; المحتالون في ثورة التكنولوجيا | مجلة المجتمع

العنوان المحتالون في ثورة التكنولوجيا

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1990

مشاهدات 60

نشر في العدد 951

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 23-يناير-1990

•       الارتفاع في نسبة جرائم الاختلاس خلال السنوات العشرين المنصرمة يؤكد تغير أساليب السرقة فقط.

الثورة التكنولوجية الجارفة التي دخلت البيوت وكل المؤسسات التجارية والمالية حملت في طياتها إمكانيات جديدة للاحتيال والسرقة، وجرت المحتالين واللصوص إلى استغلال تلك الإمكانيات وابتكار طرق جديدة للتغلب على العقبات التقنية الجديدة والمستحدثة، لا سيما في عمليات اختلاس الأموال من المؤسسات البنكية التي صارت تعتمد على الكمبيوتر كجهاز أساسي لتسهيل عملياتها.

ومن هنا تعالت الأصوات منبهة إلى "القرصنة المعلوماتية" الحديثة، والتي ثبت مرة أخرى أن لصوص هذا العصر يجارون التطور ويتأقلمون مع كل المستحدثات ويستفيدون من كل الثغرات فيها ويبرعون في تعطيل وسائل الحماية الحديثة مهما بلغت تعقيداتها.

 

السرقة سلوك إجرامي قديم:

ربما تكون السرقة أقدم أشكال السلوك الإجرامي، ومنذ العهد القديم وحتى الآن ما زالت السرقة واحدة من أكثر ألوان الانحراف السلوكي شيوعًا. وقد اتضح كونها الجريمة المفضلة على المستوى العالمي في الإحصائيات التي أُجريت في مختلف بلدان العالم.

ونظرًا لشيوع جرائم السرقة واستمرارها عبر التاريخ فإنه من المتوقع أن تبقى هكذا ما دام هناك استمرار للحوافز والفرص التي تتيح القيام بها. وعلى الرغم من عدم وجود أي إجماع حول أسباب قيام البعض بالسرقة "أو تكرارها"، فإن معدل السرقات لم يتغير عبر الزمان، وربما تكمن التغييرات الوحيدة في الأشكال والأساليب.

وقد بذل علماء الإجرام جهودًا مضنية في محاولتهم للتوصل إلى معرفة أسباب قيام البعض بالسرقة، مع أنه لا توجد تعميمات كافية لتغيير دوافع السرقة المختلفة، إذ إن هناك من يسرق لكسب لقمة العيش، وهناك أيضًا من يسرق لتحسين أوضاعه الاجتماعية، كما أن هناك أيضًا من يسرق لاقتناء أشياء مادية هو في غنى عنها، وهناك أيضًا من يسرق لأسباب رمزية لها علاقة إما بالمكانة أو الإحباط أو الانتقام.

ومن الصعب التنبؤ بوقوع جرائم السرقة على الرغم من تكرارها. وما زال تفسير السلوك الإجرامي مجهولًا لدى الكثيرين. وبالطبع فإن هذا لم يمنع علماء الاجتماع من البحث عن أسباب وجود هذه الجرائم.

وربما يتفق علماء الإجرام على وجود علاقة وطيدة بين جريمة السرقة والفرصة المتاحة لارتكابها، وتنصب دراسات علماء الإجرام حاليًا في محاولة للوصول إلى معرفة الأسباب الحقيقية لتوفر هذه الفرص وميل الناس إلى استغلالها، ثم إن مسألة معرفة ما ينبغي عمله للتقليل من وقوعها قد استحوذت على اهتمام الباحثين في مجال الإجرام.

 

طبيعة السرقة:

ومن الناحية التاريخية فإن أكثر أشكال السرقة شيوعًا يتمثل في اللصوصية، وهي عبارة عن السرقة المرتكبة خلسة، أي السرقة عن طريق وسائل سرية أو المكر. وبالطبع لكي تعتبر هذه العملية سرقة لا بد أن يتم "أخذ ممتلكات الغير بدون موافقته وبدون معرفته بوقوع العملية".

ومنذ زمن طويل اتخذ أصحاب الممتلكات احتياطات جمة للحفاظ على ثرواتهم، وحتى في القرن 19 لم توجد دائرة شرطة واحدة في أي من إنجلترا أو أمريكا. وقبل ذلك كان المواطنون مسؤولين عن حماية ممتلكاتهم. وكانوا يقومون إما بتسليح أنفسهم أو استئجار حراس شخصيين، أو إيداع ممتلكاتهم الثمينة داخل خزانات الأمانة. وفي أواخر ذلك القرن تحولت البنوك إلى مراكز لإيداع الممتلكات الشخصية الغالية، وذلك عندما أصبحت العملات الحكومية والمجوهرات المؤشرات الرئيسية للثروة، وأصبحت وسيلة للصرف.

إن عملية تطوير خزانات البنوك تشكل مثلًا رائعًا لكيفية تغير أساليب السرقات عبر السنين. وكما أشار إليه عالم الاجتماع دونالد كريسي، فإن أساليب السرقات لدى البنوك لها علاقة قوية مع الفرص المتوفرة. وفي بداية القرن 20 كانت صناديق الأمانة تُغلق بواسطة المفاتيح. وعندما تعلم اللصوص طريقة فتحها تم ابتكار القفل عن طريق تكوين الأرقام، وعندما اكتشف المجرمون طريقة فتحها وذلك عن طريق فك المحور الدوار لهذه الخزانات تم اختراع قفل أكثر صلابة ومتانة.

وكرد على هذه الإجراءات، بدأ المجرمون بثقب الخزانات لفتحها عن طريق إدخال مواد متفجرة فيها، ثم اتبعت طريقة خلط المعادن في صناعة الخزانات لكيلا يسهل اختراقها، ولكن بعض المجرمين لجأوا إلى استخدام مادة النيتروجليسرين (Nitroglycerin) التي يمكن أن تتسرب إلى داخل هذه الخزانات عبر ثقوب صغيرة. وبدأوا كذلك باستخدام المشاعل "الأوكسي أسيتيلينية" (Oxyacetylene Torches) لفتح هذه الخزانات.

وبعد ذلك تم التوصل إلى اختراع خزانات ذات أبواب مثبتة بإحكام بحيث لا يمكن وضع الثقوب عليها أو فكها أو إذابتها أو حتى اختراقها بواسطة مواد متفجرة.

وقد لجأ بعض المجرمين إلى اختطاف المصرفيين وإرغامهم على فتح الخزانات لديهم. ولوضع حد لهذا تم اختراع القفل الموقوت. وكرد فعل لجأ بعض اللصوص إلى تهريب الخزانات بكاملها أولًا، ثم فتحها فيما بعد ولذلك تم اختراع صناديق أمانة ذات أحجام أكبر وأوزان أثقل بكثير بحيث لا يمكن نقلها. وعلاوة على ذلك فقد اتبعت طريقة الإيداع الليلي كبديل للخزانات الصغيرة، والتي كان التجار يضعونها داخل مسجلاتهم لحفظ النقود فيها. وبعد ذلك تم اختراع خزانات ينطلق منها الغاز عند تعرضها لأدنى محاولة للتخريب، ونتيجة لذلك بدأ المجرمون بارتداء أقنعة تقيهم من هذا الغاز.

مواجهة التقنيات:

إن التطور الذي طرأ في كيفية تنظيم عمليات السرقة من خزانات البنوك يوضح عاملًا مهمًا في تاريخ السرقة، ويبدو أن هناك علاقة ما بين تقنية الجرائم وتقنية الحماية.

وإذا ما قارنا التغيرات التي حدثت في كيفية تحطيم الخزانات مع أشكال السرقات الأخرى فإننا قد نتوصل إلى حقيقة أنه كلما تطورت تقنية الحماية "مثل الخزانات المصنوعة من الفولاذ والقفل الموقوت... إلخ" زاد المجرمون في تطوير وسائلهم وأساليبهم للحفاظ على مستويات النجاح المقبولة لديهم "مثل استخدام المتفجرات أو اختطاف المصرفيين... إلخ". وقد واكب اللصوص في مجتمعاتنا العربية كل هذه التطورات، ونفذوا عمليات سرقة من مختلف الأنواع المذكورة آنفًا، واستعملوا بالخصوص أنابيب الأكسجين لفتح الخزانات المحتوية على الأموال، من ذلك مثلًا سرقة 110 آلاف دينار كويتي من مقر توزيع بدلات الإيجار في منطقة بيان بالكويت ليلة 3/12/1988، وقد ذكرت عالمة الاجتماع البريطانية ماري ماك أنتوش بأن الاقتصاد وكذلك الظروف الاقتصادية بصفة عامة "مثل الارتفاع في نسبة البطالة" تمثل حافزًا لارتكاب جرائم السرقة.

ولكن التقدم الذي أُحرز في كيفية اكتشاف الجرائم هو الذي دفع المجرمين إلى تنظيم صفوفهم وأساليبهم لإبقاء نجاحهم.

وكما شرحت هذه العالمة "فإن المجرمين وخصومهم خاضوا هكذا حربًا ضارية تميل إلى الاستفحال، نظرًا لأن كلًا من الطرفين يقوم بتطوير أساليبه لخداع الآخر".

إن اللصوص يقومون بتنظيم تخطيط عملياتهم لتجنب خطر الوقوع في مواجهة مباشرة مع الضحية، حيث إن ذلك قد يؤدي إلى استعمال العنف. ونتيجة لذلك فإن أهم شيء بالنسبة لمعظم اللصوص هو التنظيم الكافي للتقليل من احتمال القبض عليهم ولزيادة فرص النجاح في الوقت نفسه.

إن هذا التطوير في تقنية الكشف أو الحماية قد فرض على المجرمين مسايرته أو التفوق عليه للتمكن من الإفلات بعد ارتكاب فعلاتهم. ولا يتم فرض القانون أو تنفيذه إلا بعد أن يكرر المجرمون استغلالهم للتقنيات المبتكرة والتغيرات التقنية. وعلى سبيل المثال فلم تتم الزيادة في إنارة الشوارع إلا بعد تكرار وقوع جرائم السرقة في الشوارع المظلمة، وينطبق الشيء نفسه على السيارات وأجهزة الإنذار لدى المتاجر، وأجهزة الكاميرا لدى البنوك، وصناديق الأمانة لدى المتاجر العاملة طوال الليل، ويبدو من الناحية التاريخية أن التقنية الأمنية ما زالت متخلفة، إذ إنه لا يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة للتقليل من فرص ارتكاب الجرائم إلا بعد الفشل المتكرر لإجراءات الحماية من تلك الجرائم.

إن قدوم الكمبيوتر واستعماله المتزايد على نطاق واسع قد سبب في تحويل هذا الجهاز إلى مصدر جرائم.

وكما تسبب اختراع السيارة في تضاعف عدد الجرائم في بداية القرن 20 حسب ما جاء في الإحصائيات التي تم إجراؤها في كثير من بلدان العالم فإن الكمبيوتر كذلك سيكون له التأثير نفسه في القرن 21، وإن انتشاره سيسبب المشاكل نفسها التي قد سببها انتشار السيارات، بما في ذلك جرائم السرقة والاحتيال والتزييف ومخالفة القانون وما إلى ذلك.

العمر المتوسط 1965-1985

        1965 1970 1975 1980 1985

كندا    25.9  26.5  28.0  29.9  31.9

الولايات المتحدة      27.9  28.9  30.0  31.5  -

التصدير إلى "جداول بيانات Google"

نسبة جرائم الاحتيال في كل ألف

        1965 1985 التغير

كندا    197.5        486.0        +146%

الولايات المتحدة      38.8  141.3        +264%

التصدير إلى "جداول بيانات Google"

ومع بداية هذا العام 1990 سيكون بحوزة كل 50 شخصًا في أمريكا جهاز كمبيوتر.

إن الزيادة غير المعقولة لعدد أجهزة الكمبيوتر المستعملة، والزيادة في كفاءتها وتطورها من شأنها أن يكون لها تأثير في القانون وعملية تنفيذه، وسيكون هذا التأثير أكثر مما خلفه اختراع السيارات، وعمومًا فإن هذا الأمر يرجع إلى حقيقة أن الكمبيوتر قد أصبح وسيلة لسرقة النقود أو البضائع، وبما أن عملية استخراج جداول الرواتب تتم في معظم الحالات بواسطة أجهزة الكمبيوتر الحكومية (85%) فإن الأجهزة الإلكترونية المستخدمة لتحويل الأموال (Electronic Fund Transfer (EFT) Systems) ستكون أكثر عرضة لجرائم السرقة، وذلك لكونها أقصر طريق للوصول إلى النقود.

ويمكن إتمام تحويلات مالية عبر هذه الأجهزة من مراكز بعيدة، وتستخدم أجهزة "إي. إف. تي" (EFT) على نطاق واسع في الصرف الآلي، ولدى الشركات المصرفية، وفي عمليات التحويل بين البنوك، وكذلك في بقية المعاملات التجارية، لكن فرص ارتكاب السرقة بواسطة هذه الأجهزة متوفرة جدًا، مع أنها تستدعي تدبيرًا وتنظيمًا أكثر من أي وقت مضى.

وبما أن أجهزة الكمبيوتر مخولة بطريقة مبرمجة للوصول إلى النقود؛ فإن على اللصوص أن يخدعوا هذه الأجهزة بكل ما أوتوا من حيل، ومما يلاحظ هنا أن السرقات في الكويت زادت زيادة ملحوظة بزيادة عدد السيارات، وأن سرقة السيارات تأتي في المرتبة الثانية بين السرقات في الكويت، وإذا ما انتشر الكمبيوتر انتشارًا كبيرًا في الكويت فهل يعني ذلك أننا مقبلون على قفزة أخرى في مجال السرقة بتزايد سرقات العصر الإلكترونية؟

 

تزايد جرائم الاحتيال:

في الأساس كان الاحتيال عبارة عن سرقة مرتكبة بواسطة الحيل، ومن المتوقع أن يزداد انتشار هذا اللون من السرقات في عصر الكمبيوتر، وبما أن أجهزة الكمبيوتر تستخدم حاليًا لدى المؤسسات المصرفية للقيد، فإن المواطنين لا يحملون معهم إلا مبالغ زهيدة، كما لا يدخرون لديهم مبالغ كبيرة، حيث إن بإمكانهم الحصول عليها عند اللزوم، وذلك بواسطة أجهزة الصرف الآلية "إي. تي. إم"، وإذا تطلب الأمر دفع ثمن مشترياتهم؛ فإن ذلك يمكن أن يتم بواسطة جهاز التحويل الإلكتروني (EFT) الذي يقوم بخصم المبلغ المطلوب أوتوماتيكيًا من الحساب البنكي للمشتري، وتحويله إلى حساب البائع.

إن بإمكان المجرم أن يسرق من شخص ما بطاقته للصرف الآلي، ثم يحاول الوصول إلى مدخراته لدى البنك؛ لأن هذا يشكل غنيمة أوفر من تلك المبالغ التي قد تكون موجودة في يد الضحية، ولكن لكي ينجح هذا السارق في مهمته، فإن عليه أن يحصل أولًا على الرقم السري لضحيته، وهذا في حد ذاته يستدعي غالبًا مواجهتهما، الأمر الذي لا يتمناه أي مجرم.

وخلال الفترة ما بين 1965 و1985 ارتفعت في كل من الولايات المتحدة وكندا نسبة عمليات السرقة المبلغة للبوليس، حيث وصلت إلى 118% و123% على التوالي، وإن هذه الأرقام تثبت الانتشار المستمر لجرائم السرقة في الوقت الذي انخفضت فيه نسبة الجرائم الأخرى المرتكبة ضد الأشخاص والممتلكات خلال السنوات القليلة الماضية.

ويبدو أن الزيادة في نسبة الاعتقالات بسبب جرائم الاحتيال أسرع بكثير من الارتفاع في نسبة اللصوصية "264% و146% خلال 20 سنة"، وفي كندا لم تضف إلى القانون تلك القوانين الخاصة بجرائم الكمبيوتر إلا في عام 1985، وإن مثل هذه القوانين ضرورية للقضاء على جرائم الاحتيال مثل الاستخدام غير المسموح بوسائل الدخول "مثل تزوير أرقام البطاقات الشخصية"، كما إنها ضرورية لمنع أي تلاعب من قبل الموظفين داخل المؤسسات المصرفية من استخدام البطاقات المسروقة أو الاحتيال في الحسابات، أو عدم قيد عمليات السحب أو حتى التآمر مع التجار.

وعلاوة على ذلك فإن القوانين الخاصة بجرائم الكمبيوتر لا توضح ما هو مقصود من "أخذ الممتلكات"، حيث إن هذه القوانين تشترط أن يتم "أخذ ممتلكات" لكي تعتبر العملية سرقة، ويمكن تغيير رقم حساب ما عن طريق إطلاق إشارة إلكترونية بدون أن يتم أخذ أية "ممتلكات"، وكذلك فإن القوانين الخاصة بالاحتيال تقتضي غالبًا أن تتم "إساءة متعمدة إلى شخص ما"، وبما أن الكمبيوتر ليس إنسانًا تحت القانون، فإن هذه القوانين ضرورية لسد هذه الثغرات.

 

مستقبل جرائم الكمبيوتر:

ونظرًا لكون القوانين الخاصة بجرائم الكمبيوتر حديثة؛ فإنه من الصعب تحديد مدى تأثيرها لغاية الآن، ولكن من الواضح أن هذه القوانين في حد ذاتها لن يكون لها أي تأثير يذكر في غياب جهد يُبذل لتنفيذها بطريقة فعالة.

وعلى سبيل المثال ففي عام 1975 لم يكن هناك إلا "400" جهاز صرف، ثم ارتفع هذا العدد إلى حوالي "36000" جهاز في عام 1982، وخلال هذه الفترة فقد ارتفعت قيمة التحويلات البنكية بنسبة أعلى من 400% فوصلت إلى 2007 بليون دولار أمريكي في كل سنة، ومن الواضح أن فرص ارتكاب جرائم الاحتيال قد أخذت في التزايد بشكل رهيب، وسوف تستمر كذلك، وقد أُنشئت في الولايات المتحدة الأمريكية أول شبكة للصرف الآلي في عام 1983، ومن المتوقع أن تضع المؤسسات المصرفية في عين الاعتبار حجم كل المعاملات التجارية التي ستُناط بها في نهاية هذا القرن.

ولم يغفل المجرمون عن استغلال التزايد الكبير لفرص ارتكاب جرائم الاحتيال، وقد سببت ظاهرة ضياع بطاقات الائتمان في ارتفاع معدل جرائم الاحتيال حيث بلغ هذا الارتفاع نسبة 50% خلال 5 سنوات، وكذلك فإن الازدياد في معدل جرائم الاحتيال المبلغة لدى البوليس بشتى أنواعها دليل على وجود علاقة ما بين جرائم الاحتيال والفرص المتاحة لارتكابها.

إن استخدام التكنولوجيا في السنوات الأخيرة لمكافحة الجرائم قد عززت من الجهود المبذولة للتقليل من جرائم الاحتيال بواسطة الكمبيوتر، ولكن ستبقى هناك تدابير وحيل أكثر تنظيمًا، ومع انتشار استخدام بطاقات الائتمان خلال السنوات الـ 20 الماضية، فإن عددًا قليلًا من المواطنين يحملون معهم مبالغ كبيرة، كما أن القليل منهم يدفع نقدًا عند الشراء، مما أدى إلى انتشار ظاهرة سرقة بطاقات الائتمان.

ولقد بدأت البنوك التي تصدر بطاقات ائتمان بنشر قوائم البطاقات غير الصالحة، وذلك بشكل منتظم، لكي يتسنى للتجار التأكد من صلاحية أية بطاقة، وعما إذا كانت مسروقة أو ملغاة، مما دفع المجرمين إلى استعمال البطاقات المسروقة بأقصى قدر ممكن فور سرقتها، وذلك لتجنب اكتشافهم بواسطة هذه القوائم المنشورة، وكرد على ذلك بدأت البنوك بوضع مسجلات مغناطيسية لدى المتاجر، بحيث تعطي المعلومات عند الشراء لأجهزة الكمبيوتر الموجودة في البنوك لكي تحدد بدورها ما إذا كانت البطاقة صالحة أم لا.

وفي الولايات المتحدة تقدر السلطات والدوائر المختصة أن عمليات الاختلاس عن طريق الكمبيوتر بلغت مئات الملايين من الدولارات سنويًا، وفي أوروبا تقدر هذه السرقات بحوالي 15 مليار فرنك فرنسي، ولقد قرر بعض اللصوص اتباع أسلوب بديل، ألا وهو الذهاب إلى سلات المهملات التابعة للمتاجر، ثم استرداد أوراق الكربون المستعملة عند الشراء بواسطة بطاقات الائتمان، حيث إن هذه الأوراق تحتوي على رقم حساب وتوقيع صاحب البطاقة المسروقة، وبعد ذلك يقوم هؤلاء المجرمون باستخراج نسخ مزيفة لهذه البطاقات، وذلك بمساعدة أوراق الكربون المأخوذة من سلات المهملات.

والأخطر من ذلك هو أن أجهزة الكمبيوتر لدى البنوك لا تستطيع أن تكشف عما إذا كانت البطاقة مسروقة أم لا، وقد قامت البنوك مؤخرًا بتغيير طريقة تصميمها لبطاقات الائتمان، بحيث أصبح من الصعب تزويرها، كما بدأت البنوك بإصدار فواتير خالية من مادة الكربون، والآن بما أنه يمكن إتمام عمليات الشراء من البيت سواء بواسطة بطاقات الائتمان، أو التلفون، أو أنظمة الكيبلات المتصلة؛ فإن البنوك ترغب في إصدار نوع جديد من بطاقات الائتمان، بحيث لا يظهر عليها رقم الحساب، وذلك في المستقبل القريب، بهدف صرف المجرمين عن سرقة بطاقات الائتمان، ويبدو أن تقنية الحماية ستبقى دائمًا متخلفة بالمقارنة مع تقنية الجرائم، سواء كانت تلك التقنية المستخدمة في السرقات لدى البنوك أو في تزوير بطاقات الائتمان، وكذلك منذ قديم الزمان فإن المجرمين لا يترددون في استغلال الفرص المتاحة لهم لارتكاب جرائم السرقة، وذلك بوسائل تفوق من الناحية التقنية تلك المتوفرة لدى رجال الأمن.

ترى، هل ستنجح الجهود المبذولة حاليًا لمنع جرائم الاختلاس بواسطة الكمبيوتر في القضاء على وجود هذه الفرص بشكل فعال أم لا؟ وهل ستسبب هذه الجهود ردًا سريعًا للتغيرات الطارئة في التقنية الإجرامية؟ وإذا وجب علينا أن نأخذ درسًا من التاريخ؛ فإن العمل لتقليل نسبة إفلات المجرمين وكذلك تكثيف الجهود أيضًا للقضاء بشكل نهائي على وجود فرص ارتكاب هذه الجرائم.

أما بالنسبة لمجتمعاتنا العربية، ومؤسساتنا المالية التي لم تواكب العصر، والتي أخذت منذ مدة ليست بالقصيرة تعتمد على الأدمغة الإلكترونية من أجل الصرف الآلي، والتي يصدر بعضها بطاقات الائتمان؛ فإنه لا بد أن تأخذ حذرها من محترفي الاحتيال العصري حتى تكون دائمًا محل ثقة متعامليها.

 

علاقة جرائم السرقة بالسن:

إن قيام كبار السن بارتكاب جرائم السرقة يمثل العامل الأساسي للانتشار المتزايد لعمليات السرقة عن طريق الاحتيال، إذ إن اللصوصية عبارة عن شكل من أشكال جرائم السرقة، وتحتاج إلى السرعة وخفة الحركة، وهما من ميزات الشباب، إن التغيرات التي طرأت في التركيب السكاني لشمال أمريكا خير دليل على تقلص نسبة الشباب في هذه المنطقة، إن التقدم في السن بالنسبة لسكان شمال أمريكا دليل على وجود عدد قليل من الشبان يتمتعون بالسرعة وخفة الحركة، وهما ضروريتان لنجاح أية عملية سرقة مرتكبة.

إن الارتفاع الحالي في نسبة جرائم الاختلاس خلال السنوات الـ 20 المنصرمة يوحي بأن اللصوص قد غيروا فقط أساليبهم في السرقة، ولكنهم لم يتوقفوا عن ارتكاب جرائمهم، ومما يؤيد هذا الرأي هو أن معظم الذين قد تم إلقاء القبض عليهم بتهمة الاحتيال هم أكثر ثقافة من المجرمين العاديين، حيث تتراوح أعمار هؤلاء ما بين 25 إلى 44 سنة.

 

الرابط المختصر :