; المرأة بين المجتمع الإسلامي والمجتمع الغربي (1 من 2) | مجلة المجتمع

العنوان المرأة بين المجتمع الإسلامي والمجتمع الغربي (1 من 2)

الكاتب علي عزت بيجو فيتش

تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1994

مشاهدات 79

نشر في العدد 1109

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 26-يوليو-1994

هناك افتراءات كثيرة على الإسلام، ومن ضمن هذه الافتراءات أمور تتعلق بالمرأة المسلمة ومكانتها ومنزلتها في المجتمع الإسلامي، وإذا حاورتم رجلًا أوروبيًا، فإنه سيعترض على تحجيم وتحديد دور المرأة المسلمة على نطاق بيتها، وعلى عدم تحررها بما فيه الكفاية (وتحرير المرأة عنده يعني - قبل كل شيء - استقلال المرأة بناء على حرية عملها خارج البيت)، وعلى تعدد الزوجات، وما شابه ذلك، وإن كان هذا الأوروبي من ذوي التوجه النصراني، فإنه سيستنكر نظرة الإسلام إلى الحياة الجنسية وأحكام الطلاق الذي يعترف به النظام الإسلامي.

إننا في هذا الموقف لا ندافع عن الإسلام بتفنيد هذا الانتقاد، لأن معنى هذا الانتقاد - مثل الانتقادات الأخرى - أن النظرة الإسلامية إلى جوانب الحياة المهمة - بكل بساطة - تختلف عن النظرة الأوروبية، عليكم أن توضحوا لمحدثكم الأوروبي أننا لسنا نرضى عن وضع المرأة المسلمة في الأسرة والمجتمع، لا لأنه ليس مثل وضعها في أوروبا، ولكن لأنه لا يطابق الوضع الذي يمنحها الإسلام.

وضع المرأة في العالم يتأثر بالمستوى الثقافي والتربوي

إن وضع المرأة بشكل عام، ليس في المجتمعات الإسلامية فقط، بل وفي العالم عمومًا، يتعلق جزئيًا بالقوانين المنظمة لشؤونها، ولكن التأثير الرئيسي يأتي من قبل التراث والمستوى الثقافي والتربوي، ومستوى المرأة التعليمي، وعلى الرغم من القوانين المتشابهة فإننا نجد اختلافًا بينًا لوضع المرأة في المجتمع البريطاني والأمريكي والاسكندينافي بسبب ما يعرف بــ<النمط البريطاني> أو «النمط الأمريكي» أو «النمط الاسكندنافي» في الحياة.

إن الإسلام واحد، ولكن الاختلاف في تطبيق أحكامه سيظل قائمًا بناء على البيئة التي تطبقه، هل هي بيئة متعلمة أو متخلفة، هل هو جيل سليم أو جيل استوفى عناصر الانحطاط، لقد تم ضبط أحكام الإسلام في مصادره الأصلية، ولكن الإسلام باعتباره نمط حياة قد يدخل فيه ما نريد نحن أن يكون عليه، وما تصبو عقولنا وقلوبنا لتحقيقه منقادة لأحكام الإسلام، لذلك، انطلاقًا من مقاصد الأحكام الشرعية، يمكننا في المستقبل تحقيق وضع المرأة المسلمة بشكل يستجيب لاحترام إنسانيتها ويناسب مع متطلبات النهضة الإسلامية.

الإسلام لا يعادي «الجنس»

إن ما يميز الإسلام عن الأديان الأخرى - وخاصة عن النصرانية - هو ما يعرف بغياب «معاداة الجنس»، يحدثنا القرآن الكريم في آيات متفرقة بصورة مباشرة - قد نفاجأ بها - عن العلاقة بين الرجل والمرأة، مؤكدًا ضرورة النظافة والتدابير الصحية والاعتدال، إلى درجة أننا نخرج أحيانًا بانطباع أن القرآن لا يسلك طريق النفاق المنمق، بل يحفل بالحقائق المجردة والمبسطة.

لا أرى لزومًا للرد على الاتهامات التي توجه إلى الإسلام في مجال الجنس، بل على عكس ذلك علينا أن نقول بكل صراحة ووضوح: إن الإسلام لا يرفض الحياة الجنسية لأنه يدعو إلى حياة طبيعية وسعادة الحب بقدر ما يدعو إلى صحة البدن والقوة والشجاعة والجهاد وكسب المال، لأنه لا يعارض الإعراض عن الدنيا كما يعارض الإسراف فيها، يطالبنا الإسلام بجني <الثمار السماوية> إضافة إلى <الثمار الأرضية> ويسمح للإنسان أن تمتد يداه - اللتان رفعتا إلى الله متذللة بالدعاء قبل قليل - نحو مسرات الدنيا، ولا تعلمنا الآداب الإسلامية الإلحاح في ذكر المحرمات، لأن الإسلام لا يسعى لإقامة «جدار يحوط جميع الأنهار التي يمكنها إرواء العطش». 

إن كل ما يطالبنا به الإسلام هو ألا نتعدى حدود الله (كما ترد هذه الآية في القرآن الكريم مرارًا)، وأن تكون هذه المسرات طاهرة سليمة، وأن تكون هذه المسرت طاهرة سليمة وأن نكون بالنسبة للزوجات ﴿مُّحصِنِينَ غَيرَ مُسَٰفِحِينَ  (النساء: 24).

لا يطالب الإسلام بالقضاء على الشهوات، بل يطالب بالسيطرة عليها، لا يسعى لقطع الشهوات الجنسية لأنه يضع لها الضوابط والحدود، وذلك من منطلق إدراكه أن طبيعة الحياة لا تعني سيطرة الشيطان، بل تعني التقرب إلى الله وروعة صنعه.

شمولية الإسلام

لم ينحصر اهتمام الإسلام في أمور العبادات، مثل الصلاة والنحر والتوبة والزهد والصلاح والمحبة، بل كان لا بد من الاهتمام بأمور الدنيا مثل البدن والسلطة والجهاد والعدالة والصحة والعلم والمعرفة والجزاء والملك، ولكن الفهم الحقيقي للإسلام يتطلب فهم الأمور المذكورة بطريقة أخرى غير تلك التي يفهمها بها أو يسمع عنها رجال الحضارة الغربية، كما أن الوضوء ليس طهارة محضة أو تنظيفًا، والزكاة ليست صدقة - كما يُترجم في الغرب - كذلك ليس قبول الإسلام بأمور هذه الدنيا نظرة مادية من قبيل مادية الغرب، لأن أي دين يدعو إلى تنظيم الحياة الدنيا لابد أن تكتسب فيه المعاني مثل الجهاد والرخاء والسلطة لونًا من الروح الأخلاقية التي هي عبارة عن شيء سام ومطلق في ذلك الدين.

سلك الإسلام طريق تجنب الصدام مع الحياة وتمكن بذلك من وضع قيود على الاستمتاع بالغريزة الجنسية، وكان هذا الحل وما زال حقيقة الحياة المجردة لملايين من المسلمين، إن التعدي لحدود الله والفساد الأخلاقي كانا محصورين في قصور عدد من الحكام ورجال من الطبقة العليا في المجتمع، ولكن الاهتمام بأولئك في الأدب والتاريخ أخذ حجمًا أكبر بكثير من نسبتهم المئوية في المجتمع، لذلك قد يخرج القارئ العابر بانطباع خاطئ عن  صورة الحياة الأخلاقية في المجتمعات الإسلامية، كثيرًا ما نقرأ في وقت واحد عن خلو المجتمع الإسلامي من هذه الرذائل وعن الفساد المستشري فيه عبر التاريخ الإسلامي، ولا تناقض في ذلك، إذ كانت عامة وغالبية المسلمين ملتزمة بأحكام الشريعة، بينما انحصر الفساد في الطبقة التي أشرنا إليها.

إن مطالبة الإنسان بأمور تتنافى مع طبيعته وتخرج من دائرة طاقته، مثل إتلاف البدن، والإعراض عن الجنس وقطع الشهوة، يمكن أن تأتي بنتائج عكسية، كانتشار الزنا بالطريقة التي نشاهدها في دول الغرب، يؤكد الفيلسوف كيركغارد S.Kierkegaard أن موقف النصرانية المعادي للحياة الجنسية أنشأ مشكلة الجنس، ويضيف ديني دي روزمون في كتابه «أساطير الحب»: «إن المشكلة تظهر فقط في أوروبا في صورتها المعقدة، لأن التعاليم والأخلاق النصرانية هزت أوروبا لكون النصرانية في صدام أبدي مع متطلبات حياة عامة الناس».

وفي حقيقة الأمر تكون المجتمع الأوروبي تحت تأثير متزامن لفلسفتين متناقضتين، الفلسفة النصرانية المعادية كليًا للحياة الجنسية، والفلسفة المادية الداعية إلى «التمتع بكل ما في هذه الحياة الوحيدة». وبما أن الخيار النصراني ظهر مستحيل البلوغ في واقع الحياة - بغض النظر اعتراف هؤلاء بذلك أم لا - فإن الغلبة كانت من نصيب الفلسفة الثانية، وظل الإسلام أبدًا يبحث ويجد طريق الوسطية في الحياة الجنسية، شأنه في بقية أمور الحياة، لأن الإسلام كان وبقى فلسفة الممكن في الحياة.

’’ إن قيام المرأة بدورها كأم يجعل لها قيمتها المطلقة التي لا بديل عنها، لأن حق الأمومة لا نزاع حوله فهو أقدم حق عرفته البشرية في تاريخها الطويل‘‘

هل يقرر الإسلام مساواة الرجل والمرأة؟

الجواب: نعم ولا.

نعم إذا تحدث عن المرأة باعتبارها شخصية إنسانية ذات قيمة شخصية مساوية تتحمل واجبات أخلاقية وجمالية وإنسانية.

لا إذا كان الأمر يتعلق بالتساوي في الوظائف والدور في الأسرة والمجتمع، كما يفهم معنى المساواة في أوروبا عادة.

ويمكن تصور قضية التفوق أو الدونية فقط بين أشياء من جنس واحد، والمرأة ليست أعلى ولا أدنى لأنها - بكل بساطة - مختلفة عن الرجل، لذلك تسقط المقارنة، وبالتالي تحديد الأعلى أو الأدنى، كما أنه لا معنى للسؤال: أيهما أهم: قلب أو رئة؟، لأن كلًا من العضوين لا يمكن أن يقوم بوظيفة الآخر، بل إن الاختلاف بينهما يعطي قيمة خاصة لكل واحد منهما بالنسبة للآخر.

ولننتبه هنا إلى الحقيقة التالية: إن الواجبات التي يفرضها القرآن متساوية تمامًا في حق الرجل والمرأة، ولا فرق بين الرجل والمرأة في أداء الواجب وتحمل المسؤولية عن أداء أركان الإسلام الخمسة: النطق بالشهادتين، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، كذلك الأمر بالنسبة للواجبات الأخلاقية التي يطالب بها القرآن الكريم صراحة أو بطريق غير مباشر، إذن فالمسؤولية متساوية بناءًا على أن القيمة متساوية، لأن كل قانون يجعل القيمة أساس المسئولية.

إن اختبار الفوارق في مستوى الذكاء عند الرجل والمرأة أظهر أن الفوارق تتعلق بكيفية الذكاء وليس بمستوى الذكاء، تحقق المرأة نتائج أفضل في أمور لها علاقة باهتمام وحفظ مباشر، بينما يحقق الرجل التفوق في اختبارات لها علاقة بالأرقام والمسائل الميكانيكية، إن حالات الذكاء المفرط قد سجلت لدى الرجال أكثر، ولكن نسبة التخلف العقلي لدى الرجال أكبر منها لدى النساء، ذكاء الرجل يتصف بحرية أكبر ويتجه نحو العالم الخارجي، وذكاء النساء أقل حرية ويتجه نحو الحياة والشخصية والعواطف، ويرجع سبب ذلك إلى اختلاف دور كل منهما في نشوء واستمرار الحياة على الأرض، إن المرأة رمز للخصوبة والولادة وتعاقب الأجيال، وفي كل هذه الأحداث فائقة الأهمية لمظاهر الحياة - عند حد فاصل بين الغريزة والوعي - تقوم المرأة بدور مباشر، وأما الرجل فلا يعدو دوره أن يكون أكثر من مشاهد حائر، أو أكثر من ذلك بقليل،  فالعلاقة هنا ليست علاقة بين الرجل والمرأة، بل هي علاقة الأم بوالد أطفالها، لأن الأمور هنا تأخذ الشكل الذي يجب أن تكون عليه كما تفرضه طبيعة الجنسين، إذن، فالعلاقة التي أشرنا إليها هنا تجعل السؤال عن المساواة بين الجنسين بلا معنى، أو تجعله سؤالًا مضحكًا على الأقل.

الحضارة الحديثة تهمل دور الأم

وإذا كان في الإسلام سؤال عن قضية المرأة فإن الجواب الصحيح عنه هو: الأم وجوابنا الوحيد لأولئك الذين يعارضون رأينا في المسألة بسبب الدعوة إلى تحرير ومساواة المرأة هو: إن الإسلام لا يحط من قدر المرأة، ولكنكم أنتم تحطون من قدر الأم.

إن غريزة الأمومة باعتبارها وظيفة سامية وأساسية في حياة المرأة، تفرضها قوانين الفطرة قبل أي قانون من وضع البشر، وبالتالي هو مطلب الإسلام، لأن الإسلام امتداد للفطرة على أعلى مستوى لتطور الحياة.

إذن، فوظيفة الأم ليست دنيئة، بل على عكس ذلك، إنها وظيفة شريفة مقدسة، ولكن الرجال جعلوها دنيئة، ويمكننا الوقوف على أمثلة التناقض في معاملة المرأة، فبينما تحصل امرأة تقوم بالخدمة في خمارة أو تربية الأرانب على معاش مقابل عملها، ليس في ذلك حق لمرأة أنجبت وربت ثلاثة أو أربعة أطفال؟

كان نبلاء رومانيا ينحنون للمرأة الحامل أثناء مرورهم بها، معربين بذلك عن احترامهم لامرأة ستصبح أمًا، ولكن إحصائيات القرن العشرين تصنف المرأة الحامل ضمن العنصر غير العامل، أي أدرجت المرأة مع العناصر الأخرى «غير المنتجة» تقام المدارس للخياطة وتربية الزهور والباليه وعارضات الأزياء، ولم نسمع المدرسة وحدة تقام للأمومة، إننا لو أدخلنا مادة «الأمومة» في المناهج الدراسية للبنات، لوصف ذلك بهجوم سافر على قوانين المساواة بين الجنسين في المناهج الدراسية، ويمكننا القول، بلا أدنى تحفظ، بأن وظيفة الأمومة في العصر الحديث غير معترف بها، لأنها «أمر شخصي لأطراف الاهتمام المباشر بذلك»، وهذا ذنب وضلال بينان، وكلنا يشاهد ويدرك ذلك، ولكن الأمر يستمر كأن أحدًا لم يرى شيئًا أصلًا، لذلك يحق لنا أن نتساءل: ما سبب هذه الحالة؟ 

’’ لم يكن خروج المرأة للعمل من أجل مساواتها بالرجل وإنما لسد حاجة المصانع إلى أيد عاملة رخيصة وهذه فلسفة الحضارة الصناعية‘‘

اهتمام الحضارة المعاصرة بالمرأة دافعه واقتصادي

إن الجواب، هذه المرة، يكمن في اقتصاديات المجتمع المعاصر، فالتطور الصناعي، الذي ظل ينتشر في أنحاء العالم مثل الفيضانات على مدى القرنين الماضيين، بحاجة متزايدة إلى أيد عاملة رخيصة، ولم تجد المصانع يدًا عاملة أرخص من جيوش النساء اللائي يمثلن نصف الجنس البشري اليوم، إن نسبة النساء، من بين جميع العاملين، تبلغ في الولايات المتحدة 32% (22.5 مليون)، وفي ألمانيا 37%، وفي اليابان 40%، وفي الاتحاد السوفيتي 45%. 

إذن، لم يكن الأمر يتعلق بالمساواة، بل بالمصلحة وروح وفلسفة الحضارة الصناعية. 

ظل الغرب يفهم المرأة هكذا: ليس عليك أن تنجبي وتربي الأطفال، بل عليك أن تكوني طبيبة أو صحفية أو مديرة الأعمال أو عضو في مجلس كذا وكذا، ولكن نسبة الطبيبات والفنانات والصحفيات لا تتعدى 2% من مجموع النساء العاملات في أمريكا (22.5 مليون ) امرأة عاملة، وألمانيا (15 مليون)، وروسيا (30 مليون)، بينما الغالبية العظمى من النساء (أكثر من 95%) يعملن في المزارع والمصانع، ويكررن أعمالًا واحدة لمدة 7 - 8 ساعات يوميًا، أو يؤدين بشكل يومي في إدارات بعض الدوائر والشركات أعمالًا لا معنى لها، وأما المرأة في بيتها فهي، بالإضافة لكونها أمًا، زوجة وطبيبة ومربية واقتصادية ميزانية البيت وطباخة وخياطة ومصممة الأزياء ومربية الزهور، لذلك يسميها بعضهم بــ«مهندس شؤون البيت». 

وسيظل غير واضح كيف استطاع أولئك الذين دعوا إلى تحرير المرأة بأي ثمن الحفاظ على تلك الأكذوبة الكبرى بأن عمل المرأة في المصانع أكثر ابداعًا وأقل مللًا، من عملها في البيت، لذلك كان يصدق بعضهم بأن تربية أطفال أناس آخرين مجال إبداع المرأة (مثل عمل المدرسات والمربيات)، بينما تربيتها لأطفالها هي عمل دنيء أو هامشي ضمن أعمال البيت المملة وغير المناسبة. 

وهكذا كان نصيب المرأة في الحياة السياسية أيضًا، يجلس اليوم في الكونغرس الأمريكي 17 امرأة فقط، وفي الانتخابات البريطانية سنة 1964م كانت أربع نساء من بين جميع المرشحين في حزب المحافظين، و5% من حزب العمال، وفي الانتخابات سنة 1966م كانت 80 امرأة من مجموع 1707 مرشحين، أي أقل من 5%. 

إن وضع المرأة في مجال الصناعة والدوائر الخاصة والحكومية أبرز مثال على عدم المساواة، ويمثل معدل أجور النساء 59% في بريطانيا، و63% في ألمانيا الغربية، و43 في اليابان من معدل أجور الرجال. 

وتقول إحدى النساء العاملات: «أستيقظ الساعة السادسة صباحًا، وأوقظ أطفالي وأطعمهم ثم أجهزهم جميعًا وأوصلهم إلى روضة الأطفال وأذهب إلى المكتب، أغادر المكتب الساعة الثانية ظهرًا وأذهب مسرعًا لأخذ الأطفال من الروضة، وأحضر الغذاء، ثم أغسل الأواني وأغير ملابس الأطفال وأغسلها، ثم أعيد العملية في وقت العشاء، لم أزر دور السينما منذ سنة كاملة، وأمنيتي الوحيدة هي أن أشبع من النوم، أما حياتي خاصة فأشعر بأنني غير موجودة أصلًا».

فقط إذا اعتبرنا المرأة «أمًا» تبقى لها قيمتها المطلقة التي لا بديل عنها، إن كل من يهدم للمرأة دور الأم لا يمكن أن يرفع من قدرها ويزيد من احترامها وأهميتها، لا لأن حق الأمومة لا نزاع حوله، بل لأن حق الأمومة أقدم حق عرفته البشرية في تاريخها. 

إن تفوق المرأة المطلق في أداء هذه الوظيفة التي لا تقارن بوظيفة أخرى، قد يقلل قدرة المرأة على القيام بوظائف أخرى لا تتصف بأهمية كبيرة، لأن وظيفة الأم التي تحتاج إلى قلب كبير وغريزة وحب أعمى وإصرار قد يتحدى الموت والعقل، لابد وأن يحد من قدرة المرأة على أداء بعض الوظائف، .وخاصة تلك التي تطلب برودة المعاملة والحسابات المطولة والتعامل مع الجمادات، إن أي عمل بلا روح يخالف طبيعة المرأة، لذلك لا يمكن أن نطالب المرأة بأداء دور القاضي والشاهد، لأن أطفال المرأة والشخص الذي تحب لا يمكن أن تدينهم المرأة أبدًا. 

وإذا كان القرآن الكريم سجل هذه الحقيقة، فإنه لا يحط من قدر شخصية المرأة، ولكن يقرر أشياء كثيرًا ما تغيب عنا. 

كتبت هذه المقالة في شهر أكتوبر 1986م 

وتنشر باللغة العربية لأول مرة، ونقلها  إلى العربية: حسين عمر سيباهيتش. 

الرابط المختصر :