العنوان المد الإسلامي في الجزائر يشق طريقه!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1983
مشاهدات 56
نشر في العدد 605
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 25-يناير-1983
بومدين يقول: إنني أعلم أن غالبية شعبي ترفض الاشتراكية!
محاولات الاحتواء للموجة الإسلامية في الجزائر.
فنون اتهام جديدة للإسلاميين: إنهم ضد القيم الإسلامية!!
الخيار الاشتراكي القومي يجهز على قيم الأمة ويعوق تنميتها.
هتاف الجزائريين يوم الاستقلال: يا محمد مبروك عليك الجزائر عادت إليك.
الأفكار المخذولة تنتقم بشراسة دائمًا.
تحقيق الاستقلال الحق مسئولية الحركة الإسلامية الأولى.
۲۳ متهمًا أمام محكمة أمن الدولة في «ميديا» بالجزائر:
في نهاية تحقيق قامت به أجهزة الأمن مثل ۲۳ متهمًا أمام محكمة أمن الدولة في مقرها بـ«ميديا»، التي وجهت إلى المتهمين التهم الرئيسية التالية:
- الإنشاء والمشاركة في منظمات تخريبية بقصد زعزعة الاستقرار في الدولة.
- طبع وتوزيع منشورات ذات طبيعة ضارة بالمصلحة الوطنية.
- التحريض على التجمعات.
وقد تم الحجز على «۲۱» من المتهمين على ذمة التحقيق، بينما أطلق سراح اثنين منهم بصفة مؤقتة، وهما: سحنون أحمد، وسلطان عبد اللطيف.
صحيفة المجاهد الجزائرية
١٩٨٢/١٢/١١م
نظن أن القارئ الكريم تعرف على هؤلاء المتهمين للوهلة الأولى، ودون إمعان كثير للنظر؛ إذ أن الوسائط الإعلامية كادت تحصر جهودها في الفترة الأخيرة في منطقتنا الإسلامية على أخبار هؤلاء وأمثالهم، ولكن صحيفة المجاهد الجزائرية الناطقة بالفرنسية تُحدث كثيرًا من اللبس على المتابع لتعقيبها الذي أتى بعد هذا الخبر. فقد استوقفتنا فيه هذه الكلمات «إن أقل ما يمكن أن يطلق على دعوة هؤلاء هو أنهم يعطون ظهورهم لقيمنا العربية الإسلامية!! ويريدون أن يقضوا على تراث تاريخي وثقافي عمره عدة قرون» فحين تقرأ هذه الكلمات يغلب على ظنك أن هؤلاء المتهمين من الشيوعيين مثلًا أو ما شاكلهم. ولكن في السطور الأخيرة من التعقيب أتى إيضاح مفيد في تحديد من يكون هؤلاء وفقًا للمصطلحات المحفوظة أثناء تناول الإسلاميين! «إنهم على الأقل ضد التقدم. لكن يقظة جماهير الشعب، وتمسكها بأفكار الثورة، سوف تزحزح هذه الرواسب الفكرية الأيديولوجية كلها». «نفس المصدر السابق».
لا يسعنا إلا الشهادة بالتفوق البارع لهذه الصحيفة والقائمين عليها! فقد أتت بنمط جديد كادت تجعلنا نشاركها اللعنة لهؤلاء المتنكرين للقيم العربية الإسلامية، ويبدو أننا في حاجة لإعادة النظر في عباراتنا ومصطلحاتنا المعروفة. ولعله إذا اضطرد هذا النمط من الاستخدام غدت الماركسية إسلامًا! والإسلام شيوعية وما إليه من أمثال هذا!
حقائق وشجون:
إن الصورة التي سيقت آنفًا ليست وحيدة في عالمنا الإسلامي هذا، بل لها أخوات كثر مبثوثة هنا وهناك. وهي حلقة من حلقات الخنق، ومحاولة لإيقاف موجة المد الإسلامي التي تنتظم الساحة الإسلامية. وإن الصراع الفكري في الجزائر يمر بمنعطف حاسم، إذ قد انقضت تلك المرحلة التي كان فيها الفكر القومي الاشتراكي- ذلك الهجين الغريب- سائدًا ومسيطرًا. ومنذ هزيمة نظام عبد الناصر في يونيو عام ١٩٦٧ انتظمت الساحة الإسلامية في شقها العربي روح جديدة في البحث عن مخرج وملاذ سوى الخيار الاشتراكي القومي اللاديني، الذي أتى وسيلة إجهاز تقضي على قيم الأمة وتعطل مسيرتها المادية أيضًا!
ولم تستثن الجزائر من ذلك، غير أن طبيعة عهد بومدين ذات الوحشية المتكتمة كانت تلقي بجانب كثيف من الظلمة، لا يجعل الآخرين على معرفة بما يدور هناك.
ولكن تحركات النظام نفسه هناك كانت تحمل الدليل. فمن ملتقيات التعرف على الفكر الإسلامي- التي درج عليها النظام السابق- كان المراقبون يعلمون أن هذه الملتقيات يقصد بها احتواء الموجة الإسلامية الفاترة في أوساط الشباب- خصوصًا- وأنها بالإضافة إلى مردودها الدعائي الإعلامي فيها حسنات التنفيس المحدود الذي يحول دون الانفجار، لاسيما وأنها كانت تركز على جمع مئات من الشباب لحضورها، والحوار مع فئات العلماء المستقدمين فيها.
صلة وخبر:
من التبريرات التي ساقها بومدين لانقلابه على بن بيلّا أنه كان يحس بأن الاتجاهات الاشتراكية الصارخة التي فرضها بن بيلّا ومن حوله ذلك الوقت كانت ضد اتجاهات الجمهور ورغبته، وأنه لاحظ دلائل هذا في تشييع جثمان الإمام محمد البشير الإبراهيمي- رئيس جمعية العلماء الجزائرية- فالجموع الهائلة التي تجمعت يومها، لم تكن لها من صلة بذلك الشيخ تشدها إليه وإلى ذكراه وتقديره أكثر من الإسلام.
بل إن بومدين نفسه صرح ذات مرة لمجلة آخر ساعة المصرية قائلًا: «إنني أعلم أن أغلبية شعبي ترفض الاشتراكية!!» ومع ذلك أصر على تبنيها وإلزام الناس بها.
«دين» الإسلام على الجزائر:
نعم إنه دين عظيم لن تستطيع وفاءه! فلولا الإسلام لتفرنست الجزائر ولغدت- كما يريد الصليبيون الفرنسيون- مقاطعة فرنسية خالصة. ولكن الإسلام هو الذي حفظ للجزائر شخصيتها ولغتها.
والفضل- بعد الله- يعود لجمعية العلماء الجزائريين في شخص مؤسسها بن باديس ونائبه وعضوه وخليفته محمد البشير الإبراهيمي، فهذه الجمعية هي التي تحملت النصيب الأوفى في الحفاظ على دين الجزائر ولغتها، وبالتالي إنسانها وترابها.
والجماهير هناك كانت تعرف هذا «الدين» بحكم ما خبرته وعايشته؛ لذا حينما خرج الفرنسيون من الجزائر كانت الأنشودة العفوية التي انطلقت هناك: يا محمد مبروك عليك الجزائر عادت إليك. وكان ذلك الهتاف هو بعد الاستقلال الحقيقي في نفوس الجماهير وأعماقها. ولكن رفض القادة الوفاء- وهم الذين ركبوا صهوة الأمجاد والسلطة- بشعار الإسلام وكلمته.
الحركة الإسلامية ومسئولية الاستقلال:
واجب في أعناق أفراد الحركة الإسلامية في جل أنحاء العالم الإسلامي- إن لم يكن كله- أن يعلموا أن الاستقلال الحق لهذا المكان لم يأتِ بعد. ومسئوليتهم التي يجب التصدى لها هي القيام بتحقيق الاستقلال!
فحرب هذا العالم مع الكفار- الذين حاولوا امتطاءه واستعباده- لم تكن ضد أشخاص أو أشكال، ولا من أجل سلب الثروات وانتزاع الأراضي، فإن هذا يحدث حتى في الأوساط القريبة، ولقد كانت هذه الأشياء- مع أهميتها- جوانب ثانوية بالنسبة للقضية الأساسية التي نذرت لها شعوب هذه المنطقة نفسها. لقد كانت قضيتها رفض العودة للكفر بعد أن أكرمها الله بالإسلام، وكانت تعلم أن تلك الوجوه هي المجسدة لموجة صليبية جديدة، وإن زيف أمرها بتسميتها بالاستعمار. وكانت معاني الاستقلال عندها هي:
ممارستها الكاملة الشاملة لما اعتنقته من دين، صاغ شخصيتها ومثلها ورسالتها في هذه الحياة، وكان سعيها كله من أجل البحث عن إطار يمكنها من أن تعيش حرة من خلال خيارها ذاك «الإسلام». ومن ثم حملت السلاح، وقدمت أفواجًا من الشهداء، وقبلت كثيرًا من صور المعاناة والتضحية، ونجحت محاولاتها أخيرًا بفضل الله.
والجزائر من أكثر من يلم بتفاصيل ذلك، وأخبر من يحيط به، وقادة تحريرها- وخاصة من غير الإسلاميين- أعرف الناس بذلك. فقد شهدوا أنهم ما كانوا يستطيعون بث الحماس ولا تحريك القلوب إلا بكلمة الإسلام، وما استطاعوا قيادة شعبهم لحياض الشهادة والاستبسال، إلا بعد أن أقنعوهم بأن المعركة هي معركة كفر وإسلام، وهم بحسهم وفطرتهم كانوا يدركون الكفر ومعانيه؛ لذا اندفعوا وهم يحملون مهجهم في أكفهم مهرًا لحفظ الإسلام وطرد مناوئيه.
فجيعتان هناك:
إن الشعوب المسلمة في مسيرة استقلالها الذي زيفه قادتها والمتولون لأمرها، كشفت أمرين مريعين يتصل أولهما بخديعة قادتها لها، فبعد أن دفعت لهم ثمن معارك التحرير وافيًا غير منقوص، بنفسها ومالها، إذا بها تكتشف أن المعاني التي ناهضتها من قبل ما زالت قائمة لم تتغير، وما تبدل من أمسها شيء غير أسماء الأشخاص!! وكانت تتساءل بينها وبين نفسها عن سر هذا، فهي تعلم أن الباذل للثمن حقيق بأن يحصل على ما يريد، والاستقلال الذي بذل له الجزائريون ما يزيد عن عشر مجموعهم يومها، فوجئوا بأنه دون المتوقع بكثير، واستبشعوا أن يمثل هذا المسخ مقابل هذا الثمن الباهظ: مليون من الشهداء!!
والفاجعة التي أتت في ركاب هذا الاستقلال الممسوخ- وكانت نتاجًا تلقائيًّا له- أن وعود الرخاء والتقدم والرفاه غدت أيضًا وصفًا بلا موصوف.
وتيارات تعتمل:
لم يكن في الإمكان أن تخلو فترة السيطرة الصليبية لأحفاد لويس التاسع- والتي امتدت لأكثر من قرن من الزمان ١٨٣٠- ١٩٦٢- من المخلفات السلبية والحقائق المريرة. وفي أوائل ما يذكر في هذا الباب الصراع الثقافي الحاد بين التعريب والفرنسة، وهذا الصراع في ميادين لا تقل أهمية؛ إذ هناك فرنسة الأفكار والعقول، وفرنسة المناهج والتربية، وصور هذه الأشياء لا تختلف كثيرًا عن مثيلاتها في العالم الإسلامي، ولكن لها ملامحها الجزائرية الخاصة.
وكعادة الموجة الصليبية الحديثة «الاستعمار كما يقال» في كل منطقة وجدت فيها، لا بد أن تترك ما يهدد بشرخ كبير في كيان الأمة وجسمها. والوجه الجزائري لهذه المسألة الصراع المختلق حول الثقافة البربرية والعرق البربري.
وهذا التيار الذي تتترس به المجموعات المتفرنسة سبيلًا لمحو الإسلام والعروبة، ساعد على إذكاء ناره موجة القومية العربية اللاإدارية. ففي إبان عهد عبد الناصر ومحاولاته لاحتواء حركة التحرير الجزائرية سول للبعض أن ينادي بذلك، مع الإغفال التام للآثار اللازمة لطروحات من هذا القبيل، في وسط ذي تركيب خاص مثل الوسط الجزائري.
والمجموعة البربرية منطقية مع نفسها، فإنها تقول: إن كان الأمر انتسابًا للإسلام فكلنا مسلمون، أما إن كان الأمر انتسابًا للعروبة فإننا لا نجد أنفسنا في العرق البربري!! وليت هذا يكفّ الغوغاء من القوميين عن غيهم.
ومن أسوأ نتائج الفرنسة هناك ما يحدث في جبهة المثقفات ممن نلن حظًّا من العلم على النمط الغربي. وكما هو الحال في بقية العالم الإسلامي بالنسبة لهذا الرهط، فإن المنطلقات المفاهيمية للمرأة الغربية هي العاملة في ذلك الوسط. والفريسة المستهدفة- كما هو الحال دومًا- قانون الأحوال الشخصية، وليس سرًّا أن من الأهداف المباشرة لإبعاد الإسلاميين الآن تمرير القانون الممسوخ للأحوال الشخصية، فهم حجرة عثرة أمامه- كما يقولون- منذ عام ١٩٧٠م.
بزوغ الحركة الإسلامية:
وفيما تعتمل هذه العناصر جميعًا والأمة تقف في دهشة: كيف يكون هذا الهشيم المتكاثر حصادًا لذلك الجهاد العظيم؟! كانت المقادير تسوق الحوادث وكأن ذلك الهشيم هو الوقود لنار الحركة الإسلامية المضيئة.
لقد انسلخ عقدان ونصف من عمر الاستقلال، وتلفتت الأمة لترى حصاد ذلك، بعد أن أفاقت من سكرة الشعارات الطنانة التي رددتها الرموز اللادينية، وهي تتصدى للإمساك بمقاليد الأمور في البلاد.
وتتراكم الأدلة كل يوم على إفلاس هذه العناصر؛ فمنذ أول يوم للاستقلال «3 يوليو ١٩٦٢م» وجدت الجزائر نفسها غارقة في صراعات سياسية حادة كادت تصل إلى الاقتتال الأهلي؛ بسبب تطاحن هؤلاء على «ثروة» السلطة والسيطرة والسياسة الخارجية الموجهة ضد الذات في تفتيت وحدة الجناح الغربي للعالم الإسلامي. وأما السياسة الداخلية، فلم تروِ طموح أحد، باعتراف القادة أنفسهم والرهان الكبير- الاقتصاد- يشهد هو الآخر بما رسخه من سلبيات، عبر تبني أنموذج مرقع من نمط التنمية الأوروبية إلى غير ذلك من الشواهد والأمثلة.
وفي هذه الأثناء مَثَلَ جيل جديد من أبناء الشهداء خاصة أولئك القادمين من الريف الجزائري، حيث إنسان الفطرة بكل ذخيرته من الخصال والقيم التليدة التي لم تتلوث بسموم الاستلاب الحضاري.
ومما ساعد هذا الجيل: الثراء الفكري العريض عبر ثروته التي أورثتها له جمعية العلماء الجزائريين، ممثلة في إنتاج الشيخ عبد الحميد بن باديس والإبراهيمي وغيرهما، فضلًا عما حباهم الله به من نتاج المفكر الفذ مالك بن نبي، الذي ترك مكتبة متكاملة في تأصيل مشاكل العالم الإسلامي- مع التركيز على الجزائر- كما أنه قد بلغ الغاية في نقده البصير للفكر والحضارة الغربية. إضافة إلى ما حمل وتسرب إليهم من أفكار رجال الحركة الإسلامية الحديثة «البنا وسيد قطب والمودودي وبقية الرهط الكريم».
من بين فرث ودم:
وإذا بالحركة تظهر في قلعة المؤسسة التغريبية «الجامعة»، ومن خلال ما يحتدم فيها خرجت الحركة «من بين فرث ودم لبنًا خالصًا»، وفوجئت الفئات اليسارية التي رتعت في المرعى الخالي زمانًا وكادت تستمرئ ذلك وتعتاده فوجئت بأن الانتخابات الأخيرة «نوفمبر» للجان الأحياء الجامعية، يسيطر عليها الإسلاميون وإن لم تستسغ هذا الاكتساح بدأت في اختلاق الأسباب، من أجل إعادة الانتخابات حتى تستطيع «إخراجها» وفقًا لمزاجها وما تريد.
وتصاعدت الأحداث حتى وصلت حد الاحتدام المباشر بين الجماعة الإسلامية والفئات اليسارية.. وأدت الأحداث إلى مقتل أحد الطلاب، وجرح العشرات منهم.
واغتنمت الجهات السلطوية الفرصة لتنقض على الإسلاميين من الطلاب. اعتقالًا وإيداعًا في السجون.
وعلى صعيد آخر هب العريقون من الإسلاميين ليوضحوا حقيقة الأمر، حتى لا تلتبس القضية على الجماهير كما تم من قبل في حوادث عديدة. فخطب أحد الأساتذة الجامعيين في مسجد العاصمة «الدكتور مدني عباس» وحضر الخطبة جمهور قدر بثلاثين ألفًا من الأنفس. ولم يترك أسلوب الأستاذ الحكيم ثغرة للمتربصين، ولا غرو فإن هذا الرعيل من الأساتذة هم أبناء جمعية العلماء، التي طار ذكرها في الآفاق بجرأتها الخالية من الطيش!
الإعلام الصليبي والتحرش بالإسلاميين:
وتحركت وسائل الإعلام الأجنبية- الفرنسية خصوصًا- منبهة رجال الدولة إلى هذه الظاهرة الخطيرة، ووجوب تطويقها وكأن هذا يمكن أن يفوت على الحكومة هناك.
وتحركت الصحافة المحلية أيضًا على ذلك النهج الذي اجتزأنا شيئًا منه في صدر هذا المقال وأضيفت التأويلات اللازمة بعبارات الإسلاميين المتلوة في ذلك البيان وجيء بالحواشي المعلومة من إرهاب وتطرف ومشتقاتهما وتهيأت الأجواء للإجراء الوقائي ضد العودة «للقرون الوسطى» كما ورد في أحد الخطابات الرسمية!!
وبدأت حملة اعتقالات في صفوف الأساتذة وطلاب الدراسات العليا. وعلى رأس هؤلاء مجموعة من الدعاة الكبار كالشيخ العلامة أحمد سحنون والعلامة عبد اللطيف سلطاني صاحب كتابي «سهام الإسلام» و«المزدكية أصل الاشتراكية» وغيرهما. وشملت الاعتقالات الدكتور مدني عباس والدكتور عبد الحميد سايس والدكتور محمد بوشلخة وغيرهم من أفذاذ الرجال هناك.
أبعاد وأهداف:
هذه الحملة القمعية المتصاعدة نحو تشكيل محاكمات لهؤلاء الإسلاميين، تستهدف عددًا من الأمور الخاصة بالسلطة الحاكمة هناك. منها ما هو خاص بالجزائر، ومنها ما هو متصل بالساحة الإسلامية عمومًا. وما ينتظم الساحة الإسلامية في هذه المرحلة هو الحرص على استئصال الفئة الإسلامية في عمومها. فقد صار هذا هدفًا أساسًا على مستوى السياسة الحاكمة اليوم في عالمنا الإسلامي لا سيما في جزئه العربي، ولكن عود أبناء بن باديس والإبراهيمي وبن نبي لا نظن أن كسره ميسور لكل من رامه أو تمناه! وحسبنا وإياهم الله الذي هو نعم الوكيل. نعم المولى ونعم البصير.
أمل وتذكرة
إن أملنا الوحيد، أن تكون محاكمة الإسلاميين علنية. لا كما كان يمارس العهد البائد قمعه المتواصل في الظلام. وإن كان ثمة تذكير للقائمين على الأمر هناك فإننا نذكرهم بكلمات فقيد الفكر الإسلامي مالك بن نبي في تلخيصه للمعضلة القائمة الآن في العالم الإسلامي، وفي بلاده الجزائر على وجه الخصوص، إذ يقول رحمه الله: لقد لطخ سلوكنا الحالي بخيانة مزدوجة، فقد فقد المسلمون اتصالهم بالنماذج المثالية الخاصة بعالمهم الثقافي الأصيل، ولم يتمكنوا بعد من إقامة الاتصال الحقيقي مع عالم أوروبا الثقافي كما فعلت اليابان، وإننا اليوم نعاني هذا الانخفاض المزدوج للقيم الأصيلة والمكتسبة.
إن الأفكار المخذولة من كلا الجانبين تنتقم بشراسة، ونحن في وقتنا الحاضر نعاني من هذا الانتقام المروع!![1]
[1]انظر مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ص ۲۱۷، دار الفكر، بيروت.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل