; بين «قوس قزح» و«الدرع الأمامي».. «المقاومة» هزت العقيدة العسكرية الصهيونية | مجلة المجتمع

العنوان بين «قوس قزح» و«الدرع الأمامي».. «المقاومة» هزت العقيدة العسكرية الصهيونية

الكاتب وسام عفيفة

تاريخ النشر الجمعة 27-أغسطس-2004

مشاهدات 69

نشر في العدد 1615

نشر في الصفحة 30

الجمعة 27-أغسطس-2004

  • تقرير صهيوني: معدل الفرار من مستوطنة «سديروت» زاد بعد تهديد القسام للمستوطنين

  • مراسل صهيوني: المقاومة نقلت أرض المعركة من بيت حانون إلى سديروت

  • زئيفي ويعلون: الحل العسكري لن يقضي عليها

لم يمر على حملة قوس قزح في مدينة رفح ثلاثة شهور حتى جاءت حملة الدرع الأمامي في بيت حانون، وبينهما قواسم مشتركة من حيث الأهداف الظاهرة والباطنة. ولكن النتيجة كانت واحدة.. انتصار إرادة المقاومة وهزيمة جديدة للعسكرية الصهيونية.

في قوس قزح «في مايو الماضي» كان الهدف المعلن لهجوم جيش الاحتلال هو القضاء على البنية التحتية للمقاومة، والتركيز على ما أسموه وقف أنبوب الأوكسجين الذي يمد المقاومة بالسلاح، المتمثل في الأنفاق على الحدود المصرية الفلسطينية، ثم تحولت الحملة إلى استعراض لمقدرة الجيش على القتل والتدمير على أوسع نطاق ممكن، في الوقت الذي اختلفت الآراء الإسرائيلية حول توصيف هدف عملية «قوس قزح» العسكرية الوحشية، حيث اعتبرها بعض المعلقين الصحافيين عملية سور واق مصغرة  بينما رأى آخرون أنها عملية «استرداد للردع الإسرائيلي»، بعد نسف حاملتي جند ثم مقتل 13 جنديًا في ثلاثة أيام.

وفي عملية الدرع الأمامي في بيت حانون التي استمرت 36 يومًا – 29 يونيو إلى 5 أغسطس، خرج جيش الاحتلال في حملة واسعة لوقف إطلاق صواريخ القسام ومنع سقوطها على المستعمرات اليهودية خصوصًا مستعمرة سديروت. وخلال هذه الفترة مارس جيش الاحتلال أبشع أشكال الإرهاب والتدمير والتخريب على نطاق واسع، وتحولت الحملة إلى استخدام جيش الاحتلال لسكان بيت حانون درعًا بشريًا حول البلدة للضغط على المقاومة لوقف إطلاق الصواريخ.

في نهاية الحملتين خرج جيش الاحتلال من رفح وبيت حانون وذيله بين قدميه لم يحقق أهدافه، بل إن صمود المقاومة أوجد جدلًا وخلافًا داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الصهيونية، وأظهر تحولًا كبيرًا في العقلية العسكرية الصهيونية تجاه المقاومة، والتي عبر عنها الصحفي الصهيوني في يديعوت أحرونوت يوئيل ماركوس بقوله: النزعة الرجولية الإسرائيلية أدركت أخيرًا أن القوة يجب أن تكون متداخلة مع خطوة سياسية وليس من دونها، وهذه انعطافة دراماتيكية.

 

تخبط في جيش الاحتلال

وقد استطاعت المقاومة تقليص الخيارات العسكرية أمام جيش الاحتلال وتحجيم طموحه، بل إحداث تغيير في العقيدة العسكرية الصهيونية والتي أدت إلى ظهور الجدل والخلاف بشكل كبير بين القيادات العسكرية الأمنية والعسكرية تجاه مواجهة المقاومة.

ملخص هذا الخلاف يتعلق بنظريتين أمنيتين: فوزير الحرب موفاز ورئيس المخابرات – آفي ديختر يعتقدان أنه يمكن تصفية المقاومة بالقوة مستخدمًا تعبير «كاسحة الزرع»، مقابل رأي رئيس الأركان موشيه يعلون ورئيس شعبة الاستخبارات. آهارون زئيفي، اللذين يريان أنه يمكن إفراغ برميل واحد «خلايا المقاومة». ولكن على الفور تفتح براميل أخرى.

المحصلة النهائية لهذا الجدل تشير إلى حالة الإرباك وعدم الثقة التي يتعرض لها جيش الاحتلال أمام نفاد الخيارات العسكرية، والخشية من المغامرة في القطاع، وفي ظل الحديث عن خطة شارون للانسحاب من قطاع غزة.

هذه الحالة التي أوجدتها المقاومة يجب أيضًا أن تستثمر على نحو يعمق هذا الخلاف، ويؤكد النظرية التي بدأت تسود وهي: لا حل عسكريًا يقضي على المقاومة.

لذا يمكن أن نفهم إصرار كتائب القسام على مواصلة إطلاق صواريخها في أوج الحملة العسكرية الصهيونية في بيت حانون، مما كان له أثر سلبي كبير على معنويات الجيش أدى في النهاية إلى فشل الحملة.

وقد توجت كتائب القسام هذا الإصرار بالتحذير المصور الذي تم بثه عبر الفضائيات لمستوطني سديروت بأن الحملة العسكرية لن تنفعهم، وأن إطلاق صواريخ القسام عليهم لن يتوقف حتى يتم طردهم من الأراضي الفلسطينية.

جاء هذا الصمود القسامي في الوقت الذي كانت تخرج فيه أصوات انهزامية فلسطينية تدعو إلى وقف إطلاق الصواريخ وتستجيب لضغط الإرهاب الصهيوني الذي جعل بيت حانون وأهلها رهينة مقابل الصواريخ.

في حين جاء الاعتراف بالفشل ولو جزئيًا من قبل المراسل العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت إليكس فيشمان الذي يرى أن «الدرع الأمامي» ستؤدي في نهاية المطاف إلى انخفاض وتيرة صواريخ القسام المطلقة نحو سديروت، ولكن العملية كشفت النقاب أيضًا عن سلسلة «ثقوب سوداء»، مقلقة في مجالات حساسة مثل الاستخبارات والأسلوب القتالي وتطوير الوسائل القتالية.

وقال محذرًا جيشه: إذا لم يبدأوا في سد هذه الثقوب بسرعة فستتعمق في اليوم الذي سنغادر فيه القطاع. «جيش الدفاع» ما زال اليوم موجودًا في مواقع الإطلاق، فماذا سيحدث عندما يغادر المنطقة؟ وماذا سيحدث في اليوم الذي سيتجاوز فيه صدى القسام مدى العشرية أو 12 كيلومترا؟.

 

المقاومة حددت أرض المعركة

في المواجهة بين المقاومة وجيش الاحتلال لم تكن الصدامات مباشرة، وقد بدا واضحاً أن المقاومة استفادت من التجارب السابقة خلال عمليات الاجتياح فلم تنجر وراء خطط الاحتلال الذي حاول تحديد مكان وزمان المعركة، بل إن المقاومة حددت أرض المعركة التي تركزت ميدانيًا على مناوشات بالعبوات الناسفة والقذائف المضادة للدروع لإشغال القوات وعدم إعطائها فرصة للراحة، في حين أرادت كتائب القسام نقل أرض المعركة إلى «سديروت» ومستوطنات غرب النقب، وتركز الأمر على إطلاق صواريخ القسام، لأنها الأساس الذي جاء من أجله «الدرع الأمامي» وقد نجحت كتائب القسام والأجنحة التي تملك صواريخ مماثلة في التحدي، في حين بقي الخوف الصهيوني من نتائج الوجود العسكري في الميدان لفترة طويلة، وهو ما عبر عنه فيشمان أن الجيش لم يتحمس كثيرًا من الوجود المباشر «في بيت حانون» حتى لا ينجر من قبل حماس نحو الداخل مرة أخرى، وحتى لا يكون هدفًا حيًا في ملعب حماس الخاص. ويضيف: «النتيجة كانت خلافات بين قيادة هيئة الأركان وقيادة المنطقة الجنوبية من جهة وبين وزير الحرب من جهة أخرى».

تحديد أرض المعركة في حملة الدرع الأمامي من جانب واستثمار عامل الزمن من جانب آخر كان أبرز أسباب فشل الحملة ونجاح المقاومة، وهو ما يؤكده فيشمان الذي قال: «إن الجيش سيطر على مساحة صغيرة من الأرض حتى لا يوفر للعدو – المقاومة – أهدافًا عسكرية لمهاجمتها، ولكن هذا الحد الأدنى من القوة لا يستطيع السيطرة على بيت حانون كما يجب الوجود في نفس الوقت في الأماكن الزراعية والمفتوحة».

 

دروس من الحملة

خلال ٣٦ يومًا من الحملة تغيرت الأهداف والتكتيكات العسكرية الصهيونية، وحاول جيش الاحتلال استغلال الجانب الإعلامي والدعائي بما يعطي العديد من الدروس والعبر التي يجب الاستفادة منها خصوصًا من قبل المقاومة الفلسطينية:

فقد بدأت الحملة العسكرية والدعائية بقوة لإرهاب المواطنين في البلدة وكسر الروح المعنوية لهم، وتشكيل ضغط على المقاومة دعمتها أصوات السلطة الفلسطينية وأصحاب أقلام مشبوهة، لكن المقاومة وعلى رأسها القسام لم تنجر لهذه المعركة، ولم تخض نقاشاً في أوج المعركة، وهو ما أفشل المخطط الدعائي وقوض الضغط على المقاومة من خلال أسلوب، الرهينة والابتزاز الذي حاول استخدامه الاحتلال.

المقاومة استطاعت استثمار الجانب الإعلامي في تواصل سقوط الصواريخ على المستوطنات الصهيونية رغم الحملة، وكان أبرزها الخطاب باللغتين العربية والعبرية، الذي وجهته كتائب القسام لمستوطني سديروت وزادت من معدل فرارهم منها.

في آخر أيام الورطة العسكرية لجيش الاحتلال حاول الصهاينة الإيحاء بأن الجيش تلقى أوامره بتوسيع نطاق عملياته لمنع «القسام» لتصل الحملة إلى جباليا وكامل مناطق شمال قطاع غزة، وقد نفذ الجيش بالفعل هجمات على أطراف بلدة جباليا، واستخدم الطائرات الحربية لشن غارات وهمية، لخلق أجواء حرب حقيقية ولكن المفاجأة كانت انسحاب الاحتلال من بيت حانون في اليوم التالي، وهو ما حدث أيضًا في حملة قوس قزح حيث صعد الاحتلال تهديده بتنفيذ مراحل أخرى في مناطق المخيمات بعد إنهاء العمل في تل السلطان إلا أن الانسحاب الصهيوني جاء مبكرًا.

أما الأمر الأكيد فإن حملة الدرع الأمامي لن تكون الأخيرة. وفي حال تأكدت نية شارون بالانسحاب من قطاع غزة فسيواصل الخطة العسكرية في القطاع بناء على الشعار الذي يردده «يجب ألا نكرر تجربة لبنان، وآخر شيء يتذكره أهالي غزة قوتنا».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1317

الثلاثاء 17-مارس-1970

كلمة حق