العنوان المجتمع الثقافي (1821)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 27-سبتمبر-2008
مشاهدات 73
نشر في العدد 1821
نشر في الصفحة 36
السبت 27-سبتمبر-2008
تأثير القرآن الكريم في مجال اللغة والحضارة (8 من 10)
علوم القرآن
بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود([1])
لقد كانت علوم القرآن، أو العلوم التي قامت على دراسة القرآن الكريم وانطلقت منه بداية نهضة علمية شاملة. لقد نبعت من القرآن، ثم أخذت تستجيش وتتسع، وأخذ بعضها يمد بعضًا، فاعتنى قوم بضبط لغاته وتحرير كلماته، ومعرفة مخارج حروفه، وعددها، وعدد كلماته وآياته، وسوره وأحزابه، وأنصافه وأرباعه، وعدد سجداته، والتعليم عند كل عشر آيات إلى غير ذلك من حصر الكلمات المتشابهة والآيات المتماثلة من غير تعرض لمعانيه ولا تدبر لما أودع فيه فسموا بالقرّاء!
واعتنى النحاة بالمعرب فيه والمبني من الأسماء والأفعال، والحروف العاملة وغيرها، وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها، وضروب الأفعال، واللازم والمتعدي ورسوم خط الكلمات، وجميع ما يتعلق به حتى إن بعضهم أعرب مشكله، وبعضهم أعرب كلمه.
واعتنى المفسرون بألفاظه، فوجدوا منه لفظًا يدل على معنى واحد، ولفظًا يدل على معنين، ولفظًا يدل على أكثر فأجروا الأول على حكمه، وأوضحوا معنى الخفي منه، وخاضوا في ترجيح أحد محتملات ذي المعنيين أو المعاني وأعمل كل منهم فكره، وقال بما اقتضاه نظره.
أدلة عقلية
واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية والشواهد الأصلية والنظرية فاستنبطوا منه، وسموا هذا العلم بـ «أصول الدين».
وتأملت طائفة منهم معنى خطابه فرأت منها ما يقتضي العموم، ومنهاما يقتضي الخصوص، إلى غير ذلكفاستنبطوا منه أحكام اللغة من الحقيقة والمجاز.
وتكلموا في التخصيص، والأخبار، والنص، والظاهر والمجمل، والمحكموالمتشابه، والأمر والنهي، والنسخ إلىغير ذلك من أنواع الأقيسة، واستصحاب الحال والاستقراء، وسموا هذا الفن«أصول الفقه».
وأحكمت طائفة صحيح النظر وصادق الفكر، فيما فيه من الحلال والحرام وسائر الأحكام، فأسسوا أصوله، وفرعوا فروعه، وبسطوا القول في ذلك بسطًا حسنًا، وسموه به «علم الفروع»، و«الفقه»، أيضاً.
وتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السالفة والأمم الخالية ونقلواقصصهم، ودونوا أخبارهم ووقائعهمحتى ذكروا بدء الدنيا وأول الأشياءوسموا ذلك به «التاريخ والقصص».
حكم وأمثال: وتنبه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال والمواعظ التي تقلقل قلوب الرجال، فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد والتحذير والتبشير وذكر الموت، والحشر والحساب والعقاب والجنة والنار ، فصولًا من المواعظ وأصولًا من الزواجر، فسموا بذلك «الخطباء والوعاظ».
وأخذ قوم، مما في آية المواريث من ذكر السهام وأربابها وغير ذلك - علم الفرائض.. واستنبطوا منها ذكر النصف والربع والسدس والثمن حساب الفرائض.
ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالة على الحكم الباهرة في الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والبروج، وغيرذلك فاستخرجوا منه «علم المواقيت».
ونظر الكتاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة اللفظ، وبديع النظم وحسن السياق والمبادئ والمقاطع والمخالص والتلوين في الخطاب، والإطناب والإيجاز، وغير ذلك، واستنبطوا منه «المعاني والبيان والبديع» ما يسمى الآن بـ «علوم البلاغة».
ثم إن النحاة وأهل اللغة توسعوا في شواهد القرآن ونقبوا عنها، واستعرضوا لها ما انتهى إليه من كلام العرب، فلا يعرف في تاريخ العلوم اللسانية قاطبة شواهد تبلغ عدتها أو تقاربها أو تكون منها على نسبة متكافئة، فإن مبلغ ما أحصوه من شواهد القرآن فيما ذكروا ثلاثمائة ألف بيت من الشعر، ولعمر أبيك إنها لمعجزة في فنها، ولو بلغت الشواهد نصف هذا القدر لكانت المعجزة كاملة([2]).
الجاحظ رائدًا
أثرت أن أنقل فيما سبق كلام الرافعي - يرحمه الله - بنصه تقريبًا ليلخص في إيجاز بليغ هذا الثراءالعلمي الذي أحدثه القرآن الكريم في لغة العرب علمًا وفقهًا وبحثًا وتأصيلًا؛ لخدمة الفكرة الأساسية، وهي «إعجاز القرآن» ذلك الانقلاب الكبير العميقالذي جعل العرب ينتقلون من حال إلى حال ومن واقع إلى آخر.
وعلينا أن نشير في هذا السياق إلى أن أول من فتح باب البحث في إعجاز القرآن وهيأه لمن جاء بعده من أهل البلاغة والبيان هو أبو عمرو عثمان بن بحر الجاحظ (ت ٢٥٥هـ) . فقد تحدث في رسالته حجج النبوة عن معجزة الرسول r وقال: وكذلك «دهر» محمد صلى الله عليه وسلم (أي زمنه)؛ كان أغلب الأمور عليهم وأحسنها عندهم وأجلها في صدورهم حسن البيان، ونظم ضروب الكلام مع علمهم له وانفرادهم به فحين استحكمت لغتهم وشاعت البلاغة فيهم وكثر شعراؤهم، وفاق الناس خطباؤهم، بعثه الله U فتحداهم بما كانوا لا يشكون أنهم قادرون على أكثر منه، فلم يزل يقرعهم بعجزهم، وينقصهم على نقصهم حتى تبين ذلك لضعفائهم وعوامهم، كما تبين لأقويائهم وخواصهم، وكان ذلك من أعجب ما آتاه الله نبياً قط مع سائر ما جاء به من الآيات ومن ضروب البرهانات([3]).
ويلاحظ أن «الباقلاني» في كتاب «إعجاز القرآن» قد اهتدى بما قاله «الجاحظ»، وفعل مثله أيضاً «الزركشي» صاحب «البرهان في علوم القرآن».
وقد تزعم «الجاحظ» قضية الصياغة دفاعًا عن النضرة والشفافية التي يجب أن تكون عليها البلاغة، لأنه بدون الجمال اللفظي ورشاقته في عبارته، لن يتمكن المعنى من أن يبدو في روعته وبهائه وعمقه، وهذه القضية هي المحور الذي طوره «عبد القاهر الجرجاني» فيما يعرف بنظرية «النظم» وأشرنا إليها في موضع آخر([4]).
غرّة النصائح
وسنجد أن القرآن الكريم صار النموذجالأول في صنعة الكتابة الذي يحتذيه الكتاب والبلغاء، ويستعين بصوره وتركيباته الشعراء والخطباء، وهو ما جعل كاتبًا شهيرًا مثل «عبد الحميد الكاتب» أشهر كتاب الدولة الأموية يجعل من القرآن مقدمةأو غرة النصائح التي يجب على الكاتب أن يأخذ بها في أسلوبه وصياغته إن أرادنجاحًا ومجدًا، وقال في نصيحته: «فنافسوا معشر الكتاب في صفوف العلم والأدب، وابدؤوا بعلم كتاب الله U، والفرائض، فإنها ثقاف ألسنتكم وأجيدوا الخط فإنه حلية كتبكم وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم، وأحاديثها وسيرها، فإن ذلك معين لكم على ما تسعون إليه بهممكم، ولا يضعفن نظركم في الحساب، فإنه قوام كتاب الخراج منكم ..... » ([5]).
وفي كل الأحوال؛ فإن القرآن هو المثل الأعلى الذي يحتذى أسلوبه الكتاب، ويتأسى بنظمه الأدباء لأنه من لون المثل الأعلى، ومن يقر له الخلق بالوحدانية المطلقة والقدرة المهيمنة، والتقرب إليه باحتذاء أسلوبه والتأسي بنظمه دليل على الإيمان بهذه القدرة وتلك الوحدانية.
لقد آمن الناس بالقرآن إيمان الحب والتسليم، وبدافع من ذلك درؤوا عنه كل ما قد يسيء إليه، أو يتحيف عليه أو يفسد على أهله سبيل ترتيله وتفهمه والعمل به فكانت جهود علماء اللغة، وكانت علوم اللغة، وكان البيان وكانت علوم البيان([6]).
وقد كان القرآن عاصمًا من التهاون في اللغة وشيوع اللحن على الألسنة ومع ذلك فقد استقبل العرب في لغتهم الأساليب والعناصر الإيجابية التي جاء بها العرب الذين ينتمون إلى أصول أجنبية، وخاصة الفرس. وقد رأينا رائد هذه الأساليب وهو «عبد الحميد الكاتب» الذي أشرنا إليه قبل قليل في نصيحته للكتاب باحتذاء القرآن.
حكاية من الأندلس
عودة محمد
ثمانمائة عام وأمتنا تحكم هذا الفردوس الذي سلبه الإسبان منا وتركونا فريسة لمحاكم التفتيش تسومناالقهر والاضطهاد.
ونحن يا بني لسنا من الإسبان ولا من النصارى نحن مسلمون.. وكل ما تراه في هذه البلاد، إنما هو مظهر من مظاهر حضارتنا، وأثر من آثار وجودنا.
كنا سادة الدنيا، فلما شغلنا عنهذا القرآن، واستحوذت علينا الدنيا وعشناها عبثا وترفا، تظاهر علينا الإسبان، وتسللوا إلى ملوك أمتنا وخدعوهم، ثم خلعوهم، وجرعوهم غصص الحياة.
وعى الصغير كل ما سمعه من والده، وهتف من أعماقه اليوم ولدت من جديد.
ومضى يجتهد في تعلم العربية وأمور الدين، وأحس أن حياة جديدة تسري في كيانه، وتملأ قلبه وفكره.
اطمأن الأب على ولده، وأشعره بأنهقد يتعرض للاعتقال والموت في أي لحظة، وأوصاه مودعًا: بعدما اطمأننت عليك، لا أبالي بما أصابني، فأطع الرجل الذي عرفتك به، ولا تعص له أمرًا .
وفي ليلة ظلماء، دخل عليه صاحب والده قائلا: أسرع يا محمد ولا تفوت علينا فرصة النجاة، فقال الولد وأين أبي يا عماه ؟!
أبوك يا ولدي أخذه رجال التفتيش وما أظنه إلا وقد سقط شهيدًا، فلننج بأنفسنا.
كانت عناية الله ترعاه حتى وصل سالمًا إلى المغرب لتنمو هذه النبتة المباركة وتؤتي ثمارها بعد ما سقيت بماء الإيمان، وكانت نجاته قصة تحكي للأجيال حقيقة الفردوس المفقود، وما قاساه المسلمون بعد فقده.
وأراد الله لمحمد بن عبد الرفيع الأندلسي العالم الذي ملأ المغرب فقهًا وتصنيفًا أن يكون الشاهد على مأساةالفردوس الجميل.
([1]) أستاذ الأدب والنقد.
([2]) تاریخ آداب العرب 2/117، ۱۱۹.
([3]) أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ،رسائل الجاحظ، عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة ١٣٩٩هـ -۱۹۷۹م، 3/279.
([4]) أثر القرآن الكريم في اللغة العربية، ص ۲۳۱ – ۲۳۳
([5]) السابق ۲۲۸ وما بعدها.
([6]) السابق أيضًا ۲۲۹ وما بعدها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل