العنوان المجتمع التربوي: (العدد: 1898)
الكاتب توفيق علي
تاريخ النشر السبت 17-أبريل-2010
مشاهدات 81
نشر في العدد 1898
نشر في الصفحة 52
السبت 17-أبريل-2010
من أمثلة أفعال الإنسان الحسنة وأثرها على نفسه الشكر والإيمان والدعاء والاستغفار قال الله تعالى: ﴿... مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ....﴾ (النساء: ١٤٧)، وقال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾ (الأنفال: 33)، وقال الله سبحانه: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ۖ﴾ (الفرقان:۷۷)، ومن أمثلة أفعاله السيئة وأثرها على نفسه المكر والبغي والنكث قال الله تعالى: ﴿... وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ ...﴾ (فاطر:٤٣)، وقال تعالى: ﴿... إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم ۖ....﴾ (يونس: (۲۳)، وقال تعالى: ﴿... فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ....﴾ (الفتح: ۱۰)([1]).
د. توفيق على
المسؤولية الفردية في ضوء القرآن (3-3)
ميادين العمل الصالح
- العبد متمكن من الخير والشر وغير مجبور على فعل بعينه أصلا.
- بالعمل الصالح نرجو ثواب الله في الآخرة ودوام فضله في الدنيا.
- عمل الطاعات إحسان للنفس وببركتها يفتح الله للمؤمن أبواب الخيرات.
- كتب الله على المؤمنين الفتنة وكلفهم أن يجاهدوا أنفسهم لإصلاحهم وتكميلهم.
- العمل الصالح يشمل كل شيء يباشره المسلم ويجلب الخير أو يدفع الشر.
وفيما يلي تناول لمثل هذه الأفعال وما يترتب عليها من آثار في إطار المسؤولية
الفردية للإنسان
الهدى:
قال تعالى: ﴿مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ...﴾ (الإسراء:١٥)، يخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق واقتفى آثار النبوة؛ فإنما يحصل عاقبة ذلك الحميدة لنفسه([2]), قال الكعبي: «الآية دالة على أنَّ العبد متمكن من الخير والشر، وأنه غير مجبور على فعل بعينه أصلًا؛ لأن قوله تعالى جل ذكرهُ: ﴿ مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ....﴾ (الإسراء:١٥)، إنما يليق بالقادر على الفعل المتمكن منه كيف شاء وأراد([3]), فهي التبعة الفردية التي تربط كل إنسان بنفسه؛ إن اهتدى فلها.
الإحسان:
قال تعالى:﴿إنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ....﴾ (الإسراء:٧)، أي نفع إحسانكم عائد عليكم([4] )، فإن أحسنتم بفعل الطاعات فقد أحسنتم إلى أنفسكم ببركة تلك الطاعات يفتح الله لكم أبواب الخيرات والبركات.
وهذه هي القاعدة التي لا تتغير في الدنيا وفي الآخرة؛ والتي تجعل عمل الإنسان كله له، بكل ثماره ونتائجه وتجعل الجزاء ثمرة طبيعية للعمل، منه تنتج، وبه تتكيف؛ وتجعل الإنسان مسؤولًا عن نفسه، إن شاء أحسن إليها، وإن شاء أساء، لا يلومن إلا نفسه حين يحق عليه الجزاء.
الشكر:
قال تعالى: ﴿... وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ ...﴾ (النمل: ٤٠)، وقال تعالى: ﴿... وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ ...﴾ (لقمان:۱۲)، «ومن شكر نعمة الله عليه وفضله عليه فإنما يشكر طلب نفع نفسه، لأنه ليس ينفع بذلك غير نفسه؛ لأنه لا حاجة لله إلى أحد من خلقه، وإنما دعاهم إلى شكره تعريضًا منه لهم للنفع، لا لاجتلاب منه بشكرهم إياه نفعا إلى نفسه، ولا دفع ضرّ عنها».([5])
فكل متقرب إلى الله بعمل صالح يجب أن يستحضر أن عمله إنما هو لنفسه يرجو به ثواب الله ورضاه في الآخرة، ويرجو دوام التفضل من الله عليه في الدنيا، فالنفع حاصل له في الدارين.
الجهاد:
قال تعالى: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6)﴾ (العنكبوت: 6)، ومن يجاهد عدوه من المشركين فإنما يجاهد لنفسه؛ لأنه يفعل ذلك ابتغاء الثواب من الله على جهاده، والهرب من العقاب، فليس بالله إلى فعله ذلك حاجة، وذلك أن الله غني عن خلقه، له الملك والخلق والأمر([6]).
جميع فإذا كتب الله على المؤمنين الفتنة وكلفهم أن يجاهدوا أنفسهم لتثبت على احتمال المشاق فإنما ذلك لإصلاحهم، وتكميلهم، وتحقيق الخير لهم في الدنيا والآخرة والجهاد يُصلح من نفس المجاهد وقلبه.
فلا يقفن أحد في وسط الطريق، وقد مضى في الجهاد شوطا، يطلب من الله ثمن
جهاده؛ ويمن عليه وعلى دعوته، ويستبطئ المكافأة على ما ناله؛ فإن الله لا يناله من جهاده شيء، وليس في حاجة إلى جهد بشر ضعيف هزيل، وإنما هو فضل من الله أن يعينه في جهاده، وأن يستخلفه في الأرض به، وأن يأجره في الآخرة بثوابه([7])
التزكية:
قال تعالى: ﴿...وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18﴾ (فاطر: 18)، أى: ومن يتطهر من دنس الكفر والذنوب بالتوبة إلى الله والإيمان به والعمل بطاعته؛ فإنما يتطهر لنفسه، وذلك أنه يثيبها به رضا الله والفوز بجنانه، والنجاة من عقابه الذي أعده لأهل الكفر به ([8]) .
ومن زكى نفسه بالتنقي من العيوب:
كالرياء والكبر، والكذب والغش والمكر والخداع والنفاق، ونحو ذلك من الأخلاق الرذيلة، وتحلى بالأخلاق الجميلة من الصدق والإخلاص، والتواضع، ولين الجانب والنصح للعباد وسلامة الصدر من الحقد والحسد وغيرهما من مساوئ الأخلاق، فإن تزكيته يعود نفعها إليه، ويصل مقصودها إليه، ليس يضيع من عمله شيء([9]).
العمل الصالح:
قال تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ....﴾ (فصلت: ٤٦)، أي من عمل بطاعة الله في هذه الدنيا، فائتمر لأمره، وانتهى عما نهاه عنه، فلنفسه عمل ذلك الصالح من العمل، لأنه يجازى عليه جزاءه، فيستوجب في المعاد من الله الجنة والنجاة من النار([10]).
قال ابن عاشور يرحمه الله: «العمل الصالح هو العمل الذي يصلح عامله في دينه ودنياه صلاحا لا يشوبه فساد، وذلك العمل الجاري على وفق ما جاء به الدين([11]).
ميادين العمل الصالح:
العمل الصالح واسع الدائرة إلى حد يشمل كل شيء في الحياة تباشره باسم الله ولقد عد الإسلام أعمالا كثيرة صالحة لم تكن تخطر ببال الناس أن يجعلها عملًا صالحا وقربة إلى الله تعالى، فجعل كل عمل يمسح به الإنسان دمعة محزون أو يخفف به كربة مكروب أو يشد به آزر مظلوم، أو يقبل به عثرة مغلوب، أو يقضي به دين غارم منقل أو يهدي حائرا أو يعلم جاهلا، أو يدفع شرا عن مخلوق أو أذى عن طريق أو يسوق نفعًا إلى كل ذي كبد رطبة, جعل كل ذلك عملا صالحا ما دامت النية فيه خالصة لوجه الله الكريم([12]).
«وإن الله - تعالى - إذا نبه عباده إلى أن الأرض يرثها عباده الصالحون، فإن معنى ذلك الصلاح أوسع من ركعات تؤدى، أو أيام تصام، إنه علم رحب الأفاق بكل شيء في مقدور البشر، وعدل محدود الرواق، لا يشقى معه ضعيف، ولا يقهر معه مظلوم، وأمان ضد الجوع والقلق وطوارق اليوم والغد، وكفالة لحرية العقل والضمير تنمو فيها المواهب وتتضح الملكات وتكمل الشخصية، وتصان المرافق العامة والخاصة([13]).
البخل:
قال تعالى:﴿... وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ ...﴾ (محمد: ۳۸)، أي على نفسه، أي يمنعها الأجر والثواب([14])، والآية تحتمل احتمالين الاحتمال الأول: فإنما يبخل عن نفسه إذ يتمكن عدوه من التسلط عليه فعاد بخله بالضر عليه الاحتمال الثاني: فإنما يبخل عن نفسه بحرمانها من ثواب الإنفاق([15]), فما يبذله الناس إن هو إلا رصيد لهم مذخور، يجدونه يوم يحتاجون إلى رصيد يوم يحشرون مجردين من كل ما يملكون.
من نماذج الانتكاسة البشرية:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ (47)﴾ (غافر: 47)، إن الضعفاء إذن في النار مع الذين استكبروا.
لم يشفع لهم أنهم كانوا ذيولًا وإمعات، ولم يخفف عنهم أنهم كانوا غنما تساق، لا رأي لهم ولا إرادة ولا اختيار لقد منحهم الله الكرامة كرامة الإنسانية، وكرامة التبعة الفردية، وكرامة الاختيار والحرية، ولكنهم تنازلوا عن هذا جميعًا، تنازلوا وانساقوا وراء الكبراء والطغاة والملأ ،والحاشية لم يقولوا لهم: لا ، بل لم يفكروا أن يقولوها بل لم يفكروا أن يتدبروا ما يقولونه لهم وما يقودونهم إليه من ضلال، ﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾، وما كان تنازلهم عما وهبهم الله واتباعهم الكبراء ليكون شفيعا لهم عند الله فهم في النار، ساقهم إليها قادتهم كما كانوا يسوقونهم في الحياة، سوق الشياه، ثم ها هم أولاء يسألون كبراءهم: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ ﴾ (غافر: 47), كما كانوا يوهمونهم في الأرض أنهم يقودونهم في طريق الرشاد وأنهم يحمونهم من الفساد، وأنهم يمنعونهم من الشر والضر وكيد الأعداء.
فأما الذين استكبروا فيضيقون صدرًا بالذين استضعفوا، ويجيبونهم في ضيق وبرم وملالة، وفي إقرار بعد الاستكبار ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48)﴾ (غافر: 48)، ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ (غافر: 48)، إنا كل ضعاف لا نجد ناصرًا ولا معينًا.
إنا كل في هذا الكرب والضيق سواء فما سؤالكم لنا وأنتم ترون الكبراء والضعاف سواء؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ (غافر: 48)، فلا مجال لمراجعة في الحكم، ولا مجال لتغيير فيه أو تعديل، وقد قضي الأمر، وما من أحد من العباد يخفف شيئا من حكم الله.
فإلى هؤلاء وأمثالهم: نقول عودوا إلى الله، قبل أن تقفوا أمام الله، ولا تجدوا شفيعا ولا حميما وما زال في الوقت متسع ففروا منه إليه.
[1] القرطبي : 5/427.
[2] تفسير ابن كثير : 5/52.
[3] اللباب لابن عادل ١٠/ ٢٥٣.
[4] القرطبي: ۱۰ / ۲۱۷.
[5] الطيري: ١٩ / ٤٦٩ .
[6] الطبري: ١٩ / ١٠.
[7] في ظلال القرآن: 5/453
[8] الطبري: ٢٠/ ٤٥٦ .
[9] السعدي: ٦٨٧.
[10] القرطبي: ٢١ / ٤٨٧.
[11] تفسير التحرير والتنوير: ۳۸۱۸
[12] العبادة في الإسلام: د. يوسف القرضاوي مكتبة وهبة القاهرة، مصر، ط. الخامسة عشرة، ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م، ص ٥٧ بتصرف يسير.
[13] سر تأخر العرب والمسلمين: محمد الغزالي، دار الصحوة، ط. الأولى، ١٤٠٥هـ - 1985م، ص ۱۲۳، بتصرف يسير.
[14] القرطبي: ١٦ / ٢٥٨
[15] التحرير والتنوير: ١٣ / ٤٤١.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل