; المجتمع الثقافي (العدد 1613) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1613)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 13-أغسطس-2004

مشاهدات 62

نشر في العدد 1613

نشر في الصفحة 50

الجمعة 13-أغسطس-2004

المسجد: دوره ومكانته في موضوعات القصة الإسلامية المعاصرة

يحيى بشير حاج يحيى

حفلت السيرة النبوية والأحاديث الشريفة بالحديث عن المسجد، فعُرف دوره داراً للعبادة والقيادة، ومكاناً للقضاء بين الناس، ومركزاً لانطلاق الجيوش ومدرسة للعلم والتعليم، ونادياً للحوار والمذاكرة... واستمر يؤدي مهمته في مختلف العصور كما في الأزهر الشريف وجامع الزيتونة، ومسجد بني أمية، وكثير من المساجد، فقد كانت مراكز إشعاع وقاعات مؤتمرات وأندية مباحثات تدرس فيها أوضاع الأمة، ويتخذ فيها أهم القرارات في حياة الأمة واقعاً ومستقبلاً.

 وقد أبرزت القصة الإسلامية المعاصرة هذا الدور، ووضحت مكانة المسجد في حياة المسلمين. فبقي المسجد في ذاكرة القاص المسلم يستلهم من روحانيته، ويستمد من إشعاعه ويعكس أثره في حياة الفرد والجماعة مجاهدين ينطلقون من ساحاته، وتائبين يتأوهون في محرابه وعلماء يصدعون بكلمة الحق فوق منابره، ودعاه بهزون أعماق الشاردين بمواعظهم وإرشادهم وشباباً يؤوبون بعد أن انغمسوا في ملذات الحياة، حتى لیکاد تيارها يدفعهم إلى الأعماق لولا نقطة الضوء التي غرسها المسجد في قلوبهم تضيء لهم طريق العودة والفرار إلى الله.

 ويظل المسجد رمزاً للطهر، وعنواناً لمواجهة وثقة الشيخ به، فينفجر غاضباً، يركل الطاولة ويمضي يحث الخطى إلى المسجد، ليصل إليه وقد أديت صلاة العشاء، والشيخ لا يزال في مكانه، كأنه ينتظره، وتتحول الكلمات إلى دموع وهو يستمع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾ (طه: 82).

 وفي قصة فلا تنس الله لليلى الحلو يصبح المسجد ملاذاً تلوذ به وقد داهمها السرطان، وهي في بلا الغرب واستولى عليها الرعب، ولكن الله فتح لها باب اللجوء إليه، والتوجه بالدعاء فتسافر إلى مكة المكرمة لأداء العمرة، وتنقطع للصلاة والدعاء وتلزم الحرم وتكثر من شرب ماء زمزم فتحس بانشراح الصدر وإشراق الإيمان في قلبها، ويمن الله عليها بالشفاء وهي في حرم مكة وتعود إلى الغرب، ويشك الأطباء أنها المريضة التي كانت تتردد عليهم من قبل. 

وفي أقصوصة نور من المحراب من مجموعة يا أيها الإنسان ليوسف العظم حديث عن رجل قوقازي مهاجر مستمسك بدينه، يحرص على ابنه الذي ينحرف فترة من الزمن، ثم يؤوب إلى الله... وفي المسجد يكون اللقاء، فقد اصطف المصلون وراح صوت الإمام رخيا نديا ﴿۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53).

 وختمت الصلاة... وكانت مفاجأة للأب؛ إذ كان الذي يجاوره ابنه. وعقدت الدهشة لسانه فأمسك الشاب بيد أبيه يغسلها بدموع التوبة والندم، ليقول أبي.. لقد أمضيت ليلة البارحة هنا في عتمة الليل... وصمت المحراب.. لقد عدت يا أبي.

نعم يا أبي.. لقد عدت إلى الله.. 

كما يبرز المسجد بوصفه منطلقاً للجهاد يتربى فيه الشباب على التضحية والفداء لينطلقوا في سبيل الله كما انطلق أسلافهم يواجهون الظلم بأشكاله وأنواعه وتجلي القصة الإسلامية هذه الحقيقة من خلال أعمال متعددة ففي رواية الإعصار والمئذنة، يتحدث الدكتور عماد الدين خليل عن المواجهة بين الشيوعيين ومدينة الموصل في عهد عبد الكريم قاسم فاتخذ المؤلف من المئذنة رمزاً لصمود المدينة المجاهدة في وجه الإعصار المخرب، إذ انطلق الشيوعيون آنذاك يقيمون المجازر. وينصبون المشانق على أعمدة الكهرباء وأشجار الشوارع؟ فربط بين بطل الرواية هاشم الذي سقط من شدة التعذيب، وهو يختلج والابتسامة على شفتيه، وسبابته تنطلق من أسر القبضة لكي ترتفع قليلاً، وبزاوية مائلة صوب السماء وبين المئذنة التي ترمز إلى الإسلام الذي يتعرض للمحن والنكبات، ولكنه يظل كمآذن مساجده صامداً ناهضاً في وجه الأعاصير.

 وها هي ذي «فاطمة، في أقصوصة بقعة الضوء من مجموعة المطر المرء لمحمد حمدان السيد، تحمل عبء المواجهة في الدفاع عن المسجد الإبراهيمي الذي دنسه الاحتلال، ووقف جنود البغي على أبوابه يهددون الداخلين إليه الجنود الغرباء القساة يمرحون ويعربدون في ساحاته، والرجال يطأطئون الرؤوس ويرفعون الأيدي للتفتيش.

 تحسست فاطمة محفظتها، وأسكتت كل نداء للبقاء، فشدت طرفي غطاء رأسها على عنقها جيداً، وهي تتقدم بخطوات ثابتة وتيدة، واستلت من كمها سكيناً، وتعلقت بعنق الجندي صائحة لقد دنستم المكان يا أوغاد أما أن لكم أن ترحلوا؟ خذها من يد فاطمة ... وطعنته في عنقه، وترنج الوغد تحت وطأة جراحه وراح يخور بصوت أجش والتفت الناس وقد سمعوا صوت طلقات ليروا امرأة تغرغر بالروح وهي لا تزال تنشبت بعنق الجندي المطعون كانت فاطمة تهمس بصوت لا يكاد يسمع ماذا فعل الوغدة مشيرة إليه ثم تتمتم: سمية كانت شهيدة اليس كذلك؟

 وفي أقصوصة متى تعود الطيور المهاجرة؟ يدير محمد السيد في مجموعته شاطئ الرؤى الخضرة حديثاً بين المدينة المقدسة، ومنبر صلاح الدين، فالمدينة تتطلع إلى جنده، تترقب قدومهم والمنبر يقف شامخاً في حزن؛ إذ لا يجد الرجال الذين عرفهم من قبل، وأما المدينة فيكاد صبرها ينفد، وهي تتساءل: متى سيحين الوقت الذي نخلص فيه من المحنة، ونفك القيد الذي كبلنا كل هذه السنين؟ ليجيب المنبار عندما تلد الكتيبة، ويصبح الموت جرعة شراب مريئة تزغرد لها النساء، ويطلبها الرجال عندما. يجتمع الصف إلى الصف، ويعضد الساعد، ويرفرف فوق كل ذلك روح صلاح الدين ورايات عمر وشعارات قُطز.

 وإذا كان الكاتب قد أنطق الجماد فهو لم يبعد كثيراً. فللمنابر قلوب وللمدن مشاعر وتبدل القاطنين لا يفتر من واقعها شيئاً، فكيف إذا تبدل عزها ذلاً؟ وشموخها انكساراً؟ وطهرها دنساً؟ إنها جماد ولكن تحن إلى سابق عهدها المجيد، ومن قبل قال رسولنا : أحد جبل يحبنا ونحبه. على الرغم من الجراحات وفقد الأحبة. 

لقد أخذ المسجد حيزاً لائقاً في موضوعات مكانته القصة الإسلامية المعاصرة يتناسب مع. ودوره في حياة المسلمين وهو دور لا يزال يتجدد ويمتد، ولعل الانتفاضة التي انطلقت من رحابه كانت أصدق تعبير كما أن فتيانها كانوا أجمل بشارة في ليل الإحباط البهيم!.


شعر محمد أبو دية                       واحة الشعر

تبت يداك

تبت يداك ولا كرامة.. ولا سلام ولا ابتسامة

تبت يداك وشلتا وعليك صاعقة الملامة

شيطانك الفتان راض عنك يهديك احترامه

وخسئتما وعليكما غضب الإله إلى القيامة

نحن الشباب المؤمنون ولا نخاف من الوعيد

نحن الكماة وجدنا عمرو القنا وابن الوليد

السور لن يحميك والكلب المدرب والحديد

كلا ولا الموساد والجاسوس ذو الطبع البليد

لله در شبابنا والنصر في ركب الشبيبة

قالوا: ربوع القدس نهواها وتهوانا الحبيبة

أزهارها عطر وعشب جبالها، وهي الخصيبة

 وعدوها ويل له يغشاه زلزال الكتيبة

نحن الفريق الفائزون وأمنا أم ولود

 لن نستقيل من الجهاد ولن نسلم لليهود

لا تنحني هاماتنا إلا لمن شرع السجود 

الحق غاية شعبنا وجنودنا خير الجنود

أطفالنا كبروا وقد هجروا الملاعب والمنام

 وضعوا اللثام وأقدموا نحو الذي كسر العظام

قالوا له: نغزوك في وضح النهار وفي الظلام 

فندك رأسك والعظام ولا نخاف من الملام

تبت يدا من يذبح الأطفال في بلد السلام 

ويدوس فوق ورودنا ويبــيــد أسراب الحمام

السم في أنيابه وحديثه سُم الكلام

 لكن شعب القدس لن يرضى بغير الانتقام

المعتدي هدَّ المنازل، هدد البيت المقدس

 وأخوه شيطان الضلالة ناشط في الصدر وسوس

وأتى بكل مغامر ومدنس والليل عسعس

 لكنَّ نور الفجر حول المسجد الأقصى تنفس

لبث قليلا يا بن صانعة المجازر والفتن

 الرعب يسكن قلبك الخاوي وفيروس العفن

في الحرب يصبر إخوتي والصبر مصباح الزمن

 وأحبتي في القدس أحرار وما باعوا الوطن

هتف الشباب ورددوا جند الفدا لن نستكين

 كلا ولن نرضى بحكم الجائرين المفسدين

مستمسكون بحقنا، ونحب نهج الصالحين 

سنحرر الأوطان من عكا إلى طور السنين

ارحل بعيداً عن جبال القدس يا وجه الخراب

 أنت الغراب تقود شعبك للمهالك يا غراب

 تبت يداك وشلتا ولسوف يغلبك الشباب

 لتعود منبوذاً صغيراً تحت مطرقة العذاب

الرابط المختصر :