العنوان المستقبل . فـي عـيـون أمـريـكـيـة: عشرة آمال وعشرة مخاوف في العقد القادم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أكتوبر-1989
مشاهدات 46
نشر في العدد 937
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 17-أكتوبر-1989
لم يعد التنبؤ
بالتطورات المستقبلية في جميع المجالات ضربًا من السحر أو الشعوذة، بل صار علمًا
قائمًا بذاته يسمى علم المستقبل، له مؤسساته وخبراؤه ومناهج عمله المحددة، وهو
يتنزل في إطار بحث الإنسان الدائم من أجل المزيد من المعرفة ومن ثم السيطرة على
مجريات الأمور من خلال التخطيط المدروس القائم على أسس علمية ثابتة، بحيث يتقلص
هامش الصدفة أو المفاجأة إلى أدنى حد ممكن.
وتقدم المؤسسات المهتمة بالدراسات المستقبلية
تقاريرها الدورية التي يجد فيها المخططون في جميع المجالات عونًا كبيرًا على رسم
مخططاتهم واستراتيجياتهم على المدى القصير والبعيد سواء على المستوى القطري أو على
المستوى العالمي الذي يقع ضمن دائرة اهتمام القوى العظمى والمؤسسات الأممية.
ولذلك فإن مثل
تلك المؤسسات تحظى باهتمام كبير ومتزايد في الدول المتقدمة وترصد لها الميزانيات
السخية وتقدم لها التشجيعات المادية والمعنوية، بل إنها أصبحت مجال استشارة مثلها
مثل مكاتب الاستشارات الهندسية إدراكًا من هذه الدول لأهمية التخطيط المدروس
القائم على تنبؤات علمية مدروسة.
وبين أيدينا
نموذج من تقارير "مؤسسات علم المستقبل" وهو التقرير السنوي الأخير
لمؤسسة علم المستقبل بأمريكا والذي يعكس رؤية أمريكية للتطورات المستقبلية بناءً
على العديد من المؤشرات، كما يعكس الآمال والمخاوف الأمريكية في السنوات القليلة
القادمة وفي حدود عقد من الزمن.
وقد جاء هذا
التقرير الذي يقع في () صفحة من الحجم الكبير تحت عنوان "أهم الآمال والمخاوف
العشرة في عام 1987" حيث يلخص التوقعات العامة ويحصرها من وجهة نظر أمريكية
في عشرة آمال رئيسية وعشرة مخاوف رئيسية بناءً كما جاء في مقدمة التقرير على
التنبؤات لما سيحدث خلال فترة تتراوح بين سنتين إلى عشر سنوات في المستقبل مما
يعطي إطارًا ضروريًا لإجراء أي تخطيط جاد. وسنقدم للقراء تلخيصًا موجزًا لهذه
الآمال والمخاوف العشرة حسب ترتيبها في التقرير المذكور معلقين عليها كلما تطلب
الأمر ذلك.
مجالات الأمل
العشرة:
1. انتهاء الحرب الباردة: يقول التقرير:
"إن أكثر التطورات إيجابية بالنسبة لأحداث العالم هي تحسن العلاقات بين
الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، وهذا من شأنه أن يعزز ليس فقط
فرحة الجميع في تجنب الوقوع في مغبة حرب نووية فحسب، بل إن ذلك سيساعد على صرف
الطاقات المهدورة في سباق التسلح من أجل حلول لمشاكل أخرى، وإن نجاح الإصلاحات
السوفياتية "البيريسترويكا" و"الغلاسنوست" من شأنها أن تساعد
في إنهاء هذه الحرب الباردة." لا يخفى علينا كمسلمين أن إيجابيات التطورات
المذكورة وإن كانت تخدم السلم العالمي إلا أنها لا تنهي هيمنة القوى العظمى على
شعوب العالم الثالث ومن بينها شعوب العالم الإسلامي، وستظل هذه الشعوب محاصرة
ومطوقة بهيمنة القوتين الأعظم في نطاق مفاهيمها للسلم والأمن العالميين وفي نطاق
اقتسامها لمساحات النفوذ. وعلى المسلمين أن لا ينخدعوا بتلاشي ظواهر الحرب
الباردة، فمصالحهم لا تتحقق على أيدي القوى العظمى بل على أيديهم هم بأنفسهم،
وبالتالي لا بد أن تتحدد سياسة المسلمين ومواقفهم بكل حرية وفي استقلالية تامة عن تفاهمات
الكبار واتفاقاتهم.
2. تجديد التنظيم - التخطيط الاستراتيجي: يقول
التقرير: "لقد ظهر فجأة نوع جديد ومبشر من طرق التفكير وكذلك العمل للمستقبل
بالنسبة للأعمال التجارية وللمنظمات وللمدارس والمعاهد وكذلك القيادة الجيدة
والإصلاحات التنظيمية لمواجهة التغيرات." ويتساءل التقرير هل هذه موضة جديدة
في فن الإدارة أم أنها بداية "للبيريسترويكا" على الطريقة الأمريكية؟ لا
ندري إن كانت هذه الطرق الجديدة في التفكير والعمل المنظم قد أثبتت جدواها بعد
وأنها ستكتسح العديد من المجالات، لكن الأمر الأكيد أن عملية التنظيم في حد ذاتها
هي أساس أي عمل ناجح وما أحوجنا نحن المسلمين إلى مثل هذه الطرق لا سيما وأن
الكثير منا يسير على غير هدى وكأن الفوضى صارت جزءًا لا يتجزأ من نمط حياته. لكن
السؤال الذي يطرح نفسه هل نأمل من الولايات المتحدة أن تعيننا على الخروج من
تخلفنا بأن تساعدنا على التنظيم والتخطيط وفق الطرق الجديدة المستحدثة. نشك في
ذلك.
3. تكنولوجيا المعلومات: يقول التقرير: "من
الممكن أن ينطفئ البريق لمدة قصيرة ولكن فيضان تكنولوجيا المعلومات الجديدة
والتوقعات المثيرة لابتكار أجهزة كمبيوتر أسرع وأحسن في معالجة المعلومات ستبقى
شيئًا رائعًا، انظر إلى جهاز الفيديو العادي وما له من تأثير مشابه لكثير من
المنتجات التكنولوجية الأكثر تعقيدًا. إن التأثير الإجمالي لهذه المنتجات سيكون
إيجابيًا ولكن ليس كليًا." تعليقنا على هذه النقطة نقتبسه من مقابلة أجرتها
مجلة الرابطة مع عالم البحث والمستقبليات المغربي الدكتور المهدي المنجرة حيث
يقول: "الشيء الذي نراه على المستوى العالمي هو أن الحضارة الإنسانية عرفت
تغييرًا جذريًا حيث تطورت من حضارة مبنية على الإنتاج الاقتصادي وعلى المواد
الأولية الخام مثل النفط والفوسفات وغير ذلك إلى مجتمع آخر هو مجتمع المعرفة ويقوم
أساسًا على الموارد البشرية وعلى المعرفة والمعلوماتية، فقد صار للإعلام
والمعلوميات دور أساسي في التنمية وهذا أمر لم تهتم به كفاية..."
4. تكنولوجيا المواد: "إن هذه الثورة
الجارية قد قوبلت بالترحيب مع إعلان الإنجازات التي تمت في مجال فرط الموصلية
وعمليات الترصيع بالماس. على عكس التطورات التي تمت في مجالات تكنولوجية أخرى فإن
التقدم في دراسة المواد له تأثير سلبي قليل جدًا - إن وجد - على المصلحة
العامة." وتشمل تكنولوجيا المواد تقنية الجزيئات الجديدة أو تقنية ما يسمى
الجزء من البليون (NANOTECHNOLOGY) التي ستصبح عوامل محركة للموفرة.
5. التكنولوجيا البيولوجية: "هناك توقعات
مثيرة تبعث باستمرار آمالًا كبيرة ومخاوف قليلة نسبيًا (وذلك في السنوات الأخيرة -
على الأقل) لإيجاد أجناس جديدة ومتطورة وكذلك توفير صحة أحسن للبشر من طريق هندسة
الجينات، وما زلنا في بداية ما قد سيكون ثورة كبرى." إذا كانت التكنولوجيا
المذكورة من المسائل العلمية التطبيقية البحتة فإننا نعلم بالتجربة أنه يمكن
استغلالها استغلالًا ضارًا أو استغلالًا نافعًا، وأملنا أن تُوَفَّق هذه
التكنولوجيات لمصلحة الإنسان حيثما كان، ولكن من يضمن لنا ذلك والعبث بالجينات
البشرية وصل إلى حدود تبعث على القلق وقد تكون له عواقب وخيمة على الجنس البشري؟
ومن يضمن لنا مصلحة الإنسان المنشودة ونحن نسمع كل يوم باختراع أسلحة جرثومية
وكيماوية وليزرية فتاكة تقوي شوكة الكبار وتسهل الهيمنة على الصغار من الشعوب؟
6. الصحة: "فيما يخص الصحة فإن اكتشاف
الأدوية الجديدة والتقنيات الطبية تبشر برعاية صحية أحسن وبإمكانية إطالة العمر
والزيادة في نسبة بقاء الأطفال على قيد الحياة. ويمكن تشجيع التوعية الصحية بواسطة
التركيز من جديد على الرعاية الذاتية والوقاية." لكن من جانب آخر يخشى أن
تنشأ عن هذه الآمال زيادة في تكاليف الرعاية الصحية وتباين الطبقات الاجتماعية.
الملاحظة الأخيرة بخصوص هذه النقطة تؤكد أن المجتمع الرأسمالي مجتمع طبقي حتى
عندما يتعلق الأمر بأكثر الجوانب إنسانية وهو جانب الصحة والعلاج.
7. الانتعاش الاقتصادي على المستويين المحلي
والدولي: "بعكس السنوات السابقة لم تصور بيانات براقة حول التفوق الأمريكي في
مجالات الصناعة والتكنولوجيا المتطورة والاقتصاد العقاري، ولكن النشاط على
المستويين المحلي والدولي مشجع." انتهى. لا يتعرض هذا التقرير إلى ما تمارسه
الولايات المتحدة الأمريكية من ضغوطات اقتصادية حتى على حليفاتها - أوروبا
واليابان - من أجل الإبقاء على تفوقها ناهيك عن الدول الأخرى، وقد صار معروفًا أن
أمريكا هي وراء كل الهزات الاقتصادية العالمية سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة
مستعينة بمؤسسات مالية عالمية معروفة.
8. طريقة تفكير جديدة: "أبحاث مستقبلية
وتوقعات كبيرة حول التفكير الاجتماعي والتصميم وآراء عالمية جديدة حول العلم وفكر
تطوري جديد، وستبقى كل هذه التوقعات جذابة ولكن ليس هناك دليل كاف بأن هذه الطريقة
الجديدة للتفكير لقيت إقبالًا كبيرًا."
9. الطاقة والمواد: "إن اكتشاف مصادر طاقة
وتقنيات جديدة سيبشر دائمًا بتكاليف رخيصة وأمن، ولكن قد ينشأ عنه خطر حدوث أزمة
نفطية ثالثة (راجع المخاوف رقم 5). وهناك أيضًا احتمال كبير لاستغلال أحسن لموارد
العالم." نلاحظ أن هاجس الأزمة النفطية يسيطر على العقلية الأمريكية والعقلية
الغربية بصفة عامة نظرًا للأهمية العظمى التي يكتسبها موضوع الطاقة، وأن البحث عن
بدائل للنفط جارٍ على قدم وساق منذ السبعينات ولكنه لم يحقق الآمال المعلقة عليه.
10. الفضاء الخارجي: "ستبقى التوقعات على
المدى البعيد مغرية فيما يتعلق بالاكتشاف والتصنيع والهجرة، وقد تكون البصمات
السياسية لتعاون القوى العظمى في منتهى الإيجابية." سيبقى الفضاء الخارجي -
على الأقل على المدى المنظور - حكرًا على القوى العظمى وإن أخذت بعض دول العالم
الثالث كالبرازيل والهند والأرجنتين إلى جانب العنصريين في جنوب أفريقيا والصهاينة
في فلسطين المحتلة تستعد هي الأخرى لغزو الفضاء، ذلك أن طموحات الدول المتخلفة
والفقيرة ما زالت أرضية وهي ترفع أبصارها للسماء دون أن تدفع أقمارها للسماء، ولكن
الخطر أن تساعد السيطرة على الفضاء على السيطرة على الأرض.
مجالات الخوف
العشرة:
1. الاقتصاد: "إن الاضطرابات الاقتصادية
تستحق أن تكون دليلًا كافيًا للخطر القادم، وخاصة بعد الانهيار المفاجئ لسوق
الأسهم في أكتوبر عام 1987. وتبقى المسألة معقدة جدًا لمعرفة ما إذا كنا مقبلين
على انهيار كلي، وإذا كان الأمر يتعلق بحدوث كساد اقتصادي أو ربما كساد اقتصادي
أكبر فإنه سيكون على المستوى العالمي وقد يكون خطيرًا جدًا." وفي حالة حدوث
أي ركود اقتصادي وربما سيكون أكبر ركود اقتصادي فإنه سيكون بالفعل على المستوى
العالمي وقد يكون أكثر خطورة لاعتماد بعضنا على البعض وقد تستفحل المخاوف كذلك حول
البيئة والنزاعات المسلحة وأعمال العنف والإيدز. وحتى في حالة عدم حدوث ركود أو
كساد كبير فإن الأمريكيين ما زالوا قلقين حول العجز التجاري والميزانية وكذلك
فقدان الهيمنة الاقتصادية لصالح اليابان. يعكس هذا التخوف من منافسين اقتصاديين
أقوياء مثل اليابان وألمانيا الغربية خوف الولايات المتحدة الأمريكية من فقدانها
لزمام الهيمنة الاقتصادية العالمية، ولذلك فإنها تناقض العديد من المبادئ التي
كانت بالأمس القريب ترفعها وتضرب بها عرض الحائط، ولكن أين مخاوف الشعوب الإسلامية
في خضم هذا الصراع الاقتصادي بين العمالقة؟ إننا نخشى أن يصدق في هذه الشعوب المثل
القائل "تعاركت الرياح والمياه فتحطمت المراكب".
2. البيئة / الموارد: "مع أن هناك صيحات
عالية للحد من مشكلة سباق التسلح فإن الاتحاد بين مشاكل البيئة ومشاكل الموارد
يأتي في المقام الثاني من المخاوف وذلك لكون هذه المشاكل مضللة وتزداد في التفاقم
(بينما قد يكون سباق التسلح عند نقطة التحول)، وما زال الكثير من الناس يقللون من
شأن هذه المشاكل أو يتغاضون عنها، الأمر الذي يزيد من تفاقم المشكلة، وإلى جانب
الدراسات العامة في العوامل التالية التي تدعو إلى القلق: تغير مناخ العالم وفقدان
الأوزون والتصحر واختفاء الأجناس والأمطار الحمضية والنفايات السامة وتلوث المياه
وسوء استخدامها وتعرية التربة. إن كل هذه العوامل بالإضافة إلى الكوارث الاقتصادية
وخطر مرض الإيدز من شأنها أن تزيد الاهتمام بالأمن الجماعي العالمي وستساعد كذلك
على إعادة تعريف المفهوم التقليدي للأمن القومي. إن مسألة التعريف قد تكون موضوعًا
رئيسيًا في التسعينات." الملاحظ أن الأخطار والأوبئة والآفات المذكورة دون
استثناء هي نتاج الحضارة الصناعية الغربية، ويزداد العلماء كل يوم يقينًا بأن
الجوانب السلبية لهذه الحضارة والتي أخذت في البروز بشكل ملحوظ جد خطيرة وتهدد
مصير الجنس البشري وتتعالى الصيحات اليوم هنا وهناك لإنقاذ كوكبنا الصغير - الأرض
- الذي لا ملجأ للإنسان سواه على اتساع الأكوان وكثرة الكواكب والمجرات. وإذا كان
الإنسان الغربي قد استفاد من الجوانب الإيجابية لهذه الحضارة فإن الإنسان في
العالم الثالث لم يذق من هذه الحضارة سوى ويلاتها ولن يجني أحفاده منها سوى آثارها
السلبية فنحن وإياهم في المصائب والكوارث التي جنوها على البيئة سواء، وفي المنافع
فرقاء.
3. سباق التسلح: "إن نشوب حرب نووية بين
القوتين الأعظم يمثل خطرًا كبيرًا على الرغم من احتماله الضئيل. وتم نزع فتيل خطر
الحرب النووية إلى حد ما في أعقاب التوقيع على اتفاقية الحد من الأسلحة النووية
وذوبان جليد الحرب الباردة." وهناك احتمال كبير لحدوث انفجار لأي سلاح نووي
عن طريق الخطأ أو عن طريق عملية إرهابية، وإن النتائج المترتبة على ذلك ستكون أسوأ
من كارثة تشيرنوبيل. وثمة أيضًا نوع من سباق التسلح في الأسلحة التقليدية وفي
الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، إن استخدام أي من هذه التقنيات على نطاق واسع قد يحول
موضوع الحرب / السلام إلى المرتبة الأولى من بند المخاوف، وحتى في حالة إمكانية
التحكم في هذه الأسلحة فإن حجم نفقات الدول في هذه الناحية أصبحت هدامة لاقتصادها
والخبر هو أن هذه الحقيقة أصبحت مفهومة بصفة أوضح من قبل الجميع ما عدا الذين لا
يفهمون بسهولة وذوي الأيديولوجيات الراسخة. إذا كانت الدول العظمى تخشى من حرب
عالمية أو حتى من انفجارات ذرية تقع بالخطأ فإن دول العالم الثالث ستكون لا محالة
متضررة جدًا من هذه الحرب التي لا ناقة لها فيها ولا جمل، ولكنها نخشى أكثر من
الحروب الإقليمية والفتن الأكثر توقعًا والتي تشعل فتيلها الدول الكبرى أو تصب على
نارها الزيت بطرق شيطانية ظاهرة خفية. فماذا يحدث لو خصصت الدول العظمى جزءًا
بسيطًا من ميزانياتها العسكرية لمساعدة الشعوب الفقيرة على النهوض؟ إن هذا من قبيل
الحلم ولكن ما أسهل تنفيذه لو تخلص الكبار من أنانياتهم.
4. الإيدز: "وكما وصفته المنظمة العالمية
للصحة بأنه وباء فإن موضوع مرض الإيدز سيبقى دائمًا مثيرًا للخوف لعدم وجود أي خبر
سار ومفيد أو أخبار سيئة إضافية في عام 1987. وحسب التنبؤات الرسمية للحكومة
الأمريكية فإن نسبة المصابين بالإيدز وعدد ضحاياه سيبقى ثابتًا في سنة 1991
الحاسمة." قد يعتقد المرء أن موضوعًا هامًا بهذا الحجم قد يحتاج إلى تنبؤات
جديدة في كل سنة ولم يكن من المتوقع صدور تنبؤات من الآن لغاية نهاية عام 1988
وذلك في أقرب وقت. إن مرض الإيدز قد يمثل الخطر الرئيسي في التسعينات وقد يخفف ذلك
بسرعة اكتشاف دواء ناجح له في المستقبل القريب. هذه آفة أخرى من آفات الحضارة
الغربية وإن كان الجدل لا يزال قائمًا حول مصدرها؛ هل هي القرود الأفريقية أو أثر
بعض الأسلحة الجرثومية التي وقع تسربها أم هو عفن الجنس والمخدرات؟ ولا بد أن يشكل
مرض الإيدز هاجسًا أمريكيًا آخر باعتبار أن أمريكا ضربت الرقم القياسي في الإصابة
بهذا المرض المعدي والمميت حتى الآن.
5. قدوم أزمة نفطية: "فقد رجع الخطر فلم
يرد ذكر أزمة اقتصادية أخرى مماثلة لصدمتي السبعينات وقد ارتفعت الأصوات في عام
1986 معبرة عن الخوف مع ارتفاع أسعار النفط وانخفاض الإنتاج المحلي، ومن بين
الاهتمامات حول هذا الموضوع بروز نوعين إضافيين من المخاوف على الطاقة: احتمال
حدوث نقص الكهرباء في أمريكا والأزمة الحالية المتمثلة في نقصان الطاقة الحرارية
لدى الكثير من سكان العالم الثالث." هذا الهاجس النفطي يتنزل في قلب الحرب
النفطية والحرب الاقتصادية التي تشنها القوى الغربية منذ السبعينات والتي نجحت
فيها إلى حد بعيد عندما أوصلت ثمن برميل النفط إلى أقل من عشرة دولارات بعد أن كان
أربعين دولارًا. والسؤال الذي يطرح نفسه ماذا تريد أمريكا بعد من الدول النفطية في
العالم الثالث؟ ولماذا لا تنظر إلى هذه القضية إلا من زاوية مصلحتها دون اعتبار
لمصلحة الآخرين؟
6. عدم المساواة / الفقر: "يزداد الاهتمام
في بعض المناطق حول تقلص الطبقة المتوسطة في أمريكا وازدياد الفجوة بين الأغنياء
والفقراء، ويأخذ الفقر ثلاثة أشكال غير مقبولة في نظر الأمريكيين وتتمثل في عدم
إتاحة فرص متساوية للجميع للحصول على عناية طبية (راجع بند 7 أدناه) والعدد الكبير
من الجائعين والعدد المتزايد (؟) من المتشردين (راجع ذلك حول موضوع التشرد وعدم
توفر السكنات)." الخوف الأمريكي ليس على الشعوب الفقيرة المكبلة بالديون
والتي تعاني من نظام اقتصادي عالمي مجحف بحقها، ولكنه خوف من اتساع الشقة بين أغنياء
أمريكا وفقرائها، وكان النظام الاستغلالي الذي يحكم علاقات أمريكا ببقية شعوب
العالم يحكم أيضًا علاقات الأمريكيين فيما بينهم، ولا أدل على ذلك من تزايد أعداد
المتشردين المتسكعين الذين لا مأوى لهم وأعداد الجائعين الذين لا يجدون ما يسد
الرمق وأعداد المرضى الذين لا يجدون ثمن العلاج.
7. تكاليف الرعاية الصحية: "كانت تكاليف
الرعاية الصحية في أمريكا تمثل 5.3% من مجموع الدخل القومي عام 1960، ثم ارتفعت
إلى 7.4% في عام 1970 وفي عام 1987 أصبحت تقدر بنسبة 11.4% من الدخل القومي التي
لا تتناسب مع نمو الدخل القومي وتطرح كذلك مسألة من سيدفع النفقات الصحية الرئيسية
لقد صارت بسرعة مسألة رئيسية إلى جانب النفقات التي تتعلق بمكافحة الإيدز. فقد
تكون هذه النفقات عاملًا وطنيًا رئيسيًا في التسعينيات." هذه من زاوية
أمريكية بحتة فالاهتمام منصب على الكلفة وعلى من سيدفع، وفقدت القضية جانبها
الإنساني كما هو الشأن بالنسبة لمجمل القضايا الداخلية الأمريكية.
8. عدد سكان العالم: "ولقد جاوز مجموع سكان
العالم خمسة بلايين نسمة في عام 1987 وقد تصل إلى ستة بلايين في عام 1998 حيث أنه
من المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 10 بلايين في نهاية القرن الحادي والعشرين. وقد
ظهرت تأثيرات سوء استخدام الموارد وخاصة في العالم الثالث." مرة أخرى النظرة
إلى هذا الموضوع نظرة أحادية من وجهة نظر أمريكية وغربية عمومًا تربط بين كم
السكان وكم الموارد دون اعتبار لأية عوامل أخرى يرى المناهضون لسياسة الحد من
النسل أنها تغير المعطيات تغييرًا جذريًا وتقلب المعادلة رأسًا على عقب.
9. الأطفال: "إن درجة الاهتمام بهذه
المسألة تتقلب دائمًا حيث أنه في بداية عام 1985 كان هناك اهتمام بمسألة سرعة
النمو أو اختفاء ملامح الطفولة، وتحول هذا الاهتمام إلى التركز على مسائل الإهمال
أو سوء المعاملة وقد تحول التركيز مؤخرًا إلى ظاهرة الحمل في سن المراهقة أو إنجاب
الأطفال في هذه السنين الأمر الذي سيطيل من بقاء مشاكل الأطفال المستفيدين من
الخدمة الاجتماعية بدون حل." لا يتعرض هذا التقرير إلى أطفال العالم الثالث
الذين يموتون بأعداد كبيرة وتحصدهم الأوبئة في كثير من الأقطار وإنما يتعرض إلى
ظاهرة غربية أمريكية بالدرجة الأولى أفرزتها حضارتهم وهي الحمل والإنجاب في سن
المراهقة وما يترتب على ذلك من مشاكل، وهذا طبعًا لأن موت أطفال العالم الثالث
وسوء حالتهم لا يعني شيئًا بالنسبة لأي مخطط أمريكي.
10. عدم استقرار في المكسيك: "وفيما يبدو فإن
المكسيك تقع على شفا حفرة من الأزمات على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي،
وعند انفجار هذا البركان الاجتماعي فإنه قد يكون له تأثيرات في أمريكا وخاصة في
الجزء الجنوبي الغربي. ولكن قد يستمر هذا البركان على هذه الحال بدون
انفجار." إنه لأمر مفهوم أن تستحوذ المكسيك دون سواها على حيز من الاهتمامات
الأمريكية وأن تتعلق أنظار الأمريكيين بما يجري فيها من أحداث. أليس الامتداد
الجغرافي الطبيعي للولايات المتحدة الأمريكية وما يحدث فيها لا بد أن يكون له أثر
سلبًا أو إيجابًا على مجريات الأحداث في الولايات المتحدة الأمريكية.
أمور أخرى:
إن المخاوف
الخمسة الأخيرة متقاربة نسبيًا في درجة خطورتها بينما تستحق أربعة أخرى الذكر حيث
أن أيًا منها يمكن أن يترأس القائمة (وقد يقول كثير من الناس إنها ترأستها منذ مدة
طويلة). إن كثيرًا من الدول الأفريقية تنزلق إلى الوراء اقتصاديًا وسوف تستمر هذه
الدول على هذه الحالة في المستقبل القريب مع انقضاض مرض الإيدز. وقد انتشرت بسرعة
مشكلة دواء يقضي على هذا المرض وذلك في بداية عام 1988. وبالمقابل فإن هذا زاد
بالطبع من عبء "نظام الحكم الجنائي" وختامًا فإن مستويات البطالة أخذت
في الانخفاض في أمريكا ولكن مشكلة التعطيل عن العمل ستظل قائمة في كل من أمريكا
ودول العالم.
إن ما تقدم ليس
سوى جولة سريعة جدًا حول تقرير واحد لمؤسسة أمريكية واحدة من مؤسسات علم المستقبل،
ولا شك أننا لاحظنا أن المنطلقات الأيديولوجية والسياسية تكتنف هذا التقرير وتحيط
به من كل جانب. فالقضايا أمريكية بالدرجة الأولى والهموم والآمال أمريكية بالدرجة
الأولى أيضًا، ولكننا نقول ما أحوجنا نحن المتخلفين عن الركب إلى التخطيط
لمستقبلنا على أسس علمية وانطلاقًا من مفاهيمنا وقيمنا وتراثنا. ما أحوجنا إلى
النظرة العلمية للمستقبل والدراسات المستقبلية التي ترشد مسيرتنا ولا يدخل علم
المستقبل كما قد يتبادر إلى أذهان البعض ضمن الغيب فالغيب شيء والبحث العلمي شيء
آخر وعلم المستقبل يدخل ضمن البحث العلمي وبالتالي فهو الاجتهاد الذي نحن مطالبون
بالأخذ به. وما تخلفنا إلا لأننا تركنا الاجتهاد وزهدنا في البحث العلمي بل وزهدنا
حتى في تعلم القراءة والكتابة، وكم يسوءنا أن نعرف أن الدول الإسلامية هي صاحبة
الرقم القياسي في ارتفاع نسبة الأمية وبالخصوص في العالم العربي إذ تبلغ هذه
النسبة 57% حسب ما جاء في إحصائيات اليونسكو. فما أغرب أمرنا ونحن نردد ليلًا
ونهارًا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق:1)، ونصف عددنا لا يعرف
القراءة في نهايات هذا القرن.