العنوان التيار العلماني: من المآزق إلى المخارج (5).. المخرج من مأزق الهوية الفكرية
الكاتب بلال التليدي
تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2007
مشاهدات 72
نشر في العدد 1770
نشر في الصفحة 66
السبت 22-سبتمبر-2007
ربما كان من أكبر أخطاء الفكر العلماني أنه تسرع مرتين، الأولى: في قراءة التجربة الغربية، والثانية: في تمثل مفهوم العلمانية.
ولعله بدأ، أو للدقة، بدأت بعض أطيافه تعيد النظر في القراءة الجاهزة للتجربة الغربية، تلكم القراءة التي ترى أن النهضة الأوروبية، إنما استمدت قوتها وأتت ثمارها من البدء بمسلمة الحق الطبيعي ضد مسلمة الحق الإلهي، ومن القطع مع المضامين الدينية التي كانت تعتبر أيديولوجية نظام ما قبل الثورة، ومن بناء تعاقد اجتماعي موضوعي بمقتضاه توزع السلطة وتوضع قوانين ممارستها والتداول عليها.
وأخطأت ثانية، حين تمثلت مفهوم العلمانية بنحو متسرع، وتصورت أنها خصيم للدين وطاردة له من مجالاته الحيوية.
والحقيقة التي لا مرية فيها لمن يتأمل التجربة الغربية أن الغرب نفسه لم يتبن هذا المفهوم الراديكالي للعلمانية، ولم يجعل نفسه أبدًا في موقع الخصومة مع الدين –نعم- حدد مجالاته وحصرها، وجعل السلطة السياسية حيادية، لكنه أبدًا لم يدعُ إلى تجفيف القيم الدينية من برامج التعليم ومناهجه ومن الحياة العامة، بل ولم يمنع أن تنطلق بعض أحزابه من مرجعيتها الدينية.
يحتاج الفكر العلماني اليوم أن يدرس بشكل متأمل العلاقة بين الدين والدولة في التجربة الغربية، ويحتاج إلى أن يقارن الصيغ المتعددة التي آلت إليها كل تجربة على حدة، فوضع الدين في فرنسا ليس هو وضعه نفسه في أمريكا، والعلاقة بين الدين والدولة في الدول الإسكندنافية ليست هي العلاقة نفسها في إسبانيا وإنجلترا مثلًا.
هناك أكثر من صيغة، وأكثر من معادلة، وبالنظر والاستقراء في مجموعها، يكاد يكون الحاصل هو أن الغرب يفهم العلمانية بطريقة أخرى غير تلك التي تفهمها نخبنا العلمانية.
يحتاج الفكر العلماني أن يعيد تأسيس مفرداته ومفاهيمه، ليس من ماضي التجربة الغربية فقط، وإنما من واقع كسبها وتطورها، وربما أيضًا من مآلاتها المستقبلية.
إن أكبر مأزق وقع فيه العقل العلماني العربي أنه لم يبصر بشكل جيد دلالات التجربة الغربية، فبدل أن يؤسس هويته الفكرية والسياسية على نبذ الاستبداد وعقلنة السلطة، وإعادة توزيعها.
ووضع قوانين للتداول السلمي عليها، وبدل أن ينشغل بقضايا الديمقراطية في بعدها الإجرائي والسياسي راح يشتغل بهدم الأسس الأيديولوجية لما يعتقد أنها تربة الاستبداد والتسلط، وهنا رأس المشكلة، إذ ليس بالضرورة أن يكون الدين في سياق التجربة الغربية يؤدي الوظائف نفسها التي يؤديها الدين في التجربة العربية، فإذا كان الدين، أو قل للدقة التوظيف السياسي لمفرداته، في التجربة الغربية قد ساهم في إنتاج نظام سياسي قهري وتسلطي، فالدين في المجتمع العربي، وضمن التجربة التاريخية لعب دور المعارضة للتسلط والاستبداد، وكانت الجماعة بقيادتها الفكرية -العلماء- تحتمي بالدين وتؤسس خطابها وسلوكها الاحتجاجي من داخل مفرداته.
ولذلك، فالمأزق الذي وقع فيه الفكر العلماني العربي أنه أراد أن يقوض الأسس الأيديولوجية للاستبداد، فإذا به يحرم المجتمع من قاعدته الأساسية في الاحتجاج، ويساهم في تحطيم الأسس الأيديولوجية للتحرر العربي.
والنتيجة، أن الفكر العلماني بموقعه الفكري الذي اختاره في خريطة الفعل السياسي، وجد نفسه ليس فقط خصمًا للحركة الإسلامية، بل ومتحالفًا مع السلطة ضد الديمقراطية، وحتى يجنب نفسه حرج الموقف حرك مفرداته التبريرية، وأنتج بعض المقولات الذرائعية، مثل: ترتيب الأولويات والمعركة التكتيكية قبل الاستراتيجية، والعدو الرئيس والعدو الثانوي.
والحقيقة أن كثيرًا من مثقفي التيار العلماني يدركون أن تمثل هذه المفاهيم والمفردات الذرائعية، وتحريكها في غير سياقها لا يعبر في نهاية المطاف سوى عن المأزق الذي يعيشه الفكر العلماني، ذلك أن أول مهمة مطروحة على التيار العلماني أن يعيد بناء هويته الفكرية بشكل تكون فيها الحرية السياسية والفكرية العمق الاستراتيجي للمشروع العلماني برمته.
مهمة كهذه تتطلب إعادة تأصيل الأطروحة العلمانية من جديد، كما تتطلب إعادة قراءة التجربة الغربية وتتبع مسارها وتطورها، ورصد هذا العمق الاستراتيجي فيها.
إنها «بدون شك» مهمة صعبة، لكنها ستحل جملة من المأزق، أولها: مأزق تمثل مفهوم العلمانية نفسه، وثانيها: مأزق تمثل الديمقراطية، وثالثها: وهذا هو الأخطر، وهو الموقف من مكونات الطيف السياسي غير العلماني..
حين تصير الحرية الفكرية والسياسية هي العمق الاستراتيجي للفكر العلماني، وحين يغيب من أطروحته العداء للدين والمضامين الدينية، يتأسس فضاء جديد من العلاقات بين مكونات المشهد الفكري والسياسي، وتقل حدة الاصطفافات الأيديولوجية، ويقوم الحراك الاجتماعي بوظيفة حيوية في اتجاه الانتقال بالتجربة العربية برمتها نحو الديمقراطية.