العنوان المجتمع تجيب على: لماذا لا يجاهد المسلمون لتحرير فلسطين؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1988
مشاهدات 67
نشر في العدد 852
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 19-يناير-1988
عزيزتي المجتمع:
لنا بعض الأسئلة
نود أن نجد إجابة عليها على صفحات مجلتكم الغراء وهي:
1. ما الفرق بين الجهاد الأفغاني والجهاد
الفلسطيني؟ وما أثر كل منهما على الساحة الدولية؟
2. هل صحيح أن الصهاينة يعتبرون الألف مليون
مسلم بما لديهم من قدرات سياسية وعسكرية واقتصادية صفرًا؟ ومن الذي حول هذه
القدرات- في نظر الصهاينة- إلى صفر؟
3. هل صحيح أن الصهاينة يخططون وهم في مأمن تام
من حولهم؟ وهل يجوز لنا أن نوجه اتهامًا للمسلمين بالتخلي عن الجهاد لتحرير القدس
الذي أصبح فرض عين على كل مسلم أينما وجد وحل؟
الكل يدرك- عزيزتي المجتمع- أن تحرير القدس وكل
فلسطين لن يكون إلا بالجهاد فما السبيل إلى تحقيق ذلك؟
﴿وَاللَّهُ
يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (الأحزاب:4).
• د. محمد أبو محمد- الكويت
المجتمع تجيب
على:
لماذا لا يجاهد
المسلمون لتحرير فلسطين؟
عزيزي القارئ:
• الجهاد الأفغاني والجهاد الفلسطيني بينهما
تشابه من عدة وجوه أهمها:
• أن كلًا من فلسطين وأفغانستان بلد مسلم
ابتلي بغزو أجنبي كافر.
• أن الشعبين الفلسطيني والأفغاني يجاهدان
لتحرير وطنيهما من الغزو الأجنبي والحكم الكافر. ولكن الفرق بينهما:
• أن المحتل الإسرائيلي يحاول سلب الأرض وطرد
الشعب بينما المحتل الروسي يحاول فرض حكم كافر على أبناء الشعب وتغيير عقيدة
الأمة.
• أن الجهاد الأفغاني أعلنها صريحة واضحة أنه
جهاد إسلامي لطرد المحتل وإقامة حكم إسلامي وقد أجمعت المنظمات الإسلامية الرئيسية
السبع واتحدت على ذلك بينما شذت فئات قليلة مدعومة من الخارج ولكن لا شعبية لها
ولا وزن على الساحة الجهادية، بينما الجهاد الفلسطيني رغم أنه انطلق من منطلق
إسلامي في البداية إلا أنه سرعان ما ظهرت منظمات تنطلق من منطلقات غير إسلامية
مدعومة من بعض الجهات، حشرت نفسها داخل الجهاد الفلسطيني وصبغت الجهاد الفلسطيني
بالصبغة العلمانية تحت شعار مرحلة التحرر الوطني والوحدة الوطنية رغم أن الغالبية
العظمى من الفلسطينيين مسلمون.
أما عن أثر
الجهاد الأفغاني على الساحة الدولية فقد وجد هذا الجهاد تعاطفًا على المستوى
الدولي وخاصة المعسكر الرأسمالي ولكنه تعاطف يريد تجييره لصالح الصراع مع المعسكر
الاشتراكي، أما المجاهدون الأفغان فهم غير معنيين بغير تحرير بلادهم وإقامة الحكم
الإسلامي في البلاد.
وأما عن أثر
الجهاد الفلسطيني على الساحة الدولية فقد لقي هذا الجهاد تعاطفًا من المعسكر
الاشتراكي لصالح الصراع مع المعسكر الرأسمالي كما لقي تعاطفًا مع دول عدم الانحياز
وحركات التحرر العالمية واستطاع الوصول إلى الأمم المتحدة وأخيرًا- بعد الانتفاضة-
بدأ يحرك الضمير العالمي في اتجاه الشعب الفلسطيني وحقوقه المهدورة.
• أما بالنسبة لنظرة الصهاينة إلى العالم
الإسلامي وأن هذا العالم بقدراته البشرية والسياسية والعسكرية والاقتصادية لا
يساوي صفرًا... فالحقيقة أن هذا القول فيه مبالغة فالصهاينة يحسبون لهذا العالم
ألف حساب ولكن متى؟ ... حين يصحو هذا العالم ويدرك ذاته أنه أمة واحدة وأن موارده
البشرية والاقتصادية وإمكاناته العسكرية والسياسية يجب أن تصب جميعًا لصالح
الإسلام والمسلمين وقضاياهم المشتركة..
ولذلك يعمل
الصهاينة ليل نهار ومعهم قوى الشر العالمية المعادية للإسلام والمسلمين بشتى
الوسائل ويضعون المخططات المتعددة الأشكال والأنواع لاستبعاد الإسلام عن واقع حياة
المسلمين باسم الوطنية والقومية والاشتراكية والتقدمية.
ومع استمرار هذه
الحالة- غياب الإسلام أو تغييبه عن واقع حياة المسلمين عقيدة ومنهجًا عبادات
ومعاملات نظامًا والتزامًا، تربية وجهادًا- في هذه الحالة- يمكن القول إن المسلمين
في نظر الصهاينة مجموعة أصفار.
ومع ذلك
فالصهاينة ومن يساندهم حريصون على تحطيم كل وحدة إسلامية حقيقية، وكل قوة اقتصادية
مستقلة، وكل قوة عسكرية يمكن أن تشكل خطرًا عليهم- أي الصهاينة- في حالة عودة
المسلمين إلى ذواتهم... ولذلك كان الهجوم الإسرائيلي على المفاعل الذري العراقي
ووقوف الولايات المتحدة في وجه إنتاج قنبلة ذرية باكستانية ولا مانع أن تمتلك
الهند مثلًا هذه القنبلة.. ولا مانع من الترويج بين الحين والآخر أن دولة العدو
الصهيوني تمتلك العديد من القنابل الذرية أو النووية.
• أما بالنسبة للسؤال الثالث فهو مرتبط
بالسؤال الثاني فالصهاينة يتصرفون وهم مطمئنون- في الوقت الحاضر على الأقل- أن ليس
هناك خطر حقيقي يتهددهم من «جيرانهم» العرب أو المسلمين ما دام الإسلام ليس منهجهم
وما دام الخلاف قائمًا بينهم، وقد تجاوز مرحلة الخلاف إلى مرحلة الصراع المستميت
في بعض الأحيان كما تشهد اليوم لدى بعض الجهات العربية والإسلامية.
أما عن مسألة
اتهام المسلمين بأنهم قد تخلوا عن الجهاد لتحرير القدس وكل فلسطين فيمكن القول
بوجه عام إن الجهاد بمفهومه الإسلامي أو ما يسمى بالخيار العسكري قد غاب عن الساحة
العربية والإسلامية الرسمية إلى حد كبير واستعيض عنه بما يسمى بمساعي السلام مع
العدو الصهيوني سواء بمظلة أمريكية كما حدث في اتفاقيات كامب ديفيد أو بمظلة دولية
كما تطالب بقية الدول العربية ومعها منظمة التحرير الفلسطينية.
وجدير بالذكر أن
هناك فرقًا بين السلام وبين الاستقرار في الشرق الأوسط فالاستقرار يعني بقاء الحال
على ما هو عليه، أي بقاء الكيان الصهيوني وتوقف ما يسمى بعمليات العنف بينما
السلام من المفروض فيه أن يكون قائمًا على العدل وليس من العدل إقرار الظالم على
ظلمه والمحتل على احتلاله، ومغتصب الديار على اغتصابه، ليس من العدل أن تتحول
القدس إلى عاصمة لليهود إلى الأبد كما يقولون، وأن تكون السيادة لليهود على أرض
فلسطين العربية الإسلامية المباركة.
ولذلك لا يمكن
أن يقوم سلام في فلسطين من غير عدل ولا يمكن أن يكون هناك عدل مع بقاء الكيان
اليهودي في فلسطين ولو كان ذلك على جزء من فلسطين إذ إن في ذلك ظلمًا وسرقة
واغتصابًا ولا يمكن لأي مسلم صادق الإسلام عميق الإيمان أن يقبل بهذا الظلم ولا
يمكن للمشروع الصهيوني أن يلغي ذاته بذاته لمجرد أن هناك مسلمين يسعون إلى السلام
معه إلا إذا افتقد هذا السلام معناه بافتقاده العدل.
وحتى هذا النوع
مما يسمى سلامًا، من المشكوك أن يقبله الصهاينة إلا إذا كان قبولًا مرحليًا
تمهيدًا لقفزة أخرى لاحتلال مزيد من الأرض والهيمنة على المزيد من المسلمين
اقتصاديًا وسياسيًا باعتبارهم «غوييم» كما يقول اليهود، دمهم حلال، ومالهم حلال،
وينبغي أن يكونوا مسخرين لخدمة اليهود «شعب الله المختار».
• وعلى هذا فالجهاد كما تقول- عزيزي القارئ-
فرض عين على كل مسلم ومسلمة لتحرير القدس وكل فلسطين... وهذا الفرض يلزم المسلمين
حيثما وجدوا وأينما حلوا... فلماذا لا يوجد جهاد بمعناه الإسلامي الشامل لتحرير
فلسطين؟ ولماذا هذه الفريضة غائبة وهناك وطن إسلامي محتل هو من أقدس أوطان
المسلمين؟ وما السبيل إلى تحقيق هذا الجهاد؟
إن الغزو
الثقافي الغربي بشقيه الماركسي والليبرالي الذي سبق وأعقب تحطيم آخر خلافة إسلامية
في إسطنبول ومن ثم تجزئة العالم الإسلامي إلى دول وأنظمة وأحزاب أسسها أعداء
الإسلام أو مسلمون مهزومون مبهورون بحضارة الغرب الماركسية أو الليبرالية... هذا
الغزو الثقافي وما نتج عنه هو المسؤول عن ضياع هذه الأمة وتفتيتها ومن ثم بقاء
الكيان اليهودي وتوسعه على حساب الإسلام والمسلمين بعد أن تم غزوهم من الداخل
لتخريب عقيدتهم وإفسادها لعقائد دنيوية غريبة ثبت خواؤها وعجزها واستسلامها
وإفلاسها.
• من هنا كانت الصحوة الإسلامية المعاصرة
التي هي السبيل الوحيد إلى تصحيح الأوضاع بعودة المسلمين إلى ذواتهم أنهم أمة
واحدة عقيدتهم ربانية ومنهجهم لدحر عدوهم هو الجهاد. ولقد حاول الغرب كعادته بما
لديه من أتباع أن يفرغ هذه الصحوة من مضمونها بالانشغال بالفروع دون الأصول أو
الشكل دون الجوهر أو الطرق على نقاط الخلاف الاجتهادية دون نقاط الاتفاق المنصوص
عليها صراحة في الكتاب والسنة والإجماع.. وحين عجز كانت المواجهة والقمع
والتنكيل.. ومع ذلك فما زالت الصحوة في صعود وتأصيل.
وقد بدأت هذه
الصحوة في الآونة الأخيرة تأخذ مجراها العملي في فلسطين المحتلة حيث مارس المسلمون
هناك الجهاد على أرض الواقع عملًا مسلحًا نوعيًا مميزًا لم يلبث أن حفز الجماهير
المقهورة التي خاب ظنها في الأمم المتحدة والهيئات الدولية وكل مساعي السلام
السرابية.
فتحركت جماهير
المسلمين في الأرض المحتلة تواجه المحتلين الصهاينة بما ملكت أيديها من حجارة وبما
ملكت قلوبها من إيمان تهتف: الله أكبر.. الله أكبر.... خیبر، خیبر یا يهود.. جيش
محمد سوف يعود.
وبذلك يكون
الجهاد قد أعلن عنه في الأرض المقدسة وبدأت ممارسته عمليًا، وما على المسلمين
حيثما وجدوا، وأينما حلوا إلا أن يتوجهوا بذواتهم أو بأموالهم وإمكاناتهم لدعم هذه
الانتفاضة الجهادية المباركة متخطين كل الحواجز والعوائق.. فمن لم يهتم بأمر
المسلمين فليس منهم، ومن لم يغز أو لم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية، ومن جهز
غازيًا فقد غزا... صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ
لَقَدِيرٌ﴾ (الحج:39) صدق الله العظيم.