العنوان المحنة القادمة وضرورة مواجهتها
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أبريل-1979
مشاهدات 88
نشر في العدد 442
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 24-أبريل-1979
﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾(البقرة:120).
- ستظل مقومات الصراع بيننا وبين أعداء الإسلام قائمة ما دام تمسكنا به، وقد قرر الله تعالى ذلك في كتابه الكريم. والصراع في هذا العالم له وجوه عديدة. تارة يكون في عالم التجارة والاقتصاد وأخرى في عالم الفكر والحضارة والمنهج. لا يهم نقطة البداية في الصراع، بقدر شموليته أو جزئيته. فالصراع الذي قام بين فرنسا والمملكة المتحدة في السوق الأوروبية المشتركة كان صراعًا جزئيًّا لا شموليًّا سرعان ما بدأت المساعي الحميدة لتطويقه وقد كان ذلك من العسير أن يحدث في الصراع الأميركي- السوفييتي لأن الأخير له صفة الشمولية، فهو صراع مصالح حقًّا، لكنه لا يقف عند هذا الحد، هو أيضًا صراع فكر وحضارة ومنهج. من أجل هذا كانت سياسة الوفاق هي سقف التفاهم بين الطرفين وخلاصة هذه السياسة هي تقاسم مناطق النفوذ في العالم وبذل كل الجهود لتفادي المواجهات المباشرة. بتعبير أدق قد تحدث المواجهات إلا إنها تصيب في النهاية الحلفاء الصغار من دول العالم الثالث. أما طبيعة الصراع بين دعوة الإسلام ودعاته من جانب وقوى الكفر والطاغوت ممثلة بالقطبين «الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي» ومن يدور في فلكهما من النظم والقوى المحلية، فهي طبيعة شاملة ستظل مقوماتها باقية ما بقي في قلوبنا الإيمان بالله الواحد الأحد وبرسوله وبكتابه، فإن طبيعة المنهج الإسلامي وكافة تشريعاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية تؤكد الاستقلالية الإسلامية بشكل لا يقبل النقاش.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾(البقرة:138)
ليس هذا فحسب، بل إن الإسلام لا يمكن أن تظهر فعاليته وعظمته وقوته إلا من خلال كليته وهذه الكلية الإسلامية ينتج عنها رفض الإسلاميين لكل أشكال الترقيع التشريعي إن كان على مستوى السياسة واتخاذ القرار السياسي أو على مستوى التشريعات الاقتصادية والاجتماعية. وهذا الرفض القاطع للترقيع التشريعي من شأنه أن- يؤدي بالإسلاميين- شاءوا أم أبوا- إلى مقاعد المعارضة السياسية، خاصة وأن النظم الحالية في العالمين: العربي، والإسلامي تقوم على هذا الترقيع المشار إليه. وتنسف فكرة الجهاد في الإسلام كل أشكال الوفاق مع القوى المعادية له سواء كانت كبيرة أم صغيرة، قوية أم ضعيفة. هذا الموقف الحدي من تلك القوى يجعل من الإسلام- في منظور تلك القوى- العدو رقم واحد . خاصة وأنه مؤهل بل ومرشح حاليًا لأن تبرز قواه بروزًا تهديديًّا واضحًا.
- إذن باختصار نقول: إن الصراع بيننا وبين أعداء الإسلام هو صراع شامل، يبدأ في المنطلق (إيمان بالله لا يتزعزع) وينسحب بعد ذلك على المنهج والتشريع والتكوين الحضاري والفكري والسياسي والاجتماعي المنبثق من تلك العقيدة وذلك المنهج. وتتمحور نقاط الصراع بيننا وبينهم في ما نستطيع أن نسميه بـ:
- الاستقلالية الإسلامية.
- الكلية الإسلامية.
- الجهاد.
- مصالح الغرب والشرق في العالم الإسلامي:
مقابل هذا الوضوح الإسلامي، بل رغم هذا الوضوح الإسلامي ونظرًا لظروف عديدة لا قبل لنا بشرحها هنا، نجد أن للغرب والشرق مصالح عريضة في العالم الإسلامي. بل نستطيع أن نقول: إن العالم الإسلامي أصبح الضحية الرئيسية لسياسة الوفاق المشار إليها حتى إنه بات مناطق نفوذ أميركية أو سوفييتية دون أي اعتبار للاستقلالية الإسلامية والكلية الإسلامية ولإمكانيات الأمة الجهادية. ويذخر العالم الإسلامي في القارات الثلاث: أفريقيا، أسيا، وأوروبا بالمواد الخام (النفط، النحاس، الحديد، المطاط. الأخشاب، الرصاص، اليورانيوم) بالإضافة إلى شساعة أراضيه الزراعية وأنهاره وبحاره وما تحتويه من ثروات لا حصر لها، كل ذلك تحت السيطرة المباشرة أم غير المباشرة للشرق أو الغرب، نضيف فنقول: إن العالم الإسلامي بسكانه الثمانمائة مليون نسمة (٨٠٠ مليون) أصبح سوقًا لترويج بضائع الغرب والشرق وسيبقى على هذا الحال ما دام يخضع للسيطرة السياسية والعسكرية والثقافية لقوى الكفر والطاغوت. لذلك نرى هذا الإغراق المستمر للعالم الإسلامي في النمط الإستهلاكي السائد وإبعاده بكل الوسائل عن التفكير في الإنتاج. بالإضافة إلى كل ذلك فإن المواقع الاستراتيجية التي يحتلها العالم الإسلامي تجعل أهميته العسكرية واضحة للعيان. لذلك نجد أن حلفي السنتو والسيتو العسكريين يحتلان بل يمران عبر العالم الإسلامي في آسيا وأطراف أوروبا.
هذه المصالح الاقتصادية والعسكرية الإستراتيجية لن يفرط فيها الغرب والشرق بسهولة، وتحتاج إلى مواجهة حاسمة وذكية وطويلة المدى.
المد الإسلامي في المنظور الغربي والشرقي:
من هنا يتحدد المنظور الغربي والشرقي للمد الإسلامي. ومن يتابع الدراسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الصادرة من معاهد وجامعات الشرق والغرب والمتعلقة بالعالم الإسلامي يلاحظ أن القلق بدأ يعم تلك الأوساط من جراء اليقظة الإسلامية الشعبية الملاحظة في هذه الفترة في كثير من الأقطار الإسلامية، ومن تابع الإعلام الغربي بالذات خلال أحداث إیران الأخيرة يلاحظ أن التركيز كان على الإسلام أكثر منه علی إیران. كانوا يتساءلون: ما هذا الإسلام؟ ما موقفه من القوى العالمية؟ كيف ستكون سياسة سلطته تجاه مصالح تلك القوى؟ هل بالإمكان أن ينتشر ويمتد هذا «الحريق»، كما أسمته مجلة «شتيرن» الألمانية في الأقطار الإسلامية؟ ما هي فلسفة الإسلام السياسية والاقتصادية والعسكرية؟ لم يكن حديثهم عن إيران إيرانيًّا بقدر ما كان إسلاميًّا، وهذا بالطبع يعكس القلق الكبير الذي بدأ يشل كثير من العقول في الغرب والشرق. لكن في كل الأحوال أصبح واضحًا لدى الغرب والشرق أن هذا الإسلام هو التهديد الأكبر لمصالحهما في هذا العالم. وقد وصل الغرب والشرق إلى هذه النتيجة بعد استقصاءات علمية وعملية للمسألة يستفاد منها عبر دراساتهم حول الإسلام والأحداث الأخيرة في العالم الإسلامي: ثورة الفلبين، ثورة إیران، ثورة الأفغان وانعكاسات تلك الأحداث المستقبلية في باقي مناطق العالم الإسلامي.
- الهجوم الوشيك والمتوقع على الحركة الإسلامية:
لأن الإسلام بات يهدد مصالح الغرب والشرق، لذلك نجدهما يوظفان كل إمكانياتهما لقتل وذبح الثورات الإسلامية وإثارة كل المصاعب والعراقيل والفتن القومية والعرقية أمامها وذلك لإجهاضها. ومن هنا يتوقع أن تحدث الهجمة على كل التنظيمات الإسلامية سواء منها الذي يحمل الدعوة أو الذي تحمله الدعوة، ذلك لأن هذه التنظيمات هى- في منظور الغرب والشرق- تمثل ذلك الإسلام الذي زلزل من تحتهم الأرض في الفلبين وإيران والأفغان. وسيكون الهجوم الوشيك من القوة والدموية بحيث سيؤدي أحيانًا إلى تغييرات في الأنظمة السياسية وتراكيبها. ومن هنا نلاحظ أن الإعلام الغربي بدأ يمهد للهجمة الشرسة على الإسلام ودعاته وذلك بتركيزه على «المخاطر» التي تعنيها الحركة الإسلامية على المصالح الغربية والشرقية في العالم. «اقرأ عدد «تايم» الأميركية 16-4-1979».
وما تهديدات «السادات»، إلا مقدمة لهذا الهجوم، فالقوى المحلية العميلة أدوات الهجوم الوشيك، لذلك فلا بد أن ننظر إلى تحركات هذه القوى ضد الإسلام والإسلاميين في إطار تحقيق أهداف الهجوم الشرقي والغربي على الأمة الإسلامية وتمهيدًا لإقامة السيطرة اليهودية على العالم.
كيف نواجه المحنة القادمة؟
- شاءت أم أبت فإن الحركة الإسلامية تظل- في منظور جميع أعدائها- حركة معارضة سياسية ذات طبيعة عقائدية. ولكن من الملاحظ أن دعاة الإسلام- بشكل عام- لا يدركون خطورة الدور الذي يقومون به في ضرب جذور النفوذ للاستعمار الجديد سواء الغربي أو الشرقي ينبغي إدراك أن للمعركة وجهها السياسي والعسكري وبأن المسألة ليست مقصورة على الصدع بالحق فلن يمانع لا الغرب ولا الشرق أن نحول كل أراضينا إلى منابر وكل ألسنتنا إلى خطب لكنه سيتحرك عند أول بادرة لتنظيم كافة الجهود والسواعد والعقول وضخها في عمل إسلامي سياسي وعسكري ويلغي الخلافات حول الأمور التفصيلية ويؤسس للإسلام دولة ويرفع له راية ويقيم له جيشًا. لن تكون مواجهتنا للمحنة القادمة سليمة إلا إذا واجهناها بالأسلحة التي يتحقق فيها ومن خلالها التكافؤ، تلك هي في المجالات السياسية والعسكرية.
- ولنتذكر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكتيبته الخضراء والذي قال ابن هشام عنها: إنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها.
ولنتذكر الحديث الذي دار بين أبي سفيان والعباس وكانت كتيبة الرسول- صلى الله عليه وسلم- لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله يا عباس، من هؤلاء؟ قال: هذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيمًا.
- «وسيصبح بإذن الله ملك الإسلام الغداة عظيمًا».