; أنا وهي ورمضان... | مجلة المجتمع

العنوان أنا وهي ورمضان...

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 01-يوليو-2016

مشاهدات 71

نشر في العدد 2097

نشر في الصفحة 76

الجمعة 01-يوليو-2016

د. أحمد عيسى- إيمان مغازي الشرقاوي

أنا:

استقيموا يرحمكم الله

أمرنا الله بالثبات على الدين والاستقامة حتى الممات.. وفي الأسرة يكون رمضان فرصة لاستقامتنا كزوجين

كـأن «الصراط المستقيم» واستقامة الصلاة والعبادة هو الذي تؤشر عليه البوصلة دائماً يؤدي إلى الله والجنة

يقولها الإمام قبيل الصلاة، ويسمعها المأموم خمس مرات في اليوم في الجماعة، وفي رمضان يسمعها المصلون أكثر في صلاة التراويح، هي في الأصل أن يتم بها ملاحظة تسوية الصفوف لأن تسوية الصفوف من تمام الصلاة.

وفي الحديث: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها»، فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأولى ويتراصون في الصف» (رواه مسلم).

دين واحد وجماعة واجتماع ونظام، قبلة واحدة وصلاة واحدة وإمام واحد، ودين واحد يجمع النفوس بالإيمان، ويرص الصفوف والأبدان.

ذكر ابن القيم في «الوابل الصيب» تعريف الخلفاء الراشدين للاستقامة: فقال أبو بكر: ألا تشرك بالله شيئاً، وقال عمر: أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعلب، وقال عثمان: استقاموا أخلصوا العمل لله، وقال علي: استقاموا أدوا الفرائض.

وقال: إنها كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء، وهي تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات، والاستقامة فيها وقوعها لله، وبالله، وعلى أمر الله.

إنها - زوجتي - استقامة الحياة قياماً بين يدي الله كأنك في صلاة دائمة.

وفي رمضان يحدث هذا التلاحم بين استقامة الحياة واستقامة الصلاة وكأنك تحقق «سيماهم في وجوههم من أثر السجود»، ويبني المصلي الخاشع استقامته في عباداته ومعاملاته وأخلاقه، فيحدث الرحمة «استقيموا يرحمكم الله» التي هي ثمرة الاستقامة، وفي فاتحة الصلاة «اهدنا الصرط المستقيم».

والعلاقة بين الصيام والصلاة قائمة في رمضان، فالصيام بالنهار والقيام بالليل، يقرأ فيه القرآن الذي أنزل في شهر الصيام {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} (البقرة:185)، وفي آيات الصيام حث على الدعاء، وهو أيضاً في الصلاة والسجود، والسجود قرب من الله وكذا الصيام.

لقد أمرنا الله بالثبات على الدين والاستقامة حتى الممات؛ {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ} (هود:112)، وفي الأسرة يكون رمضان فرصة لاستقامتنا كزوجين، بمعنى تعديل المسار وتغيير الدفة التي راحت تلعب بنا يمنة ويساراً، والعودة إلى «الصراط المستقيم» غير المعوج، تُصان فيه حقوق الطرفين، وتؤدَّى الواجبات عن حب وودّ.

كـأن «الصراط المستقيم» واستقامة الصلاة والعبادة هو الذي تؤشر عليه البوصلة دائماً، يؤدي إلى الله والجنة، فإن جنحت نفوسنا فعلينا إرجاعها بالطاعات إلى الوسطية الثابتة؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} (النساء).

ولقد زادت فتن الشهوات والشبهات التي تضل عن الصراط المستقيم، بل وتضل عن صلاة الخشوع وقيام التقوى، وينشغل المرء بما يحدث في العالم من أمور ظهر بها الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، واختلف الناس وظلموا وبغوا!

ولقد دلنا رسولنا صلى الله عليه وسلم عن المخرج؛ عن علي قال: قلت: يا رسول الله، ستكون فتن فما المخرج منها؟ قال: «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم» (رواه الترمذي).

هي:

الصراط المستقيم هو الطريق المستوي الذي لا اعوجاج فيه وهو دين الإسلام ونهايته الجنة

رمضان فرصة للسير الجماعي بخطى ثابتة حيث يجد المرء على الخير أعواناً

ينبغي على كل صائم أن يعزم بصدق أن يستقيم ويثبت على ما يحبه الله حتى تستقيم له جوارحه

لقد ذكرني كلامك - يا زوجي - بالحديث الذي رواه الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه فقال: «خَطَّ لنا رسولُ اللهِ خَطاً، وقال: هذا سبيلُ اللهِ، ثم خَطَّ خطوطاً عن يمينِه وعن يَسَارِهِ، وقال: هذه سُبُلٌ على كلِّ سبيلٍ شيطانٌ يَدْعُو إليه، ثم قرأ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ، وَلَا تَتَّبعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (صححه الألباني).

فالصراط المستقيم هو الطريق المستوي القويم الذي لا اعوجاج فيه، وهو دين الإسلام، ونهايته الجنة، يذكّرني به صفوف المصلين في قيام رمضان.

واتباع الصراط المستقيم هو الاستقامة بعينها، أراها في أعمال الصائمين وحبهم الخير وحرصهم عليه. 

واتباع الصراط المستقيم وصية الله لنا إلى يوم الدين والميل عنه تفرق وضياع وتيه، وهو السبيل إلى التقوى، ورمضان شهر التقوى، ومن هنا أجد العلاقة لا تنفك بين رمضان والاستقامة، فمن سلك الجادة واستقام نجا. 

وما أجمل أن نسير معاً مع أولادنا وأهلينا في جموع الصائمين على هذا الصراط لنثبت ونستقيم، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة»، وفي الحديث: «الجماعةُ رحمةٌ والفُرقةُ عذابٌ» (حسنه الألباني).

ورمضان فرصة للسير الجماعي بخطى ثابتة، حيث يجد المرء على الخير أعواناً، كما أنه فرصة لائتلاف القلوب واتحاد الأهداف وفرصة لاجتماع الأبدان وتلاصق الأكتاف وتلاحم الصفوف في بيوت الله، فترى وحدة هذا الدين العظيم في مشهد يذكرك بالبنيان المرصوص والبناء المتكامل والحصن المشيد؛ «إنَّ المُؤمِنَ للمُؤْمِنِ كالبُنيانِ، يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضاً» (رواه مسلم). 

من أجل ذلك؛ ينبغي على كل صائم أن يعزم بصدق أن يستقيم ويثبت على ما يحبه الله حتى تستقيم له جوارحه ولا تختلف عليه، ويسهل ذلك وسط العاملين مثله؛ «وما اجتمعَ قومٌ في بيتِ من بيوتِ اللهِ، يتلون كتابَ اللهِ، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلتْ عليهم السكينة، وغشيتْهم الرحمةُ وحفّتهم الملائكةُ، وذكرَهم اللهُ فيمن عنده» (رواه مسلم)، فيشارك إخوانه سباقهم العظيم، يقول الحسن البصري: «إن الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا وتخلف آخرون فخابوا».

بَيْد أن بعض الصائمين لم يصِلوا بعد لحكمة الصيام ودوره في استقامة الحياة والأحياء، ودوره في الوحدة والاعتصام بحبل الله والثبات على ذلك بعد ذهاب رمضان، بل لم يحاولوا أثناء الصيام أن يتخلصوا من الفرقة والتنافر واختلاف القلوب في حياتهم الخاصة والعامة، تكاد أقدامهم تزل عن الصراط وهم لا يشعرون! فهل غابت عنهم أضرار التذبذب والتأرجح عليه ذات اليمين وذات الشمال؟! 

إنهم لو وقفوا قليلاً مع أنفسهم وقفة محاسبة وصدق أثناء وبعد الصيام لمعرفة كم هي أرباحهم فيه أو خسارتهم لحصل التغيير فيهم، فرمضان شهر الألفة لا الفرقة، والائتلاف لا التنافر والاستقامة لا الاعوجاج والثبات لا الاضطراب. وللأسف فهناك من يصوم والفرقة بهجرها وخصامها ونارها وبغضائها تعشش في النفوس، وتعتلج في القلوب، وهي تتصارع مع النفس الضعيفة، فتنتصر على العفو والصلح والوصال، ويحل مكانها التناحر والشقاق! وبئست الفرقة إذا كانت بين الأخ وأخيه، أو الوالد وولده، والأم وابنتها، أو بين الزوج وزوجه، أو مع الأقارب والأرحام، أو بين أفراد المجتمع وطوائفه.

ألا وإن الصائم الحقيقي من استقام على طريق الله وثبت، واعتصم مع إخوانه بحبل الله يألف ويؤلف، يتعلم من الصفوف المتراصة في الصلاة طريق الاستقامة ومن صلاة الجماعة وحدة الصف، وإذا ما قال الإمام: «استقيموا يرحمكم الله»؛ شعر ببرد الرحمة وتذوّق حلاوتها.>

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل