العنوان المسلمون بين الفعل والانفعال
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-نوفمبر-1979
مشاهدات 55
نشر في العدد 458
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 13-نوفمبر-1979
الإسلام صالح لكل زمان ومكان
كيف يكون الماضي سلاحًا ذا حدين
عجلة الزمن هذه الأيام تدور بشكل لم يسبق له مثيل من قبل، تدور بشكل مريع مذهل بحسب متوالية هندسية، وهذه حقيقة لا تخيف الإسلام كدين وعقيدة؛ وذلك لأنه دين إلهي واقعي يستطيع أن يستوعب هذه الظاهرة، وأن يطوعها لصالحه وأن يفيد منها كل الفائدة وأكملها، إلا أن سمة أكثر المسلمين اليوم وفي كثير من الأحيان- مع الأسف- أن عجلة الزمن وأحداثه تسبقهم بأشواط وأشواط، وهم يركضون وراءها لاهثين بخطى بطيئة متقطعة، تمنعهم حالتهم اللاهثة من سلامة التفكير وجدية التخطيط، ووضوح الطريق وشمولية النظرة، فلا يصلون إلى هدفهم المرحلي إلا بعد فوات الأوان، حيث تتضاءل الفائدة من الوصول إليه أو تتلاشى كل التلاشي.
المشاغل والموانع:
هناك كثير من الموانع التي تمنعهم من تجاوز هذا الواقع غير الحميد، ومن هذه المشاغل التي تشغلهم عن مواكبة الأحداث وسبقها والتخطيط للمستقبل «الانشغال بالماضي»، الذي صار ورقة في كتب التاريخ. هذا ونحن لا نقول أن يسدل الإنسان الستار على الماضي بقضه وقضيضه وينساه، ولكننا نقول ألّا يعيش الإنسان في الماضي حتى ينسى وجوده وحاضره، ونقول ألّا يعيش الإنسان انتصارات الماضي حتى ينتشي انتشاء ينسيه ضربات الأعداء في الحاضر، ومشانقهم وسجونهم وسياطهم ووحشيتهم الحاقدة، ونقول ألّا يقف الإنسان المسلم عند أخطاء الماضي ومسائله الخلافية، ويجتر ما قاله القدماء فيها ويتمسك بحججهم ويزيد في عددها ويتحزب لفئة لم يعد لها وجود، أو لفلان الذي توفاه الله تعالى منذ مئات السنين.
هذه كلها سلبيات خطرة لا تعمي الإنسان عن رؤية الحاضر أو تعيقه عن الانطلاق نحو المستقبل فقط، وإنما تحطمه شر تحطيم لأنها دليل عقم شامل رهيب.
إننا لا ندعو إلى إهمال الماضي وإنما ننظر إليه بإيجابية مطلقة، إننا نأخذ منه العظات والعبر والأفكار، ونستفيد من أخطائه وصوابه، ونأخذ منه دفعة إلى الأمام؛ إذ نستلهم منه العزة والكرامة ونتجاوز كل ما من شأنه أن يزيدنا نحن- المسلمين- تفرقة وخلافًا وضعفًا.
ونستطيع أن نقول مطمئنين إن غير هذه النظرة الإيجابية نحو الماضي لا يمكن إلا أن يكون وراءها جهات مشبوهة بشكل أو بآخر، تنميها وتغذيها محاولة منها لوضع العصا في عجلات العربة لإيقافها، مثلها في ذلك مثل الوصي الخائن على أموال يتيم غني، فإنه ما يفتأ يحدثه عن كرم أبيه وغناه حتى ينسيه جوعه وواقعه الأليم، فلا يفكر بتغيير هذا الواقع أو الثورة عليه.
وجدير بنا أن نذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «فإن «لو» تفتح عمل الشيطان»، الذي قطع به الطريق على كل جدل بيزنطي لا فائدة منه البتة.
المسلمون والحاضر:
وبعد أن انتهينا من موضوع الماضي ومشكلاته نأتي إلى الحاضر الذي نحياه الآن صباح مساء، فإن عين المسلمين- قيادة وأفرادًا- ما ينبغي أن تغمض ولو لطرفة عين عنه أبدًا، وإنما يجب أن ينظروا إلى الحاضر نظرة فاحصة متيقظة محللة شاملة، تدرك ما وراء الأحداث وتربط بينها بفراسة المؤمن التي لا تخيب.
يجب أن يبحث المسلمون عن نقطة ضعف في خط دفاع أعدائهم وأن يكتشفوها، وأن يركزوا عليها تركيزًا شديدًا بكل قوتهم حتى يقتحموها ويتخذوها نقطة البدء الأولى.
ونقطة الضعف هذه، لا بد من وجودها أبدًا، وذلك لأن أعداءنا ليسوا معصومين عن الخطأ، على الرغم من تخطيطهم ودرايتهم وتبصرهم وذلك لأنهم بشر.
إن نقطة الضعف هذه أو نقطة البدء قد توجد في شرق العالم الإسلامي أو في غربه أو شماله، ويجب أن يركز المسلمون عليها بكل ما أتاهم الله تعالى من إيمان وإخلاص وفكر وعدد ومال، متجاوزين فوارق اللون والجنس واللغة، حاملين لواء لا إله إلا الله محمد رسول الله فقط، تاركين بقية الجبهات المنيعة إلى أن يقووا فإنها ستنضج ويحين قطافها.
وإننا لا نعني بترك بقية الجبهات الإهمال، ولكن شتان بين المناورة والتمويه وبين المواجهة الفعلية التي يحدد العدو زمانها ومكانها. وذلك لأن المواجهة الفعلية على جبهات متعددة واسعة مع عدو شرس قوي يختار ساعة الصفر ومكانها، ليست إلا معركة خاسرة ومجازفة مع احترامنا وتقديرنا لشجاعة المسلمين الذين يخوضونها.
وهذا التركيز على نقطة البدء الأولى يجب أن يوجد وذلك حتى لا تتناثر جهود المسلمين وإمكاناتهم، وإنما تتجمع في بؤرة واحدة يستحيل على الأعداء النيل منها أو الانتصار عليها، الأمر الذي يجعلها بداية الطريق إلى النصر بإذن الله تعالى.
المسلمون والمستقبل:
إذا كان الحاضر يسبق المسلمين بعامه فإن المستقبل أكثر سبقًا لهم. والمسبوق اللاهث الراكض لا يستطيع حل مشكلات الحاضر، فضلًا عن التفكير والتخطيط والإعداد اللازم السليم للمستقبل.
وإننا إذ نعيش في زمن متطور سريع مدهش، فإن ديننا ليس عاجزًا البتة عن مسايرة هذا التطور، وإنما يملك كل القدرة على مسايرته والإحاطة به والتخطيط له واحتوائه ولكن المشكلة فينا نحن المسلمين.
كيف ينبغي أن ننظر إلى ماضي المسلمين المجيد؟
إننا لم نعطِ هذه الدعوة الإسلامية ما ينبغي أن نعطيها من إيمان وإخلاص ووقت وجهد وتفكر وتدبر، مع أننا نقرأ صباح مساء قول الله تعالى في كتابه العزيز ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. (القصص: 77) فالأصل هو ابتغاء الدار الآخرة ثم لا ننسى حظنا من الدنيا، ولكننا لا نطبق هذه الآية الكريمة بعامة حتى صارت الدنيا أكبر همنا ومبلغ علمنا والعياذ بالله تعالى، وأصبحنا لا نعطي الدعوة إلا فتات الوقت والجهد والفكر والمال، وليس هذا هو الطريق فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله تعالى عليهم لم يقيموا بهذا دولة الإسلام، وإنما أقاموها بعد أن عاشوا الإسلام بكل جوارحهم وفي كل لحظة من لحظات حياتهم في صحوهم ومنامهم.
إننا نحن المسلمين يجب أن تجمعنا وحدة بشكل من الأشكال تجمع جمعًا حقيقيًّا أشلاءنا وفئاتنا على جميع المستويات من أعلاها إلى أدناها، ويصدر عنها خطة واحدة متكاملة مركزة لا تلهيها الأهداف الجانبية مهما كانت براقة، وإنما تسير نحو هدفها الأسمى وهو إقامة حكم الله تعالى على هذه الأرض، وهذه الخطة يجب أن تكون على مستوى العالم الإسلامي كله، ولمدة طويلة تقدر بعشرات السنين نتولى نحن- المسلمين- جميعًا تنفيذها خير تنفيذ.
وما ينبغي أن تكون هذه الخطة مرتجلة أو عامة أو تقليدًا لما عند الغرب أو الشرق من خطط، وإنما يجب أن تكون خطة حكيمة متدبرة، شاملة كاملة نابعة من عقيدة الإسلام وظروف المسلمين وواقعهم، وبتعبير آخر خطة تتصف بالأصالة الإسلامية المتميزة.
وهكذا يستطيع المسلمون أن يقفوا ضد مخططات أعدائهم ويهدموها على رؤوسهم ويردوها في نحورهم بمخططاتهم التي يضعونها ويخططونها بحيث تسبق مخططات الأعداء وتتجاوزهم.. وبهذا ينتقلون من الدفاع اللاهث الاعتباطي إلى الدفاع المطمئن المخطط له إلى الهجوم المركز، الذي هو أول طريق الانتصار وأساسه، أي بتعبير آخر ينتقلون من الانفعال الاعتباطي إلى الفعل الإيجابي وصدق الله تعالى إذ يقول في كتابه الكريم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (الأنفال: 60).