; المسجد الأقصى | مجلة المجتمع

العنوان المسجد الأقصى

الكاتب عبد الله بن عبد الرحمن السند

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1972

مشاهدات 176

نشر في العدد 104

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 13-يونيو-1972

المسجد الأقصى

بقلم: الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السند

المسجد الأقصى هو أولى القبلتين، وثالث الحرمين، ومسرى رسول رب العالمين، الذي قال صلى الله عليه وسلم «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى».

إن كثيرًا من الناس يفهمون البركة حول المسجد الأقصى، بكثرة الثمار والزرع ووفرة الأرزاق، وغيرها مما تغل تلك الأرض الطيبة الخصبة، وإذا كانت هذه وأمثالها من النعم المادية خيرًا لا مرية فيه وبركة لا شك فيها.

وإن البركة الحقيقية في يقظة القلوب المؤمنة بالله، المتفتحة للحياة المتجاوبة مع الإصلاح، الآخذة بنواميس الترقي، الصاعد بقواها إلى أعلى تلك القلوب، التي تقتبس أنوارًا من ماضيها، الذي كان يسود الدنيا ويقودها بالعدل، وتمد بحيويتها حاضرها الذي غدا حاضرًا يلفت الدنيا، ويملؤها بالإعجاب وتتجه في قوة مستقبلها، التي نرجو أن يكون مسايرًا للحاضر في عزته ومجده، تلك هي البركة التي يعنيها القرآن الكريم.

إذ لا خير في نبت ولا زهر ولا في حب ولا ثمر ولا في درهم ولا دينار، إذا رزئ الإنسان في قلبه، وأصيب في لبه، أو نكب في عقيدته الدينية وأخلاقه الفاضلة.

ليس فينا من لم يسمع بالنكبة الأخيرة التي نكب بها العرب المسلمون على يد اليهود، وليس فينا من لم تهزه هذه النكبة، وقد احتار الكثيرون في تفسيرها، لما انطبع في أذهانهم عن خسة اليهود وجبنهم وضعفهم، فكيف تنطلق الأيدي المغلولة للفتك بالمسلمين العرب، الذين عرفهم التاريخ أبطال الوقائع بمثل هذه الصورة، وكيف يمكن أن تنهار أمامهم جبهات العرب المسلمين خلال فترة لا تذكر، يقول الذين اعتادوا أن يفسروا الأمور تفسيرًا ماديًا بأن السبب هو المباغتة.

 فالعرب لم يكونوا يتوقعون الهجوم حتى وقع، وتاريخ الإسلام يأبى هذا التفسير، فكم من مرة بوغت المسلمون من قبل أعدائهم، ومع ذلك كان النصر حليفهم!، ويقولون أيضًا كثرة عدد العدو هي التي أدت إلى الهزيمة، ويستطيع المطلع على تاريخ الإسلام أن يقرر بمليء فيه، بأنه ما في معركة من معارك الإسلام الماضية، كان المسلمون فيها أكثر من عدوهم عددًا أو عدةً، بل كانوا على الدوام أقل من عدوهم في العدد والعدة، ومع ذلك لم يتخلف النصر عنهم مرة واحدة لهذا السبب، إن لوقوع النكسة بشكلها الفظيع الذي عرفتموه سببًا واحدًا لا ثاني له، وهذا السبب يلخصه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقوله الذي أخرجه الإمام أحمد عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت.

نعم.. إن السبب الوحيد للهزيمة هو حب الدنيا وكراهية الموت، أتعلمون كيف يهيمن حب الدنيا وكراهية الموت على القلب؟! إنه يهيمن عليه حين يفقد الإيمان فبمقدار ما ينقص من الإيمان، يزداد حب الدنيا وتزداد كراهية الموت، وبمقدار ما يقوى الإيمان ويزداد، يضعف حب الدنيا وتقل كراهية الموت.

اسمعوا إلى قادة المسلمين كيف يخاطبون أعداءهم دائمًا: جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة، وكيف لا يحب المؤمن الموت والموت باب إلى الجنة؟! اسمعوا إلى ذلك المؤمن، الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السبيل إلى الجنة، فأجابه الرسول الرحيم: أن تقتل هؤلاء ويقتلوك، فيندفع الرجل وهو يقول: إني لأشم ريح الجنة من وراء أحد بمثل هذه الروح، كانوا يقاتلون ولذلك لم يكن يقف لهم شيء.

النكبات التي مرت بنا كثيرة منذ ابتعدنا عن الإسلام، ولعل هذه النكبة من أقساها، فقد فقدنا فيها مسرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأولى القبلتين وثالث المساجد، التي نشد إليها الرحال، فدعوا اللهو والعبث، واتركوا سفاسف الأمـــــــــــــور وأدركوا سبب الفشل، لتتمكنوا من معالجته.

إن مما يؤسف له أن الكثير من أصحاب الأمر والرأي في بلاد المسلمين، ما زالوا بعيدين كل البعد عن أسباب النكبة وإدراك عواملها، وما زالوا على سياستهم قبل النكبة.

إن السبيل الوحيد إلى النصر هو أن نعود الى إيماننا وإسلامنا، وأن نحقق معنى الإيمان وأحكام الاسلام في مجتمعنا، وحينئذٍ يتم لنا وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله!» رواه مسلم.

الرابط المختصر :