; المخدَّرات والمجتمع الكويتي | مجلة المجتمع

العنوان المخدَّرات والمجتمع الكويتي

الكاتب طارق الحمود

تاريخ النشر الثلاثاء 26-مايو-1987

مشاهدات 66

نشر في العدد 819

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 26-مايو-1987

إذا كانت البشرية قد عرفت على مر تاريخها الطويل الزلازل والبراكين والفيضانات والأعاصير كأخطار وكوارث تهدد وجودها وبقاءها، فإن هذه الأخطار قد بدأت بالتضاؤل نسبيًّا بعد أن عرفت البشرية الخطر الماحق المسمى بالمخدرات.

فدول العالم اليوم تجتهد في تهيئة الإمكانات والمقدرات لصياغة أفرادها وفق النموذج الحضاري الذي يتفق وحركة التنمية والتطور المرجوة لمجتمعاتنا، فتسعى للحفاظ على بنية المجتمع الصحية والاجتماعية والأمنية وتخليصها من كافة الأخطار التي تهددها، والتي تأتي المخدرات في مقدمتها.

ونحن في دول العالم الثالث في حاجة أعظم من دول العالم المتحضر إلى توقي خطر المخدرات وآثارها المدمرة وحماية أبنائنا وبناتنا من شرورها، مما يلقي العبء الكبير على الجهات المسؤولة وأفراد الشعب أنفسهم لمواجهة ومكافحة المخدرات وسمومها منعًا لها من البقاء والانتشار بين أفراد المجتمع.

المخدرات والكويت:

والكويت التي لم تكن تعرف المخدرات قبل عام ١٩٥٥ بدأت تشعر بأخطارها، فأنشأت في عام ١٩٦٢ قسمًا لمكافحة المخدرات بإدارة المباحث الجنائية يقوم بالتعاون مع إدارة الجمارك في منع تسرب سموم المخدرات إلى هذا المجتمع الآمن.

ويجمع المختصون في شؤون المخدرات أن الكويت في مكافحتها للمخدرات تدفع ضريبة موقعها الجغرافي الوسيط بين خط سير تجارة المخدرات، وإلى ذلك أشار السيد إبراهيم الغانم مدير الإدارة العامة للجمارك في المقابلة التي أجرتها معه «المجتمع» الأسبوع الماضي، حيث قال السيد الغانم: «إن أكثر الدول التي تأتي منها المخدرات هي الدول الآسيوية، وبالأخص المثلث الذهبي «بورما، تايلند، لاوس»، بالإضافة إلى كون المخدرات وسيلة استعمارية لإضعاف الشعوب، فقد نشطت زراعة الحشيش في لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي لأراضيه، كما انتشرت المخدرات بشكل مريع في مصر بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل.

طرق تهريب المخدرات:

يتفنن المهربون في محاولة إدخال المخدرات إلى البلدان المختلفة، وحول وسائلهم يتحدث مدير إدارة مكافحة المخدرات والخمور العقيد عبد الله الفرحان فيقول: «هناك طريقة تهريب المخدرات عن طريق الابتلاع وهي قديمة ومعروفة، ولكننا لم نواجهها في الكويت إلا مؤخرًا»، وتأييدًا لذلك يضيف مدير إدارة الجمارك السيد إبراهيم الغانم: «هناك تهريب الهيروين بقاع شنط السفر، وتهريب الحشيش داخل فراغات الحذاء، وداخل الحمام المحشي وعلب الحلويات، أو إخفائها داخل هياكل السيارات».

مكافحة أجهزة الدولة للمخدرات:

١- الإدارة العامة للجمارك: بلا شك فإن جهاز إدارة الجمارك الموجود لدينا يعتبر من أكفأ الأجهزة على مستوى دول العالم، وتطالعنا الصحف يوميًّا بأخبار اصطياد رجال الجمارك لمهربي ومجرمي المخدرات، والحق يقال: فإن القائمين على إدارة الجمارك والعاملين فيها يبذلون الجهد الكبير في هذا السبيل، مما يجعلهم جديرين بالتشجيع والمكافأة من الجهات المسؤولة في الدولة، كما تعظم الحاجة إلى إمدادهم بالأجهزة التكنولوجية الفنية الخاصة بالكشف عن عمليات التهريب.

٢- وزارة الداخلية: بأجهزتها المختلفة وهي متفاوتة من حيث الإجادة أو التقصير، فنجد أن إدارة مكافحة المخدرات والخمور وجهاز المباحث التابع لها يجتهدان في الكشف عن جرائم المخدرات والقبض على مجرميها، ويستحقان عن هذا الجهد الشكر والثناء والتقدير، غير أن التقصير يأتي من جهتين في وزارة الداخلية، وهما: أولًا جهات التحقيق، حيث قد قصرت في توجيه الاتهام في بعض القضايا تجاه بعض الشخصيات المعروفة التي اجتهد جهاز المباحث في الكشف عن دورها في جرائم المخدرات، وهو الأمر الذي يهدد عملية مكافحة المخدرات التي تحتاج إلى قطع رأس الأفعى وليس ذنبها، ومن جهة أخرى يأتي التقصير من قبل إدارة العلاقات العامة في وزارة الداخلية التي تصر على أن الكويت لا تعاني من مشكلة المخدرات، مخالفة بذلك الحقائق الكبيرة التي تطالعنا بها الصحف بشكل مستمر عن القبض على مهربي المخدرات، ولعل هذا الموقف من إدارة العلاقات العامة موقف غريب صعب التفسير؛ خاصة وأنها الجهاز الإعلامي لوزارة الداخلية التي يفترض فيها أن تمارس دورها في محاربة هذه الجريمة بشكل يؤثر على الرأي العام الكويتي ويبث الكراهية والخوف من التورط في مثل هذه الجرائم.

 إن موقف العلاقات العامة حتى الآن يقوم على التضليل من حجم المشكلة وحجب المعلومات عن الصحف تجاه هذا الموضوع، وهذا أمر يستدعي الالتفات من كبار المسؤولين في وزارة الداخلية والبحث في أسبابه وما وراءه.

٣- مستشفى الطب النفسي: ودور الطب النفسي في معالجة المدمنين على المخدرات يأتي ليكمل حلقات المكافحة التي تختص بها أجهزة الدولة، وهو ما يجعلنا نخصه بهذا الجزء من الحديث، فعلاج الظاهرة يكتسب أهمية كبيرة لأنه يعطي الأمل في محو الآثار السلبية التي قد يسببها فشل الجهات الأخرى في مكافحة المخدرات.

وللأسف فإن اللوم والعتاب ينهال على المسؤولين وجهاز الإشراف في مستشفى الطب النفسي بسبب الأسلوب الخاطئ المتبع في معالجة المدمنين، والذي يصل إلى حد الضرب، بل يؤدي في كثير من وسائله إلى زيادة تعلق المدمن بالمخدرات.

وفي هذا الصدد يشير الدكتور عصام الأنصاري أستاذ علم الأمراض النفسية في وزارة الصحة إلى تقصير المستشفى قائلًا: «إن علاج الإدمان في الكويت غير ناجح، ويرجع ذلك إلى السياسة الخاطئة التي لا تزال وزارة الصحة تتبعها فيما يتعلق بمستشفى الطب النفسي عامة ومشكلة الإدمان خاصة». موجزًا القول بأنه: «للأسف الشديد لا يوجد إلى اليوم إجابة واضحة دقيقة وموضوعية عن حجم هذه المشكلة بالكويت لعلاج وتقييم مشكلة ما».

هذا فضلًا عما نشرته بعض الصحف المحلية عبر تحقيقات نشرتها قام بها محرروها الذين استطاعوا التسلل في صورة مرضى إلى داخل مستشفى الطب النفسي ليحكوا لنا عن طرق العلاج الفاشلة، بل والسيئة الأثر بالنسبة للمدمنين. وليس من المبالغة أن نقول إن مستشفى الطب النفسي يساهم في الإدمان على المخدرات من خلال طرق علاجها العقيمة، وإننا نأمل من وزير الصحة أن يلتفت إلى هذا المستشفى ويحاول غربلة الأوضاع فيه.

ماذا يقول المدمنون؟

يكاد يتفق المدمنون الذين تحدثوا عن مشكلاتهم الشخصية مع المخدرات أن رفاق السوء هم البوابة التي عن طريقها عرفوا المخدرات، ثم يأتي ضعف الرقابة الأسرية والتفكك الأسري وما لهما من دور في دفع الشباب إلى تعاطي المخدرات، هذا بالإضافة إلى ضعف التنشئة الدينية لدى هؤلاء المدمنين.

سياسة مكافحة المخدرات:

ترددت كثيرًا على لسان أكثر من مسؤول مقولة أن «المخدرات لا تُعد مشكلة في الكويت»، أو أن الإدمان لا يشكل مشكلة خطيرة في مجتمعنا، وهاتان الجملتان في حد ذاتهما تمثلان خطرًا في اتجاه السياسة المحلية في مواجهة خطر المخدرات، فمجتمعنا الصغير يتأثر بالبذرة الفاسدة وإن تضاءلت نسبتها، فالحقيقة أننا نواجه في الكويت مشكلة مواجهة المخدرات، وليس الاعتراف بذلك أي ضعف، وإنما هو من قبيل تشخيص المرض للشروع في مراحل العلاج، كما أن الإحصائيات تؤكد عكس ما يذكره بعض مسؤولي الأمن حول عدم وجود مشكلة مخدرات، فقد أشار أحد المختصين في شؤون المخدرات في محاضرة عامة إلى أن الدراسات والأبحاث التي أجريت في المجتمعات الغربية أوضحت أن عدد المدمنين المترددين على العلاج لا يتجاوز ٥-١٠% من العدد الكلي للمدمنين في مجتمع ما، بينما نسبة الإدمان في الكويت تشكل نسبة ١/٢ % من مجموع السكان، وتطبيق القاعدة السابقة فإن عدد المدمنين يقرب من ٥ % من مجموع السكان، وهي نسبة لا يمكن تجاهلها بأي حال من الأحوال. 

وإذا كانت المخدرات اليوم قد بدأت بتهديد مجتمعنا الصغير الآمن، فإنها تحتاج منا إلى نظرة واقعية ومدروسة نعترف فيها بأخطائنا تلافيًا لها في المستقبل، كما نحتاج حقًّا إلى جهة مركزية تنسق العمل بين جهات مكافحة ومحاربة المخدرات المختلفة والمثبتة في أجهزة الدولة، وترسم السياسات الخاصة بها لتكون بتنفيذها سياجًا وسورًا حول مجتمعنا الحبيب.

تتقدم جمعية الإصلاح الاجتماعي وأسرة تحرير المجتمع إلى العالم الإسلامي بالتهنئة بحلول عيد الفطر السعيد، وبهذه المناسبة ستحتجب المجتمع عن الصدور يوم الثلاثاء القادم على أن تعود للصدور يوم الثلاثاء ١٣ من شوال ١٤٠٧هـ الموافق ٩/٦/١٩٨٧م

وكل عام وأنتم بخير

الرابط المختصر :