العنوان المجتمع ترصد «ملحمة» بيت حانون
الكاتب وسام عفيفة
تاريخ النشر السبت 11-نوفمبر-2006
مشاهدات 76
نشر في العدد 1726
نشر في الصفحة 16
السبت 11-نوفمبر-2006
كيف كسرت «خنساوات فلسطين» حصار الدبابات حول المجاهدين؟
المجاهدون تحت الحصار، وقادة المسيرة النسائية التاريخية يتحدثون.
في بيت حانون المجزرة والبطولة، روائح زهر الليمون والبرتقال تنبعثُ من كل مكانٍ، وأيضًا رائحة الموت.
المجزرة أسقطتها «غيوم الخريف» الاسم الكودي للعملية الإجرامية التي قامتْ بها جحافل الكيان الصهيوني في البلدة مطلع الشّهر الجاري، وأسفرت - حتى كتابة التقرير- عن سقوط نحو ٥٠ شهيدًا بينهم نساءٌ وأطفالٌ.
والبطولة سطّرتها نساء شمال قطاع غزّة اللاتي تحدَّين الحصار والدبابات والقذائف، لفكّ الطوق المفروض على المقاومين في أحد مساجد البلدة، فحملنَ اسم فدائيات الحصار.
المجتمع وقفتْ على مشاهدٍ وشهاداتِ فدائيات الحصار، ومن المقاومين الذين خاضوا معارك ضاريةً وتصدّوا للعدوان بأسلحةٍ معظمها صُنِع محليًّا:
جميلة الشّنطي: 1500 سيدة شاركن في مسيرة فكّ الحصار وفق تخطيط محكم.
فدائيات الحصار: لم نأبَه بالمحتلِّين.. بل كان شعورنا كأنّنا نسعى بين الصفا والمروة!
الحاجّة أم ثروت: بعثتُ ببناتِي وزوجات أبنائي للمشاركة في المسيرة.. وقمتُ بتنظيف البيت.. كنت أتوقع استقبال خبر استشهاد إحداهنّ، ولكنهنّ عُدنَ سالماتٍ بحمد الله.
غادة نعيم: صلينا صلاة الحاجة قبل المسيرة وكنا نقرأ في طريقنا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (يس:9)
أبو عبيدة: جاءتني أمي وعرضت على ملابس نساء لأخرج بها من الحصار لكنني رفضت ترك إخواني وحدهم
أبو حمزة: فوجئ الصهاينة بأحد المجاهدين يتسلق الجدران وقد سقط سلاحه من يديه على الأرض ففروا هاربين ليلاحقهم المجاهد!
في حوار عبر الهاتف بين أحد رجال المقاومة تحت الحصار وجندي صهيوني:
- المقاوم: هناك أنفاق بالقرب منكم وإذا تقدمتم فسنفجر الأرض من تحت أرجلكم
- الجندي: «ربنا لا يقول فجروا المنطقة وأنتم فيها»!
- المقاوم: «الله يجيز لنا ذلك وسنفعل إذا تقدمتم»
- الجندي صارخًا عبر مكبرات الصوت: «يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لنا»!
بيت حانون: وسام عفيفة
«لم نأبَه ونحن نواجه المحتلين، وإنّما كان شعورنا كأنّنا نسعى بين الصفا والمروة»! بهذه الكلمات وصفت إحدى النساء ما جرى أثناء مسيرتهنّ التي انطلقتْ إلى بيت حانون لفكِّ حصار المقاومين في صباح الجمعة 2/11/ ٢٠٠٦م، حيث سطّرت النسوة معركة التحدي، بعد أن لبين نداء المحاصرين وانطلقن، وهنّ يعرفن أنّهن ربما يكنّ ضحية لبطش المحتلين، ولكن رغم ذلك اجتاحتْ مسيرتهن جميع الحواجز والعراقيل، ووصلتْ إلى هناك - حيث كان الأبطال المقاومون - لتبدأ المواجهة مع الغاصبين.
بداية الملحمة
بدأتْ ملامح هذه المواجهة تظهر عندما حاصرتْ قوات الاحتلال محيط مسجد النصر في بلدة بيت حانون الذي تحصَّن به وبالمنازل حوله أكثر من سبعين مسَلّحًا، واستبسلوا في الدفاع عن أنفسهم ودارتْ اشتباكاتٍ عنيفةٍ بينهم وبين القوّات الغازيّة لتقوم هذه القوّات - بعد ذلك - بتوجيه نداءٍ إليهم عبر مكبِّرات الصوت لتسليم أنفسهم، لكن المجاهدين رفضوا الاستسلام، وعزموا على مواصلة التَّصدي، ولو استُشهدُوا جميعًا كما قال أحد المحاصرين من منطقة الحدث.
وبعدما وجد الاحتلال أنّ نداءَه لم يجدْ نفعًا مع المقاومين، بدأتْ قوّاته بالتقدم شيئًا فشيئًا، تجاه المسجد، وبدأتْ بإطلاق النار تجاهه، ثم قامتْ بهدم أجزاءٍ كبيرةٍ من جُدرانه، في محاولة للضغط عليهم، وإجبارهم على تسليم أنفسهم.
وتمُرُّ الساعات، ويزداد الخناق على المحاصرين، وهم يواصلون المقاومة ببسالةٍ حتى أشرفتْ ذخيرتهم على النَّفاد.. ومع بداية دخول ليل يوم الخميس، انطلقتْ النداءات لجميع النساء بنصرة إخوانهنّ المجاهدين، لتبدأ بعد ذلك المواجهة.
جميلة الشنطي النائب في المجلس التشريعي عن حركة حماس التي شاركت في المسيرة روت لـ المجتمع تفاصيل ما حدث قائلة: «كنا نتابع ما يجري في بيت حانون، وسمعنا أنّ المجاهدين قد حُوصِروا في مسجد النصر.. كلّ المشاعر في هذه اللحظة كانتْ مستنفرة، وتألمنا كثيرًا لأنّنا لسنا قادرات على فعل شيء أمام هذا العدوان، ونحن وجميع الأخوات نعلم أنّ قوات الاحتلال لن تسمح لنا بدخول البلدة. فجاءتْ الفكرة الأولى لدينا لنصرة هؤلاء المجاهدين، وتتمثل في أن تقف النّساء على مداخل البلدة كوقفة تضامن مع المجاهدين. بدأتْ الأخوات في حركة حماس في شمال القطاع التخطيط لهذا التضامن، وأجريْن اتصالاتهنّ مع الأخوات الّلاتي يسكن داخل البلدة، وتمّ إبلاغهنَّ بأنَّنا لن نتركهن وحدهن في الميدان، وطلبنا منهنَّ التحرُّك باتجاهٍ موازٍ لنا، وأنْ يتمركزن في منطقة آمنة بعيداً عن الخطر، حسب الوضع الأمنيّ في المنطقة.
بين الصفاة والمروة
وقبل تحركنا طالبنا المساجد بأنْ تحثَّ الأخوات في البلدة على الخروج لمناصرة المحاصرين، وبدأتْ إذاعة الأقصى - أيضًا - بمطالبة الأخوات في الشّمال للتجمع بجوار «محطّة حمودة للبترول».
وتم التجمُّع في تمام السّاعة السّابعة صباحًا يوم الجمعة، وزاد عدد النِّساء المشاركات على ١٥٠٠ امرأة، ومن ثَمَّ انطلقنا باتجاه بلدة بيت حانون.
ونحن في طريقنا تلقيْنا عشرات الاتصالات من أخواتنا اللواتي يسكنّ في مختلف محافظات القطاع يردن الالتحاق بنا، وعند وصولنا إلى المدخل تحولتْ الوقفة التضامنية إلى هجومٍ على قوّات الاحتلال أثناء دخولنا للبلدة كان شعورنا مختلفًا، كأنّنا نسعى بين الصفا والمروة وليس في مواجهة مع المحتل، فقد واجهنا الدبابات الصهيونية وهي على بعد ۲۰۰ متر من المسجد المحاصر.
ورغم مواجهة الدبابات لنا ومحاولتها منعنا من الاقتراب من المنزل، إلا أنّ ما يقارب ٥٠ امرأة تمكنَّ من اختراق الحصار والدخول للمنطقة التي يحاصَر بها المجاهدون، أمّا نحن -اللاتي لم يتمكن من اختراق الدبابات - فقمنا بإشغال هذه القوات الغازية، فقامتْ بإطلاق النار باتجاهنا بشكلٍ جنوني، مما أدى إلى استشهاد أختين وإصابة أكثر من ٦٣ أخريات من بينهن ثماني أخوات بُتِرت أطرافهنْ».
أمّا المجاهدون المحاصَرون، فقد كان لديهم الخطط الخاصّة بهم، ولكنّهم كانوا يحتاجون الغطاء لكي يتمكنوا من مغادرة مكان حصارهم، ونجحوا في ذلك.
النساء تناور
أمّا المواطنة سمر البيك
فقالت لـ المجتمع: «حينما سمعنا مكبّرات المساجد تناشد النساء بالخروج بمسيرة نسائية لفكّ الحصار عن المجاهدين ببيت حانون، خرجتُ دون أن أفكِّر بأيّ شيءٍ من أمور الدّنيا، وحينما ذهبنا إلى هناك لم نتوقع أن تكون المواجهة مع العدو بهذه الدرجة، حيث أطلقوا قنابل الغاز المُسيِّل للدُّموع بجميع أنواعه وألوانه، علاوةً على أنّ الدبابات اعترضتنا وأخذتْ بإلقاء القذائف المسمارية علينا.. وكان معنا دليلات من النساء الّلواتي يسكنَّ في بيت حانون.
ونظرًا لإغلاق الطُّرق الرئيسة من قِبَل الاحتلال وآلياته، سلكنا طريق الأراضي والبيارات والكروم. وواجهنا الأسلاك وآليات الاحتلال التي منعتنا من الوصول لمكان المحاصَرين، إلا أنّنا تمكنا من الوصول لمكان بأعجوبة».
وتقول الحاجة أم ثروت والدة المواطنة سمر: «بعثتُ ببناتي وزوجات أبنائي لتلك المسيرة، رغم أنّني أعلم أنّهن ربما يتعرضنَ للخطر، وشرعتُ في تنظيف البيت لأنّني كنتُ أتوقَّع استقبال خبر استشهاد إحداهنّ، ولكنّهن عُدنَ بسلامٍ بحمد الله».
فيما أوضحتْ المواطنة غادة نعيم أنّ النساء «أعددنَ خطةً محكمةً لإشغال العدوّ، حيث وزّعن أنفسهنّ على مجموعتين ذهبتْ إحداهما لمدرسةٍ مجاورةٍ للمكان الذي يحاصر به المجاهدون، وذهبتْ أُخرى لمكانِ المحاصرين، وذلك لتضليل العدوّ، وكنّا نقرأ في طريقنا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (يس:9)، وردّدنا طوال مسيرنا «حسبنا الله ونعم الوكيل»، علاوةً على أنّنا صلينا صلاة الحاجة في الطريق، اقتداءً بما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت الخوف والحرب.
وكلّما كانتْ تُصاب امرأةٌ أو تستشهد وهي بالطريق زاد إصرارنا على الوصول لإخواننا المحاصرين».
يُشار إلى أنّ قيادات الحركة النّسوية الإسلامية كانتْ على رأس المسيرة أمثال النّائية جميلة الشنطي، وعضو مجلس بلدي بيت لاهيا عزيزة غين، والشهيدة ابتسام مسعود.
هكذا بدتْ ملاحم البطولة التي سطَّرتها المرأة الفلسطينية في بلدة بيت حانون لتبقَى شاهدةً على مجازر المحتلِّين ضدّ المواطنين.
مشاهد وشهادات.
من ناحية أخرى استطاعتْ المجتمع الوصول للمقاومين الذين حُوصِروا بمحيط مسجد النّصر في بيت حانون، وحصلتْ على الرواية من ألسنتهم.
المجاهد أبو حذيفة من كتائب الشهيد عز الدين القسّام قال: «في ظلمة الليل دخلتْ القوّات الخاصّة في المنطقة الغربية من البلدة، حيث كان المجاهدون على أهبَّة الاستعداد المواجهة العدوان، وعاهدوا الله على الشَّهادة بعدما علموا بدخول الصهاينة للمنطقة، ليقع اشتباكٌ عنيفٌ مع قوات الاحتلال وتدخُّل آلياته، وتغلِق المدخل الغربي للبلدة وتمتدّ بعد ذلك لتطال جميع جهات البلدة.. ثم بدأتْ قوات الاحتلال الضغط علينا أكثر فأكثر. وكل هذا في ظل مواجهة عنيفة، ليحاصَر المجاهدون في مساحةٍ لا تتعدى 1كلم متر بجوار مسجد النصر، وتحصَّنَّا في بنايةٍ، ونصبنا كمائن على ثلاثة محاور استعدادًا للمواجهة.. وقد اعتقد الصهاينة أنّنا في المسجد وأخذوا ينادون علينا عبر مكبرات الصوت. وطلبوا منا تسليم أنفسنا مقابل إعطائنا الأمان، وأنّ من يريد تسليم نفسه يتّصل على رقم نقال «إسرائيلي»، لكنّنا جميعًا رفضنا الاستسلام.. باستثناء أحد المجاهدين اتّصل على الرقم الذي أبلغتْهم إياه قوات الاحتلال عبر مكبرات الصوت، وذلك لمعرفة ما يريده الاحتلال فقط وليس استجابةً للتّسليم، فردّ أحد جنود الاحتلال قائلًا: «سلِّم نفسك تسلم، ولك الأمان»، فردّ المجاهد بغضب قائلًا: «لا يريد أحد تسليم نفسه ونحن جاهزون للمواجهة، وهناك أنفاقٌ بالقرب منكم، وإذا تقدمتم فستتفجر الأرض من أسفلكم». فردّ الجندي قائلًا: «ربنا لا يقول إن تفجروا المنطقة وأنتم فيها» فرد المجاهد قائلًا: «الله يجيز لنا ذلك، وسنفعل إذا تقدمتم» ليصرخ الجندي عبر مكبرات الصوت: «يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لنا»! وعندما يئستْ قوّات الاحتلال من أن يسلِّم أيٌّ من المقاومين نفسه بدأتْ آليات الاحتلال التقدُّم نحونا.
دخان الدبابات من جنود الله
ويواصل أبو حذيفة: «عندها واجهناهم بالعبوات والقذائف، ومع استمرار المواجهة وتواصلها أوشكتْ ذخيرتنا على الانتهاء، حيث استمرتْ قوّات الاحتلال بالتقدم عندها شعرنا بقرب موعد الشهادة.. لكن في صباح الجمعة وصلتْ مسيرة النّساء لتفكّ حصارنا، حيث قمنا بارتداء ملابس النّساء وخرجنا وسطهن، وعندها حدث شيءٌ غريبٌ جدًا أراده الله، وهو إقدام دبّابات الاحتلال على التحرُّك بسرعةٍ وأطلقتْ دخانًا كثيفًا بهدف حجب الرؤية عن النّساء، ولكن كانتْ هذه الخطوة غطاء لنا نحن المحاصرَين، حيث حالتْ دون أن ترانا قوات الاحتلال ونحن خارجون».
أثناء الحصار
وفي الوقت الذي كان المجاهدون لا يزالوان محاصَرين، كان يُسمح للنساء بالدخول عليهم. أحد المجاهدين يروي تفاصيل ما حدث له يقول: «جاءتني أمي وقالتْ لي: هذه ملابس نساء فارتديها واخرج معي، ولكنّني رفضتُ أن أترك إخواني وحدهم، وودّعت أمي حيث قالت لي: لن يجري إلا ما كتبه الله، ومن ثَمّ طلبتُ منها أن تأتيني بابني الصغير الذي رزقني إياه لله قبل شهرين فقط، وبالفعل أتتْ به وودّعته قبل أن يقدم الاحتلال على ارتكاب مجزرةٍ بحقنا».
وأوضح المجاهد أنّه تمكَّن من التنقل من منزل لآخر بعدما أُفرغتْ من ساكنيها ووجد أمامه زجاجة زيت في أحد المنازل، وقام فتحها وكتب بالزيت على إحدى جدران المنزل: «سلام لأمي.. سلامي لأبى.. إلى اللقاء في الجنة».
وقال القيادي في كتائب القسَّام أبو عبيدة الذي قاد معركة أهل الجنة التي خاضها المحاصَرون: «استطاعتْ المقاومة أن تُوقع القتلى والجرحى في صفوف المحتلين» مشيرًا إلى أن قائد القوات الصهيونية المتوغلة اتصل به مباشرة، وطلب منه أن يسلِّم نفسه هو ومن معه، ولكنه رفض ذلك ليقوم العدو الصهيوني بتدمير المنزل الذي كان قد غادره قبل لحظاتٍ، ونجى من الموت المحقَّق».
مواقف مثيرة
المجتمع حاولتْ الحصول على بعض المواقف المثيرة من المقاومين الذين كانوا في أرض المعركة. ويروي أبو حمزة: «كان أحد المجاهدين يتسلق أحد الجدران والقوات الخاصة ليستْ بعيدةً عنه، وأثناء تسلقه سقط سلاح من يديه على الأرض، وعندما رأته القوة الخاصة فرّت كالجرذان ليلاحقهم المجاهد مباشرةً بإطلاق النار عليهم.. أليس في ذلك دليل على جُبنهم؟!».
موقفٌ آخر يتمثل في قيام أحد المجاهدين بالتنقل من منزل لآخر عبر الفتحات داخل الجدران ليرى الدبابة تقف ليستْ ببعيدةٍ عنه، ولكنّه أراد الوصول إليها فبقي يتنقل من منزل لآخر حتى تمكن من زرع العبوة بجوارها ومن ثمّ تفجيرها.
وفي موقف آخر ذكر أبو حمزة: أنّ المجاهدين تمكنوا في وقتٍ لاحقٍ من استدراج قوةٍ خاصةٍ إلى مكان ما، ثم لاحقوهم مما دفعهم بالصُّراخ بصوت عالي وهربوا.
مرافقو الوزراء في الميدان
ومرةً أخرى أثبتْ رجال القسَّام أنهم لا يزالون على الدرب الذي رسمه لهم قادتهم الشهداء.. إنّهم مرافقو وزراء الحكومة الفلسطينية الذين تقدموا الصفوف في صدّ الاجتياحات وارتقوا شهداء في بلدة بيت حانون، فكان منهم الشهيد «باسم محمد الجمال» ابن الوحدة الخاصة في كتائب الشهيد عز الدين القسّام، وأحد مرافقي رئيس الوزراء إسماعيل هنيّة والشهيد «محمد طلال فرحات» المرافق الشخصي لوزير الاتصالات المهندس جمال الخضري والذي ارتقى شهيدًا بعد أن استهدفته طائرة استطلاع، والشهيد «صهيب رفيق عدوان» مرافق وزير شؤون اللاجئين الدكتور عاطف عدوان، حيث كانوا من أوّل المتقدمين في میدان القتال والجهاد على أرض بيت حانون، فنالوا ما تمنوا.
فالشهيد باسم الجمال والذي رافق رئيس الوزراء إسماعيل هنية، وجمع ببراعة بين عمله الفدائي تجاه الاحتلال، وعمله الرسمي في الحكومة الفلسطينية، لم يمنعه عمله كأحد المرافقين من أن يشارك في التصدِّي لقوات الاحتلال التي تنفِّذ عملية تطهير عرقي في بلدة بيت حانون، فقتلتْ الشجر والحجر والبشر.
أسلحةٌ فتّاكة محرّمة دوليًا
جانب آخر من الصورة... أشلاء.. أجسام ممزقة.. أطراف مبتورة مُلقاة على تلٍّ هنا.. وفوق منزل هناك وسيارة إسعاف تحمل ما تبقى من جسد مواطن.. ربما يكون هذا أقلّ وصف لحالة الشهداء والمصابين خلال اجتياح بيت حانون.
وعلى الرغم من أنّ القانون الدولي يحرّم استخدام هذا النوع من الأسلحة الفتّاكة، إلّا أن الاحتلال بات لا يُلقي لها بالًا، وواصل استهداف المواطنين في أبشع صورة.
وقال «د. جمعة السقا» مدير العلاقات العامة في مستشفى دار الشفاء: إنّ الحالات التي تصل إلى المستشفى لم تُعهد من قبل، نتيجة إحداث الأسلحة المستخدمة من قبل قوات الاحتلال، تشويهاً غير مسبوق في الأجسام.
ونشر مؤخرًا تحقيق بريطاني أكّد أنّ الاحتلال الصهيوني استخدم أسلحةً تجريبيةً ومُسرطنةً ضد المدنيين في محافظات قطاع غزة في الأشهر الأخيرة الماضية.
وأشار إلى أنّ استخدام هذه الأسلحة، أدّى إلى إصاباتٍ جسديةٍ خطيرةٍ بشكل خاصٍّ مثل بترِ الأطراف والحروق الشديدة، مستندًا إلى شهادات أطبّاء في قطاع غزة وفحوصات مخبرية أُجرَيتْ في إيطاليا.
ومن المعطيات التي تخرج من ميدان القتال غير المتكافئ في وسائله، أنّ العدد الأكبر من الشهداء هم من مقاتلي كتائب القسَّام الذين يدافعون بكل بسالة عن البلدة.
وحسب اعترافات جيش الاحتلال، فإنّ هناك على الأقل قتيلين من بين صفوف ضباط وجنود الوحدات الخاصّة، وعدد آخر من الإصابات فيما تؤكِّد مصادر خاصّة في الكتائب أنّ عدد الخسائر في صفوف الصهاينة يفوق اعترافاتهم بكثير.
ومع هذه المشاهد يبدو أنّ جيش الاحتلال يريد أن يقول للفلسطينيين: «مع إصراركم بالإفراج عن أَسراكم نحن سنعتقل المزيد».