العنوان المجتمع تخترق الحصار وتحاور مسؤولًا كبيرًا في الرئاسة وشهود عيان
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1999
مشاهدات 56
نشر في العدد 1376
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 16-نوفمبر-1999
إلى العالم الإسلامي!.. رسالة من قلب الشيشان
الموت يحصدنا.. هدموا كل المصانع والمدارس والمستشفيات.. قطعوا خطوط الغاز والكهرباء والماء.. دمروا الجسور والطرق والسكك الحديدية.. حرقوا المزروعات ولم يعد هناك سلاح محرم لم يستخدموه إلا القنابل النووية.. ولا أحد في العالم يحتج!
* 200 ألف لاجئ تحت القصف اليومي الوحشي وبقية السكان يفرون من قرية إلى قرية تحت وابل النيران.. فالشعب كله إرهابي عند الروس
* الأمن الروسي يضبط رجال المخابرات الروسية وهم يضعون المتفجرات في أحد مباني موسكو.. والتليفزيون يقول: إنها تجربة لاختبار مدى تيقظ الشعب!
* الأطماع الأمريكية المزدوجة في القوقاز وروسيا.. قصة الدعم الغربي لروسيا.. وهواجس الخوف من موسكو
* كل القوى توحدت تحت قيادة مسعادوف.. والشيشان تعيد ملاحمها البطولية في مقاومة العدوان وتسقط ألفي قتيل.. وهناك عشرات الأسرى
* القوقاز البوابة الرئيسة للشرق الإسلامي وإذا التحمت صحوته الإسلامية بصحوة الشرق فإنها ستجتاح روسيا وتقضي على المصالح الغربية.. لذلك حدث الغزو لوأد أي نزعة استقلالية
منذ الاحتجاج الروسي المجرم للشيشان أصبح هذا البلد معزولًا.. عن العالم فقد وقع تحت حصار حديدي فرضته القوات الغازية ولم نعد نعرف شيئًا عن حقيقة ما يجري من اجتياح للأرض.. وإبادة منظمة للشعب.. وأصبح الإعلام الروسي وحده المتفرد ببث ما يشاء من أخبار وفق ما يخدم مخططاته وأهدافه الإجرامية..
منذ ذلك التاريخ اصطدمنا في المجتمع بصعوبات بالغة ونحن نحاول الحصول على حقيقة ما يدور بعيدًا عن أكاذيب وتلفيقات الإعلام الروسي التي يروج لها الإعلام الغربي، ولم نتمكن طوال هذه الفترة من الاتصال بمصادرنا داخل الشيشان، فالبلاد كأنها في حالة حصار، كما لم نتمكن من الذهاب إلى هناك.. ولم نشأ طوال تلك الفترة أن نركن إلى ما يردده الإعلام الروسي ومعه الإعلام الغربي، لكننا لم نيأس وواصلنا طريق الصعب وهو محاولة الحصول على الحقائق من شهود العيان داخل الشيشان من المسؤولين في الحكومة الشيشانية ذاتها.. وقد تمكنا هذا الأسبوع من تحقيق ما نحاول طوال الأسابيع الماضية، إذ تمكنا من الحديث إلى مسؤول كبير في الرئاسة الشيشانية إضافة إلى شهود عيان آخرين يعيشون المأساة يومًا بيوم.. وقد طلب الجميع عدم ذكر أسمائهم.. فالدولة كلها.. الأرض والشعب في قبضة الروس.
وإليكم حصيلة ما جمعناه من اتصالاتنا..
الغزو الروسي لبلادنا هذه المرة يختلف كثيرًا في وحشيته عن الغزو السابق الذي جرى عام 1994م، فقد كانت قوات الغزو السابق من ضحايا الذين تدربوا في معسكرات الإتحاد السوفييتي السابق، كانوا يفهمون إلى حد ما أصول الحرب وكيفية التعامل مع المدنيين والحرص على عدم قتلهم بقدر المستطاع.. هكذا كانوا يتعاملون.. نعم قتلوا مدنيين وخربوا البلاد ودمروا بنيتنا الأساسية، لكنهم كانوا أقل دمارًا من قوات الغزو الحالي.. لقد فوجئنا هذه المرة بوحوش ماتت قلوبهم وتجري في عروقهم دماء القسوة.. لقد قامت السلطات الروسية طوال السنوات الثلاث الماضية بشحن الجيش والشعب الروسيين بكل ما تستطيع من شحنات الحقد والرغبة في الانتقام وإبادة الشعب الشيشاني، وأصبحت صورة الشيشاني أي شيشاني.. طفلًا كان أو إمرأة.. أو شيخًا ضعيفًا.. هي صورة الإرهابي الذي يستعد لهدم روسيا وقتل أهلها.. وكان تدبير المخابرات الروسية للانفجارات الشهيرة في موسكو إحدى أدوات الشحن الحاقد ضد الشعب الشيشاني، وقد لعب الإعلام الروسي كثيرًا على هذه الانفجارات وأقنع الشعب والعالم أجمع بأن وراءها شيشانيين، وثبت بالدليل القاطع أن تلك الانفجارات من تدبير المخابرات الروسية..
فقد أعلن التلفاز الروسي أن قوات الأمن ألقت القبض على أشخاص وهم يضعون متفجرات تحت أحد المباني في موسكو، وعند التحقيق معهم اكتشفت قوات الأمن أنهم من المخابرات الروسية، وكان قد تم عرض صورهم في التلفاز.. وفي اليوم التالي مباشرة أعلن التلفاز الروسي أن هؤلاء الأشخاص من المخابرات الروسية، وخرج مسؤول الإعلام في المخابرات بأكذوبة مفضوحة، معلنًا أن المخابرات قامت بهذه العملية لاختبار مدى تيقظ الشعب.
وهكذا تستخدم روسيا كل الوسائل القذرة لشحن الشعب والجيش بالحقد الأسود ضد الشعب الشيشاني.. وفي الوقت الذي لاذت فيه وسائل الإعلام العالمية بالصمت على ما يجري انفرج الإعلام الروسي بالساحة ليتلاعب بوعيها ويزيف لها الحقائق.. معلنًا بكل بجاحة اعتبار روسيا أن الشعب الشيشاني كله إرهابيون ولا فرق في ذلك بين طفل أو امرأة أو شيخ!.
في هذا الجو اجتاحت القوات الروسية الحدود الشيشانية وفرضت الدبابات والمدرعات حصارًا حديديًا على الحدود الشيشانية وبدأت في تدمير جميع القرى المجودة على الحدود بزعم أنها أوكار للإرهابيين! ثم بدأوا في قصم يومي للعاصمة جروزني من الأرض والجو..
لقد هدمو كل المصانع والمؤسسات والمدراس والمستشفيات والمستوصفات والطرق والجسور والسكك الحديدية.. حتى أصبح الخراب يكسو كل بقعة في البلاد.. والذي يعرفه العالم لم يستنكره أحد أن القوات الروسية تستخدم في حربها الوحشية كل الأسلحة المحرمة دوليًّا.. من القنابل العنقودية إلى الأسلحة الكيماوية.. ولم يعد هناك سلاح محرم لم يستخدموه إلا القنابل النووية!.
وقد تعلمت القوات الروسية درسًا من الغزو السابق وهو عدم التوغل داخل الأراضي والاكتفاء بالحصار من الحدود والقصف من بعيد.. لأن التوغل معناه الالتحام بالمقاومة لتكون الخسائر بين القوات الروسية فادحة.
ولم تكن الشيشان مستعدة لكل هذه الأحداث فهي مازالت تعيد بناء مادمرته الحرب السابقة، كما أنها عاشت طوال السنوات الثلاث الماضية (96- 99) تحت حصار اقتصادي فرضته روسيا عليها فلم يكن باستطاعة الحكومة الشيشانية تصدير برتقالة واحدة للخارج أو استقبال أي مساعدات إنسانية فعاشت في أزمة طاحنة تعاني نقص الدواء والغذاء ثم جاء الغزو الجديد ليحرق الأرض والنسل حرقًا.. بعد أن قطعت البلاد خطوط الغاز والكهرباء القادمة من الأراضي الروسية وانقطعت بالتالي المياه التي يحصل عليها المواطنون من خلال مضخات تعمل بالكهرباء.. وقد تمكن أكثر من 200 ألف شخص من الفرار إلى الحدود الشيشانية مع أنجوشيا ومازال بقية السكان «ما يقرب من المليون شخص» داخل البلاد يفرون من قرية إلى قرية تحاشيًا للقصف الروسي.. ولم يسلم هؤلاء المهاجرون من القصف المتكرر للمدفعية، كما لم يسلم المحصورون داخل البلاد من حوادث التفجيرات المتكررة، فقد زرعت القوات الروسية الألغام حول القرى وداخلها ولا يمر يوم إلا ويسقط أطفال ونساء وضحايا انفجارها.. وقد سقط حتى بداية هذا الأسبوع أكثر من ألفي شهيد و6 آلاف جريح أكثرهم من النساء والأطفال ولا يجدون علاجًا أو مستوصف يسعفهم.
وبينما يواصل الروس حربهم الوحشية وحصارهم المرير يقترب الشتاء ببرده القارس حيث تصل درجات الحرارة إلى 20 تحت الصفر.
وأمام هذه الحرب الوحشية التي تجري وسط صمت العالم وعزوف الجميع عن تقديم أي مساعدات إنسانية لهذا البلد المنكوب.. يقف الشعب والحكومة لمقاومة العدوان.
فقد أعلن الرئيس مسعادوف الجهاد ضد الغزو وتوحدت كل القوى والقيادات المعارضة له تحت قيادته وأعلن عن تشكيل مجلس الدفاع الوطني يشارك فيه كل القوات المعروفين ولك القوى السياسية تحت قيادة مسعادوف.. ووصل تعداد قوات المقاومة الشيشانية إلى عدة آلاف يقاومون بكل شراسة 200 ألف من القوات الروسية المدججة بأحدث الأسلحة، بينما سلاح المقاومة هو من الغنائم التي يحصلون عليها من الروس وقد تمكن المجاهدون من إسقاط أكثر من ألفي قتيل بين صفوف القوات الروسية وهو عدد مماثل لقتلى الشيشان، ولو توغل الروس داخل القرى والمدن لكانت خسائرهم أكبر.. وتفيد المعلومات أن مئات من القوات الروسة وقعوا في الأسر، ويخطط المجاهدون لتنفيذ عمليات استشهادية خلف القوات الروسية.. ولا يشتكي الشيشانيون من قلة الأعداد إنما أزمتهم في السلاح، والجندي الروسي يستطيع أن يبيع أي شيئ طالما ضمن أنه سيحصل على مقابل جيد من المال، ومهما كانت الكراهية والحقد التي يحملها الجنود للشعب الشيشاني إلا أنهم يشيشون أزمة طاحنة في حياتهم المعيشية.. ولا يتقاضون رواتبهم لعدة أشهر وليس أمامهم من حل إلا بيع أي شيئ حتى ولو كان سلاحهم..
في حوار بين ضباط روس ومجاهدين من الشيشان.. قال الضباط الروس للمجاهدين: أنتم تقاتلون ضدنا بروح عالية وتتسابقون للموت لأنكم أصحاب عقيدة.. وتدافعون عن أرضكم وتسعون لإقامة دولتكم وتسعدون بالموت لأنه عندكم «شهادة».. أما نحن فمن أجل ماذا تقاتل؟ هل نموت من أجل ثري روسي يكدس المال.. بينما نحن لا نحصل على رواتبنا.. ويأكلنا الجوع!
وبسبب هذه الروح التي عبر عنها الضباط الروس سعت السلطات الروسية لشحن جنودها معنويًّا ضد الشيشان قبل الغزو لكن الذي يبدو أن الشحنات تتفرغ بمرور الأيام.
وتجمع كل الدلائل على أن روسيا كانت تبيت لهذا الغزو منذ خروجها مهزومة عام 1996م من الشيشان ولكنها كانت تنتظر توافر أسباب قوية تتكئ عليها لتبرر غزوها.. فاستغلت أحداث داغستان التي استولى خلالها بعض المتعجلين لتحرير داغستان وهم فريق من المقتنعين بإقامة الدولة الإسلامية بين عشية وضحاها.. هذا الفريق موجود بقناعاته في الشيشان وداغستان وهو على خلاف في الرأي مع قوى أخرى تعتقد بأهمية التدرج في إقامة الدولة الإسلامية خاصة أن 98% من الشعب هم من العوم المنتسبين للصوفية الذي يحتاجون إلى فهم حقائق كثيرة عن الإسلام.. وهناك حقيقة مهمة وهي أن هذا الفريق المتعجل كثيرًا ما اصطدم بعامة الشعب الرافضة لأسلوبه وقناعاته.. وليس سرًّا أن روسيا حاولت طوال السنوات الماضية اللعب على هذه الخلافات في الرأي وحاولت إشعال فتنة دامية بين هؤلاء الفرقاء أملًا في تكرار نموذج أفغانستان وقد نجحت في استمالة بعض ضعاف النفوس من العامة لكنها لم تنجح في إشعال الفتنة.. والهدف الروسي من ذلك واضح وهو إسقاط الشعب الشيشاني كله في أتون حرب أهلية مهلكة.
وليس هناك شك في أن المخابرات الأمريكية تعمل إلى جوار المخابرات الروسية لتحقيق هذا الهدف.. لكن الفتنة لم تقع وإن كانت قد حدثت عام 1998م اشتباكات خفيفة بين المتخالفين في مدينة «جودميس» ثاني أكبر مدينة بعد جروزني وسقط فيها ضحايا.
وأيًّا كانت الدوافع التي تعلل بها روسيا لحربها الحالية ضد الشيشان إلا أنه يبقى أن هناك أهدافًا إسترتيجية روسية- آنية وعلى المدى البعيد- ويمكن حصرها في النقاط الآتية:
أولًا: إن الحفاظ على نظام يلتسين وسياساته التابعة للغرب هدف إستراتيجي لدى يلتسين نفسه ولدى الغرب.. فيلتسين الذي يمكن أن يودع السلطة بين لحظة وأخرى يحرص كل الحرص على أن يحل محله رئيس جديد قادر على المحافظة على سياساته وقادر على حماية عائلته من المحاكمات والمحاسبات التي يمكن أن تطولهم في تهم الفساد والسرقات المالية الثابتة عليهم جميعًا، ولذلك جاء ببوتين رئيسًا للوزراء ويرشحه ليكون رئيسًا للبلاد، لكن الرئيس هذا لا يملك رصيدًا من الإنجازات المقنعة للشعب الروسي حتى يرضى به، فكان لابد من الشروع في غزو الشيشان وهو عمل وطني كبير لدى الروس، ولعل ظهور بوتين بشكل ملحوظ وكأنه يقود العملية برمتها ما يشير إلى تلميعه ولاشك في أن نجاحه في إخضاع الشيشان يمثل رصيدًا كبيرًا يتقدم به إلى الشعب وهو يتقدم لرئاسة البلاد.. إن نجاح نظام يلتسين في الشيشان يزيد من رصيده السياسي على حساب رصيد الشيوعيين المتنامي الذي يسعون للعودة للسلطة بأي ثمن.
ثانيًا: إن الصحوة الإسلامية صارت ملحوظة إلى حد كبير في دول شمال القوقاز كله وليس الشيشان. فالمدارس الإسلامية تتزايد، والمساجد تمتلئ، والشعوب بدأت تتجه نحو فهم الإسلام والسعى لتطبيقه ولا شك أن ذلك يصيب روسيا بالرعب ويصيب الغرب عمومًا بالتخوف على مصالحه في المنطقة.. فبدأت الحملة الإعلامية التي تصور الشعب الشيشاني كله على أنه إرهابي وأن تحركها إنما يأتي للقضاء على إرهابيين ولا يختلف أحد في النظام الدولي على ضرورة القضاء عليهم وفي الحقيقة يأتي هذا التحرك للقضاء على الصحوة الإسلامية ومحاولة القضاء على الإسلام في تلك المنطقة.. خاصة أن منطقة شمال القوقاز تمثل البوابة الرئيسة إلى دول الشرق الإسلامي وإذا التحمت صحوة القوقاز مع صحوة الشرق الإسلامي فإنها ستجتاح روسيا وتقضي على المشروع الغربي والمصالح الغربية في المنطقة.. ومن هنا تأتي أهمية وأد صحوة الشيشان كبداية مهمة للقضاء على صحوة القوقاز وإقامة سد منيع يحول دون التواصل والتفاعل مع الشرق الإسلامي.
ثالثًا: إن النمو السكاني في روسيا، في تناقص كبير بينما نسبة النمو بين سكان القوقاز متزايدة وذلك يعني على المدى البعيد تفوق منطقة القوقاز سكانيًّا على روسيا وهو ما يثير تخوفات لدى روسيا من تمدد هذا التزايد السكاني إلى الأراضي الروسية ذاتها ليملأ فراغ التناقص السكاني فيها.. وإذا حدث ذلك في ظل وجود دول مستقلة ومستقرة في القوقاز فإنه يعني انحسار الدولة الروسية أمام الدول القوقازية، ولذلك فإن قطع الطريق على قيام أي دولة مستقلة في القوقاز يمثل هدفًا إستراتيجيًّا روسيًّا بل وغربيًّا، والأكثر من ذلك فإن روسيا تطبق سياسة صارمة لتحديد النسل بين سكان القوقاز تحسبًا لكل هذه الاحتمالات.
وبمناسبة الغرب وأهدافه وأطماعه في المنطقة فإن هذه المسألة واضحة تمامًا لدى القيادة الشيشانية التي ترى أنه لم يعد خافيًا أن الولايات المتحدة لها أطماع كبيرة في القوقاز لوجود النفط والثروات المعدنية من جانب ولموقعها الإستراتيجي من ناحية أخرى، ولن تمانع الولايات المتحدة في استقلال الشيشان أو أي دولة قوقازية عن روسيا في حالة واحدة وهي وجود نظام تابع لها.. وطالما لم يتحقق ذلك فإن الإستراتيجية الأمريكية والغربية عمومًا تظل هي مساعدة روسيا بكل ما يمكن للقضاء على أي حركة استقلالية.
في الغزو الروسي السابق للشيشان بلغت المساعدات الغربية لروسيا 11,5 مليار دولار وفي هذه الحرب لن تقل المساعدات عن هذا الرقم إن لم تزد فالحالة الروسية الاقتصادية اليوم أسوأ بكثير من ثلاث سنوات ماضية.
فقد أصبح الدولار يساوي 26 ألف روبيل روسي بينما كان الدولار في العهد السوفييتي يساوي 36 كوبيكا «الروبيل 100 كوبيكا»، كما أن الحالة الصناعية والزراعية في وضع لا يقل سوءًا عن تدهور الحالة السياسية وأي دولة تقدم على حرب شرسة مثل الحرب في الشيشان وهي على هذه الحال من التدهور تكون مقبلة على الانتحار إلا إذا كان هناك من يتحمل تكاليفها بل وتبعاتها.. والولايات المتحدة تتكفل بذلك لكنها تشترط- ومعها الغرب- على روسيا سرعة إنجاز المهمة.. مهمة القضاء على الشيشان بأي صورة لأن طول أمد الحرب بهذه الوحشية وسط صمت الغرب يعرضه للانتقاد ويكشف عن تورطه ورضائه بما يجري وهو أمر يسيء إليه على صعيد الرأي العام.. وتهدد الولايات المتحدة روسيا بأنها إن لم تنفذ مهامها بسرعة فإنها ستضطر إلى البدء في انتقاد الموقف الروسي، وذلك إن حدث فإنه سيفتح الباب أمام انتقاد كثير من الدول الإسلامية الساكتة» بالتبعية للصمت الأمريكي!.
وبالرغم من أن روسيا تقوم بالنيابة عن الغرب في تحقيق ما يسعى إليه في المنطقة إلا أن الولايات المتحدة تسعى في نفس الوقت إلى التواجد بقوة في المنطقة فهي صاحبة أطماع سياسية واقتصادية من روسيا ذاتها- كما في القوقاز- فروسيا بلد مليء بالثروات والترسانة الحربية والنووية.. ومن الناحية الجغرافية فهي تتمدد على مساحة تقارب قارة بأكملها، ولذلك فإن التواجد الأمريكي القوي هناك يمثل حتمية للمصالح الأمريكية خاصة أن المسافة شاسعة بين القارة الأمريكية وآسيا حيث توجد روسيا.. فإذا حدث انهيار روسي يكون كل شيء في قبضة أمريكا.. ومن جهة أخرى فإن الانهيار الروسي ليس وحده الذي يحرك الهواجس الأمريكية وإنما هناك هواجس ولو بنسبة ضعيفة من أن تعود روسيا قوية مرة أخرى فوقائع التاريخ تقول بأن روسيا انهارت ثم نهضت وليس هناك أي مانع من حدوث ذلك اليوم إذا توافر لها رجل قوي يقودها إلى النهوض من جديد.. عندما تعود ندًّا لأمريكا ويعود صراع القوى من جديد.. ولذلك فإن حرص الولايات المتحدة على بقاء روسيا ضعيفة مشغولة في حروب منهكة أمر مهم..
تلك حصيلة ماجمعناه من اتصالاتنا من داخل الشيشان.
وعود على بدء فإن ما يدور في الشيشان وليس أبدًا وليد تفجيرات هنا أو هناك، وإنما وليد لعبة دولية كبرى تدور وقائعها في إطار الحرب العالمية الغربية ضد الإسلام في بقاع عديدة من العالم وبأشكال وألوان مختلفة تتناسب مع كل حالة.
والحقيقة التي لا مراء فيها أن الله حافظ دينه لكن حساب الصامتين والمتخاذلين بل والمتواطئين سيكون عسيرًا أمام الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل