; المجتمع الإسلامي (العدد 548) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الإسلامي (العدد 548)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1981

مشاهدات 79

نشر في العدد 548

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 27-أكتوبر-1981

محيي الدين يمتدح مبارك

 امتدح خالد محيي الدين رئيس «حزب التجمع التقدمي الوحدوي» الخطوات التي بدأت بها الحكومة المصرية الجديدة.

 وقال في تصريح أدلي به إلى وكالة الصحافة الفرنسية: إن الحكومة قامت بخطوات كثيرة في اتجاه الحوار الوطني، إذ إن التعليمات التي أصدرها الرئيس حسني مبارك

بوقف الهجوم على البلاد العربية بما في ذلك ليبيا، تشكل خطوة إيجابية!

أمريكا تقيم محطة تلفزيون صليبية في لبنان

 بدأت محطة تلفزيونية أطلق عليها اسم «نجمة الأمل»، ببث برامجها في وقت سابق في القطاع الخاضع لسيطرة الرائد الصليبي المنشق «سعد حداد» في جنوب لبنان، وقد قامت بإنشاء هذه المحطة «طائفة دينية أمريكية».

 وقال سعد حداد إن المحطة ستضاعف قوة بثها، لتصل برامجها إلى جميع أنحاء لبنان وفلسطين المحتلة والأردن وسوريا.

 والجدير بالذكر أن للرائد المذكور تاريخًا حافلًا في خدمة اليهود في اعتداءاتهم على مسلمي لبنان، وكون المحطة المذكورة أعلاه من إنشاء طائفة دينية أمريكية، يبرز بشكل واضح حجم التحالف الصليبي اليهودي في الصراع في لبنان.

دولة العدو تحول مسجدًا إلى ملهى!!

 نسبت «ألاسوشيتدبرس» إلى مصادر عربية في تل أبيب، قولها إن بلدية تل أبيب تخطط لتحويل مسجد مهجور إلى ملهى، وإن هذه الخطة الصهيونية قد أثارت موجة من الغضب العارم بين المسلمين العرب.

 وقد قرر السكان في حيفا مقاومة هذه الخطة بكافة الوسائل المتاحة، وقال بنيامين غوراريح «مستشار الحكومة "الإسرائيلية" للشؤون العربية» إن هذا الإجراء تخريبي وغير ضروري، وحذر أن مثل هذه الخطة سوف تسبب في إذكاء الغضب بين المسلمين العرب في حيفا. وتساءل عما إذا كان المسجد هذا معبدًا لليهود، هل ستتجرأ البلدية في اتخاذ مثل هذا الإجراء؟؟

محاولات يهودية جديدة لاقتحام الحرم الإبراهيمي

 حاول عدد من المتطرفين اليهود من الجماعة المسماة «أمناء جبل الهيكل»،

الدخول إلى الحرم الشريف في القدس يوم الثلاثاء الماضي، عبر بابين من الأبواب التسعة المؤدية إلى ساحة الحرم، ليقيموا طقوسهم الدينية في الساحة، وقد تمكن حراس الحرم من إحباط هذه المحاولة.

 وفي الوقت نفسه أحبطت محاولة متطرف آخر للدخول بالقوة عبر باب آخر، بعد أن هدد الحرس باستخدام سلاحه، إلا أنهم منعوه من ذلك. وقد تم إغلاق بوابتين «باب الملك فيصل وباب الحديد» تحسبًا لقيام المتطرفين بمحاولة جديدة.

 وفي الخليل أقدم مستوطنون يهود من كريات أربع على اقتحام الحجرة الإبراهيمية في الحرم الشريف، واعتدوا بالضرب على أحد الحراس وأقدموا على تحطيم رفوف المكتبة.

الكويت تدعم المؤسسات الإسلامية والهيئات الخيرية في كينيا

 أجرى يوم الخميس الماضي عضو المجلس التنفيذي المركزي، ومدير عام شؤون إفريقيا في المؤسسة الإسلامية بنيروبي «محمد راو»، محادثات مع مسؤولي الشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف، تناولت شرح عدة مشروعات تقوم بها حاليًا المؤسسة الإسلامية.

 وقد أوضح الضيف الإسلامي الواقع الذي يعيشه المسلمون هناك، وما تقوم به المؤسسة الإسلامية ودعاتها من جهد للمحافظة على كيانهم ودينهم، وقال إن الإسلام في إفريقيا بدأ يشكل قوة هائلة ستجعل من هذه القارة مكانًا مشرقًا بتوحيد الله. وأشاد عضو المجلس التنفيذي بدور الكويت ومسؤوليها في هذا المجال،

وألقى السيد راو نظرة سريعة على نشاطات المؤسسة الإسلامية حيث قال: إن‏ المؤسسة أنشئت عام ‎١٩٦3‏ من عدد من الغيورين على الإسلام، وذلك لنشر الإسلام في هذه المناطق وبعثه من جديد.

نظام قضاء إسلامي في باكستان 

 أعلن الرئيس الباكستاني «ضياء الحق» عن إرساء نظام قضاء إسلامي، يحل محل النظام الموروث من عهد السيطرة البريطانية، وأكد أن هذا التغيير يجب أن يتم تدريجيًا.

«"إسرائيل" تستعد لغزو الجنوب لصرف الأنظار عما يجري في مصر»

 ذكر قادمون من جنوب لبنان، أنهم شاهدوا تحركات آلية صهيونية مكثفة في الشريط الحدودي خلال الليلة الماضية، وهي تتجه لأخذ مواقعها في عدد من المواقع الاستراتيجية الهامة، وأكدوا أن "إسرائيل" بعد عملية اغتيال السادات، قامت بعدة خطوات على هذا الصعيد.

وبهذا الصدد تشير المصادر العسكرية الفلسطينية، إلى احتمال قيام العدو الصهيوني باعتداء واسع النطاق في الجنوب، وذلك بعدم لفت الأنظار عما يجري داخل مصر وإشغال العالم في مسألة ثانوية.

السعودية تنفي الاتصال بمصر

 قال مصدر سعودي مسؤول إنه لا صحة إطلاقًا لما تردد عن إجراء اتصالات غير مباشرة بين المملكة ومصر، حول موضوع استئناف العلاقات بين البلدين.

 وأكد المصدر، في خبر نقلته وكالة الأنباء السعودية، أن موقف المملكة من هذا الموضوع لم يجر عليه أي تغيير.

المستقبل للإسلام في‎ الاتحاد السوفياتي

 قالت الصحف السوفياتية الناطقة باسم الحزب الشيوعي في جمهورية أوزبكستان المجاورة لإيران، إنه لا يزال من الأمور المألوفة، رؤية الأهالي المتوجهين إلى «الأراضي المقدسة» لأداء فريضة الحج، ويقيمون علاقات مع رجال الدين والمبشرين «المتعصبين» وقالت إن هؤلاء يلتزمون بدقة بتقاليد «لا علاقة لها بأسلوب الحياة

السوفياتية».

 وقالت وكالة الصحافة الفرنسية إن الالتزام ببعض الممارسات الدينية الأساسية ينتشر في كثير من المناطق، إلى حد أن المسافر العابر يمكن أن يلاحظها بسهولة.

 وثمة مصدر آخر لانشغال السلطات السوفياتية، ويتمثل في ارتياد العديد من المؤمنين المزارات والمعابد، كما يتوجه آلاف من مسلمي المنطقة كل عام لزيارة ضريح البخاري، ومزار سومبول أوزبكستان، ومسجد غازي يوسف تاجيكستان.

 ويوصي الزعيم الديني للمسلمين رجال الدين والوعاظ الذين لا تعترف بهم الدولة، وإن كان المؤمنون ينتخبونهم مباشرة لسد العجز في عدد رجال الدين في الريف، المؤمنين بأداء فريضة الحج بصفة أساسية.

 وتعد حصيلة ستين عامًا من محاولات تصفية الإسلام كبيرة إلى حد ما، فقد أغلقت غالبية المساجد، وتحول بعضها إلى متاحف مناهضة للدين، في حين أصبحت المدن الرئيسية للإسلام مثل‏ سمرقند، وبخاري من مدن المتاحف، ولم يبق في جميع أنحاء الاتحاد السوفياتي إلا مدرستان لتعليم القرآن في بخاري وطشقند.

 وعلى الرغم من ذلك فإن نتيجة الحملة المناهضة للدين خلال السنوات المقبلة مشكوك فيها، وقد اعترف السكرتير الأول للحزب الشيوعي في توركمانيا، بأن الدين الإسلامي يعتمد على جذور متينة في الاتحاد السوفياتي حتى بين الشباب.

 وهكذا وفي عام ألفين سوف يصل تعداد المسلمين إلى ‎٧٠‏ مليونًا، أي بما معدله ربع السكان، وقد ينمو ثقل جمهوريات آسيا الوسطى، وفي مناطق إستراتيجية مثل حدود إيران وأفغانستان والصين.

اختفاء «اللحى» من جامعة القاهرة

 قال تقرير لـ «رويتر» من القاهرة، إنه لم يظهر طالب واحد ملتح في حرم جامعة القاهرة المكتظ هذا الأسبوع. وذلك لتطهير الجامعات من «المتشددين المسلمين»، ثم تطبيق قانون للسلوك يحكم أزياء الطلبة ومظهرهم الشخصي، وتم تشكيل حرس جامعي لإقرار الانضباط.

 ونتيجة لذلك فقد تم تحريم اللحى التي كانت سمة للإسلاميين، كما تم تحريم الحجاب الذي كانت كثير من الطالبات يفضلنه على «الفساتين» الجينز.

أضواء على محاكمة الاتجاه الإسلامي في تونس

الجلادون ألهبوا ظهور الإسلاميين بالسياط ونتفوا لحاهم.

  • الشيخ عبد القادر سلامة «75 سنة»: بكيت في حياتي ثلاث مرات لحلق لحيتي: مرتان في عهد الاستعمار الفرنسي، والثالثة في هذا العهد.
  • وليد البناني: هددني المباحث بالاعتداء على عفافي وعفاف زوجتي.

 إن المرء حين يستعرض شريط الأحداث الرهيبة التي حاقت بحركة الاتجاه

الإسلامي في تونس، منذ بدء الاعتقالات مرورًا بزنزانات التعذيب والتنكيل، وانتهاء

بمهزلة المحاكمة التي بلغت الأحكام فيها: 11‏ عامًا، يدرك أن القضية أكبر مما يلوح به الطاغوت الحاكم في تونس من اتهامات وأراجيف، تبريرًا لإجراء المحاكمات وتسليط العقوبات القاسية على رجال الحركة، ذلك أن العملية كانت مفاجئة وغريبة، وقد ارتكبت السلطات فيها أبشع الجرائم المنافية لأبسط القواعد الأخلاقية، والأعراف الشرعية، والمخالفة لكل المبادئ الإنسانية والقانونية والدستورية، كما خرقت الحكومة والحزب والمحكمة أيضًا النصوص القانونية الواردة بمجلة الإجراءات الجزائية «1» التونسية.

‏ وإليك أخي القارئ جملة من الانتهاكات:

  • يقرر قانون الإجراءات الجزائية أنه لا يجوز إيقاف شخص مشتبه فيه، أو مظنون

فيه، مدة تزيد على ثلاثة أيام، فإذا اقتضى الأمر إيقافه لمدة أطول وجب إحالته فورًا

على حاكم التحقيق «2»، أما في قضية الحال فقد أوقف الإخوة منذ يوم: ‎١٨‏ يوليو - ١٩٨١ م،‏ وظلوا رهن الاعتقال في الزنزانات التابعة لمباحث أمن الدولة حتى يوم: ‎١٠‏ أغسطس ١٩٨١ م، ‏ تاريخ إحالتهم على حاكم التحقيق، فقد مكثوا في الإيقاف

التحفظي «3»‏ قبل التحقيق، وبعده مدة شهر ونصف، حتى موعد المحاكمة: ‎3‏ سبتمبر 1981 م.

- يقرر القانون حق المظنون فيه في إحضار محام عند استنطاقه من قبل المباحث، ولكن استنطاق الإخوة كان في الزنزانات وفي الأقبية «تحت الأرضية» بوزارة الداخلية حيث التعذيب والتنكيل، وقد نتفت لحى الإخوة وألهب الجلادون أجسامهم بالسياط، وأنهكوهم ضربًا بالهراوات، وانتزعوا منهم الاعترافات، وتقول عليهم رجال المباحث الأقاويل الكاذبة والشهادات المزورة.‏

- يقرر القانون صلاحية حاكم التحقيق في الحفظ والإحالة «4»‏، ولكنه في هذه القضية كان مكلفًا -لا بالتحقيق- وإنما بالتصديق، على إحالة كل من يعتبرهم الحزب الحاكم أعداء له من الإسلاميين، ناهيك أن حاكم التحقيق أحال أشخاصًا على المحكمة دون تحقيق معهم، أو استدعاء لهم.

 إن حاكم التحقيق قام بمصادقة على محاضر وأبحاث المخابرات والمباحث التابعة لما يسمى بأمن الدولة.

- يؤكد القانون حق المحامين في الاطلاع على ملفات مندوبيهم قبل المحاكمة، أما في قضية الحال فقد أحيل الإخوة على المحاكمة رأسًا بعد ختم البحث، مما اضطر المحامين يوم المحاكمة «الخميس: ‎٢٧‏ أغسطس»، إلى طلب تأخير القضية للاطلاع على الملفات، ولم يجد رئيس المحكمة بدًا من الاستجابة، وقرر تأجيل القضية ليوم الإثنين: ‎3١‏ أغسطس.

- تعرض الإخوة الموقوفون خلال هذه الأيام الأربعة التي قضوها بالسجن المدني، لأبشع صنوف التنكيل، فقد أصيب الأخ عبد القادر الطرابلسي بالشلل، وتدهورت حالة الشيخ راشد «رئيس الحركة الصحية»، وكذا حالة الأخ محمد شمام، ويوم الإثنين: ‎3١ ‏أغسطس، مثل الموقوفون أمام المحكمة في حالة صحية متداعية، حتى إن الأخ عبد العزيز التميمي كان أثناء استنطاق الحاكم له جالسًا لا يقوى على الوقوف.

- وقع وصف القضية بكونها جريمة من جرائم الحق العام، والحقيقة أنها قضية سياسية بحتة، ولقد توخى وكيل النيابة هذا الوصف القانوني لقضية الاتجاه الإسلامي، باعتبارها جريمة من جرائم الحق العام بإيعاز من الحكومة، قصد إهانة رجال الحركة الإسلامية واعتبارهم مجرمين، مما يبرر لزبانية السلطة صلاحية التنكيل بهم وتعذيبهم. ولقد كان ذلك الوصف الدنيء القبيح لقضيتنا بكونها جريمة، مسوغًا لكل التصرفات الوحشية، فقد صرح الإخوة الموقوفون أمام رئيس المحكمة بما لاقوه من اضطهاد:

  • ‎حلق زبانية السجن لحى الإخوة بما فيها لحية الشيخ عبد القادر سلامة، البالغ من العمر: ‎٧٥‏ عامًا، فقد صرح أمام المحكمة بقوله: «لقد بكيت في حياتي ثلاث مرات، ولنفس السبب ‎-1- سنة: ١٩3٨ م،‏ حين سجنني المستعمر الفرنسي وحلقت لحيتي -2-، وكذلك سنة: 1948 م حين حلقت لحيتي -3-، واليوم في ظل هذا النظام الحاكم».
  • الأخ وليد البناني يصرح بأنه قد تعرض للتنكيل وهدده رجال المباحث بالاعتداء على عفافه وعفاف زوجته.
  • الأخ الهاشمي الحمدي يصرح بأن بعض حراس السجن أمروه بالتجرد من كل ملابسه، وعند رفضه انهالوا عليه ضربًا حتى أغمي عليه.
  • تعرض الإخوة للحرق والتجويع والتعليق على القضبان والإهانات المريرة مثل: الكلام الفاحش القبيح، وسب الدين وسب المولى -عز وجل- ونبيه -صلى الله عليه وسلم- وغير ذلك من صنوف الإرهاب والاعتداء والبغي...

- في يوم الأربعاء: ‎٢‏ سبتمبر ١٩٨١ م‏ خصصت الجلسة للدفاع، حيث بدأت المرافعات من الساعة الثامنة ونصف صباحًا، وقدم المحامون احتجاجًا لرئيس المحكمة عما تعرض له الموقوفون من تعذيب وتنكيل وتعسف، كما شددوا النكير على وزارة الداخلية ورجال المباحث، لما اقترفوه من جرائم في حق الإسلاميين.

- أصر الـ : ‎٨٢‏ محاميًا الذين تولوا الدفاع كلهم، على أن القضية ليست جريمة كما تدعي النيابة، وإنما هي قضية سياسية، وصرح بعضهم بأن هذه المحاكمة غير عادية وغريبة، لم يشهد القضاء التونسي لها مثيلًا على مر التاريخ، وحذروا من خطورة هذه المحاكمة وآثارها السيئة في نفوس الناس، وما قد تثيره من رد فعل خطير تعتبر مثل هذه المحاكمات مبررًا ومسوغًا له، وأكد المحامون على أن الاتجاه الإسلامي كان قد تقدم بطلب تشكيل جمعية إسلامية، وإثر إعلان الحكومة عن حرية الأحزاب، نظموا أنفسهم في شكل حزب وأعلموا بذلك السلطة الرسمية، وعقدوا ندوة صحفية يوم ‎٦‏ يونيو 1981،‏ أعلنوا فيها عن تنظيمهم وهياكلهم السياسية والقانونية، وشرحوا خلال هذه الندوة مبادئهم وأهدافهم وطرق عملهم، وقد سبق أن تقدمت بعض التيارات السياسية الأخرى بطلب تأشيرات لتشكيل أحزاب، فلماذا يا ترى يؤاخذ الاتجاه الإسلامي دون سواه؟ وكيف يعتبر هذا الاتجاه المعروف والمعلن عنه في وسائل الإعلام تنظيمًا سريًا غير مأذون به؟ والحال أن كل التنظيمات السياسية الأخرى هي الآن تتمتع بكل حرية. وأكد المحامون على أن هناك تجنيًا واضحًا من قبل الحزب الحاكم على حركة الاتجاه الإسلامي ورجاله، وليست هذه المحاكمة إلا ذريعة لتصفية هذه الحركات والقضاء عليها.

 ‏وأبدى أحد المحامين استياءه من هذه المحاكمة قائلًا: ما أفدح خسارة الشعب

التونسي حين يخسر هذه الكفاءات العلمية بإيداعها غياهب السجون، وهم الأبرياء

الأتقياء الأنقياء!

‏- ولقد ساد المحاكمة جو مؤثر أن أحد المحامين انفجر بالبكاء وصاح قائلًا: إذا

كان هؤلاء الرجال يقفون في قفص الاتهام، فإني منذ اليوم اعتبر نفسي منتسبًا للاتجاه الإسلامي، إذ إنه لمن الشرف العظيم أن ينتسب المرء إلى هؤلاء الرجال.

‏- واستمرت جلسة المرافعة حوالي ثلاثين ساعة على التوالي دون انقطاع، حيث

بدأت صباح الأربعاء واستمرت كامل اليوم وكامل الليل حتى يوم الخميس ظهرًا، وقد كان يوم الخميس الثالث من سبتمبر عيدًا رسميًا، تعطل فيه الدوائر والمؤسسات الحكومية والقضائية، ومع ذلك فقد اشتغلت المحكمة في مثل هذا اليوم قصد التعجيل بالمحاكمة والتخلص من القضية وطي ملفها، وقد ألح المحامون في نهاية مرافعاتهم على براءة الإخوة الموقوفين كلهم، وأنكروا صحة التهم الموجهة إليهم، وطالبوا بعدم سماع الدعوى وإطلاق سراح الموقوفين.

 وفي يوم الجمعة: ‎٤‏ سبتمبر ١٩٨١ م‏ انتصبت المحكمة بداية من الصباح، وخصصت هذه الجلسة للتصريح بالحكم، وطفق رئيس المحكمة يتلو حيثيات الأحكام، ثم صرح بالأحكام التي تراوحت ما بين ستة أشهر إلى أحد عشر عامًا.

- تعليق على هذه المحاكمة:

  1. إن الناظر في هذه الأحكام الصادرة من هذه المحكمة الجناحية، يلاحظ أن المحكمة تجاوزت حدود اختصاصها الحكمي، حيث إن نظرها يشمل قضايا الجنح التي لا تتجاوز العقوبات فيها الخمس سنوات، وإن مثل هذه الأحكام التي تصل إلى أحد عشر عامًا، إنما هي من اختصاص الدائرة الجنائية أو المحاكم الاستئنافية.
  2. ‎ إن القانون الجنائي يقرر مبدأ «الضم «5»» ‏ في حال تعدد التهم المنسوبة للشخص، والعمل بمبدأ الضم في مثل هذه القضية من شأنه أن يجعل الأحكام دون الخمس سنوات، بيد أن هذه المحكمة تجاهلت «مبدأ الضم»، واعتبرت كل تهمة مستقلة بذاتها، وحددت لكل منها حجم العقاب، فجاءت الأحكام قاسية. كل ذلك تحايل من هيئة المحكمة على القانون وخرق مبادئه وتنكيل بالإخوة وتعسف في الحكم، إرضاءً منها لأحقاد الحزب الحاكم السوداء على الإسلام ورجاله، واستجابةً منها لتوصيات الحكومة وأوامرها.
  3. إن التهم الثلاث الموجهة للإخوة والمتمثلة في ثلب رئيس الدولة، والانتماء إلى جمعية غير مرخص فيها ونشر أخبار زائفة، ما هي إلا اختلاق ومحض افتراء، حيث إن النيابة لم تقم الدليل على صحة هذه التهم، وإنما تعمدت إلصاقها بالإخوة‎ «5»‏ لتحويل القضية والتمويه على الناس، وتجريم رجال الحركة ودعاتها وتغطية مخازي بورقيبة المفضوحة بافتعال هذه المحاكمة المسرحية الصورية.
  4. إن هذه المحاكمة تبين مدى انحياز الحاكم إلى الحكومة، فقد تبنى هذه التهم وأمر على نسبتها إلى رجال الحركة وقضى عليهم بأحكام جائرة، ولهذا نسجل خرق القاضي لمبدأ هام في القانون وهو «مبدأ حياد القاضي «6»»، فقد بدا رئيس المحكمة خلال الجلسات كلها طرفًا في القضية، متقمصًا شخصية النيابة فإذا هو الخصم والحكم.
  5. ‎إن تهمة الانتماء إلى جمعية غير مرخص فيها، والموجهة إلى معظم الإخوة هي دعوى باطلة، حيث إن هناك تنظيمات سياسية مماثلة لتنظيم الحركة، وإن تخصيص حركتنا بهذه الدعوى دون بقية التنظيمات السياسية كحركة «الوحدة الشعبية» «الديمقراطيون الاشتراكيون»، «التجمع القومي العربي»، «الحزب الشيوعي» وغيره... هذا التخصيص يؤكد ما ذهب إليه لسان الدفاع من أن المحاكمة يراد بها تصفية الحركة الإسلامية واستبعاد رجالها من الساحة السياسية، في الوقت الذي يلوح فيه النظام الحاكم بشعارات الديمقراطية والتفتح وحرية الأحزاب والتنظيمات السياسية.
  6.  أما تهمة ثلب الرئيس ونشر أخبار زائفة، إنما يراد بها صرف أنظار الناس عما اقترف من انتهاكات لحرمة رمضان، حيث أمر بفتح الحانات والمطاعم والمقاهي والنوادي في نهار رمضان، وأطلق يد الشيوعية في البلاد، ولما تصدى دعاة الحركة إلى استنكار تلك التصرفات وتذكير الناس باعتداء النظام على شرع الإسلام وأحكامه، عدت السلطات الحاكمة موقف الدعاة هذا نيلًا من كرامة رئيس الدولة الذي كذب القرآن الكريم، وأنكر قصة أصحاب الكهف وعصا موسى واستهزأ بالنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصدر أمرًا بفطر رمضان سنة: 1962 م،‏ وقررت إحالتهم على المحكمة.
  7. ‎إن هذه المحاكمة الدراماتيكية للاتجاه الإسلامي تؤكد مدى الفزع الذي انتاب الخصوم من قوة المد الإسلامي، وانتشار الحركة في كامل القطر التونسي، واكتساحها كل القطاعات وضمها كل الفئات، وأصبحت حركة الاتجاه الإسلامي شبحًا مخيفًا يهدد الحزب الحاكم في كيانه ووجوده، لأجل ذلك تقرر افتعال هذه المحاكمة في نفس الوقت الذي يعلن فيه النظام الحاكم عن إجراء انتخابات تشريعية حرة، تشارك فيها كل التنظيمات السياسية المعارضة. إن هذا التنافس المفضوح يكشف النقاب عن مدى العداوة والبغضاء التي يكنها بورقيبة وزبانيته للإسلام، وحرصهم على الإجهاز عليه بكل طريقة ووسيلة لذلك.
  8. إننا كدعاة من حركة الاتجاه الإسلامي نؤكد أن هذه المحاكمات لن تزيدنا إلا ثباتًا ورسوخًا، ولقد أكد هذا المبدأ الإخوة الموقوفون على إثر سماعهم الأحكام مرددين قول الله تعالى: ﴿فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ﴾ (طه: 72)، وما كان جواب كل واحد منهم على الحاكم إلا أن قال: «أعتز بالإسلام وسأواصل الدعوة إليه» «أعتز بالإسلام وسأواصل الدعوة إليه إلى آخر رمق». هناك هزت جنابات المحكمة زغاريد الأخوات من أهالي الموقوفين اللائي حضرن المحاكمة وصاح الإخوة الموقوفون: «الله أكبر...».
  9. أن هذه الزغاريد وتلك التكبيرات والأناشيد لهي الرد المناسب تحديًا للمحاكمات والاعتقالات، وإننا نقول لعدونا وأذنابه وشياطينه: «إن السجون والمعتقلات والتشريد والتنكيل، كل ذلك لن يزيدنا إلا إيمانًا وحزمًا وعزمًا وإصرارًا على قطع دابر

الباطل وهدم الطاغوت في تونس، ولا يغرنك أنك اليوم تزج بخيرة رجال حركتنا في السجون والمعتقلات، فعسى ربنا أن يهلكك، كما قال موسى -عليه السلام-: ﴿قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُهۡلِكَ عَدُوَّكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ﴾ (الأعراف: 129)، وإنا لن يضيرنا كل ما نلقى في سبيل الله نصرة منا لدينه ونبييه وكتابه، وإنا لنقولها عالية: ﴿قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ (سورة التوبة: 52).

هوامش

‏ (1) مجلة الإجراءات الجزائية: القانون الذي يضبط اختصاص المحاكم الجزائية

ودرجاتها، وأنواع الجرائم وطرق رفع الدعوى وآجالها... إلخ.

‎ (٢) حاكم التحقيق: الحاكم المكلف بإجراء التحقيق والأبحاث في الجرائم قبل إحالتها على الحكمة.

‎ (3) الإيقاف التحفظي: إمساك الشخص وحبسه قبل المحاكمة.

‎ (٤) الحفظ: التخلي عن القضية لعدم صحة التهمة، أما الإحالة فهي تحويل القضية وإسنادها إلى المحكمة٠‏

(5) ‏الضم: مبدأ يعمل به في حال تعدد العقوبات لتخفيف أحكامها.

(6) ‏ مبدأ حياد القاضي: يفترض نزاهة القاضي وعدم انحيازه لأي طرف أثناء القضية.

الرابط المختصر :