العنوان المخدرات في روسيا.. كارثة قومية
الكاتب أسامة عبدالحكيم
تاريخ النشر السبت 06-يوليو-2002
مشاهدات 58
نشر في العدد 1508
نشر في الصفحة 44
السبت 06-يوليو-2002
١٠ ملايين متعاطٍ بينهم أطفال في سن ست سنوات.. ثلاثة ملايين مدمن من المتوقع أن يصل عددهم إلى ٤٠ مليونًا بعد ١٣ سنة!
تنتشر المخدرات في روسيا بصورة سريعة جدًا، وتقدر مصادر وزارة الداخلية الروسية عدد الذين يتعاطونها بعشرة ملايين شخص منهم 3 ملايين مدمن هذا الأمر دعا الجهات المسؤولة للتحذير من كارثة وطنية ستحل بروسيا إذا استمر الوضع على صورته الحالية.
وكان وزير الداخلية الروسي السابق فلاديمير روشايلو قد أعلن في سبتمبر ۱۹۹۹م أن عدد الذين يتعاطون المخدرات بشكل مستمر - أي بإدمان . يبلغ ٣١٥ ألف شخص. وهذا يعني أنه خلال السنتين الأخيرتين تضاعف عدد المدمنين بنسبة تزيد على ٩ أضعاف.
المصادر ذاتها تفيد أنه لا توجد منطقة في روسيا -بما في ذلك القرى النائية- لم تسجل فيها حالات انتشار المخدرات واستعمالها ووفق التقديرات الأخيرة فإن كل مدمن يستدرج ما بين ۱۳ و١٥ شخصًا .
ووفق التوقعات للسنوات القليلة المقبلة ستستمر الحالة على ما هي عليه الآن نتيجة للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السيئة وارتفاع معدلات البطالة.
ويتوقع الخبراء أن يبلغ عدد المدمنين عام ٢٠٠٥ قرابة ٥ ملايين شخص يرتفع إلى ٤٠ مليونًا عام ٢٠١٥م وفق تقديرات فلاديمير جيرينوفسكي نائب رئيس الدوما (مجلس النواب) الروسي.
وما يزيد من قلق المختصين أن أكثر من ٦٧٪من المدمنين على المخدرات هم من الشباب (١٦- ٣٠ سنة) و۲۰٪ من طلبة المرحلة الدراسية الابتدائية وتم تسجيل آلاف حالات تعاطي المخدرات بين أطفال الشوارع (٦- ٧ سنوات) البالغ عددهم 3 ملايين طفل وبين أطفال لآباء وأمهات مدمنين.
وتعتبر المدارس وأماكن تجمعات الشباب كالنوادي الليلية وقاعات الرقص والمخيمات الكشفية المراكز المفضلة لانتشار هذه الآفة.
ولا يقتصر تعاطي المخدرات في روسيا على أنواع الحشيش والهيروين والكوكايين والأفيون إنما يتعداه ليشمل أنواعًا من حبوب الهلوسة ذات الطابع الكيميائي.
أما أبرز مصادر المخدرات فهي دول آسيا الوسطى والصين وأوروبا الغربية والولايات المتحدة وكوريا وتركيا إضافة إلى دول أمريكا اللاتينية التي تستغل عصابات المافيا فيها السياح الروس لنقل منتجاتها إلى روسيا.
من ناحية اقتصادية يشير المختصون إلى أن الخسائر المادية المنظورة للحكومة تزيد على 5 مليارات روبل، أما الخسائر المعنوية فلا تقدر بثمن. ويجني تجار المخدرات الروس ما يزيد على ٩ مليارات دولار سنويًا يتم تهريب أكثرها للخارج وتبييض بعضها في روسيا ذاتها.
ومن الأضرار الأخرى التي يوليها الخبراء أهمية كبيرة أن انتشار المخدرات يؤدي إلى ارتفاع عدد المصابين بمرض الإيدز الذين قارب عددهم العام الماضي مليون شخص. وكانت نسبة ٩٠٪ من المصابين الجدد بهذا المرض قد سجلت نتيجة العدوى عن طريق استعمال حقن مشتركة مع اشخاص سبقت إصابتهم بالمرض.
كما يزداد عدد الجرائم التي يتم ارتكابها نتيجة تعاطى المخدرات وتبلغ نسبة الزيادة هذه ١٦٪ سنويًا. وعلى سبيل المثال تم . في العام الماضي - تسجيل أكثر من ١٦ ألف جريمة في مدينة موسكو وحدها نتيجة تعاطي المخدرات.
ومن بين الأضرار التي تعانيها الحكومة نتيجة انتشار المخدرات أن ۲۰٪ من الشباب الذين يتم استدعاؤهم للخدمة العسكرية ثبت عدم صلاحيتهم للتجنيد نتيجة إدمائهم كما يزداد عدد الجرائم التي يرتكبها العسكريون تحت تأثير المخدرات. ولا يتوانى العسكريون الروس في استعمال وسائل المواصلات العسكرية بما فيها الطائرات لنقل المخدرات، خاصة من المناطق الجنوبية المجاورة لأفغانستان كطاجيكستان التي تمثل نقطة عبور رئيسة لانتشار المخدرات إذ توجد فيها قوات الفرقة ٢٠١ الروسية.
ويعقد مجلس الأمن القومي الروسي جلسات شبه سنوية تخصص للوقوف على آخر التطورات في مجال انتشار المخدرات وطرق وقفها والحد منها، كما عقد مجلس الدوما جلستين للأمر ذاته تمخضت إحداهما عن سن قانون عام ۱۹۹۸المكافحة المخدرات.
وتسعى الحكومة لوقف انتشار المخدرات عن طريق استخدام وسائل الإعلام المختلفة. وتركز على استضافة مشاهير الرياضيين والفنيين والعاملين في الحقل الصحي وأهالي المدمنين للحديث عن الأضرار التي تسببها المخدرات، إلا أن النتائج ما زالت معدومة.
وتتعالى الأصوات الشعبية الداعية لإنزال عقوبة الإعدام بحق مهربي المخدرات ولم يكن محافظ مدينة تلياتي آخر الركب حين وجه أخيرًا رسالة للرئيس بوتين دعاه فيها لاستئناف الحكم بإعدام تجار المخدرات. ويشير الأطباء إلى أن ١٦٠ ألف شخص من سكان هذه المدينة البالغ عددهم٨٠٠ ألف يتعاطون المخدرات.
إلا أن سرعة انتشار المخدرات أكبر بكثير من سرعة وسائل مكافحتها وتبدو الجهود الحكومية المبذولة متواضعة نتيجة للأسباب التالية:
تعاني مراكز مكافحة الإدمان نقصًا شديدًا في تمويل نشاطها ولا تكاد الميزانيات الممنوحة من الحكومة تغطي أكثر من ۲۰٪ من الحاجة الفعلية. الأمر الذي ينعكس سلبًا على عدد المراكز العلاجية والحملات الوقائية.
عدم توافر الوسائل التقنية الحديثة لدى رجال الجمارك للكشف عن المخدرات ومنع تهريبها.
عدم وجود أعداد كافية من رجال الجمارك وحرس الحدود المختصين في مجال مكافحة المخدرات.
انتشار الرشوة وشراء ذمم رجال الشرطة والقضاء والجمارك من قبل تجار المخدرات والتهديد بقتل من يعيق عمليات نشرها.
عدم استغلال وسائل الإعلام الحكومية بالشكل المطلوب.
غياب التنسيق بين مختلف إدارات الدولة العاملة في مجال مكافحة المخدرات.
وتعرب مصادر رسمية في الحكومة الروسية عن قلقها من نفوذ كبار تجار المخدرات الذين بدعوا بالتفكير في الوصول إلى مراكز القرار السياسي ودعم مؤيدين لهم وإيصالهم إلى مراكز مرموقة في الإدارات الحكومية.
عجز روسيا عن معالجة ظاهرة انتشار المخدرات على أراضيها دفعها للتوجه إلى طلب المساعدة من دول ومنظمات دولية ذات خبرة في هذا المجال.
من جهة أخرى بدأ العديد من السياسيين الروس بمطالبة الحكومة بالسماح لمواطنيها باستعمال بعض أنواع المخدرات الخفيفة - كما جرى في هولندا - كجزء لحل المشكلة، لكن هل ستقدم روسيا على الانتحار وتلبي مطالب هؤلاء السياسية؟.