العنوان المسلمون السوفييت بعد زوال الإمبراطورية السوفيتية
الكاتب رجا إحسان عزيز
تاريخ النشر الأحد 26-يناير-1992
مشاهدات 157
نشر في العدد 986
نشر في الصفحة 24
الأحد 26-يناير-1992
يتراوح عدد المسلمين في الاتحاد السوفيتي القديم ما بين 70-
75 مليون مسلم من بين عدد السكان البالغ عددهم 300 مليون نسمة مما
يعني أنهم يمثلون ثاني أكبر مجموعة بعد الجماعات الروسية (داخل وخارج الاتحاد
الروسي)، ويقطن ما يتراوح بين 50- 55 مليون مسلم الجمهوريات
المستقلة في شرق آسيا، حيث إحداها قوقازية وسبع أخرى تتمتع بحكم ذاتي داخل الاتحاد
الروسي.
ويمثل المسلمون جماعة متجانسة؛ حيث إنهم ينقسمون طبقًا لفروقات عرقية
ولغوية وحتى قبلية، ولم يكن هذا التقييم مسموحًا به في ظل النظام الشيوعي، غير
أنهم يشتركون في الهوية الثقافية والعقيدة الإسلامية واللغة الروسية ونمط الحياة
السوفيتي والمعاناة المشتركة لوقوعهم تحت نير استعمار الإنسان الأبيض أو الأوربي
في ظل حكم القياصرة في الإمبراطورية الروسية.
وقد جاء تفكك الدولة السوفيتية في أعقاب تحولات تاريخية في شرق أوروبا
ودول البلطيق المستقلة، كما تزامن مع قيام الكومنولث للدول المستقلة، وكان هذا
التفكك نقطة هامة في تاريخ المسلمين السوفييت.
وكانت مواقف كل من الإمبراطورية القيصرية والروسية مليئة بالخداع
والخيانة وعدم الوفاء بالعهود، فهل ستسبب هذه التغيرات إلى تجافي المسلمين عن بقية
الاتحاد القديم؟ وهل تحث الجمهوريات المسلمة الخطى نحو الاستقلال التام والشامل
على غرار بقية البلدان المستقلة في إفريقيا وآسيا؟ وما هي السيناريوهات المتوقعة
لمستقبل المسلمين السوفييت؟ وكيف ستتعامل مع الاتجاهات المختلفة؟ إن مثل هذه
التساؤلات تستحوذ اليوم على هموم المسلمين السوفييت.
وقد ظلت الجمهوريات الإسلامية بعيدة عن حلبة الصراعات السلافية في
الاتحاد القديم بدءًا من النزاعات العرقية بين الجماعات السلافية إلى خلافة يلتسن
لغورباتشوف كآخر رجل قوي في موسكو. ومع أن رابطة الكومنولث هذه لم تتضح أسسها بعد
بأنها لا تمثل أي مركز وأن اختيار منسك «بيلوروس» كعاصمة لها من شأنها
أن تجردها من شبحي الإمبراطورية والشيوعية، لكن سيطرة يلتسين من جانب واحد وبشكل
يتسم بالتحدي لأسلحة الاتحاد القديم النووية والتقليدية يجعله ماسكًا فعلًا بزمام
ما كان يعرف بالجيش الأحمر.
إن الكومنولث الجديد يعكس معاهدة الاتحاد المقترحة من جانب غورباتشوف
يعوزه مرتبتي الدولة والوطن، إنه مجرد تجمعات ولا يمثل دولة أو اتحادًا على
الإطلاق.. بيد أنه طالما أن عاملي الضغط والسيطرة الاقتصادية (عملة
الروبل المشتركة) بيد يلتسين، فإن على الجمهوريات النائية والفقيرة أن تتوجه
إلى الاتحاد الروسي لضمان أمنها وبقائها الاقتصادي، وفي هذا الصدد فإن مصير ما
يسمى بالجمهوريات الأسوتية (المستقلة) لا يختلف كثيرًا عن مصير بعض
الجمهوريات في إفريقيا السوداء لما نالت من استقلال مهزوز في الستينيات كانت كافية
لكي تحيدها عن المقاومة الحقيقية من أجل نيل الاستقلال، وعلى الأقل فإنه إذا لم
يوجد هناك أي ميثاق مفصل وعادل ونافذ للكومنولث الجديد، فإن التأكيدات الروسية
بعدم سعيها نحو السيطرة على شركائها الصغيرات في الرابطة لا تقنع أحدًا.
أهدأ تفكك لإمبراطورية
وفي الواقع فإن الكومنولث الجديد ما هو إلا وسيلة مبتكرة بسرعة لتحقيق
تحول هادئ نحو مرحلة ما بعد زوال الاتحاد السوفيتي، والتي قد تكون مليئة
بالمفاجآت. ويبدو أن تحركات يلتسين ورابطة الكومنولث الجديدة تسعى إلى فرض السيطرة
الروسية على الإمبراطورية القديمة، وعلاوة على ذلك فإن سلام ورفاهية
حوالي 25 مليون روسي منتشرين في أرجاء الاتحاد القديم مهددان بالزوال
أيضًا.
ومن المتوقع أن تشهد في غضون العامين القادمين تفككًا هادئًا
للإمبراطورية.
بالطبع سيكون أهدأ زوال إمبراطورية شهده التاريخ؛ غير أنا إذا نظرنا
إلى الإمبراطوريتين الفرنسية والإنجليزية والإمبراطوريات الأخرى، فإنها كلها خلقت
مشاكل واضطرابات بعد زوالها. وفي هذا الصدد فإن الحالة الروسية أكثر خطورة نظرًا
لما تنطوي عليها من ماض حافل بالمجازر ونزيف الدماء، ولا داعي لذكر فداحة
الاضطرابات والمشاكل العرقية والاقتصادية والحدودية ومشاكل أخرى لا تعد ولا تحصى
مازالت قائمة فيما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي. وأقل ما يمكن قوله هو أن تلك
المشاكل بالذات من شأنها أن تؤرق يلتسين.
وقد يدفع التدهور الاقتصادي وفقدان المكانة الدولية الوطنيين الذين قد
وقفوا إلى جانب الشيوعيين ضد الديمقراطيين خلال محاولة الانقلاب الفاشلة في
أغسطس 1991 للقيام بتحدي القومية الروسية التي تمجد الأرض الأم
والتوسعية والسيطرة.. وفي الواقع فإن ذلك سيقلب كل الموازين.. وهل سيتحول يلتسين
إلى رهينة أو يضطر إلى التحالف مع الوطنيين في مساعيه لدعم الرابطة ومحاولاته
لتحقيق الاستقرار داخلها؟ غير أنه من المستبعد أن يحدث هذا الاحتمال.
عودة إلى الجمهوريات الإسلامية
دعنا نعود إلى الجمهوريات الإسلامية والتي تبين من خلال الاستفتاء
الذي أجري في العام الماضي أن معظمها تقع في قائمة الجمهوريات المحافظة، غير أنه
من المحتمل أن تتحول طاجكستان إلى قوة إسلامية حيث إنها مجاورة لأفغانستان، كما
أنها تأثرت كثيرًا بالجهاد الأفغاني.
ومن جانب آخر فإن أوزبكستان تسكنها أعلى نسبة من المسلمين من بين
الجمهوريات الإسلامية (21 مليون مسلم)، ويتخوف من الأوزبكيين نزعتهم للسيطرة، ذلك
أنهم يمثلون أقلية كبيرة داخل طاجكستان (23 بالمائة)، كما أن الخوف
من وجود أكبر للأوربيين له علاقة بارتفاع معدل الولادة لديهم، وهو أعلى معدل
في الاتحاد السوفيتي القديم؛ لأنهم يفتخرون بكثرة الأولاد وجمالهم.
أما كازاخستان فإنها تعتبر جمهورية إسلامية تبلغ نسبة السكان الروسيين
فيها 28% و6% أوكراني و42% من الكازاج و11% من بقية
القوميات الإسلامية.
كما تعتبر كازاخستان ثاني أكبر دولة تأتي بعد الاتحاد الروسي، ثم تأتي
قيرغيستان التي تبلغ نسبة السكان الروسيين فيها 25%، وتشترك كازاخستان
وقيرغيستان في الحدود الطويلة مع الصين، وتتراوح نسبة الأقليات المسلمة في بقية
الجمهوريات الإسلامية ما بين 7- 12 بالمائة، غير أن أذربيجان المجاورة
لإيران والتي تكون أغلب سكانها من الشيعة فإنها تقع تحت تأثير إيراني منذ الثورة
الإيرانية في عام 1979.
وهكذا فإن الجمهوريات الإسلامية الواقعة في شرق آسيا تسلك طريقًا وعرة
ومعقدة في مسيرتها الإسلامية، وإن حالة الجمهوريات الإسلامية التي تتمتع باستغلال
ذاتي أكثر تعقيدًا وتحتاج إلى دراسة مفصلة في المستقبل.
ومن المتوقع أن تكون هناك نهضة إسلامية في وسط آسيا، ولكن وجود نزعات
عرقية وقومية قد تكون عاملًا للفرقة كما حدث في أوزبكستان.
ويبدو أن جارات هذه الجمهوريات من البلدان الإسلامية مثل تركيا وإيران
وأفغانستان وباكستان، ومن بعيد الأقطار العربية، لا تمثل مرجعًا للتقدم من
الناحية السياسية لهذه الجمهوريات، ولذلك فإن انفتاحها نحو وسط آسيا قد يدفعها إلى
تنافس بناء مع بلدان آسيا الوسطى.
ومع انهيار الشيوعية فقد ساد الفراغ الفكري فيما كان يعرف بالاتحاد
السوفيتي، ومن المستبعد أن يملأ الديانة المسيحية الفراغ الروحي، ولذلك فقد أصبحت
هذه المنطقة خصبة لانتشار الإسلام في ربوع جمهوريات آسيا الوسطى ثم إلى الاتحاد
السوفيتي القديم، لذلك فإن الاشتراك في اللغة ووجود أقلية روسية قد تساعدان
في انتشار نور الإسلام إلى أقصى الشمال في عالمنا، وهذا يتطلب منا مزيدًا من
الدراسات المتواصلة وإمكانات لغوية وتحليلية كبيرة، الأمر الذي يناط بالمنظمات
الإسلامية.
|
تقدير عدد السكان ما بين 1990- 1991م |
|
|
الاتحاد السوفياتي القديم |
300 مليون |
|
الاتحاد الروسي |
150 مليون «82.6% روسي» «15% مسلم» |
|
أوكرانيا |
53 مليون «21 روسي» |
|
أوزبكستان |
21 مليون «10.8% روسي» 16.5 مليون |
|
أذربيجان |
7 مليون «8% روسي» «8% أرميني» |
|
كيرغيستان |
4.5 مليون «48 كيرغستاني» «26% روسي» |
|
طاجكستان |
5 ملايين «22.9% أوزباكي 10.4% روسي وأوكراني» |
|
تركستان |
4 ملايين «12.2% روسي» 8.5% أويسيكي |
|
بيلوريوس |
10.5 مليون «12% روسي» |
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل