا يدرسون للطلاب وهؤلاء كانوا موجودين بشكل أهلي في المساجد يعلمون الناس وكانت قوانين الكتاب والسنة هي قوانین درجة أولى ثم تأتي اجتهادات الفقهاء كقوانين درجة ثانية، وكان القاضي يتصل بالشريعة مباشرة، ومن ثم فمن خلال فهم النظام الإسلامي ندرك أن السلطات الثلاث كانت موجودة ومن الأسئلة التي تؤكد ذلك، هل يجوز للإمام أن يعين القاضي ويفرض عليه رأيًّا معينًا؟ الراجح عند الفقهاء مقولة «صح التعيين وبطل الشرط»، وبالتالي ووفقاً للمقاييس الغربية فالسلطة التشريعية منفصلة عن السلطة القضائية المنفصلة -بدورها- عن السلطة التنفيذية هذا الأمر لم يكن المستشرق يستطيع أن يتوصل إليه.

انتقاء الإدراك

وأشار البشري إلى أن المفكر الغربي اهتم من التراث الإسلامي بأمرين: الأول اهتم بالصوفية لاقترابها من المسيحية في بعض الجوانب.

الثاني اهتم بالفلسفة؛ نظرًا لأن الفلسفة تبحث عن الشرعية في تنظيم المجتمع.

ولم يهتم المستشرقون بالفقه رغم أن التكوين الأساسي للجمهور العربي الإسلامي جاء من الفقه أكثر منه من الفلسفة؛ فمثلاً اهتم الغرب به «السهروردي»، في حين لم يهتم بـ«الشافعي»، كما أنه اهتم بالصوفية في جانبها العقلي ولم يهتم بها في جانبها الاجتماعي، والتكوينات الاجتماعية التي انشأتها.

وأنه عندما قرأ كتاب «عادات المصريين المحدثين» لـ «إدور وليم لين» للمرة الأولى انبهر به لدقته وقدرته على الوصف والحياد. وعندما أعيد قراءته بعد ثلاث سنوات اكتشف أن الرجل لم يستطع أن يدرك العمق الروحي للمصريين حتى بدت له مادة الكتاب وكأنها جثة محنطة بدون روح؛ فمثلاً أورد حكاية طريفة عن شيخ كان يركب حمارًا ثم وقع من على ظهره وابتعدت عنه العمة (غطاء الرأس) فهرع الناس إلى العمة وتركوا الشيخ؛ فاعتبر الناس العمة رمزًا، فانصرفوا إلى الرمز وتركوا الشخص.

هذا المشكل يتعلق بنظرة المفكر الغربي لنا ولتراثنا، فهو لا يستطيع أن يدرك كنهه مهما كان متفهمًا له، ومهما كان متعاطفًا مع قضاياه، ويؤكد ذلك مالك بن نبي عندما قال: «المثقف الإنساني الغربي يستطيع أن يفهم مشاكلنا نحن الشرقيين، ويستطيع أن يقف معنا في مشاكلنا الاقتصادية والسياسية بدافع من الإنسانية، لكن لن يفهمك من الناحية الثقافية؛ لأنه مستغرق في ثقافته هو، فمثلاً لن يفهم الجهاد، ولكنه يفهم حركات المقاومة».

وأكد البشري أن كتابات المستشرقين قد نجد فيها أمانة ودقة، وفيها قدرة على جمع معلومات جيدة، لكنها خاضعة لمعايير احتكام لیست مستخلصة من الثقافة الإسلامية وتاريخها؛ فالمستشرق يحتكم إلى معايير من خبرته التاريخية وثقافته.

أما علم الأنثروبولوجيا الذي يتعلق بدراسة المجتمعات وعاداتها وتقاليدها، فإن هذا العلم نظر إلى العلاقة مع تلك المجتمعات في الشرق على أنها علاقة باحث ومبحوث بين طرف مدرك ومادة مبحوثة مدركة، ولم ينظر إلى العلاقة على أنها بين إدراكين؛ ولذلك نجد فروقاً في الجوهر فمثلاً لا يقبل العقل الغربي بتعدد الزوجات، في حين أنه يقبل بوجود علاقات متعددة خارج إطار الزواج.

الأمر الآخر يتعلق بأنه في كثير من الموسوعات ستجد أنها تركز على أن العنصر المادي هو المحرك والأساس للأحداث؛ فمثلاً البارود كانت بداية اكتشافه في الصين لكنه لم يستخدم في القتل إذ كان هناك تفاعل بين الفكر والثقافة والتكوين النفسي وبين التطور المادي.

المعاصرة.. غربية

وفيما يتعلق بموضوع المعاصرة أشار البشري إلى محاولة الغرب دائماً - بحكم التطور المادي - جعل موضوع المعاصرة هو الأساس في التعامل مع الآخر، فهو يقيس معاصرتنا على أساس بعدنا أو قربنا منه. وللأسف الشديد وقع المسلمون في هذا الوهم خاصة بعد استقلال الدول العربية؛ ففي أثناء الاستعمار كانت المواجهة مع الغرب مواجهة سياسية، وهذه المواجهة جعلت المواطنين أكثر صلابة ثقافيًّا، وعندما نجحت حركات التحرير في تحقيق الاستقلال ونظرت إلى المستقبل وجدت أنها تريد أن تنشئ مجتمعاتنا على غرار الغرب؛ ولذا نظر إلينا الغرب على أننا مجتمعات ودول نامية، ودخلنا في نفس النفق الذي يريد الغرب منا أن نسير فيه فأصبح الغرب هو المعيار والميزان، ولم تستطع حركاتنا الوطنية أن تستمر مددًا طويلة في هذا الشأن.

ونلاحظ أن أي فكر إذا دخل في إطار تجربته التاريخية والتطبيقية يصبح نافعًا أو غير نافع؛ فمثلاً الديمقراطية عندما وظفت في إطار الحركة الوطنية لتحقيق الاستقلال نجحت الحركة الوطنية والاشتراكية أنتجت عندما ارتبطت بفكرة الاستقلال الوطني وعندما وظفها الشيوعيون والقوميون لم تنتج.

ومن ثم فالمسألة لا تتعلق بمطلق الأخذ من الغرب ولكن بما نأخذه، كما أن المعيار الواجب الاحتكام إليه لا بد أن يكون من داخل الجماعة وليس من خارجها.

وأشار البشري إلى أننا نحتاج الفكر الغربي في أمرين مهمين:

علوم الصناعة وفنونها.

وعلوم الإدارة: لأن الغرب لم ينجح بعلوم الصناعة وحدها وإنما أيضًا بما استخلصه من نظم لإدارة المجتمع والدولة وهي جهود خطت بالحضارة الإنسانية للأمام.

وأكد أن الغرب أسير مصطلحاته الخاصة وأن الحضارة الإسلامية أكثر انفتاحًا من الغرب قديمًا وحديثًا؛ فالغرب متمركز حول ذاته وحول تجربته الثقافية، معتبرًا أن تجربته هي التجربة الوحيدة في العالم وما دون ذلك هو دون ذلك.

هل يفهموننا؟

كانت المداخلات والتعليقات على محاضرة البشري كثيرة، ومنها مداخلة الدكتور سيف الدين عبد الفتاح الذي طالب بإعطاء أهمية للتحليل الثقافي في تحليل الظاهرة السياسية، وأشار إلى أن أي حوار حضاري لا بد أن يقوم على ثلاثة أسس مهمة وهي: المعرفة، والاعتراف، والمعروف؛ وهو ما يؤكد أن الحوار لا بد أن يقود إلى شيء.

أما الدكتور أحمد يوسف رئيس معهد البحوث والدراسات العربية فتناول إشكالية: هل هم يفهموننا أم أنهم لا يريدون أن يفهموننا؟

وأشار أن كلتا الحالتين موجودة في الغرب، وأن عدم فهم الغرب للبعد المعنوي قد يصل إلى مركز صنع القرار في العالم الغربي فيفعل فعله. وأشار إلى أن صانع القرار قد يعرض عليه شيء لكنه يسعى لتحقيق هدف معين، ومن ثم فاستخدام الثقافة في الصراع السياسي يقوى في مرحلة الهيمنة، وهو ما يفرض استدعاء هويتنا.

وحمل الدكتور أحمد يوسف المسلمين جزءًا من مسؤولية ما جرى وتساءل عن الجهد الذي بذله المسلمون حتى يوضحوا جوهر الدين وحقيقته، أو بمعنى آخر: أين المسؤولية الإسلامية في عدم فهم الآخر لنا؟

الرابط المختصر :