; المجتمع الـتربوي (1271) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الـتربوي (1271)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1997

مشاهدات 67

نشر في العدد 1271

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 14-أكتوبر-1997

وقفة تربوية:

تزوج من جديد:

أخي القارئ ... أختي القارئة لا تتعجلا بالحكم على المقال قبل الانتهاء منه، فلا أقصد من هذا العنوان ما خطر على بالكما، إنما أردت من ذلك توجيه سؤال للأزواج، ويحتاج إلى إجابة صريحة، وهو إذا كان أحد أهم أهداف الزواج هو الاستقرار والراحة النفسية واستمرار النسل، فهل حققت جميع هذه الأهداف أم اكتفيت بالأخير فقط؟

أو بصياغة أخرى للسؤال هل حققت السعادة الزوجية، فإذا كان الجواب بالنفي فنطلب منك أنت بالذات أن تتزوج من جديد!!! لا تتعجل مرة ثانية بتحميلي ما لم أقصد إنما أردت بالزواج من جديد أن تجلس نفسك جلسة مصارحة، وتسألها عن سبب عدم تحقيق السعادة في حياتك الزوجية، هل السبب يكمن فيها أم فيك؟ فإذا كنت تدعي بأن السبب يكمن فيها فأجب عن الأسئلة التالية:

١-هل تشاورها في مشاريعك ومشاكلك الشخصية؟

٢-هل تمزح معها دائما أم لا ترى منك إلا العبوس والغضب؟

٣-هل تجلس معها والعيال ثلاث ساعات يوميًا

٤-هل تخرج معها والعيال في نزهة بالأسبوع مرة؟

٥-هل تعودت على مدح طبخها وملابسها الجديدة؟

٦-هل تمتنع عن العتاب، والسب، والإهانة، والضرب بوجود الأبناء عندما ترى منها خطأ؟

٧-هل تحيبها وتسأل عن أحوالها عند دخولك للبيت، وتسأل عن حاجاتها عند خروجك منه؟

٨-هل تشتري لها الهدايا بين فترة وأخرى؟

۹ – هل تأخذ بآرائها واقتراحاتها؟ أم تستهجن بها وتحقرها؟

۱۰ – هل تأتي البيت مبكرا وتلعب مع الأطفال أم أنك لا تأتي إلا بعد الثانية عشرة، والأطفال نائمون؟

١١ – هل تعطيها النفقة مبكرا أم أنك تماطل وتمتنع وتؤخرها أو تعطيها ناقصة هذه بعض الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات صريحة منك، فإذا كانت معظم الإجابات بالنفي فأنت السبب لا هي في عدم تحقيقك للسعادة الزوجية، فحاول أن تغير من سلوكك وتشاورها في أمورك الشخصية ومشاكلك، وأمزح معها، فزوجتك أولى بضحكك وابتساماتك ومزاحك من الآخرين واجلس معها والعيال في اليوم على أقل تقدير ثلاث ساعات واخرج معها في نزهة أسبوعية، وإياك وذم طبخها أو عدم الإحساس بما تلبس من جديد.

وامتنع عن السب والشتيمة والإهانة والضرب فإن الرجولة ليست بهذا، بل بملكة النفس عند الغضب، خاصة أمام الأطفال، وحيها عند الدخول والخروج، واسألها عن حاجاتها، واشتر لها الهدايا بين فترة وأخرى، واستمع إلى أدائها ومقترحاتها وخذ بالصالح منها، وإياك وإدامة التأخير عن البيت أو تأخير النفقة عنها، بهذا تكون قد تزوجت من جديد، وأذنت للسعادة بأن تطرق أبوابك

أبو خلاد

كلمة إلى الدعاة: 

انتفاضة داعية: 

خاطب الله – عز وجل – نبيه الكريم محمد ﷺ بصيغة الأمر فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ  قُمۡ فَأَنذِرۡ وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ  وَلِرَبِّكَ فَٱصۡبِرۡ﴾  ( المدثر:7:1) كل ذلك ليتولى دعاة الحق زمام المبادرة في الانتفاضة على الباطل وليبددوا ظلمات الجاهلية ولينشروا ضياء الإيمان في النفوس البشرية في انتفاضة عارمة في نفوسهم أولا، ثم في نفوس الخلق. 

عزيمة تأبى الرقود :

قال الإمام حسن البنا - رحمه الله ، واصفًا الداعية ينام على – أفضل« العزائم»، فذلك هو الداعية لا يشغله النوم عن القيام بواجبه فهو وقف لله تعالى كما يصفه صاحب كتاب الرقائق وإذا احتاج إلى راحة فهي استراحة المجاهد لشحذ همته وتقوية بدنه لطاعة الله وفي مخيلته أنه سوف يستيقظ ولديه الكثير من العزائم ورحم الله ذلك التابعي حين قال: «لئن أرى في بيتي شيطانا خير لي من أن أرى فيه وسادة، لأنها تدعو إلى النوم»، فالداعية من أهل العزائم يحث دائما غيره للأخذ بها فيقول لهم إن كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة فإن فساد العزم أن تترددا. 

دعوة للابتكار والتجديد :

إن العمل الروتيني ممل للنفس ومحبط للطاقة، فالدعوة الإسلامية بحاجة إلى من يجدد وينهض بها بأفكاره العملية والنظرية ولكل ميدان فارسه فكن أنت ذلك الفارس وكما قيل: أول الطريق بذل الروح، تلك الجادة فأين السالك، فجدد نفسك أولا ثم جدد عملك فقد أوصاك رسولك الكريم: جددوا إيمانكم قيل يا رسول الله وكيف. تجدد إيماننا؟ قال: «أكثروا من قول لا إله إلا الله»، رواه أحمد.

للسالكين درب الانتفاضة الدعوية صفة تميزهم عن غيرهم وهي ما نسميها بالروح الشبابية التي لا تغيب، بل دوما في شروق وصعود نحو المعالي بهمة عالية، قدوته في ذلك رسول الله ﷺ عندما وصفته السيدة عائشة – رضي الله عنها.. كأنما وضع له علم فشمر إليه، وهو يطمح أن يكون ذلك النموذج الذي يصفه الإمام حسن البنا إذا دعي أجاب أو نودي لبى، وشعاره في ذلك: 

ركضا إلى الله بغير زاد *** إلا التقى والبر والرشاد

نحو التغيير:

يدعو الداعية أولا إلى تغيير نفسه قبل انطلاقته إن كان يشوبها شائبة انطلاقا من قوله تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ ( سورة الرعد: 11) فيخلص النية ويتزود بطاعة خالفه ويضع نصب عينيه الجنة، ثم يسعى إلى تغيير غيره نحو الأفضل فينادي إلى الرجوع إلى الأصالة بالأخلاق الحميدة والإنابة إلى الله تعالى وإحياء سنة نبيه الكريم، باعثه في ذلك قوله تعالى:﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ( سورة النور: 38) 

خالد علي الملا

من فوائد شكر الله عز وجل 

محمد يوسف الجاهوش

ذكرنا أن الشكر اتصاف بصفة من صفات الخالق سبحانه، وأنه اقتداء بالأنبياء وسير على منهاجهم، ولا شك أن للشكر فوائد أخرى من أبرزها:

إنه عنوان النجاح في الابتلاء والامتحان الإلهي ولا سيما عند فجاءة النعمة، أو بغتة البلاء فطالما أطفت النعمة أقواما، وقعد البلاء بآخرين

أما المؤمن الصادق فتراه في الحالين على قدم العبودية، وصدق اليقين، حامدا لربه، شاكرا لأنعمه، يستقبل كلا الأمرين بما حكاه الله تعالى عن نبيه سليمان - عليه الصلاة والسلام-عندما جيء له بعرش بلقيس ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (سورة النمل: 40)

وهذا هو عين ما جاء به الإسلام وبينه سيدنا رسول الله ﷺ عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، رواه مسلم.

المؤمن ثابت اليقين:

فالمؤمن لا تطفيه السراء، ولا تنال منه الضراء لأنه موقن أن الأقدار في الحالين جارية، وتقلب الأحوال - بالناس – سنة ماضية، ومهما أدلهم ليل الخطوب، واشتدت ظلمته، فإن في ثناياه أملا مرتجى، وفرجا قریبًا یمن به اللطيف المستجيب فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا، ولن يغلب عسر يسرين.

إنه سبب النجاة من العذاب ورفع، الضيق وتفريج الكرب قال تعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾( سورة النساء: 147) ولما حاق العذاب بقوم لوط – بعدما تماروا بالنذر وارتكسوا في حماة الفواحش والأنام، كانت النجاة نصيب الأطهار الشاكرين ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ ( سورة القمر: 34:35) فليست النجاة لهم بخاصة، إنما هي جزاء الشاكرين إلى يوم الدين.

إنه فوز بمرضاة الله تعالى لأن الشكر إذعان لأمر الخالق – سبحانه وتعالى واعتراف بنعمته وفضله، وصون لآلاته ونعمائه عن الجحود والكفران، قال تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ  ﴾ ( سورة الزمر: 7) ورضا الخالق أغلى أماني العبد، وأسمى ما يطمح إليه، فمن حازه فاز بجماع الخير، وحل بحرز أمين﴿ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ ( سورة القمر: 55)      .

إنه سبب زيادة النعمة بذلك تأذن الله-عز وجل-ووعد وعدا قاطعا أن يديم نعمته على من شکره، وأن يزيده من فضله نعمة على نعمة ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ( سورة إبراهيم: 7) فعلق سبحانه المزيد بالشكر والمزيد من الله لا نهاية له، كما لا نهاية لشكره، فزيادة النعمة علامة شكرها.

ومن زويت النعمة عنه، أو نقص نماؤها – فقد – أوتي من قبل نفسه، فإذا ما دقق في أسباب ذلك وجد نفسه مقصرا في شكر النعمة قولا وعملا فالله تعالى وعد بالحفظ والمزيد ما استقام العبد على الطاعة والإحسان ذلك:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ ( سورة الرعد: 11) فالتحول عن المعصية إلى الطاعة يبدل الله أهله خيرا، ويغير حالهم إلى الأفضل والأحسن، ومن يتبدل المعاصي بالطاعات ويجحد ولا يشكر، فإن الله له بالمرصاد.

فمن رام خفض العيش ودوام النعمة والمزيد من الخير فليتخذ الشكر شعارًا والحمد دثارا فمتى جعل العبد الحمد خاتمة النعمة جعله الله تعالى فاتحة المزيد.

شكر الله وحمده:

قال ﷺ: إن المؤمن ليشبع من الطعام فيحمد الله تعالى فيعطيه من الأجر ما يعطي الصائم القائم إن الله شاكر يحب الشاكرين وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول - الله ﷺ حدثهم «أن عبدا من عباد الله قال: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها، فصعدا إلى السماء فقالا: ياربنا إن عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها، قال الله – وهو أعلم بما قال عبده – ماذا قال عبدي؟ قال: يا رب إنه قد قال: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فقال الله لهما اكتباها، كما قال عبدي؛ حتى يلقاني فأجزيه بها» رواه ابن ماجه، وأحمد ورواته ثقات. 

ومن كلام المغيرة بن شعبة: أشكر من أنعم عليك وأنعم على من شكرك، تستوجب من ربك الزيادة، ومن أخيك المناصحة، فإنه لإبقاء لنعمة إذا كفرت ولا زوال لها إذا شكرت ومن كلام أهل التحقيق ما أنعم الله على عبد نعمة فظلم بها إلا كان حقًا على الله – تعالى- أن يزيلها عنه، ومن لم يشكر النعمة فقد استدعى نوالها.

فما قيدت نعمة ولا حفظت بأوثق من قيد الشكر، ولا ضيعت نعمة أو سلبت إلا بالإعراض والكفران﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (سورة سبأ: 15:17).

ولكم حذرنا ربنا – عز وجل-من بطر النعمة وكفراتها وإساءة جوارها، وبين لنا أن ذلك لا يكون سبب زوالها فحسب، بل إنه سبب إهلاك أهلها ودمارهم ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ ( سورة القصص: 58)

فإذا ما وجد علاج لمرض القلوب التي بطرت النعمة فإن أنجعه يكون بتبصيرها بأن النعمة إذا لم تشكر زالت وعودها بعد الزوال عسير.

قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه – إن النعمة موصولة بالشكر والشكر يتعلق بالمزيد وهما مقرونان في قرن، فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد، واحذروا نقار النعم فما كل شارد بمورد ومن كلام الفضيل بن عياض – رحمه الله-عليكم بملازمة الشكر على النعم، فقل نعمة زالت عن قوم ثم عادت إليهم.

فالنعم وحشية، واستئناسها يكون بشكرها فالشكر قيد النعمة الموجودة، وصيد النعمة المفقودة، والسعيد من تعلق منه بسبب وصبر على ذلك. ليسعد بالنعمة ويضمن دوامها وينجو من الهلاك.

اللهم اجعلنا من المهتدين الشاكرين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. 

التربية السياسية في البيت المسلم

*إعطاء الطفل حقه وقبول الحق منه يغرس في نفسه شعورًا بالعدل ويعلمه.... أن الحياة الاجتماعية والسياسية أخذ وعطاء

*تدليل الطفل أكثر من إخوانه يجعله يميل إلى الشراسة والتعالي عليهم فيقابلونه بالحسد والبغض ثم الكيد

خالد أحمد الشنتوت

التربية السياسية هي إعداد الفرد ليكون مواطنا صالحا في المجتمع والمواطن الصالح في المجتمع المسلم، هو الذي يعرف واجباته فيؤديها كاملة غير منقوصة بدافع ذاتي، كما يعرف حقوقه فيسعى إلى اكتسابها بالطرق المشروعة، ولا يرضى بالذل والهوان، ولا يخاف إلا الله عز وجل، وهكذا يكون المجتمع المسلم حرًا أبيًا لا يقبل الاستبداد والظلم، سواء وقع عليه أو على غيره من البشر.

والمتأمل في البيت المعاصر يجد صورة مصغرة للمجتمع المعاصر، فالقهر والاستبداد والظلم، وقوامة المرأة على الرجل والصراع بين الأجيال... حتى يمكننا القول بأن البيت هو المسؤول الأول عن التخلف السياسي في مجتمعاتنا المعاصرة، ففي بعض بيوتنا تجد الأم حاكما متسلطا على الأسرة، تسوسها حسب رغباتها، والزوج لا حول له ولا قوة، وفي بعضها تجد الأب منحازًا علنًا إلى زوجته الجديدة وأولادها، وتراه يضطهد زوجته القديمة وأولادها.

فيسوس أولاده وبناته بالقهر والاستبداد والهوى والبيت الذي يربي أولاده على هذا المنوال يقدم أفرادا مناسبين المجتمع مقهور، فينقادون بسهولة ويسر للمستبد، مما يجعل البغاث نسرا وتسود الرذيلة وتختفي الفضيلة، ويصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا والعياذ بالله كما هو الحال في كثير من مجتمعاتنا المعاصرة أما البيت المسلم الذي يسير على هدى كتاب. الله وسنة رسوله ﷺ فإنه يقدم رجالا أحرارا لبنات صالحة للمجتمع المسلم المرتقب أخرج البخاري برحمه الله قال: حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله أخبرنا أبو حيان التيمي عن الشعبي عن النعمان بن بشير رضي عنهما قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، ثم بدا له فوهبها لي فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي ﷺ: فأخذ بيدي وأنا غلام فأتى النبي ﷺ فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا قال الك ولد سواء؟ قال: نعم، قال فأراه قال: لا تشهدني على جور (۱) 

وقال أبو حريز عن الشعبي: لا أشهد على جور. والعدل بين الزوجات مقدمة للعدل بين الأولاد وقليل من المسلمين في يومنا هذا يعدل.

والبيت المسلم ركيزة التربية الإسلامية الأولى، وهو المسؤول الأول عن تكوين المواطن الصالح، فالأب في البيت يمثل الدولة في المجتمع والأسرة مجتمع مصفر، والأب العادل

يربي أولاده على فضيلة العدل، فتنغرس فيهم منذ الصغر، حتى إذا كبروا وقد شبوا على العدل، كان الظلم مبغوضا عندهم، فلا يظلمون غيرهم، ولا يقبلون الظلم عليهم.

بين زوجاته، لأن كبح الهوى وعدم إظهار ميل القلب ليس في مقدور كثير من أهل زماننا فينعكس ذلك على الأولاد عندما يرون أباهم يفضل إخوانهم – أبناء زوجته الجديدة – عليهم، لأنهم أبناء الزوجة القديمة، مما يزرع الشقاق بين الإخوة ويضعف الرابطة الأخوية بينهم.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ من كانت له امرأتان يميل إلى إحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة وأحد شقیه ساقط (۲).

شرح الحديث في فتح الباري: يقول الحافظ بن حجر يرحمه الله واختلاف الألفاظ في هذه القصة الواحدة يرجع إلى معنى واحد، وقد تمسك به من أوجب التسوية في عطية الأولاد وبه صرح البخاري، وهو قول طاووس والثوري وأحمد وإسحق، وقال به بعض المالكية ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة أي العطية لبعض الأولاد دون الآخر»، وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة، فإن فضل بعضا صح وكره، واستحبت المبادرة إلى التسوية أو الرجوع. فحملوا الأمر على الندب والنهي على التنزيه، ومن حجة من أوجبه، أوجب التسوية أنه مقدمة الواجب لأن قطع الرحم والعقوق محرمان فما يؤدي إليهما يكون محرما، والتفضيل مما يؤدي إليهما (٣).

في شرح النووي على صحيح مسلم يقول النووي: ينبغي أن يسوي بين أولاده في الهبة ويهب لكل واحد منهم مثل الآخر ولا يفضل ويسوي بين الذكر والأنثى لظاهر الحديث، فلو فضل بعضهم بالهبة جاز مع. الكراهة عند مالك والشافعي وأبو حنيفة، وقال طاووس وعروة ومجاهد والثوري وأحمد وإسحق وداود هو حرام واحتجوا برواية لا أشهد على ر واحتج الآخرون بقوله ﷺ: «فأشهد على هذا غيري»، وفي هذا الحديث أن هبة بعض الأولاد دون بعض صحيحة من حيث التملك وأنه إن لم يهب الباقين مثل هذا استحب رد الأول، قال أصحابنا: يستحب أن يهب الباقين مثل الأول، فإن لم يفعل استحب رد الأول ولا جورا يجب (٤).

يقول النووي: المقسطون هم العادلون والمنابر قال القاضي يحتمل أن تكون منابر حقيقية، أو كناية عن المنازل الرفيعة، وكونهم عن اليمين أي الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعة، ويقال أتاه من يمينه إذا جاءه من الجهة المحمودة والعرب تنسب الفعل المحمود والإحسان إلى اليمين وأما قوله «الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وماولو»، فمعناه أن هذا الفضل إنما هو لمن عدل فيما تقلده من خلافة، أو إمارة، أو قضاء، أو حسبة، أو نظر على يتيم أو صدقة أو وقف وفيما يلزمه من حقوق أهله وعياله ونحو ذلك والله أعلم. (٤٥٣/١٢).

الدراسة التربوية للحديث:

الأب في البيت يمثل الدولة في المجتمع والأسرة مجتمع صغير، يتربى الأولاد فيها على العدل، فتنمو عندهم الكرامة الإنسانية. ويحرصون على صونها وحفظها من الذل حتى إذا كبر هؤلاء الأولاد، كانوا رجالا شجعانا لا يخافون في الله لومة لائم، فقد تربوا على أن يعدل بينهم ولم يعتادوا على الظلم والذل ومثلهم لا يمكن أن يحكمه الطاغوت المستبد.

أما الأولاد الذين تربوا في أسرة تفضل بعض الأولاد على بعضهم الآخر، ينغرس فيهم الذل والخنوع للسلطة التي تفعل ما تريد حسب نزواتها وهواها، كما ينشأ هؤلاء الإخوة على الحقد فيما بينهم والضغينة، كما فعل إخوة يوسف عليه السلام، عندما ظهر لهم أباهم يعقوب عليه السلام، يفضل يوسف وأخاه عنهم، ويحبه أكثر منهم. 

وعندما يعتاد الإنسان على العدل فإن كرامته تنمو فيشعر بها ويدافع عنها، فهذا عدل الفاروق رضي الله عنه وصل أثره إلى رعايا الدولة الإسلامية في مصر، فلم يرض القبطي أن يضرب ابن الوالي ابنه، ولم يسكت-كما يفعل كل المسلمين اليوم-وإنما تجشم الصعاب ورحل إلى عمر رضي الله عنه فاشتكى له، فأحضر الخليفة عمرًا وولده واقتص منهما وقال قولته المشهورة متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا وذاك صحابي يقاطع عمر وهو. يخطب على المنبر ويقول له: لا سمعا ولا طاعة!!! الله وثالث رضي عنهم يقاطع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وهو يخطب على المنبر ويكرر أن المال مال الله، فيقول الصحابي: إنما هو مال المسلمين وليس مال أمك وأبيك... هكذا كان المواطن المسلم، بعد أن تربى على محبة العدل، وكره الظلم، والذل، والخنوع. 

العدل والمساواة بين الأطفال: وهذا من حقوق الأطفال على الوالدين والعدل والمساواة أثر كبير على الأطفال، فعندما يشعر أحد الأطفال أن أحد والديه أو كلاهما يدلله أكثر من إخوانه يميل عندئذ إلى الشراسة والتعالي على إخوانه، فيقابله إخوانه بالحسد، ومن ثم البغض والكيد، فهؤلاء إخوة يوسف عليه السلام لما علموا ميل قلب أبيهم إلى يوسف أكثر منهم رموا أباهم بالخطأ فقالوا: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾.

( سورة يوسف: 8) فكانت نتيجة قناعتهم هذه أن يقدموا على عمل مشين في حق الأخوة وحق الأبوة:﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ( سورة يوسف: 9:10)  وهكذا حبكوا هذه المؤامرة على أخيهم الطفل الصغير الذي لم يبلغ الحلم، ولا ذنب له إلا إظهار والده حبه له أكثر من إخوته، فكان هذا الحسد وذاك الكيد، لذلك مهما قدم الوالدان من نصائح وتوجيهات وترغيب وترهيب فلن تكون لها أي جدوى ما لم يلتزما بالعدل والمساواة بين الأطفال ماديًا ومعنويا، ولا يظهرا ميلهم القلبي أمام أطفالهم «محمد نور سويد - ص (٣١٦).

الاستجابة لحقوق الأطفال: إن إعطاء الطفل حقه، وقبول الحق منه يغرس في نفسه شعورًا بالعدل، ويتعلم أن الحياة الاجتماعية السياسية، أخذ وعطاء، كما أنه تدريب للطفل على الخضوع للحق فيرى أمامه قدوة صالحة ويتعود على العدل وقبول الحق. 

فهذا رسول الله ﷺ يستأذن غلاما على يمينه لكي يتنازل عن حقه ليعطيه للكبير الذي على يساره فإذا بالطفل لا يؤثر سور رسول الله ﷺ على نفسه لأحد أبدا، فيعطيه رسول الله ﷺ الإناء ليشرب ويهنا في الاستمتاع بحقه.

عن سهل بن سعد رضي الله عنه: «أن رسول الله ﷺ أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال للغلام أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا والله يا رسول الله، لا أؤثر بنصيبي منك أحدًا، فتله أي وضعه، رسول الله ﷺ في يده»، وزاد رزين «والغلام هو الفضل بن العباس» (٥).

وتعويد الطفل على المطالبة بحقه خطوة لازمة بعد تعويده على القيام بواجباته، ليكون مواطنا حرا في المجتمع، يعطي ما عليه ويأخذ ما له وفي مثل هذا المجتمع الذي يعرف المواطن ما عليه وما له يتعذر قيام الطغاة، وتستحيل «الفرعنة»، أما المجتمع الذي يكثر فيه من لا يعرفون ما عليهم وما لهم، ينتظرون الطاغية ليرمي لهم بعض بقايا فتات موائده وينفذون كل ما يطلب منهم مثل هذا المجتمع بيئة مناسبة وصالحة للفرعنة.

فهذا صبي يرده رسول الله ﷺ عن معركة أحد فيقول الصبي لقد قبلت ابن عمي في دخول المعركة وأنا إن صارعته صرعته (٦)، فيأذن رسول الله ﷺ لهما بالمصارعة أمامه، ثم اذن له فهذا رسول الله ﷺ قبل الحق من الصغير وعلمنا أن نقبل الحق من الصغير، وقد روى ابن عساكر والديلمي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قلت للنبي ﷺ علمني كلمات جوامع نواقع فقال: «أعبد الله ولا تشرك به شيئا وزل من القرآن أينما زال واقبل الحق ممن جاء به صغيرا أو كبيرا، وإن كان بغيضا بعيدا، وارد الباطل ممن جاء به صغيرا أو كبيرا وإن كان حبيبا قريبًا».

-ومن حق الطفل أن يسمع له إن كان عالما فقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنت جالسا بالمدينة في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى فزعا أو مذعورا، قلنا ما شأنك قال: إن عمر أرسل إلي أن أتيه فأتيت بابه فسلمت ثلاثا فلم يرد علي فرجعت فقال: ما منعك أن تأتينا فقلت: إني أتيتك فسلمت على بابك ثلاثا فلم يردوا على فرجعت، وقد قال رسول الله ﷺ أن إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع فقال عمر: أقم عليه البيئة وإلا أوجعتك فقال أبي بن كعب لا يقوم معه إلا أصغر القوم قال أبو سعيد قلت أنا أصغر القوم، قال: فاذهب به «مسلم كتاب الآداب، باب الاستئذان رقم : ٢١٥٣) وفي رواية: يقول أبو سعيد الخدري فقمت حتى أتيت عمر فقلت: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول هذاء. يقول النووي (١٤ – ٣٨): قوله لا يقوم معه إلا أصغر القوم معناه أن هذا حديث مشهور بيننا معروف لكبارنا وصغارنا، حتى أن أصغرنا يحفظه وسمعه من رسول الله ﷺ، والشاهد هنا إرسال أبي بن كعب أصغر القوم إلى خليفة المسلمين ليشد له على كلام سمعه من رسول الله ﷺ.، وهذا ليس إنقاصا من حق الخليفة وإنما اعتبار مكانة الصبي – أي صبي- وقبول الحق منه، إن كان عالمًا به والشاهد كذلك قبول عمر رضي الله عنه الحق من الصبي الصغير، فالحق أحق أن يتبع ولو جاء به صغير وقد سار السلف الصالح على قبول الحق من الصغير فهذا أبو حنيفة ة يرى طفلًا يلعب بالطين فيقول ﷺ: إياك والسقوط في الطين فيقول الطفل: إياك أنت من السقوط، لأن سقوط العالم بالكسر، سقوط العالم بالفتح، فكان أبو حنيفة  بعد ذلك لا يخرج فتوى إلا بعد مدارستها شهرا مع تلامذته – محمد نور سويد ص٣٢١.

الهوامش:

١-صحيح البخاري رقم (٢٦٥٠) في كتاب الشهادات (٥٢). باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد (۹) وفي فتح الباري (۳۰٦/٥). والحديث الذي يليه رقم (٢٥٨٧) في كتاب الهبة (٥١) باب الإشهاد في الهبة (۱۳) وفي فتح الباري (٢٥٠/٥). وفي جامع الأصول (۱۱۷/۱۱).

٢ – العيال (۵۱۳) وقال إسناد صحيح، وأخرجه الترمذي في التحفة (٤) – (۲۹) كتاب النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر، والنسائي في سننه (٦٠٠٧) كتاب عشرة النساء وابن حبان في صحيحه (موارد الظمآن (۱۳۰۷).

٣-فتح الباري (٣٥٣٥).

٤-صحيح مسلم بشرح النووي. ۱۱ – ٦٥). مكتبة الرياض الحديثة.

٥-انظر جامع الأصول (٥) (1) تحقيق الأرناؤوط وقال النووي في رياض الصالحين باب التنافس في أمور الآخرة، والغلام هو ابن عباس رضي الله عنهما.

٦- كم من المسلمين في عصرنا يرى حقه بهضم، ویری غیره بفضل عليه، بسبب القرابة أو المصلحة الدنيوية، أو الهوى والنزوة والشهرة فقط ولا يجرؤ على الاعتراض بل اعتاد على ذلك حتى ظن الباطل مشروعًا.

الرابط المختصر :