العنوان محمّد المجذوب: المجلة الإسلامية المعاصرة إحدى قضايا الساعة!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1982
مشاهدات 46
نشر في العدد 580
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 27-يوليو-1982
الأستاذ الشاعر الأديب محمد المجذوب، اسم عريق في ساحة الأدب الإسلامي الحديث وله نشاط قيِّم في مجال الشعر والقصة والتربية، هذا الفارس النبيل المولود في طرطوس بسورية عام ۱۹۰۷م. حط الرحال في رحاب المدينة المنورة منذ أوائل الستينيات بعد أن ضاق عن مدى جناحيه الأفق المضطرب في بلده. وعمل مدرسًا في الجامعة الإسلامية في المدينة وما زال فيها. وقد كان للمجتمع جولة معه من خلال الأسئلة التي تطرحها الساحة الإسلامية الأدبية كل يوم.
نرحب بالأديب الفارس على صفحات المجتمع ونستروح معه هذه السويعات اللطيفة في ظلال الأدب الإسلامي.
- هل ترون للأدب الإسلامي شخصية مميزة؟
- هذا السؤال من النوع المركب، ولا بد في جوابه من الإشارة إلى عدة جوانب أوجزها فيما يلي:
ا- الأدب الأصيل تعبير صادق عن ذات الأديب بما تنطوي عليه من فكر ومشاعر وتطلعات.
ب- والأديب الحق هو الذي توافرت له هذه العناصر الأساسية في تعاون متكامل، ثم أوتِي قدرة التعبير عنها بالأسلوب الصحيح البليغ.
ج- والأديب إنسان مطبوع على التفاعل مع عوامل البيئة طبيعية أو ثقافية أو اجتماعية، فلا مندوحة له من التأثر بها سلبًا أو إيجابًا على الوجه الفائق للمعتاد في الآخرين.
د- والتفاوت بين أديب وآخر قائم على أساس من خصائص القوة في كل منهما، فهناك المنفعل الذي يستسلم للواقع على طريقة الشاعر الجاهلي القائل:
وهل أنا إلا من غزية أن غوت غويت وأن ترشد غزية أرشد
فلا يستحسن إلا ما استحسنه الناس، ولا يستهجن إلا ما استهجنوا. وهنالك الأديب المتميز الذي سلمت فطرته واستشعر مسؤوليته، فهو كالنحلة لا تأخذ إلا الطيب، ولا تعطي إلا الطيب، ينفعل بما حوله من الناس والأشياء والمعارف، ولكن انفعال الناقد الذي يتلقى الأحسن ويوجه إلى الأصلح. ولن يتوافر هذا الضرب من الشخصيات الأدبية إلا في الإنسان المسلم، الذي يؤمن أن عليه أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسَب، ويزن عمله قبل أن يوزن عليه.
وهكذا يتضح بلا تردد أن للأدب الإسلامي شخصيته المتميزة حتمًا، بحيث يفرق القارئ بينه وبين سواه من ضروب الآداب، لأنه يدل على نفسه بخصائصه البارزة في مؤثرات العقيدة التي تطبع سائر تصرفات الأديب بألوانها الفارقة، فلا تختلط بغيرها من الصفات الخاصة بالكافرين والزائغين والضائعين.
- هل استطاع الأدب الإبداعي المعاصر التعبير عن الشخصية المسلمة تمامًا؟
- نعم دون شك، وذلك في الشخصيات الإسلامية التي اتزنت رؤيتها إلى الإنسان والكون والحياة من منطلق الروح الإسلامي، ويلاحَظ هذا جليًّا في العديد من حملة القلم المسلم خلال عصر النهضة، كالإمام محمد عبده، والسيد رشيد رضا، ومصطفى كامل، ثم أحمد محرم، والرافعي، والعقاد، فالشهيد سيد قطب -في القسم المضيء من حياته- ومحمد قطب، ومصطفى السباعي، وسعيد حوى، ويوسف القرضاوي، ونجيب الكيلاني... والكثير من تلاميذ هذه المدرسة، التي تزداد كل يوم ولله الحمد نجاحًا وإنتاجًا واتساعًا.
- لماذا نلاحظ ركودًا في حركة المشاركة الأدبية من قبل الأدباء الإسلاميين؟
- لكل من الأدباء الإسلاميين ظروفه الخاصة التي تنطوي على عذره، ولعل من أسباب ما يسمونه بالركود فقدان الحوافز المشجعة على الإنتاج، وانشغال الأديب الإسلامي بالكدح لضرورات الحياة التي تتوافر بيسر للآخرين. وأخيرًا ذلك الجو الرهيب الذي يحيط به في معظم أرجاء الوطن الإسلامي، حتى ليجد نفسه مضطرًّا في سبيل التصريح بالحقيقة للتضحية بالكثير من أمنه، بل ودمه أحيانًا. وتستطيعون ملاحظة ذلك من خلال السجون المشحونة بأهل الإسلام، ثم من خلال الأسماء المستعارة التي يذيل بها غير قليل من عيون النتاج الإسلامي في هذه، وما أراني بحاجة لتذكيركم بمكر الليل والنهار الذي تشنه وسائل الإعلام في العالم العربي أو الإسلامي أو العالمي على الفكر الإسلامي النقي، حتى تحاول إقناع القارئين والناظرين والسامعين بأن مجرد انتماء الإنسان لهذا الفكر ملحق إياه بأدنى دركات المجرمين. كل هذا دون أن يجد هذا المفكر وليًّا من الناس ولا نصيرًا. فكأن المعري لم يرد سوى التعبير عن واقع هذا الإعلام الظالم وهذا البريء المظلوم حين قال:
إذا قلت المحال رفعت صوتي وإن قلت الصواب أطلت همسي
وليغفر الله لدعبل الخزاعي بما يصوره من حياة هذه الثلة من المضطهدين في بيته الرائع الحزين:
بنات زياد في القصور مصونة وآل رسول الله في الفلوات
وأخيرًا.. أليس في هذا نفسه واقع الحال الذي يصفه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله:
«القابض فيهم على دينه كالقابض على الجمر».
وهل يكلف قابض الجمر أن يرفع صوته بأكثر من كلمة «آه»!
- متى سيصل الأدب الإسلامي إلى إيجاد «مجلته» المتخصصة المتميزة؟
- قضية المجلة الإسلامية المتميزة هي في الواقع إحدى قضايا الساعة التي تشغل بال دعاة الإسلام، وليس ذلك لانعدام الصحافة الإسلامية، بل لتأخرها عن الصورة التي يتطلبها العصر، ومعلوم أن المظهر الجمالي لأي صحيفة قد بات من العناصر التي لا غنى عنها في اجتذاب القارئ، ولعل سواد القراء من الجيل الحديث -طلابًا أو طالبات- لا يكاد يتجاوز هذا الضرب من الصحف المزينة عند إقباله على الشراء أو المطالعة، وقليل منهم أولئك المعنيون بالموضوعات الجادة وبخاصة إذا كانت معروضة في أردية «الدروشة» التي لا تزال للأسف هي الصفة المميزة للمجلات الإسلامية، لا يُستثنى منها سوى القلة التي تحاول الجمع بين الشكل والمضمون، وإلا تلك المجلات التي اقتحمت ميدان الصحافة أخيرًا باسم الإسلام، وليس فيها من الإسلام أكثر من الذي نراه في بعض المجلات الأخرى التي تعمد إلى استرضاء القارئ المسلم ببعض الكلمات المقبولة، لتستر بها الحملات المركزة التي يشنها كل عدد منها على جوهر الإسلام.
ونحن حين نركز على العنصر الجمالي في المجلة المنشودة لا نغفل أهمية المضمون لأنه المادة الرئيسة التي نريد إيصالها إلى القارئ، وهو أمر لم يفارق القلم الإسلامي منذ فتح له الطريق إلى حلبة الصحافة، على الرغم من كل العقبات التي تصادمه. ونظرة واعية إلى هذا الميدان ترينا العديد من المجلات الإسلامية التي نهضت بالعبء الكبير في الذود عن الإسلام وتوكيد حقائقه في مواجهة التيارات الدخيلة. أذكر منها على سبيل المثال: مجلة المنار، ثم الأزهر أيام قوتها، ثم الرسالة في عهدها الأول. ولقد ورث تلك المجلات ولائد لها لم تزل تكافح في الطريق نفسه، ولكن لا مندوحة من الاعتراف بأن حظها من العمق وسعة الأفق أضيق مما عرف في سابقاتها. يضاف إلى ذلك تخلفها الملموس عما أحرزته المجلات غير الإسلامية في نطاق التطور الفني، وهو نقص لا مندوحة كذلك من الاعتراف به، ولا بد من تداركه للحاق بالموكب العالمي. وطبيعي أن السبيل إلى ذلك موقوف بعد الوعي والعدة الفكرية، على توافر المال الذي به نحصل على الخبرات المتقدمة، وبه نستقطب الأقلام ذات المردود الفعال في مختلف الاختصاصات المثرية للأدب والعلم.
- سؤال: أين النقد الأدبي القائم على أصول إسلامية، ومتى سنوجده؟
- جواب: عندما تستحكم الأصول الإسلامية في وعي الأديب المسلم يوجد هذا النقد الذي تسألون عنه، ذلك أن الناقد الحق متذوق ومقوم، فبالذوق يستشعر جمال العمل الأدبي وبالمعايير الموضوعية يحدد مكانته. وإنما يتألف هذان العنصران في الناقد الإسلامي من ممارسته للقيم الإسلامية، ومن تفاعله مع موحيات الوحي، اللذان يمدانه بالملكة التي تفرق بين الحق والباطل، فلا يرى الجمال والخير إلا في العمل المنسجم مع الحق، وما عدا ذلك فلغو من عمل الشياطين.
ولقد ولد النقد المنشود مع إشراقة الإسلام الذي غير من مفهومات الجاهلية للجمال وفق مقاييسه الخالدة، ثم جعل هذا النقد يتطور تبعًا لتطور البيئة التي تنشئه، فمر خلال القرون بشتى المؤثرات من فارسية ويونانية، حتى انتهى إلى ما هو عليه اليوم من ألوان لا تحصى، شرقية وغربية وصليبية ويهودية ووثنية، بيْد أن النقد الإسلامي الأصيل لم يخل الطريق لأي من أولئك المؤثرات، بل تمكن بأصالة من البقاء بإزالتها، ومن مصاولتها والكشف عن عوارها. والأمل كبير في أن يكون هذا النقد في المستقبل القريب أكثر استقرارًا وأعلى صوتًا إن شاء الله.
- ماذا عن القصة الإسلامية؟
حاضرها ومستقبلها.
ج- القصة إحدى وسائل التعبير الطبيعي عن ذات الإنسان وعن أحداث الآخرين.
فهي إذًا من أقدم فنون الأدب، وفي ظني أن الأديب المسلم أحرى الناس بالإقبال على هذا الفن بما يمنحه من صور الأحداث وعواقبها وعِبرها.
ومن هنا كانت القصة -على تعدد صورها- أحد روافد الأدب العربي منذ الصدر الأول حتى اليوم، استعان بها الخطباء وتمثل بها الشعراء وتألق في عرضها أساطين الكتاب. ولئن اضطربت مسيرتها خلال القرون فمردّ ذلك إلى الاضطراب في مسيرة المجتمع نفسه ما بين الركود والانطلاق والهبوط والصعود. وكما انتظمت حركة الأدب في طرائقه الجديدة استأنفت القصة تحركها على النسق نفسه، فكان منها المتعثر والمتقدم والخسيس والنفيس.
وكان للصحوة الإسلامية أثرها العميق في انطلاقة القصة الإسلامية وتطورها الآخذ في النمو والازدهار والتنبؤ بمستقبل لها رفيع إن شاء الله.
وبقليل من التأمل في أشهر ما كتب بالعربية من القصص في هذا القرن، يتضح للمفكر المنصف أن القصة الإسلامية لا تنزل عن مستوى أحاسنها فنًّا وروعة وإمتاعًا، ولكن ثمة واقعٍ لا بد من الإشارة إليه وهو قلة الإقبال على القصة الإسلامية بإزاء القصص الأخرى، ولا عجب في تلك؛ فمعظم الجيل الحاضر مأخوذ بالمؤثرات الدخيلة بمقدار ضآلة محصوله من التصور الإسلامي.
أما من حيث النظرة العالمية إلى هذه القصة فطبيعي أنها محكومة بنظرة غير المسلمين إلى الإسلام نفسه، وهي نظرة لم تصل بعد إلى حدود الإنصاف، فضلًا عن أن القارئ الغربي -مثلًا- لا يكاد يعرف عن القصة الإسلامية شيئًا إلا عن طريق المستشرقين الذين لا يتجاوزون قول الشاعر:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا عني وما علموا من صالح دفنوا
- بقيت القصة الإسلامية محصورة غالبًا في النطاق التاريخي، فلماذا بقيت الناحيتان الاجتماعية والسياسية فيها ضعيفتين؟
- قد يصح هذا الحكم بالنسبة إلى طلائع القصة الإسلامية الحديثة، إذ كان أكثر ما كتبه الإسلاميون في حدود الأحداث التاريخية، وهي ظاهرة طبيعية حفزهم إليها شعورهم الحاد بابتعاد المسلمين عن مصادر تراثهم الحضاري، فكان على هؤلاء الكتاب أن يعيدوا اتصالهم بماضيهم؛ ليوقدوا في صدورهم مشاعر العزة التي هم أحوج ما يكونون إليها في مواجهة الهجمات الشرسة التي يقودها الاستعمار وأذنابه من المبشرين والمستشرقين وصنائعهم من أبناء المسلمين.
ثم لا ننسى أننا أمة الرسالة التي تتدفق مسيرتها من أصول ذلك الماضي الذي فيه الأسوة والمنهج، فلا يسعها مفارقته قيد شعرة، وكل دعوة إلى «تحويلها» عن طريق الخط النبوي إنما هو استجرار لها إلى فقدان هويتها الربانية ثم إلى الانسلاخ من رسالتها السماوية، وهو ما يركز عليه أعداء العرب والإسلام، بل أعداء الإنسانية، حين يزعمون أن «ثبات» المسلمين على تلك الأصول مجمد لطاقاتهم وحائل بينهم وبين الإبداع، وهم يعلمون راغمين أن ثبات المسلمين على محور الوحي هو الذي فجر مواهبهم، فجعل منهم خير أمة أخرجت للناس استمساكًا بالحق واندفاعًا في مجاهل العلم، حتى أقاموا للدنيا أكرم حضارة عرفها تاريخ الإنسان، وإنما عراهم الجمود فالخمود منذ تسللت إليهم أمراض الأمم الجاهلية فأفرزت لهم تلك الفرق التي تحولت عن طريق الإسلام إلى مستنقعات الضلالات والآثام.
وعلى هذا فلن نتصور أن القصة الإسلامية ستقطع صلتها بروافد الماضي العريق، الذي لا تنفد كنوزه المضيئة، وإلا كانت كالشجرة التي اجتثت جذورها فلا تلبث أن تذبل وتموت.
بيد أن من الخطأ القول بإعراض القاصّ المسلم عن واقعه السياسي والاجتماعي، فهناك قصص لا تحصى تتدفق في هذا المصب، ولعل من حقي الاستشهاد على ذلك من خلال قصصي الزائدة على المئتين، وفي كل منها الدليل المقنع بهذه الحقيقة. وفي روايات الأخ الدكتور نجيب الكيلاني نماذج رائعة في هذا الميدان، حسبي أن أشير منها إلى رائعته «رحلة إلى الله» التي تحفظ للأجيال سجلًّا وافيًا لعهد جمال عبد الناصر سواء من الناحية الاجتماعية أو السياسية.
- أين الرواية الإسلامية الفنية؟
- لا تخلو المكتبة الإسلامية من نماذج روائية صالحة، وفي روايات الدكتور الكيلاني بعض الجواب المنشود.
وأعترف بقلة ما كتبت في هذا الجانب، وعذري في هذا شعوري بقلة صبر القارئ المعاصر الذي أرهقه جو السرعة المسيطرة على كل ما حوله، فبدافع من هذا التوقع ألزمت نفسي الوقوف غالبًا عند عمل القصة القصيرة، لأني أريد أن أبلغ أفكاري أكبر عدد من القراء، ولن يتحقق لي ذلك إلا عن طريق هذا الضرب من القصص الذي لا يكلف القارئ من الوقت أكثر من دقائق محدودة يحصل خلالها على المتعة والفكرة والعبرة جميعًا.
على أن من الحق الاعتراف أيضًا بأن الرواية الإسلامية لا تزال في طور البداية. ولا أدري متى تبلغ المرتبة التي حققتها الرواية الأجنبية التي تصور مختلف جوانب الحياة، وتكاد توفر للقراء -على اختلاف مستوياتهم- الغذاء الفكري العميق الذي يغنيهم عن مراجعة المؤلفات الكثيرة في فنون الثقافة الاجتماعية والعلمية والسياسية والنفسية. ومن هنا كان إقبال الجماهير على اقتنائها رافعًا عدد طبعاتها إلى العشرات وعدد مطبوعها إلى الملايين.
- هل يمكن إيجاد المسرح الإسلامي نصًّا وتمثيلًا رغم السلبيات الكثيرة؟ وما رأيكم بمشروعيته؟
- الأدب التمثيلي وافدٌ حديث على العربية ولا بد له من الوقت اللازم للتوطن والاستقرار، ومع ذلك فقد تقدم خطوات واسعة في طريق النضج، ومع أنه بدأ بزوغه من الشام فقد بلغ أشده في مصر. وفي رأيي أنه سيظل يراوح بين الجمود والحركة حتى يستقر الجو السياسي في بلاد العرب على الوضع الذي يفسح المجال لحرية الكلمة، ويومئذ فقط يستأنف هذا الفن مسيرته نحو المستوى المنشود.
لقد بدأ المسرح العربي تقليدًا للمسرح الغربي حتى في مضمونه، ثم جعل يتجه نحو البحث عن الذات فكانت التمثيليات التاريخية والاجتماعية والشعبية، وكان للمضمون الإسلامي بعض الأثر خلال هذه المرحلة، سواء على المسرح أو شاشة الخيالة «السينما»، ثم زاد هذا الاتجاه بما يعرض اليوم في التلفاز من مسلسلات تحمل اللون الإسلامي إلى حد مقبول. ولكن ميدان التمثيل ظل خاليًا مما يمكن تسميته بالمسرح الإسلامي، ولا أتوقع ملء هذا الفراغ في موعد منظور ما دام الفكر الإسلامي نفسه مُصادرًا في معظم الدول العربية والإسلامية إلا من رحم الله.
أما من حيث مشروعية التمثيل وعدمها فالحكم في هذا الأمر تابع لنوعية المضمون وأسلوب العرض والمسرح، والمسرح الإسلامي -حين يوجد- لن يقبل من المضمون إلا ما يقره الكتاب والسنة، ولا يرتضي من الأساليب إلا النظيف اللائق بدين الله. ومن الإنصاف أن نذكر هنا ما قدمه بعض الكتاب الإسلاميين من مسرحيات تصلح لأن تكون نموذجًا للفن الإسلامي لو أتيح لها أن تنتقل من الكتاب إلى المسرح أو وسائل العرض المنظور على اختلاف أشكاله.
وأخيرًا فإني امرؤ أعتقد أن من حق دعاة الإسلام، بل من واجبهم أن يملؤوا كل زاوية من ميدان الإعلام لتوصيل صورة الإسلام النقية إلى كل سامع وقارئ ومشاهد، وكل قصور منهم في هذا الميدان معرضهم للحساب أمام الله يوم يسأل كل امرئ عن عمره فيم أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به.
- ما أن يبرز كاتب يساري حتى تنهال الأقلام في الدعاية له والدعوة إلى أفكاره، فلماذا التقصير في دراسة الأدب الإسلامي والدعاية له في رأيكم؟
- ذلك لأن وراء الفكر اليساري تنظيمات عالمية تتعاون على نفخ الأقزام وتشويه الإعلام وبخاصة إذا كانوا من رجال الإسلام، وما هذه المؤتمرات التي تقام في ظلال الحكومات الثورية سوى بعض صور التلميع لتلك الدُّمى التي يُراد بها خداع العامة وأشباههم. وطبيعي ألا يكون لأهل الحق والجد حظ في هذه التظاهرات الغوغائية. على أن مما يثلج صدور المؤمنين أن الصحوة الحديثة قد عمت مجالات الفكر الإسلامي، فهو يتحرك هذه الأيام في مؤتمرات وندوات تُبحث فيها قضايا المسلمين وتدرس في أثنائها مهمة الأدب الإسلامي وخصائصه في أكثر من قطر إسلامي. وقد كان في التوصيات التي أصدرتها «ندوة الأدب الإسلامي» المنعقدة في الجامعة الإسلامية أخيرًا، وهي امتداد للندوة التي أقامتها «ندوة العلماء في لكهنوء بالهند»، ضرورة إخراج مجلة خاصة تعنَى بفنون الأدب الإسلامي، وإقامة مركز وثائقي يحفظ نتاج هذا الأدب في تصنيف منظم يسهل الوصول إليه، ويساعد على رصد تطوره، فإذا تم ذلك تحقق ما تريدون من دراسة للأدب الإسلامي وتعريف به على مستوى العالم الإسلامي بأسره.
- كيف ترون الوسائل الكفيلة بتنشيط حركة الأدب الإسلامي؟
ج- أهم الوسائل المحققة لما ترغبون من تنشيط لحركة الأدب الإسلامي بنظري اثنتان: أما الأولى فقيام دور لنشر هذا الأدب وترجمته بخاصة إلى ألسنة الشعوب الإسلامية، ثم توزيعه على مستوى هذه الشعوب بأدنى سعر ممكن مع العناية اللازمة بحسن الإخراج.
وأما الثانية فتكثير جماهير القراء لهذا الأدب، ولا سيما في أوساط الطلبة على اختلاف مراحلهم الدراسية. ومما يساعد على ذلك إقامة مسابقات حول بعض المنشورات الإسلامية يقدم جوائزها ذووا الغيرة من موسري المسلمين. وقد كنا ولا نزال نشكو قلة القراء للكتاب الإسلامي، ثم جاءت المبشرات بتزايدهم يومًا بعد يوم عن طريق الإقبال المتزايد عليه في معارض الكتب. وهذا يستدعي من القادرين تكثيف الجهود في هذا السبيل بكل الوسائل المتاحة.
- ماذا عن نشاطكم الشخصي في مجالَيْ الشعر والقصة الآن؟ وهل هناك مشروعات للمستقبل؟
- بين يدي عدة من المؤلفات في العديد من الموضوعات الأدبية والاجتماعية والدينية، إلى جانب مذكرات أضمنها تجارب عشرات السنين في مختلف الأمكنة، وفي ظل الكثير من الأحداث التي لا ينبغي أن تُنسى، وكلها مما أحب إنجازه قبل هجوم الأجل، وهي التي وقفت نشاطي في ميدان القصة حتى توقعت أن يكون آخرها هو المجموعة التي صدرت قبل أيام بعنوان: «اللقاء السعيد وقصص أخرى»، وآمل أن يعقبها قريبًا كتبي الثلاثة عن مشاهد في العالم الإسلامي.
وأما الشعر، فإلى جانب ديوانيَّ السابقَين «نار ونور» و«همسات قلب»، أعد للنشر ثالثًا بعنوان: «ألحان وأشجان» وما أدري إن كان سيقدر له الظهور فيما تبقى من حياتي. ومعظم ما يتضمنه هذا الديوان الثالث هو القصائد التي أترجم بها مشاعري بإزاء المآسي التي يعانيها الإسلام في معظم ديار الإسلام. ومن أجل ذلك سيكون الشعار الذي يُتوَّج به هو قولي في ختام إحدى قصائده:
يا خليلي خلياني وأشجا ني أناجي أطيافهن وحيدا
قد عصتني الدموع لكن قلبي في جحيم الأسى يذوب وليدا
وجراح الإسلام من كل صوب قاتلاتي وإن بدوت جليدا
- كان هناك اتجاه لتشكيل رابطة للأدباء المسلمين عندكم، فهل تعثرت؟ ولماذا يخفق كل مشروع من هذا النوع؟
- لعلي أول الداعين إلى تشكيل هذه الرابطة؛ فقبل خمس عشرة سنة بدأت هذه الدعوة في محاضرة ألقيتها في «رابطة العالم الإسلامي» بمكة المكرمة، ونُشرت مع غيرها في كتاب «أفكار إسلامية»، ثم كررت ذلك في البحث الذي قدمته إلى ندوة العلماء بالهند حول الأدب الذي يريده الإسلام، وقد أقر المجتمعون هذا الاقتراح أساسًا في توصياتهم التي تولت متابعتها تلك المؤسسة الإسلامية المجاهدة، وفي الكلام عن المركز الوثائقي الذي أشرنا إليه من توصيات الندوة الأخيرة في الجامعة الإسلامية ما يتصل بذلك.
وفي تصوري أن «المجتمع» وأخواتها من المسؤولات عن ملاحقة هذه المقررات والمقترحات حتى يتحول المأمول منها -إن شاء الله-، وقديمًا قِيل: «ما لا يدرك كله لا يترك جله».
ولله الأمر من قبل ومن بعد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل