العنوان من عبد الرحمن العشماوي إلى عبد الله علي المطوع
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1992
مشاهدات 93
نشر في العدد 1031
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 29-ديسمبر-1992
نداء الغريق.. ورسائل المآسي
رسالة الدكتور العشماوي إلى الشيخ المطوع: صرخة البوسنة
والهرسك
من عبد الرحمن بن صالح العشماوي إلى فضيلة الشيخ عبد الله المطوع رئيس جمعية
الإصلاح الاجتماعي بالكويت حفظه الله ورعاه.. أما بعد؛
فإني أحمد إليك الله تبارك وتعالى وأصلي وأسلم على رسوله محمد بن عبد الله
عليه أفضل الصلاة والسلام وأستفتح لك بالذي هو خير.
ما تزال يا شيخنا الفاضل نرى ذلك الغريق في هذا المحيط الهائج، ما نزال نراه
يلوح لنا بيديه منذ زمن مستنجدًا يستصرخ ويستغيث، ونحن على الشاطئ بين وقوف
وجلوس ننظر إليه نظرة الحائر المضطرب، بعضنا يبكي وبعضنا يردد صدى صوت ذلك الغريق،
وبعضنا لاهٍ عنه لا يلتفت إليه ولا يهز قلبه شفقة عليه. والغريب في أمرنا، بل
المؤلم المحزن، أن حبال النجاة بين أيدينا ولم نمد منها حبلًا إلى ذلك
الغريق الذي يستغيث. وها هو ذا ما يزال يصرخ ونحن ما نزال ننظر، وها هو يكاد يغيب
في لجة المحيط الهائج، ونحن ما نزال ننظر. أواه يا شيخنا من هذه الحال المزرية
التي تعيشها أمتنا. أما ذلك الغريق فهي بلاد البوسنة والهرسك – المسلمون هناك
يغرقون في محيط الدماء.. يستصرخون.. وصرخات رصاص الصرب تلاحقهم في كل مكان.. ونحن
ننظر إليهم، ولكن لا مجيب.. آه يا شيخ عبد الله من هذه الحال.
لقد قلت على لسان سراييفو: نناديكم وقد كثر النحيب نناديكم، ولكن من يجيب؟
نناديكم وأهات الثكالى تحدثكم بما اقترف الصليب بنات المسلمين هنا سبايا وشمس
المكرمات هنا تغيب شيخنا الفاضل...
جزاك الله خيرًا إذ أثلجت صدر ابنك المحب لك بتلك الرسالة التي بعثت بها إلى
أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي تطالبه فيها بأمور هي أدنى ما يمكن أن
نقدمه لإخواننا في البوسنة والهرسك.
وها أنذا أبعث بهذه الرسالة تأييدًا لرسالتك التي نشرت في هذه المجلة
المباركة «المجتمع»، في عددها 1028، وأقول لعالمنا الإسلامي لحكوماته
وجمعياته وشعوبه، إن التاريخ سيكتب بحروف سوداء هذا الصمت المشين عن مذبحة
المسلمين في تلك البلاد وعن بيع أطفال المسلمين وهتك أعراض المسلمات، بل وبيع
فتيات مسلمات في أوروبا وغيرها. بئست الحياة التي يحياها المسلم متكئًا على أريكته،
راشفًا فنجان قهوته، ناسيًا صراخ إخوته.
أضم صوتي إلى صوتك يا عبد الله المطوع.. فلعل غيرة تستيقظ ولعل عقولًا تعي
ولعل قلوبًا تخفق، ولعل شعور أمتنا بحجم مأساتها يدفعها إلى هجر خضوعها وذلها
وصمتها المؤلم.
إننا بأمس الحاجة إلى وضوح الرؤية في هذا العصر المظلم القاتم، فمقاطعة هيئة
الأمم من قبل الدول الإسلامية واجب في ظل هذا التواطؤ المعلن منها مع الصرب. إن
المسألة يا شيخ عبد الله لا تحتاج إلى تفكير طويل، حتى الأطفال يعرفون الآن ميل
هذه الهيئة العجوز إلى الصرب، وإن المتابع يعرف أن المقاطعة الاقتصادية المزعومة
هراء، بل إن الوقود وكثيرًا من المواد اللازمة للصرب، قد توافرت بشكل جيد بعد
إعلان المقاطعة كما تفيد بذلك التقارير الواردة من داخل بلغراد.
أما قضية المهاجرين المشردين فهي والله الوصمة الكبرى في جبين أمتنا.. أين
يذهبون؟ من الذي يؤويهم؟
أفرنسا وألمانيا وبريطانيا والعدو الصهيوني أولى بهم منا؟؟ أين دور الدول
الإسلامية في هذا الجانب الخطير؟ الإمكانات المادية والبشرية والجغرافية موجودة،
ولكن الغيرة والشعور بواجب الأخوة الإسلامية وإعلان المناصرة للمسلمين هي المفقودة
مع الأسف من قلوب المسلمين.
إن الحروف لتنزوي عن قلمي خجلًا... وأسفًا، فماذا يكتب قلم حزين عن مأساة
كبرى في عالمنا الإسلامي لم تجد معتصمًا يلمع سيف النجدة في يمينه، ولا صلاح الدين
يصهل حصانه في ميادين الجهاد. ولكني أرفد رسالتك المباركة يا شيخ عبد الله بهذه
الرسالة، فلربما صنع الرذاذ بذابل الزهور ما لم يصنعه المطر الغزير. والله
المستعان.
د. عبد الرحمن العشماوي - الرياض – المملكة العربية السعودية.
رد الشيخ المطوع: توحد الجسد الواحد
من عبد الله علي المطوع إلى الدكتور عبد الرحمن صالح العشماوي:
أشكرك أيها الأخ الكريم على رسالتك الكريمة التي حملت من المعاني الطيبة ما
يثلج الصدر ويؤنس الوحشة ويشعرنا بهموم الجسد الواحد، ولقد عهدناك في مواقفك وشعرك
مناصرًا للحق، ومنافحًا عنه، تفيض مشاعرك وأشعارك بهموم المسلمين ومآسيهم. وما
نحسبك إلا من هؤلاء الذين وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم شعرهم بالحكمة حينما
قال: إن من الشعر لحكمة. لقد تابعنا أشعارك وقرأنا قصائدك التي ناصرت فيها
المسلمين في البوسنة والهرسك وأفغانستان وفلسطين وغيرها من بلاد العالم الإسلامي
الأخرى، فكانت سهامًا فتاكة في صدور أعداء الله. ولم ننس مواقفك وأشعارك التي
ناصرت فيها إخوانك الكويتيين حينما اغتصب طاغية العراق بلادهم وشردهم، فكانت
قصائدك سلوانًا لهم، ومداواة لجروحهم، فجزاك الله عنا وعن المسلمين خيرًا.
أما ما نقوم به هنا وإخوانك في جمعية الإصلاح الاجتماعي من جهود واتصالات
ومساعدات لإخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك وأقطار العالم الإسلامي الأخرى ما
هو إلا جهد المقل في خضم المكائد التي تحاك ضد الإسلام والمسلمين من أعداء الله في
كل مكان. وبتضافر الجهود وتعاون الجميع من أمثالك وإخوانك في قطر عزيز علينا هو
المملكة العربية السعودية الشقيقة ودول إسلامية أخرى عزيزة علينا كدول مجلس
التعاون الخليجي، وغيرها ودول العالم الإسلامي الأخرى، فإننا نستطيع بإذن الله
وعونه من خلال هذا التعاون أن ندرأ ما نستطيع من أخطار عن أمتنا ونوقف ما نقدر
عليه من مكائد و﴿َلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ
عَزِيزٌ﴾. (الحج: 40).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل