العنوان أول حديث صحفي لشقيقة المفقودين إقبال المخيطر ووالدتها.. إقبال المخيطر: الإيمان والرضا بقضاء الله هو الذي أعاننا في محنتنا
الكاتب سعاد الولايتي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1993
مشاهدات 180
نشر في العدد 1051
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 25-مايو-1993
محنة
الأشقاء الستة وعودتهم
محنة
الاختفاء والعودة
عاشت الكويت في
الأسابيع الماضية حكومة وشعبًا محنة اختفاء الأشقاء الستة، وقد فرج الله الأزمة
بالعثور عليهم في الأراضي العراقية، ومن ثم إعادتهم سالمين إلى الكويت بعد تدخل
الصليب الأحمر وقد كان للمجتمع لقاء مع شقيقة المفقودين إقبال المخيطر البالغة من
العمر 18 عامًا ووالدتها.
فوجئنا
بالاهتمام الرسمي والشعبي
· إقبال المخيطر: فوجئنا بالاهتمام الرسمي والشعبي بقضيتنا.
المجتمع:
أخت
إقبال.. ذكر شقيقك سعود في مؤتمره الصحفي أن نقطة تفتيش قد قابلتكم قبل دخولكم
الأراضي العراقية؟
إقبال: نعم، وقد أخبرنا الشرطي أنه لا يحق لنا المرور دون
تصريح، فقلنا له إننا سنذهب لنزهة قصيرة، عندها وافق بشرط أن نعود بعد ساعتين
فوعدناه بذلك، والحقيقة أننا عندما تجاوزنا الشرطي لم نكن ندرك أننا على مقربة من
الحدود العراقية ولو كنا نعلم أو هو قد نبهنا ما دخلنا.
تساؤلات
حول الشرطي العراقي
المجتمع:
هذا
الشرطي الذي سمح لكم بالدخول دون تصريح، لماذا لم يتكلم بعد ذلك خصوصًا والبلد
كلها كانت مقلوبة عليكم، وتصريحه كان سيوفر جهدًا وأموالاً طائلة؟
إقبال:
الله
أعلم.
المجتمع: هل شعرتم بالخوف عندما خرج لكم العراقيون من باطن
الأرض؟
إقبال:
بعد أن
غادرنا الشرطي بفترة قصيرة جدًا أحاط بنا العراقيون، وطبيعي أننا شعرنا بالخوف،
والأطفال كانوا واجمين من المفاجأة، لكن ثقتنا برب العالمين كانت كبيرة وبلا حدود.
الصبر
والإيمان في المعتقل
المجتمع:
هل
شعرتم أن مسألة الاعتقال ستطول؟
إقبال: أي نعم، وقد كان خير زاد لنا في تلك المحنة إيماننا
بالله، وأن ما حصل كان بتقديره وقلنا إنه ﴿لَّن يُصِيبَنَاۤ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا﴾.
المجتمع:
من أول
شخص فكرت فيه حين اعتقلكم العراقيون؟ إقبال:
أول شخص خطر ببالي هي أمي، فكرت بأن الوقع سيكون صعبًا عليها، وسألت الله أن
يلهمها الصبر.
المجتمع:
كيف
كنتم تقضون أوقاتكم في المعتقل؟
إقبال: كنا نصلي ونذكر الله تعالى ونستغفره وندعوه، ورغم
أننا كنا مدهوشين مما حدث فقد كان في فترة قصيرة جدًا، فقد خرجنا من منزلنا في
الساعة الثانية وفي الساعة 5.3 كان العراقيون يحققون معنا، خلال تلك الأيام لم
يساورني الشك لحظة واحدة بأن الفرج قريب، وأننا سنعود إلى بلدنا خلال أيام، لقد
جعلنا ربنا كفيلنا ووكيلنا، وكان كل واحد منا يصبر الآخر ويبشره بأن الفرج قريب،
لم نفكر في لوم سعود لحظة واحدة، فقد آمنا بأنه قضاء الله وكنا نذكر بعضنا بقصة
سيدنا يوسف عليه السلام وكيف صبر في سجنه؟
ظروف
المعتقل والتحقيق
المجتمع:
كيف
كان المعتقل الذي حققوا معكم فيه في بغداد؟ إقبال: كان مكانًا رهيبًا حيث كنا نسمع صراخ الرجال
والأطفال والنساء، وكانت الزنزانة التي أسكنونا فيها بلا نوافذ، لا نستطيع أن نعرف
أوقات النهار، وحتى الوجبات التي كانت تقدم كانت متشابهة بحيث لم نكن نعرف هل هي
فطور أم غذاء أم عشاء، وفي الليل كانت البرودة شديدة حتى أنه أنها أصابتني
سخونة شديدة وشقيقي عبد الرحمن مرض. فقرأنا عليه من كتاب الله وبحمد الله عوفي،
أكثر التحقيقات كانت مع شقيقي سعود وقد أحضروني أمامه ذات مرة على سبيل التهديد،
وقد سألني الضابط هل تعرفين من هذا؟ فقلت: نعم هذا شقيقي سعود، فقال الضابط: إذن
أنت ترين جيدًا من خلف غطاء الوجه. فقلت له: أستطيع تمييز الشكل العام ولكن ليس
تفاصيل الوجه. وهنا قال الضابط هل أستطيع رؤية وجهك؟ فقلت له بقوة: لا. فسكت
وتركني، والحقيقة أنني لا أدري كيف واتتني تلك الجرأة والقوة!!
في ذلك التحقيق
سمعت الضابط وهو يقول لشقيقي فكر جيدًا وغدًا نواصل التحقيق، وقد أدركت ما يقصده
الضابط بكلمة فكر، وفي اليوم التالي بعد أن صلينا الفجر شعرت براحة شديدة وحكيت
لسعود عن شعوري فقال: أنا أشعر بنفس الشيء وسبحان الله في نفس اليوم نقلونا من
المعتقل إلى الشقة. والحقيقة أن الله تعالى قد ثبت قلوبنا وأنزل علينا السكينة،
ففي ذلك المعتقل كنا نسمع الصراخ وأصوات التعذيب فلا تهتز منا شعرة، كانوا
يأخذوننا لدورة المياه في أوقات معينة تختلف من يوم لآخر، ورغم وجود الأطفال معنا
إلا أنهم كانوا لا يبالون إذا ما احتاج أحدهم للحمام، وعبد الرحمن أصابه إسهال
شديد، ولكنهم لم يبالوا به وتركوه يتلف ثيابه.
النقل
إلى الشقة ومراقبة الوضع العراقي
المجتمع: كيف كانت
الشقة التي نقلوكم لها؟
إقبال:
كانت
عبارة عن غرفتين وصالة ومستواها لا بأس به، وبها تلفزيون، وقد تركوا المفتاح معنا،
ولم يكن عليها حراسة، وكانوا يكررون على مسامعنا أننا سنعود إلى بلادنا قريبًا،
كان هناك ضابط يحضر لنا طعام أحيانًا كل يوم، وأحيانًا كل 3 أيام مرة، الوجبات
كانت قليلة لا تكاد تكفينا، والشقة كانت في وسط حي سكني، فكنا نفتح النوافذ لنطل
على الشارع ونشاهد الناس. المجتمع: وكيف رأيتم حال الشعب العراقي؟
إقبال: لقد دهشت حين رأيت آثار الجوع الشديدة عليهم خصوصًا
النساء والأطفال، وكأنني أنظر إلى مجاعات أفريقيا.
العبرة
من الابتلاء
المجتمع:
هل
فوجئتم بالاستقبال الذي أعد لعودتكم؟
إقبال:
نعم،
الحقيقة لم نكن نتصور أن البلد مقلوبة علينا هكذا، وهذا إن دل على شيء فعلى أصالة
الشعب الكويتي، وأنه أسرة واحدة، والحقيقة أننا شاكرون لكل من تفاعل معنا ووقف مع
أهلنا ودعا لنا بظهر الغيب.
المجتمع:
ترى ما
العبرة التي خرجت منها في هذا الابتلاء؟ إقبال: أهم ما شعرت به أن عناية الله كانت تحرسنا منذ
الدقيقة الأولى التي اعتقلونا فيها. بعض الضباط كانوا في غاية الطيبة، وهذا تسخير
من رب العالمين، وهم لم يمسونا بأذى بتاتًا، وأنا عن نفسي لم يروا مني شيئًاً ولم
يعرفوا حتى لون بشرتي أو لون الفستان الذي أرتديه، ورغم أننا كنا في المعتقل
والوجبات بسيطة إلا أن الله رزقنا أيضًا بوجبات لم نكن نتوقعها مثل كباب، بسكوت،
دجاج، في معتقل بغداد كان عبد الرحمن يبكي بشدة من شدة الجوع ولا يتقبل الوجبة
التي يقدمونها له، فأحضروا له نوعاً من الكيك الفاخر بالكاكاو.
المصحف
سلوى الأم
المجتمع:
أم
سعود كيف كان شعورك حين فقدت أبناءك؟
أم سعود: في البداية بكيت وخفت عليهم كأية أم، لكنني سلمت
أمري لله ورضيت بقضائه، ولم يكن لي سلوى سوى المصحف والدعاء. والحقيقة إنني لا
أنكر فضل زوجي علي إذ راح يشد من أزري ويقول: إذا كان الله قد أخذ أمانته، فالحمد
لله أنهم كانوا أبناء صالحين قد أحسنا تربيتهم، وإن كان كتب لهم العودة سالمين،
فالحمد لله في كلا الحالين.
نصيحة إقبال
للفتيات والأمهات
المجتمع:
أخت
إقبال.. نلاحظ عليك حرصك الشديد على التزام أوامر الله تعالى فهل من نصيحة
تقدمينها للفتيات في سنك؟ إقبال: أنصح
كل بنت أن تلتزم باللباس الشرعي الذي فرضه الله علينا، وأن تترك السفور والتبرج
لأن هذا ليس في مصلحتها. ولتكن على يقين أن الله تعالى لا يشرع أمرًا إلا في مصلحة
عباده، وأنصح الأمهات كذلك أن يربين بناتهن وأبناءهن على تعاليم الإسلام وأن يحرصن
على مراقبتهم جيداً، فقد صرنا نرى مظاهر تسئ للمجتمع الكويتي، وأنا لا أحبذ أن
تذهب البنت الصغيرة للسوق برفقة صديقاتها، بل أن تكون في صحبة والدتها دائمًاً،
وإذا ما تضايقت البنت من هذه التقاليد الأسرية، على الأم ألا تلين أو تتنازل لأن
كل ذلك في مصلحة ابنتها.
الابتلاء
في الرخاء والشدة
المجتمع:
هذا
الاهتمام بكم هل أشعركم بالغرور؟
إقبال:
أبدًا
وأنا بالأمس فقط كنت أقول لأخوتي إننا ما زلنا في حالة ابتلاء من الله ليرانا نشكر
أم نكفر، والمسلم يبتلى في الرخاء والشدة. وفي المعتقل الضابط العراقي أحضر ثياب
لريم وقال: الثياب التي عليها لا تكفيها، دعوها تلبس هذا حتى لا تشعر بالبرد، وقبل
خروجنا انحنى أمام عبد الرحمن الصغير ليقبله.. هذا كله بفضل رحمة رب العالمين، ولا
ننسى بركة الدعاء الصالح سواء من أهلنا أو من كافة أفراد الشعب الكويتي.
ثبات
أم سعود ويقينها بالعودة
المجتمع:
هل
شعرت بجزع شديد أو قنوط خلال تلك الفترة؟
أم سعود:
أبدًا،
لقد أعانني الله عز وجل صحيح أنني كنت أبكي بين فترة وأخرى، لكن آمنت أن ما وقع قد
حصل بتقدير الله عز وجل، حتى بعض النساء اللاتي كن يحضرن لزيارتي كن يلمنني على
سماحي لهم بالخروج وبالأخص لأنني تركت عبد الرحمن الصغير معهن، فكنت أقول لهم برغم
حزني أن ما حصل قد حصل وهذا أمر رب العالمين، ولا ينفع اللوم وليت ولو، كنت على
ثقة شديدة بعودتهم، حين كنت أدخل غرف نومهم لم أكن أجزع أو أبكي بل كنت أشعر كما
لو كانوا في زيارة قصيرة وسيعودون. كنت أقضي وقتي في الصلاة وقراءة القرآن أو
استماعه من خلال شريط. ولا أنسى أن أشكر الأخوات اللاتي كن يزرنني ويزودنني بشحنة
كبيرة من الصبر والثبات وعمومًا أنا شاكرة لجميع من واساني وهنأني. المجتمع:
نشكركم على هذا اللقاء ونتمنى من الله عز وجل أن يفرحنا بعودة الأسرى، كما فرحنا
بعودتكم.
الصبر على البلاء
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل